موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ - شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الثامن
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الدروس / شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الثامن
  
 
شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الثامن - بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ

بِسْمِ اللّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الِأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ.

قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ

عَنِ جَابَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنِهُمَا، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةَ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بْنِتُ عُمَيْسٍ فقَالَ: « اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي»، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ» حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا البَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلِمَا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ» فَرَقِيَ الصَّفَا حَتَّى رَأَى البَيْتَ فَاسْتَقَبْلَ الْقَبْلَةَ، فَوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ»، ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، قَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الْوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعَدَتَا مَشَى حَتَّى أَتَى الْمَرْوَةَ فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا.... -فَذَكَرَ الحَدِيثَ- وَفِيهِ: فَلِمَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوَا إِلَى مِنًى، وَرَكِبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلًا، حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بْنِمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءَ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقَبْلَ الْقَبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَدَفَعَ وَقَدْ شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ»، وكُلِمَا أَتَى حَبْلًا مِنْ الْحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلًا حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ فَصَلَّى بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضْطَجَعَ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ، وَصَلَّى الْفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَشْعَرَ الْحَرَامَ فَاسْتَقَبْلَ الْقَبْلَةَ فَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جِدًّا فَدَفَعَ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ مِثْلُ حَصَى الْخَذْفِ، رَمَى مِنْ بَطْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمَنْحَرِ فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ(1). رَوَاهُ مسلم مطولًا.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ

أَمَّا بَعْدُ:

فَهَذَا الحَدِيث الَّذِي مَعَنِا دَلَّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ يَكُونُ بَعْدَ الطَّوَافِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ ثُمَّ سَعَى وَبِاسْتِقْرَاءِ حَجَّتِهِ وَعُمَرِهِ عليه الصّلاة والسَّلَام ثَبَتَ أَنَّهُ لَمْ يَسْعَ قَبْلَ الطَّوَافِ، وَهُنَا سَعَى بَعْدَ الطَّوَافِ وَقَالَ: «خُذُوا عَنِي مَنَاسِكَكُم» وَمِنْ هُنَا ذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلِمَاءِ وَمِنْهُمُ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ، بَلْ حَكَاهُ الِمَاوْرْدِي إِجْمَاعًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ السَّعْيُ إِلَا بَعْدَ الطَّوَافِ، سَوَاءٌ كَانَ هَذَا الطَّوَافُ طَوَافَ قُدُومٍ، أَوْ طَوَافَ عُمْرَةٍ، أَوْ طَوَافَ حَجٍّ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافٍ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ إِلَيْهِ جَمَاعَاتُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الحَدِيثِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَي عَطَاءٍ(2) إِلى أَنَّ السَّعْيَ يَصِحُّ قَبْلَ الطَّوَافِ؛ أَوْ يَصِحُّ -لَوْ لَمْ يَسْبِقْهُ طَوَافٌ- وَالَّذِينَ يَرَوْنَ هَذَا يَسْتَدِلُّونَ بِدَلِيلَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: مَا جَاءَ فِي « سُنَنِ أبِي دَأَوْدَ» مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ أَنَّ النَّبِيَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيْلَ لَهُ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَن أَطَّوَّف فَقَالَ عليه الصّلاة وَالسَّلَام: «افْعَلْ وَلَا حَرَجٌ»(3)؛ فَالنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ لَهُ أَنْ يَسْعَى قَبْلَ طَوَافِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ السَّعْيُ مَسْبُوقًا بِطَوَافٍ، لَكِنْ هَذَا الحَدِيثُ لَهُ جَوَابَانِ عِنْدَ أَهَلِ العِلْمِ:

الجَوَابُ الأَوْلُ: أَنَّ الحَدِيثَ -أَوْ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي هَذَا الحَدِيثِ- قَوْلُهُ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَن أَطَّوَّف، زِيَادَةٌ شَاذَّةٌ، تَفَرَّدَ بِهَا جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِي عَنْزِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ، وَالحَدِيث وَرَدَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَتْ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ، فَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ مِنَ الْحُفَّاظِ مِنْهُمْ: شُعْبَةُ والسُّفْيَانَانِ وَإِسْرَائِيلُ وَمِسْعَرٌ وَغَيْرُهُمْ، رَوَوْهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا رَوَاهُ أَسْبَاطُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ زِيَادٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ، وَلِهَذَا البَيْهَقِيُّ رَحِمَهُ اللهُ لَمَّا خَرَّجَهُ قَالَ: غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ جَرِيرٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ(4)، وَابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ ذَكَرَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ، أَمَّا ابْنُ خُزَيْمَةَ(5) فَقَدْ خَرَّجَ الحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَوَجَّهَهَا: بِأَنَّهُ يَجُوزُ، أَوْ يُجْزِئُ السَّعْيُ قَبْلَ الطَّوَافِ إِذَا كَانَ الِإِنْسَانُ جَاهِلاً أَوْ نَاسِيًا، لَكِنْ هَذَا فَرْعٌ عَنْ تَصْحِيحِ الحَدِيثِ، وَقُلْنَا إِنَّ الْحُفَّاظَ يَرْوُوُنَهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَهُمْ كَثِيرُونَ.

الثَّانِي: أَنَّ الخَطَّابِيَّ وَالبَيْهَقِيَّ وَغَيْرَهُمَا عَلَى افْتِرَاضِ صِحْةِ هَذَا الحَدِيثِ، يَقُولُونَ إِنَّ قَوْلَهُ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ -أَيْ: قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ طَوَافَ الإفَاضَةِ- وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَعَى مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَصَحَّ أَنْ يَكُونَ سَعَى قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ؛ لِأَنَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ يَلْزَمُهُ طَوَافٌ آخَرٌ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ، وَهُوَ مُفْرِدٌ أَوْ قَارِنٌ، والمُفْرِدُ والقَارِنُُ إِذَا طَافَ مَعَ طَوَافِ الْقُدُومِ سَقَطَ عَنْهُمَا السَّعْيُ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ.

هَذَا التَّوجِيهُ فِيهِ مَا فِيهِ، لَكِنَّ الحَدِيثَ لَا تَثْبُتُ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةُ.

