موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ - شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني)
 بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ
 بَابُ صَلاةِ الْكُسُوفِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ
 بَابُ أَحْكَامِ الجَنَازَةِ
 الأَسْئِلَةُ
 كِتَابُ الزَّكَاةِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ
 بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ
 بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ
 بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ
 بَابُ أَهْلِ الزَّكَاةِ. وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ، لا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ
 الأَسْئِلَةُ
 الْغَارِمُونَ، وَهُمُ الْمَدِينُونَ
 وَصَدَقَةُ التِّطَوُّعِ مَسْنُونَةٌ كُلَّ وَقْتٍ
 كِتَابُ الصِّيَامِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ مُا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
 وَأَفْضَلُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ
شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني) - بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

ثُمَّ أَمَّا بَعْدُ..

فَهَذَا هُوَ الدَّرْسُ السَّادِسُ فِي شَرْحِ كِتَابِ (آدَابِ المَشْيِ إِلَى الصَّلَاةِ) لِلشَّيْخِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الوَهَّابِ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ(1). وَقَدِ ابْتُدِئَ شَرْحُ هَذَا الكِتَابِ فِي العَامِ السَّابِقِ، وَنُتَمِّمُهُ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَذِهِ السَّنَةِ.

وَقَبْلَ أَنْ أَبْدَأَ مِنْ حَيْثُ انْتَهَيْنَا فِي الدَّرْسِ المَاضِي، أَوَدُّ أَنْ أُذَكِّرَ بِأَمْرَيْنِ كُنْتُ قَدْ نَبَّهْتُ عَلَيْهِمَا قَبْلُ، وَلَكِنَّ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِمَا مُنَاسِبٌ فِي هَذَا الدَّرْسِ؛ لِنَسْتَذْكِرَ طَرِيقَةَ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي تَصْنِيفِهِ لِهَذَا الكِتَابِ، وَطَرِيقَةَ العَرْضِ فِي شَرْحِهِ بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الشَّيْخُ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ، كَمَا نَصَّ أَهْلُ العِلْمِ أَخَذَ هَذَا الكِتَابَ وَاخْتَصَرَهُ مِنْ كِتَابِ « الإِقْنَاعِ» لِلشَّيْخِ مُوسَى الحجاوي(2)، وَشَرْحِهِ « كَشَّافِ القِنَاعِ» لِلشَّيْخِ مَنْصُورٍ البَهوتي المِصْرِيِّ الحَنْبَلِيِّ(3) المُتَوَفَّى سَنَةَ أَلْفٍ وَوَاحِدٍ وَخَمْسِينَ مِنْ هِجْرَةِ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

وَالشَّيْخُ عِنْدَمَا اخْتَصَرَ هَذَا الكِتَابَ مِنْ هَذَيْنِ الكِتَابَيْنِ، فَإِنَّهُ كَانَ يَنْتَقِي مَسَائِلَ مُعَيَّنَةً؛ لِأَنَّ غَرَضَ الشَّيخِ مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا الكِتَابِ كَانَ أَحَدَ أَمْرَيْنِ، وَكِلَاهُمَا مَقْصُودٌ نَصَّ عَلَيْهِ أَهْلُ العِلْمِ، وَهُمَا:

الأَمْرُ الأَوَّلُ: أَنَّهُ أَلَّفَهُ لِعَوَامِّ النَّاسِ، فَجَعَلَهُ لِيُقْرَأَ فِي المَسَاجِدِ، وَعَقِبَ الصَّلَوَاتِ؛ فَلِذَلِكَ تَجِدُ الشَّيْخَ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ يَأْتِي بِكَثِيرٍ مِنَ الأَدْعِيَةِ وَالأَذْكَارِ، وَيُشِيرُ لِمَسَائِلَ مُهِمَّةٍ جِدًّا فِي التَّوْحِيدِ؛ لِذَلِكَ بَسَّطَ وَسَهَّلَ أَلْفَاظَ هَذَا الكِتَابِ، وَانْتَقَى أَهَمَّ المَسَائِلِ الَّتِي تُهِمُّ عَامَّةَ النَّاسِ دُونَ خَوَاصِّهِمْ.

الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ الشَّيْخَ إِنَّمَا أَلَّفَ هَذَا الكِتَابَ لَمَّا قِيلَ عَنْهُ: إِنَّهُ لَا يَرَى كُتُبَ الفِقْهِ وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا! فَأَرَادَ الشَّيْخُ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ كُتُبَ الفِقْهِ فِيهَا مِنَ العِلْمِ وَالفِقْهِ وَالفَهْمِ الشَّيْءُ الكَثِيرُ الَّذِي لَا غِنَى لِطَالِبِ العِلْمِ عَنْهُ، فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِيهَا، وَالتَّفَقُّهِ عَنْ طَرِيقِهَا.

فَهَذَانِ الغَرَضَانِ كَمَا بَيَّنَ أَهْلُ العِلْمِ كَانَا هُمَا قَصْدُ الشَّيْخِ مِنْ تَأْلِيفِ هَذَا المُؤَلَّفِ.

وَقَدْ ذَكَرْتُ لَكُمْ قَبْلُ فِي الدَّرْسِ الأَوَّلِ أَنَّنَا لَنْ نُبَسِّطَ فِي الشَّرْحِ، وَإِنَّمَا سَنَكْتَفِي بِالتَّعْلِيقِ اليَسِيرِ عَلَى كَلَامِ الشَّيْخِ، وَالاسْتِدْلَالِ لِكُلِّ مَسْأَلَةٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ دُونَ تَفْصِيلٍ فِي الخِلَافِ أَوْ تَطْوِيلٍ فِيهِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ).

المُرَادُ بِصَلَاةِ العِيدَيْنِ: صَلَاةُ عِيدِ الفِطْرِ، وَعِيدِ الأَضْحَى؛ لِأَنَّهُ لَا عِيدَ عِنْدَ المُسْلِمِينَ إِلَّا هَذَانَ العِيدَانِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ لِلأَنْصَارِ لَمَّا قَدِمَ المَدِينَةَ: « إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَبْدَلَكُمْ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا: يَوْمَ الأَضْحَى، وَيَوْمَ الْفِطْرِ»(4). مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا عِيدَ لِلمُسْلِمِينَ إِلَّا عِيدُ الفِطْرِ وَعِيدُ الأَضْحَى.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَالِ؛ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ).

بَدَأَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بِمَسْأَلَةٍ، وَتَرَكَ مَسْأَلَتَيْنِ مُهِمَّتَيْنِ ذُكِرَتَا فِي أَصْلِ الكِتَابِ، فَهُنَاكَ مَسْأَلَتَانِ مُهِمَّتَانِ فِي أَصْلِ الكِتَابِ تَجَاوَزَهُمَا الشَّيْخُ، وَلَا أَدْرِي لِمَ تَجَاوَزَهُمَا؟ فَلَعَلَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِسَبَبٍ أَوْ لِآخَرَ.

المَسْأَلَةُ الأُولَى: حُكْمُ صَلَاةِ العِيدَيْنِ.

فَصَلَاةُ العِيدَيْنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ، وَالدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي البُخَارِيِّ: أَمَرَ الحُيَّضَ وَذَوَاتِ الخُدُورِ أَنْ يَخْرُجْنَ. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى لُزُومِهَا.

وَالدَّلِيلُ الثَّانِي الَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ فَرْضًا عَلَى الأَعْيَانِ، وَإِنَّمَا عَلَى الكِفَايَةِ: مَا ثَبَتَ فِي « الصَّحِيحَينِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا أَنَّ أَعْرَابِيًّا جَاءَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا افْتَرَضَ اللهُ عَلَيَّ؟

فَقَالَ: « الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ».

قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟

قَالَ: « لَا، إِلاَّ أَنْ تَطَوَّعَ»(5).

وَهَذَا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ وَاجِبَةً عَلَى الأَعْيَانِ، وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى الكِفَايَةِ.

وَلَعَلَّ الشَّيْخَ تَرَكَ هَذِهِ المَسْأَلَةِ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ(6)؛ فَإِنَّ قَوْلَ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ، وَهُوَ أَحَدُ القَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةٌ عَنِ الإِمَامِ أَحْمَدَ: أَنَّ صَلَاةَ العِيدِ فَرْضٌ عَلَى الأَعْيَانِ.