وَالدَّلِيلُ الثَّانِي: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَائِشَةَ لَمَّا حَاضَتْ: «افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ»(6)، أَوْ « غَيْرَ أَنْ لَا تَطَّوَّفِي بِالْبَيْتِ» فَالنَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا أَنْ تَفْعَلَ مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ إِلَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ السَّعْيُّ، لِقَوْلِهِ « افْعَلِي ما يَفْعَلُ الْحَاجُّ» عَامٌ فِي غَيْرِ مَا اسْتُثْنِيَ، والمُسْتَثْنَى هُوَ الطَّوَافُ، فَدَخَلَ فِيهِ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ وَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَرَمْيُ الْجِمَارِ، فِعْلُ كُلَّ شَيْءٍ يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ إلا مَا اسْتُثْنِيَ ، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ إِذَا سَعَى، قَدِمَ إِلى مَكَّةَ وَسَعَى صَحَّ سَعْيُهُ، ثُمَّ يَأْتِي بِالطَّوَافِ بَعْدَ ذَلِكَ -يَعْنِى: لَوْ أَنَّ امْرَأَةً حَاضَتْ، قَدِمَتْ إلى مَكَّةَ فَسَعَتْ ثُمَّ أَتَمَّتِ الْمَنَاسِكَ، ثُمَّ طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ، يَنْطَبِقُ عَلَيْهَا هَذَا الحَدِيثُ- وَهِي هُنَا قَدَّمَتِ السَّعْيَ عَلَى الطَّوَافِ.

الجَوَابُ: عَنْ هَذَا أَنَّ هَذِه الرِّوَايَةَ الثَّابِتَةَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ)قَدْ جَاءَ مَا يُبَِيِّنُهَا، قَدْ ثَبَتَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِنْ حَدِيثِ جَابَرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا حَاضَتْ عَائَشَةُ قَالَ لَهَا: «اغْتَسِلِي وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ» فَفَعَلَتْ، وَوَقَفَتِ الْمَوَاقِفَ كُلَّهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةَ(7)، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَسْعَ وَهَى قَادِمَةٌ، لِأَنَّهَا لَمَّا حَاضَتْ، أدْخَلَتِ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ، فَصَارَتْ قَارِنَةً وَلَيْسَ عَلَيْهَا إِلَا سَعْيٌ وَاحِدٌ، فَهِي رَضِيَ اللهُ عَنْهَا سَعَتْ بَعْدَ الطَّوَافِ، أَيْ: جَعَلَتِ السَّعْيَ بَعْدَ الطَّوَافِ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ المُتَعَيِّنُ.

يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا صَحَّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ « مصنف ابن أبي شيبة» أَنَّهُ قَالَ: تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنَّهَا لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَلَا بِالصَّفَا والمَرْوَةَ(8)، فَهَذَا يُوَافِقُ مَا فَهِمَتْهُ عَائَشَةُ، أَوْ مَا فَعَلَتْهُ عَائَشَةُ رَضِي اللّه تَعَالَى عَنْهَا، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَا يَصِحُّ إِلَا بَعْدَ الطَّوَافِ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ بِخِلَافِهِ لَيْسَ لَهُ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَوْ صَحِيحٌ.

وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّه إِذَا سَعَى قَبْلَ الطَّوَافِ لَمْ يُحْتَسَبْ سَعْيُهُ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَوْجِيهِ هَذَا الحَدِيثِ، حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِي قَالَ افْعَلْ وَلَا حَرَجٌ، يَقُولُ هُوَ لَيْسَ كَلَامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَيْسَ هُوَ تَصْحِيحًا لِفِعْلِهِ، وَلَكِنَّهُ نَفَى الْحَرَجَ عَنْ فِعْلِهِ السَّابِقِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ إِنَّ نَحْرَكَ قَبْلَ الرَّمْيِ لَا حَرَجَ فِيهِ، لَكِنْ تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ أَنْ يَأْتِي بِالنَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ، لَكِنْ هَذِهِ الْإِجَابَةُ ضَعِيفَةٌ وَمِثْلُهَا الْإِجَابَةُ عَنْ هَذَا الحَدِيثَ: سَعَيْتُ قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ فَقَالَ: «افْعَلْ وَلَا حَرَجٌ»، أَيْ أَنَّ فِعْلَكَ السَّابِقُ: سَعَيْتَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ، لَيْسَ عَلَيْكَ حَرَجٌ فِي ذَلِكَ، لَكِنْ تَأْتِي بِالطَّوَافِ ثُمَّ بالسَّعْيِ، فَتُعِيدُ السَّعْيَ، كَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ: إنَّهُ مِنْ جِهَةِ الْحُكْمِ التَّكْلِيفِيِّ قَدْ انْتَفَى عَنْهُ الْحَرَجَ، وَمِنْ نَاحِيَة ِالْحُكْمِ الوَضْعِيِّ المُتَعَلِّقِ بِالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ يَجِِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُرَتِّبُ كَمَا رَتَّبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِأَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَتَحَدَّثْ عَنِ الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ، وَإِنَّمَا تَحَدَّثَ عَنْ رَفْعِ الْحَرَجِ، وَرَفْعُ الْحَرَجِ مِنْ بَابِ الْأَحْكَامِ التَّكْلِيفِِيَّةِ، وَالصِّحَّةُ وَالْفَسَادُ مِنْ بَابِ الْأَحْكَامِ الوَضْعِيَّةِ، لَكِنْ هَذَا لَمْ يَرتَضِِي بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ جَوَابًا.

وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّ تَقْدِيمَ السَّعْيِ عَلَى الْحَجِّ لَا يَصِحُّ؛ لِعَدَمِ ثُبُوتِ الدَّلِيلِ الدَّالِ عَلَى صِحَّتِهِ، سَوَاءً كَانَ عَدَمُ ثُبُوتِهِ لِبَعْضِهِ أَوْ لِعَدَمِ صِحَّةِ الاسْتِدْلالِ بِهِ، أَوْ لِضَعْفِ الاسْتِدْلالِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الحَدِيثُ صَحِيحًا.

وَكَذَلِكَ دَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّه يَجِبُ الْمُوَالَاةُ بَيْنَ الْأَشْوَاطِ فِي السَّعْيِ وَكَذَلِكَ الطَّوَافُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَى بَيْنَهَا وَلَم يُقَطِّعُهَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُوَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ، أَنَّهَا تَكُون مُتَتَابِعَةً لَا يَقطَعُهَا إِلَا لِعُذْرٍ وَكَانَ قَطْعًا يَسِيرًا فَإِنَّهُمْ يَتَرَخَّصُونَ فِيهِ، كَحُضُورِ الصَّلاةِ، أَوْ كَحَاجَةٍ تَعِنُّ لَهُ، يَحْتَاجُ إلى الذَّهَابِ إلى أَنْ يَشْرَبَ مَاءً، أَوْ يَسْتَرِيحَ قَلِيلاً، هَذَا يُرَخِّصُونَ فِيهِ، أَمَّا أَنْ يَقْطَعَ المُوَلاةَ بِشَيْءٍ كَبِيرٍ فَهَذَا يُوجِبُونَ عَلَيْهِ إِعَادَةَ السَّعْيَ، وَلَو أَنَّهُ قَطَعَهُ وَلَمْ يُعِدْ فَلَا سَعْيَ لَهُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَعْيِهِ وَطَوَافِهِ بِالْبَيْتِ فَعَلَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَالِيَهً.

فِي الحَدِيثِ أَيْضًا: فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، أَيْ: الذِّكْرُ المُتَقَدِّمُ، لَكِنْ هَلْ يَفْعَلُهُ فِي كُلِّ مَرَّةٍ إذَا رَقَي عَلَى الصَّفَا اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ ثَلاثًا وَقَالَ الذِّكْرَ وَالدُّعَاءَ، ثُمَّ إِذَا أَتَى الْمَرْوَةَ فَعَلَهُ، ثُمَّ إذَا رَجَعَ إِلَى الشَّوْطِ الثَّالِثِ يَفْعَلُهُ وَفِي الرَّابِعِ والسَّابِعِ، أَوْ أَنَّهُ فِي افْتِتَاحِ السَّعْيِ، أيْ فِي الْمَرَّةِ الْأُوْلَى عَلَى الصَّفَا وَفِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْمَرْوَةِ، ثُمَّ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَشْوَاطِ الْخَمْسَةِ البَاقِيَةِ؟

مِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ يَرَى هَذَا وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى هَذَا، لَكِنْ تَأْتِي رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ حُجَرٍ الْحَاكِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ قَالَ: فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا حَتَّى قَضَى طَوَافَه؛ أيْ كُلَّ مَا رَقَى عَلَى الصَّفَا رَفَعَ يَدَيْهِ، وَكُلَّ مَا رَقَى عَلَي الْمَرْوَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ(9).

وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ فِي (مستخرجه)، هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ تُبَيِّنَانِ أَنَّ الرَّفْعَ يَكُونُ فِي كُلِّ مَرَّةً، كُلَّ مَا صَعَدَ عَلَى الصَّفَا رَفَعَ يَدَيْهِ وَذَكَرَ وَدَعَا وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، وَكُلَّ مَا رَقَى عَلَى الْمَرْوَةِ رَفَعَ يَدَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَذَكَرَ اللَّهَ وَدَعَ(10) وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مُبَيِّنَتَانِ لِهَذَا.

ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى، وَهَذَا السَّعْيُ مَا حُكْمُهُ؟ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ أَوْ رُكْنٌ؟

جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ رُكْنِيَّةَ السَّعْيِ، يَرَوْنَ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ.

قَالَوا: لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعَى وقَالَ: « خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ»، ثُمَّ إِنَّه عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ « أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ»(11). وَهَذَا بَيَانٌ مِنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقُرْآنِ، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَائِشَةَ: «يُجْزِئُكِ طَوَافُكِ بِالبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»(12) هَذَا يُسْتَفَادُ مِنْهُ فَائِدَتَانِ:

الْفَائِدَةُ الْأُوْلَى مُتَعَلِّقَةٌ بِمَسْأَلَةٍ سَبَقَتْ وَهَيَ أَنَّ عَائَشَةَ طَافَتْ طَوَافاً وَاحِداً وَسَعَتْ سَعْياً وَاحِداً لِأَنَّهَا كَانَتْ قَارِنَةً، وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ؛ لِأَنَّهَا لَمَّا قَدِمَتْ إِلَى مَكَّةَ كَانَتْ حَائِضٌ، وَذُكِرَ أنَّهَا إِنَّمَا طَهُرَتْ فِي يَوِمِ عَرَفَةَ أَوْ فِي يَوِمِ النَّحْرِ، وَعَلَى هَذَا لَمْ تَتَمَكَّنْ مِنْ طَوَافِ الْقُدُومِ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ»،أَيْ طَوَافُ الإِفَاضَةِ، «يُجْزِءُ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْقُدُومِ لِلْقَارِنِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وإِلَا لَوْ كَانَ مُتَعَيِّناً لتَعَيَّنَ عَلَيْهَا بَعْدَ طُهْرِهَا، فَهُوَ يُجْزِئُهَا عَنْ حَجَّهَا وَعُمْرَتِهَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ لَا يَلْزَمُهُ إِلَا طَوَافٌ وَاحِدٌ وَسَعْيٌ وَاحِدٌ، وَهُنَا فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يُجْزِئُكِ عَنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، أَنَّهَا إِذَا لَمْ تَأْتِ بِالسَّعْيِ فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُهَا عَنْ حَجٍّ وَلَا عُمْرَةٍ، فَيَكُونَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ بَاطِلَيْنِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلُ الإِلْزَامُ، وَثَبَتَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) مِنْ حَدِيثِ عَائَشَةَ قَالَتْ: مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ امْرِئٍ وَلاَ عُمْرَتَهُ، لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، فَنَفَتْ أَنْ يَكُونَ حَجُّهُ تَامًا.

وَأَيْضًا ثَبَتَ فِي (الصَّحِيحَيْنِ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِل عَنْ رَجُلٍ اعْتَمَرَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ أَيَأْتِي أَهْلَهُ؟ قَالَ ابْنُ عُمَرَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَافَ بِالبَيْتِ وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا والمَرْوَةِ ثُمَّ قَصَّرَ، ثُمَّ تَلا ابْنُ عُمَرَ ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ(13).

وَسُئِلَ جَابِرٍ فِي هَذَا الحَدِيثِ فَقَالَ: لَا يَقْرَبْهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَمَعْنَاهُ أَنَّ عُمْرَتَهُ لَمْ تَتِمْ.

وَهَذِه جُمْلَةُ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ.

فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِنَّ اللّهَ تَعَالَى يَقُولُ:﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَ﴾ فَهَلْ هَذَا يَصِحُّ دَلِيلاً عَلَى أَنَّ التَّطَوُّفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ؟

نَقُولُ: هَذَا لَا يَدُلُّ، كَمَا قَالَتْ عَائَشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ لِأَنَّ عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ قَالَ لَهَا: إِنِّي لَأَظُنُّ رَجُلاً لَوْ لَمْ يَطُفْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مَا ضَرَّهُ، فَقَالَتْ لَهُ: وَلِمَا؟ فَقَالَ: لِأَنَّ اللّهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَ(14)، فَقَالَتْ: لَوْ كَانَ كَمَا تَقُولُ لَقَالَ اللّه تعالى: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَا يَطَّوَفَ، هُنَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِي رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ، فَالآيَةُ رَفَعَتِ الْحَرَجَ عَنِ الْفِعْلِ، وَلَوْ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لَرَفَعَ الْحَرَجَ عَنِ التَّرْكِ.

رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ لَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، ولَكِنْ يُنْظَر إِلَيْه مَعَ النُّصُوصِ الْأُخْرَى، قَدْ يَكُونُ مُبَاحًا، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا، وَقَدْ يَكُونُ مُسْتَحَبًا، لَكِنَّ الَّلَفْظَةَ بِذَاتِهَا لَا تُفِِيدُ أَنَّهُ مُبَاحٌ، وَأَمَّا رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ التَُّّرْكِ فَهِيَ تُفِيِدُ إِبَاحَتَهُ.

وَلِهَذَا يَقُولُ أَهَلُ الْعِلْمِ: إِنَّ رَدِّ عَائَشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا عَلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُبَيْرِ، فِِيهِ فِقْهٌ عَظِيمٌ لِأُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِي اللّهُ تَعَالَى عَنْهَا؛ لِأَنَّهَا فَرَّقَتْ بَيْنَ رَفْعِ الْحَرَجِ عَنِ الْفِعْلِ، وَرَفَعِ الْحَرَجِ عَنِ التَّرْكِ، فَالْأَوَّلُ لَا يُفِيدُ الإِبَاحَةَ، وَإِنَّمَا يُسْتَفَادُ حُكْمُهُ مِنَ الْأَدِلَّةِ الْأُخْرَى، والأَدِلَّةُ الْأُخْرَى دَلَّتْ عَلَى وُجُوبِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ، فَصَارَ مُتَعَيِّنًا، وَالثَّانِي رَفْعُ الْحَرَجِ عَنِ التَّرْكِ هَذَا يُفِيدُ الإِبَاحَةَ.

فَإِذَا قُلْتُ:لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ أَلَا تَصُومَ، فَقَدْ رَفَعَتُ الْحَرَجَ عَنْكَ.

يَقُولُ الْعُلَمَاءُ أَيْضًا: إنَّ هَذَهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سُؤَالٍ وَقَعَ، فَجَاءَ الْجَوَابُ مُطَابِقًا لِلسُّؤالِ، لِأَنَّهُ كَانَ هُنَاكَ صَنَمَانِ فِي الجَاهِلِيَّةِ أَحَدُهُمَا عَلَى الصَّفَا وَالْآخَرُ عَلَى الْمَرْوَةِ وَكَانُوا يَطُوفُونَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ تَحَرَّجُوا؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَنُفِيَ الْحَرَجُ عَنْ فِعْلِهِمْ فَجَاءَ مُطَابِقًا لِسُؤَالِهِمْ.

وَأَمَّا حُكْمُ السَّعْيِ فَيُؤْخَذُ مِنْ جَوَابِنَا.

وَإِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَفْهَمَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ: فَالعُلَمَاءُ يَقُولُونَ إنَّكَ إِذَا قُلْتَ لِأَحَدٍ: هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أُصَلِّيَ صَلَاةَ الظُّهْرِ؟ قَالَ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ، فَلَا يَقْتَضِي أنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ، وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ وَقَعَ مُطَابِقًا لِلْجَوَابِ. كَأَنْ تَسْأَلَ رَجُلاً: هَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أُصَلِّيَ صَلَاةَ الظُّهْرِ فِي هَذَا المَكَانِ؟ يَقُولُ: لَا جُنَاحَ عَلَيْكَ، أَيْ فِي هَذَا الْمَكَانِ، وَلَيْسَ المَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ صَلَاةَ الظُّهْرِ مُبَاحَةٌ إِنْ شِئْتَ فَعَلْتَهَا، وَإِنْ شِئْتَ لَمْ تَفْعَلْهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْجَوَابِ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ هَذَا مُسْتَفَادٌ مِنْ الْأَدِلَّةِ الْأُخْرَى.

ثُمَّ قَالَ فِي الحَدِيثِ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوَا إِلَى مِنًى،و(كَانَ) هُنَا تَامَّةٌ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالفَجْرَ ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.

هَذَا يَتَعَلَّقُ بِيَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ أَيَّامِ ذِي الْحَجَّةِ.

فَدَلَّ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ فَيُسْتَحَبُّ التَّوَجُّهُ إِلَى مِنًى قَبْلَ الظُّهْرِ حَتَّى يُصَلِّي صَلَاةَ الظُّهْرِ هُنَاكَ.

والثَّانِي: دَلَّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ، أَوْ اسْتِحْبَابِ أَدَاءِ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي مِنًى، وَهَذَا اتِّبَاعٌ لِلسُّنَّةِ.

قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ الصَّلاةُ فِي الْحَرَمِ أَفْضَلُ!

لَكِنْ فِي هَذَا الْيَوْمِ الصَّلاةُ فِي مِنًى أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهَا هِيَ السُّنَّةُ.

نَقُولُ: أَفْضَلُ صَلاةِ الْمَرْءِ فِي الْبَيْتِ إِلا الْمَكْتُوبَةَ.

لَوْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَتَطَوَّعَ فِي مَكَّةَ أَوْ فِي الْمَدِينَةِ مِنْ هَذِهِ المَسَاجِدِ التِي لَهَا فَضَائِلٌ، التَّطَوُّعُ فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ.

وَهُنَا نَقُولَ: إِنَّ الصَّلاةَ فِي مِنًى أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَكَّةَ أَفْضَلُ لَصَلَّى فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ، وَأَدَاءُ هَذِهِ الصَّلَوَاتِ فِي مِنًى سُنَّةٌ بِاتِّفَاقِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ.

قَوْلُهُ: ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.