لِهَذَا أَقُولُ: ربُمَّاَ تَرَكَ الشَّيْخُ بَيَانَ فَرْضِيَّتِهَا؛ مُرَاعَاةً لِخِلَافِ الشَّيْخِ وَاللهُ أَعْلَمُ.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ الَّتِي أَغْفَلَ ذِكْرَهَا، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي الأَصْلِ: وَقْتُ صَلَاةِ العِيدَيْنِ. فَصَلَاةُ العِيدَيْنِ يَبْدَأُ وَقْتُهَا مِنْ حِينِ ارْتِفَاعِ الشَّمْسِ مِقدَارَ رُمْحٍ أَوْ قَيْدَ رُمْحٍ إِلَى مُنْتَهَى الزَّوَالِ. أَي: إِلَى أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ. فَهَذَا هُوَ وَقْتُ صَلَاةِ العِيدِ، فَيَبْدَأُ وَقَتْهُاَ مِنْ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِهَا إِلَى حِينِ زَوَالِهَا، أَيْ: دُخُولِ وَقْتِ الظُّهْرِ. فَلَهَا وَقْتُ ابْتِدَاءٍ، وَلَهَا وَقْتُ انْتِهَاءٍ.

فَإِذَا عَرَفْنَا وَقْتَهَا، فَإِنَّ صَلَاتَهَا بَعْدَ انْتِهَاءِ وَقْتِهَا تُعْتَبَرُ صَلَاةً فِي غَيْرِ الوَقْتِ، وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (إِذَا لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِيدِ إِلاَّ بَعْدَ الزَّوَالِ خَرَجَ مِنَ الْغَدِ فَصَلَّى بِهِمْ). فَإِذَا لَمْ يَعْلَمِ المَرْءُ أَنَّ العِيدَ قَدْ أَتَى إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ أَيْ: بَعْدَ خُرُوجِ الوَقْتِ فَإِنَّهُ لَا يُصَلِّيهَا إِلَّا مِنَ الغَدِ.

وَدَلِيلُ ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَيْرَةَ بْنِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(7) عَنْ أَعْمَامِهِ مِنَ الأَنْصَارِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ: أَنَّهُ غُمَّ عَلَيْهِمْ هَلَالُ شَوَّالٍ، قَالَ: فَأَصْبَحْنَا صَائِمِينَ، فَلَمَّا كَانَتِ العَشِيُّ يَعْنِي: فِي آخِرِ النَّهَارِ جَاءَنَا رَكْبٌ، فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ قَدْ رَأَوْا هِلَالَ العِيدِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُفْطِرُوا، وَأَنْ يُصَلُّوا العِيدَ مِنَ الغَدِ. فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ العِيدِ مِنَ الغَدِ، وَلَا تُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ.

وَفِي حُكْمِ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ بِالعِيدِ إِلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ: لَوْ أَنَّ المَرْءَ أَخَّرَهَا عَنْ وَقْتِهَا، سَوَاءٌ لِعُذْرٍ أَمْ لِغَيْرِ عُذْرٍ، فَنَقُولُ: إِنَّ لَهَا نَفْسَ الحُكْمِ الأَوَّلِ؛ فَإِنَّهَا لَا تُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ، وَإِنَّمَا تُقْضَى.

فَالصَّحِيحُ أَنَّهَا مِنْ بَابِ القَضَاءِ مِنَ الغَدِ، فَيُصَلِّيهَا مِنَ الغَدِ وَلَا تُصَلَّى بَعْدَ الزَّوَالِ.

وَلَوْ أُخِّرَتْ لِعُذْرٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ سَوَاءٌ؛ لِأَنَّ القَاعِدَةَ عِنْدَ أَهْلِ العِلْمِ: أَنَّ مَا شُرِعَ فِيهِ القَضَاءُ يَسْتَوِي فِيهِ العُذْرُ وَعَدَمُهُ. إِلَّا قَوْلًا لِبَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: فَإِنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الفَرِيضَةَ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ، فَإِنَّهُ لَا يَقْضِيهَا. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ(8) وَغَيْرِهِ، وَمَالِكٌ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ يَرَاهَا فِي بَابِ الصِّيَامِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، لَكِنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يَصِحُّ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيُسَنُّ تَعْجِيلُ الأَضْحَى، وَتَأْخِيرُ الْفِطْرِ، وَأَكْلُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَيْهَا فِي الْفِطْرِ تَمَرَاتٍ وِتْرًا، وَلا يَأْكُلُ فِي الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّيَ، وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ آخَرَ).