أَيْ مَكَثَ بَعْدَ الْفَجْرِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَاتَ فِي مِنًى؛ لِأَنَّهُ صَلَّى فِيهَا هَذِه الصَّلَوَاتِ، وَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصَّلاةِ فِي مِنًى، والأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَبِتْ فِي مِنًى تِلْكَ اللَّيْلَةَ فَحَجُّهُ صَحِيحٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الْحَجُّ عَرَفَةُ»(15) وَالْحَجُّ عَرَفَةُ، إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تَفْهَمَهُ وَتَسْتَقِيمُ مَعَكَ النُّصُوصُ، فَهَذَا الحَدِيثُ لَا يُسْتَدَلُّ بِهِ دَائِمًا عَلَى إِبْطَالِ الرُّكْنِيَّةِ أَو الْوُجُوبِ، وَلَا يُؤْخَذُ بِهِ دَائِمًا عَلَى أَنَّ مَا قَبْلَ يَوِمِ عَرَفةَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَلَكِنْ يُقَالُ: الأَفْعَالُ قِسْمَانِ:

قِسْمٌ قَبْلَ عَرَفَةَ وَقِسْمٌ بَعْدَهَا.

فَالَّذِي بَعْدَ عَرَفةَ لَهُ أَحْكَامُهُ قَدْ يَكُونُ رُكْنًا وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ سُنَّةً، وَلِهَذَا مَا بَعْدَ عَرَفةَ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إِلَا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ، وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ لَا يُفْعَلُ إِلَا يَوْمَ النَّحْرِ -أَيْ: بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، بَعْدَ خُرُوجِ وَقْتِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ- وَمَعَ ذَلِكَ أَجَمْعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ، لَوْ تَرَكَهُ الِإنْسَانُ لَبَطَلَ حَجُّهُ بِالإِجْمَاعِ.

وَالإِجْمَاعُ مُنْعَقِدٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ فِي الحَجِّ:

عَلَى الدُّخُولِ فِي النُّسُكِ، وَعَلَى الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، وَعَلَى طَوَافِ الإِفَاضَةِ، هَذَهِ مُنْعَقِدٌ عَلَيْهَا الإِجْمَاعُ؛ لِأَنَّهَا أَرْكَانٌ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَا بِهَا، وَمَا عَدَاهَا فَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ بَيْنَ الرُّكْنِيَّةِ والوُجُوبِ والاسْتِحْبَابِ، عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي قُوَّةِ الْأَدِلَّةِ وَضَعْفِهَا وَفَهْمِهَا.

وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ». أَنَّ الأَفْعَالَ إِمَّا أَنْ تَكُونَ بَعْدَ الْحَجِّ أَوْ قَبْلَهُ، فَمَا كَانَ بَعْدَ الْحَجِّ فَلَا يَصِحُّ الاسْتِدْلالُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِرُكْنٍ لِحَدِيثِ «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وَلإجْمَاعِ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ وَهُوَ بَعْدَ عَرَفَةَ.

وَالثَّانِي: مَا كَانَ قَبْلَ يَومِ عَرَفَةَ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ:

قِسْمٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى رُكْنِيَّتِهِ وَهُوَ الدُّخُولُ فِي النُّسُكِ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا يَدْخُلُ فِي النُّسُك لَا تَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ أَصْلاً فَقَوْلُهُ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» لِمَنْ عَقَدَ الْحَجَّ، وَلِهَذَا لَوْ جَاءَ إِنْسَانٌ غَيْرُ مُحْرِمٍ وَدَخَلَ وَصَارَ بِعَرَفَةَ مِثْلَ الْبَاعَةِ ومِثْلَ بَعْضِ المَسْئُولِينَ فِي الجِهَاتِ، يَأْتِي غَيْرُ مُحْرِمٍ وَلَمْ يَنْوِ الْحَجَّ وَوَقَفَ بِعَرَفَةَ مَا صَحَّ حَجُّهُ، لَوْ وَقَفَ مِنَ الصَّبَاحِ حَتَّى طُلُوعَ الْفَجْرِ ثُمَّ قَالَ: سَأَنْوِي إِكْمَالَ الْحَجِّ، مَا انْعَقَدَ الْحَجُّ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ ... الحَدِيثُ لَا تَدْخُلُ فِيهِ أَصْلا، و «الْحَجُّ عَرَفَةُ»: أَيْ الْحَجُّ لِمَنْ دَخَلَ فِي الْحَجِّ.

الْقِسْمُ الثَّانِي: أَفْعَالٌ أَوْ أَعْمَالٌ مِنَ الْحَجِّ تُدْرَكُ بَعْدَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، مِثْلَ السَّعْيِ لِلْقَارِنِ وَالمُفْرِدِ، هَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْرَكَ، وَلِهَذَا لَمَّا حَاضَتْ عَائَشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «طَوَافُكِي بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا والمَرْوَةِ يُجْزِئُكِ عَن حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ»، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصّلاةُ وَالسَّلَامُ حَجَّ قَارِناً، وَطَافَ طَوَافَ الْقُدُومِ وسَعَي وَلَمْ يَتَحَلَّلْ، وَلَمَّا طَافَ يَومَ النَّحْرِ لَمْ يَسْعَ بَعْدَهَا، وَهُوَ قَارْنٌ وَعَائِشَةُ قَارِنَةٌ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يُتَدَارَكُ فِعْلُهُ بَعْدَ يَوِمِ عَرَفَةَ، هَذَا يَكُونُ حُكْمُهُ بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ.

والقِسْمُ الثَّالِثُ: هُوَ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَدَارُكُهُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي لَيْسَ بِوَاجِبٍ، مَثْلَ الْمَبِيتِ بِمِنًى لَيْلَةَ التَّاسِعِ، أَوْ مَثْلَ طَوَافِ الْقُدُومِ، هَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى لَيْلَةَ الثَّامِنِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ بِالإجْمَاعِ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْحَجُّ عَرَفَةُ»، وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ -أَيْ: فِي مُزْدَلِفَةَ- وَقَدْ كَانَ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّهُ، وَقَضَى تَفَثَهُ»(16).

فِي هَذَا الحَدِيثِ قَالَ: فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوَا إِلَى مِنًى.

وَهَذَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ التَّوَجُّهُ إِلى مِنًى قَبْلَ يَوِمِ الثَّامِنِ؛ وَلِهَذَا كَرِهَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ يَتَوَجَّهَ الِإنْسَانُ إِلى مِنًى قَبْلَ يَوِمِ الثَّامِنِ، لَكِنْ لَوْ فَعَلَهُ حَجُّهُ صَحِيحٌ، لَكِنَّهُ يُكْرَهُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَي رَسُولِ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ: ثُمَّ مَكَثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشَّمْسُ.

أَيْ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ الدَّفْعُ مِنْ مِنًى فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ إلا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، بِخِلَافِ الدَّفْعِ مِنْ مُزْدَلِفَةَ إِلى مِنًى يَوِمَ النَّحْرِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ مِنْهَا إِذَا أَسْفَرَ جِدًّا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ.

قَالَ: فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ.

أَيْ جَازَ المُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّ قُرَيْشاً كَانُوا لَا يَخْرُجُونَ إِلَى عَرَفَةَ؛ لِأَنَّ عَرَفَةَ مِنَ الْحِلِّ وَيَقِفُونَ بِمُزْدَلِفَةَ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْن أَنَّهُمْ أَهْلُ الْحَرَمِ.

فَقَالَ: ودَفَعَ إِلى مُزْدَلِفَةَ.

وَفِي دَفْعِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلى مُزْدَلِفَةَ كَانَ النَّاسُ يَظُنُّونَ أَنَّه وَاقِفٌ بِالمُزْدَلِفَةِ وَلَنْ يَتَجَاوَزَهَا، وَلَكَنَّ النبيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَالَفَ الْمُشْرِكَيْنَ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ، خَالَفَ قُرَيْشًا، وَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بنَِمِرَةَ فَنَزَلَ بِهَا.

 حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ فَأَتَى بَطْن الْوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ.

قَوْلُهُ: حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، أَيْ زَالَتْ بِدُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ، أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ، وَهِي رَاحِلَتُهُ؛ لِأَنَّ رَوَاحِلَهُ كَانَتْ لَهَا أَسْمَاءٌ، مِنْهَا الْقَصْوَاءُ وَهِي الَّتِي حَجَّ عَلَيْهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَرُحِلَتْ لَهُ أَيْ وُضِعَ عَلَيْهَا الرَّحْلُ الَّذِي يَرْكَبُ عَلَيْهِ الرَّاكِبُ، فَأَتَى بَطْنَ الْوَادِي، أَيْ بَطْنَ وَادِي عُرَنَةَ، فَخَطَبَ النَّاسَ، أَيْ خَطَبَهُمْ فِي الْوَادِي وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ، ثُمَّ أَذَّنَ ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ أقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ وَلَمْ يُصَلَّى بَيْنَهُمَا شَيْئًا.

هَذَا فِيهِ مَشْرُوعِيَّةِ الْخُطْبَةِ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، يُشْرَعُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَخْطُبَ.

وَالثَّانِي: يُشْرَعُ لَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ، وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ صَلَاتَي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ فِي الْأُوْلَى مِنْهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ.

وَالثَّالِثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ، وَقَدْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمْعاً وَقَصْراً فِي وَقْتِ الظُّهْرِ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ.

وَعَلَى هَذَا يَأْتِي سُؤَالٌ وَهُوَ: أَنَّ الِإنْسَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مَعَ الْإِمَامِ أَوْ لَمْ يَتَيَسَّرْ مِثْلُ الآنَ، لِأَنَّ مِنَ الصُّعُوبَةِ أَنْ يُصَلِّي كُلَّ النَّاسِ مَعَ الْإِمَامِ، فَهَلْ يَجْمَعُ الصَّلَاتَيْنِ أَوْ لا؟

 الصَّوَابُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الصَّلَاتَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى هَكَذَا فِي هَذَا الْيَوْمِ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنِهُمَا أَنَّهُ كَانَ إِذَا فَاتَتْهُ الصَّلاةُ مَعَ الْإِمَامِ فِي عَرَفَةَ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ(17)، فَالحَدِيثُ هُنَا لَا يَمْنَعُ الْجَمْعَ، بَلْ هُوَ الْأَصْلُ لِأَنَّ الْأَصْلَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأَيَّدَهُ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللّه تَعَالَى عَنْهُ.

وَالرَّابِعُ: أَنَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا، أمَّ النَّاسَ وَمِنْهُمُ المَكِّيُونَ وَغَيْرُهُمْ، فَأَهْلُ مَكَّةَ إِمَّا أَنْ يُقَالَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرَهُمْ بِأَنْ يُتِمُّوا صَلَاتَهُمْ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا خَرَجُوا مِنَ الْحَرَمِ إِلى عَرَفَاتٍ، وَهُمْ عِنْدَئِذٍ يَكُونُونَ مُسَافِرِينَ، وَهَذَا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ السَّفَرَ لَيْسَ لَهُ مَسَافَةٌ، وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُ النَّاسَ الشَّعَائِرَ، وَمِنْ ضِمْنِ هَذِهِ الشَّعَائِرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى بِهِمْ هَذِهِ الصَّلاةَ فَيُصَلِّي مَعَهُ الْمَكِّيُّ وَغَيْرُ الْمَكِّيِّ، وَهَذَا هُوَ الْأَقْرَبُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُفَصِّلْ، وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالجَمِيعِ وَسُنَّتُهُ مَنْقُولَةٌ إلى يَوِمِ الْقِيَامَةِ فَيُصَلِّي جَمِيعُ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرُهُمْ، يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمْعًا مَعَ الْإِمَامِ وَلَوْ وَافَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، لَا يُقَالُ تَعَيَّنَتْ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ؛ لِأَنَّهُ مُقِيمٌ يُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ هَذِهِ الصَّلاةَ بِهَذِهَ الصِّفَاتِ، وَلَوْ فَاتَتْهُ الصَّلاةُ يُصَلِّيهَا، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ يُصَلِّيهَا كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَحْوَالٌ خَرَجَتْ مِنْ عُمُومِ الْأَحْكَامِ المُعْتَادَةِ؛ لِأَنَّ الْأَحْوَالَ العَارِضَةَ لَهَا أَحْكَامُهَا الْخَاصَّةُ، وَمِنْ ضِمْنِهَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ.

قَالَ: ولَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا.

أَيْ لَمْ يُصَلِّ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ شَيْئًا مِنَ الصَّلَوَاتِ المُسْتَحَبَّةِ أَوْ النَّوَافِلِ.

ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ.

-المَوْقِفُ هُنَا، يُرِيدُونَ بِـ(ال) العَهْدِيَةَ- أَيْ الْمَوْقِفَ الَّذِي وَقَفَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِي هَذَا الْمَوْقِفِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَقَفَتُ هَاهُنَا وعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ»، أَيْ فِي هَذَا الْمَوْقِفِ، وَالَّذِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ « وَقَفَتُ هَاهُنَا» وَهُوَ الَّذِي بَيَّنَهُ فِي الحَدِيثِ بِقَوْلِهِ: فَجَعَل بَطْنَ نَاقَتَهِ الْقَصْوَاءِ إِلى الصَّخَرَاتِ، أَيْ جَاءَ عِنْدَ جَبَلِ عَرَفَةَ وَجَعَلَ بَطْنَ النَّاقَةِ مُتَوجِّهاً إِلى الصَّخَرَاتِ، وَالْجَبَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ، وَجَعَلَ حَبْلَ الْمُشَاةِ وَهُوَ حَبْلُ مَمَرِّ الْمُشَاةِ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتَقَبْلَ الْقِبْلَةَ.

هَذَا هُوَ الْجَبَلُ جَبَلُ عَرَفَةَ فِيهِ مَمَرُّ حَبْلِ المُشَاةِ، يَمُرُّ مَعَ النَّاسِ، ثُمَّ وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بْنِاقَتِهِ قُبَالَةَ جَبَلِ عَرَفَةَ فِي أَسْفَلِ الْجَبَلِ، وَجَعَلَ الْجَبَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ وَاسْتَقَبْلَ الْقِبْلَةَ.

وَفِي هَذَا أَوْلاً: مَشْرُوعِيَّةِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ فِي يَوِمِ عَرَفَةَ.

والثَّانِي: أَنَّه يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الإِنْسَانُ فِي عَرَفَةَ رَاكِباً لَا جَالِساً؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً عِنْدَ عَرَفَةَ وَهُوَ عَلَى الرَّاحِلَةِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ، وَلِهَذَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ رَاكِباً، وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي يَوِمِ عَرَفَةَ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَدْعُوا وَقَدِ اشْتَدَّ دُعُاؤُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَمَّا سَقَطَ خِطَامُ النَّاقَةِ تَنَاوَلَهُ بِإِحْدَى يَدَيْهِ وَهُوَ رَافِعٌ يَدَهُ الْأُخْرَى يَدْعُو، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ عَلَى الرَّاحِلَةِ، وَهُنَا اسْتَقَبْلَ بِالرَّاحِلَةِ الْقِبْلَةَ –أَيْ أنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فَوْقَهَا- فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلإِنْسَانِ إِذَا تَيَسَّرَ لَهُ أَنْ يَكُونَ فِي يَوِمِ عَرَفَةَ رَاكِباً لَا جَالِساً.

وَالثَّانِي لِقَوْلِهِ: فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً، بَيَّنَهُ الحَدِيثُ الْآخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُوا كَمَا تَقَدَّمَ فِي هَذَا الْوُقُوفِ.

وَالثَّالِثُ: قَوْلُهُ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، أَيْ أَنَّه يَكُونُ وَاقِفاً فِي هَذَا الْمَوْقِفِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَيَغْرُبَ الْقُرْصُ وَتَذْهَبَ الصُّفْرَةُ الَّتِي بَعْدَ الْقُرْصِ لَا تَذْهَبُ كُلُّهَا لَكِنْ يَذْهَبُ قَلِيلٌ مِنْهَا، أَيْ إِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَغَابَ الْقُرْصُ وَذَهَبَ قَلِيلٌ مِنَ الصُّفْرَةِ فَإِنَّهُ يَدْفَعُ وَبَقِيَّتُ الصُّفْرَةِ بَاقِيَةٌ.

قَوْلُه: حَتَّى أَتَى الْمَوْقِفَ.

أَيْ عَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ، والمُرَادُ بِالْمَوْقِفِ هُنَا الْمَعهُودُ بِعَرَفَةَ،الذِي وَقَفَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ، أَمَّا عَرَفَةُ فَكُلُّهَا مَوْقِفٌ، بِأَيِّ جُزْءٍ مِنْهَا وَقَفَ صَحَّ، إِلَا بَطْنَ عُرَنَةَ فَبِالإِجْمَاعِ لَا يَصِحُّ الْوُقُوفُ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ هُنَاكَ رِوَايَةٌ لَكِنَّهَا غَيْرُ مَشْهُورَةٍ عَنْ مَالَكٍ، أَنَّهُ يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ دَمٌ وَحَجُّهُ صَحِيحٌ، لَكِنْ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ يَحْكِي الإِجْمَاعَ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ «وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ»(18) وَلَا يَصِحُّ هَذَا الحَدِيثَ، لَكِنَّ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ بَطْنَ عُرَنَةَ لَيْسَ مِنْ عَرَفَةَ، وَلِهَذَا يَقُولُ الْعُلَمَاءُ: بَطْنُ عُرَنَةَ بَرْزَخٌ بَيْنَ مُزْدَلِفَةَ وَعَرَفَةَ، وَوَادِي مُحَسِّرٍ بَرْزَخٌ بَيْنَ مِنًى وَمُزْدَلِفَةَ.

هُنَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ وَقَفَ حَتَّى غَرَبَتِ الشَّمْسُ.

فأَوْلاً: وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الزَّوَالِ.

وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَمَرَّ وُقُوفُهُ حَتَّى غُرُوبِ الشَّمْسِ.

فَجَمَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَالْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ حَجُّهُ صَحِيحٌ، وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ مَنْ أَتَى عَرَفَةَ لَيْلاً فَوَقَفَ بِهَا فَحَجُّهُ صَحِيحٌ، وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَمُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّهُ إِذَا وَقَفَ بِعَرَفَةَ مِنْ بَعْدِ الزَّوَالِ إِلى الْغُرُوبِ فَقَدْ أَصَابَ السُّنَّةَ وَأَدَّاهَا.

لَكِنْ يَبْقَى مَسَائِلٌ:

الأَولَى: النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ لَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ، لَوْ وَقَفَ إِنْسَانٌ قَبْلَ زَوَالِ الشَّمْسِ، إِنْسَانٌ قَدِمَ إِلَى عَرَفَةَ فِي الصَّبَاحِ وَجَلَسَ فِيهَا ثُمَّ دَفَعَ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، هَلْ حَجُّهُ صَحِيحٌ وَيُعْتَبَرُ لَهُ وُقُوفٌ أَمْ لا؟

جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنَّ حَجَّهُ لا يَصِحُّ؛ لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَ الِابْتِدَاءَ الوَقْتِيَّ إِنَّمَا هُوَ مِنَ الزَّوَالِ، وَأَمَّا الْإِمَامُ أَحَمَدُ فَيرَى أَنَّ ابْتِدَاءَ الْوَقْتِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ التَّاسِعِ، وَالجُمْهُوُرُ يَقُولُونَ: الْإِمَامُ أَحَمَدُ يَسْتَدِلُّ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ بِعَرَفَةَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ»(19) وَالنَّهَارُ يَصْدُقُ عَلَى مَا بَعْدَ َطُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا وَقَفَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَانْطَبَقَ عَلَيْهِ الحَدِيثُ.

والجُمْهُورُ يَرَوْنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ بِفِعْلِهِ وَحَدَّدَ النَّهَارَ المُعْتَبَرَ، وَهُوَ مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ، لَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَ الجُمْهُورِ أَحْوَطُ، لَكِنْ قَوْلَ الْإِمَامِ أَحَمَدَ أَيْضاً قَوِيٌ فِي هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَمَّا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وقَالَ: «وَكَانَ قَدْ وَقَفَ قَبْلَ ذَلِكَ سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ»، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى إِجْزَائِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الِإنْسَانَ لَوْ جَاءَ فِي اللَّيْلِ لصَحَّ حَجُّهُ بِالإِجْمَاعِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِي النَّهَارِ إلى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ وَدَخَلَ أَوَّلُ اللَّيْلِ، فَلَا يُقَالُ أَنَّ اللَّيْلَ المرَادُ بِهِ هَذَا الْجُزْءَ الْيَسِيرَ فَقَطْ، الَّذِي لَوْ وَقَفَ فِيهِ الِإِنْسَانُ لَمْ يَصِحَ حَجُّهُ، لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَهُ، وَقَوْلُ الْإِمَامِ أَحَمَدَ قَوِيٌّ لَكِنَّ الأَحْوَطَ أَنْ يَقِفَ بَعْدَ الزَّوَالِ، وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الوُقُوفَ بِعَرَفَةَ رُكْنٌ.

مَنْ وَقَفَ فِي النَّهَارِ وَدَفَعَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، إِذَا رَجَعَ قَبْلَ الْغُرُوبِ يَقُولُونَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَإِذَا رَجَعَ بَعْدَ الْغُرُوبِ، يَذْهَبُ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ عَلَيْهِ دَمٌ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.

وَإِيجَابُ الدَّمِ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَهَذَا الحَدِيثُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ فِيهِ إِلَى أَنْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ، لَكِنَّ الْعُلَمَاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْوُقُوفَ يَسْتَمِرُّ حَتَّى طُلُوعِ الْفَجْرِ، لَحَدِيثِ: «مَنْ شَهِدَ صَلَاتَنَا هَذِهِ ووَقَفَ بِعَرَفَةَ قَبْلَ ذَلِكَ سَاعَةً مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ».

وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللّهُ وَسَلَّم عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب عمرة التنعيم (1785)، ومسلم في كتاب الحج- باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218).

(2) عطاء بن أبي رباح مفتي أهل مكة، ومحدثهم القدوة العلم: أبو محمد بن أسلم القرشي مولاهم المكى الأسود: ولد في خلافة عثُمَّان وقيل: في خلافة عمر وَهُوَ أشبه، سمع عائشة وأبا هريرة وابن عباس وأبا سعيد وأم سلمة وطائفة وعنه: أيوب وحسين المعلم وابن جريج وخلق كثير. كان أسود مفلفلًا فصيحًا كثير العلم من مولدي الجند. قَالَ أبو حنيفة: ما رأيت أحدًا أفضل من عطاء. وقَال محمد بن عبد الله الديباج: ما رأيت مفتيًا خيرًا من عطاء، إنما كان مجلسه ذكر الله لا يفتر، فإن سئل أحسن الجواب. انظر: تهذيب الكمال (20/69)، تهذيب التهذيب (7/179)، ميزان الاعتدال: (3/70).

(3) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك- باب فِيمن قدم شيئًا قَبل شيء في حجه (2015).

(4) البيهقي في « السنن الكبرى» (5/146).

(5) ابن خزيمة في « صحيحة» (2728).

(6) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب الزيادة يوم النحر (1733)، ومسلم في كتاب الحج- باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج (1211).

 

 

(7) ما قَبله.

(8) أخرجه ابن أبي شيبة في « مصنفه» (4/382/3).

(9) أخرجه النسائي في كتاب الحج- باب التكبير عليها (2985)، بهذا الإسناد إلى جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

 

(10) أخرجه أبو عوانة في « مستخرجه» (7/219/2768).

(11) تقدم تخريجه.

 

(12) أخرجه مسلم في كتاب الحج- كتاب الحج- باب بيان وجوه الإحرام، وأنه يجوز إفراد الحج (1211).

(13) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب طواف القارن (1639)، ومسلم في كتاب الحج- باب بيان جواز التحلل بالإحصار وجواز القران (1230).

(14) سورة البقرة: 158.

(15) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك- باب من لم يدرك عرفة (1949)، والترمذي في كتاب الحج- باب ما جاء فِيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (889)، والنسائي في كتاب مناسك الحج- باب فرض الوقوف بعرفة (3016)، وابن ماجة في كتاب المناسك- باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمعٍ (3015)، من حديث عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه.

(16) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك- باب من لم يدرك عرفة (1950)، والترمذي في كتاب الحج- باب ما جاء فِيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (891)، والنسائي في كتاب مناسك الحج- باب فِيمن لم يدرك صلاة الصبح مع الإمام بالمزدلفة (3039)، وابن ماجة في كتاب المناسك- باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة جمعٍ (3016)، من حديث عروة بن مضرس رضي الله عنه.

(17) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب الجمع بين الصلاتين بعرفة، تعليقًا.

(18) أخرجه الطبراني في « المعجم الكبير» (9/262/10842)، (9/379/11245)، والفاكهي في « أخبار مكة» (2666)، والحاكم في « المستدرك على الصحيحين» (4/242)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

(19) تقدم تخريجه.