لِمَا رُوِيَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقٍ رَوَاهُ البَيْهَقِيُّ(9) مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ(10)، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ: « عَجِّلِ الأَضْحَى وَأَخِّرِ الْفِطْرَ وَذَكِّرِ النَّاسَ»(11). وَلَكِنْ لِبَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ كَلَامٌ فِي صِحَّةِ إِسْنَادِ هَذَا الحَدِيثِ؛ لِذَلِكَ نَجِدُ أَنَّ بَعْضَ الفُقَهَاءِ يُعَلِّلُ لِتَعْجِيلِ الفِطْرِ وَتَأْخِيرِ الأَضْحَى، وَلَا يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الحَدِيثِ لِضَعْفِهِ.

قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَأَكْلُهُ قَبْلَ الْخُرُوجِ إِلَيْهَا فِي الْفِطْرِ تَمَرَاتٍ وِتْرًا).

قَالُوا: يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْكُلَ المَرْءُ قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَنْزِلِهِ إِلَى مُصَلَّى العِيدِ فِي الفِطْرِ تَمَرَاتٍ، وَأَنْ يَجْعَلَهُنَّ وِتْرًا. وَدَلِيلُ ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ فِي « صَحِيحِ البُخَارِيِّ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَخْرُجُ يَوْمَ الفِطْرِ حَتَّى يَأْكُلَ تَمَرَاتٍ. وَفِي رِوَايَةٍ: كَانَ يَأْكُلُهُنَّ وِتْرً(12). وَالرِّوَايَتَانِ فِي الصَّحِيحِ أَعْنَي « صَحِيحَ البُخَارِيِّ».

قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلا يَأْكُلُ فِي الأَضْحَى حَتَّى يُصَلِّي). كِنَايَةً عَنِ اسْتِعْجَالِهِ فِي صَلَاةِ الأَضْحَى، فَيَسْتَعْجِلُ المَرْءُ فِي صَلَاةِ الأَضْحَى، وَلِكَيْ يَأْكُلُ مِنْ لَحْمِ أُضْحِيَتِهِ إِذَا ذَبَحَهَا.

قَوْلُهُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَإِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ آخَرَ). أَيْ: وَيُسْتَحَبُّ إِذَا غَدَا مِنْ طَرِيقٍ أَنْ يَرْجِعَ مِنْ آخَرَ. فَيُسْتَحَبُّ إِذَا خَرَجَ المَرْءُ لِصَلَاةِ العِيدِ مِنْ طَرِيقٍ أَنْ يَعُودَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ، فَيُغَايِرُ الطَّرِيقَ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ: مَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ(13) فِي « الصَّحِيحَيْنِ»: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى العِيدِ مِنْ طَرِيقٍ رَجَعَ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ(14).

وَالحِكْمَةُ فِي مُغَايَرَةِ الطَّرِيقِ: لِكَيْ تَشْهَدَ لَهُ الطُّرُقُ. وَقِيلِ: لِإِظْهَارِ شَعِيرَةِ الإِسْلَامِ، وَعَلَى العُمُومِ فَإِنَّ الحِكَمَ فِي بَابِ العِبَادَاتِ لَا تُنَاطُ بِهَا الأَحْكَامُ مُطْلَقًا؛ لِأَنَّ الأَحْكَامَ إِنَّمَا تُنَاطُ بِالعِلَلِ وَلَا تُنَاطُ بِالحِكَمِ، إِلَّا أَنْ تَكُونَ الحِكْمَةُ مَصْلَحَةً ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً فِي نَفْسِ الوَقْتِ، وَيَقِلُّ فِي العِبَادَاتِ أَنْ تَكُونَ الحِكَمُ ظَاهِرَةً مُنْضَبِطَةً؛ فَلِذَلِكَ إِنَّمَا تُنَاطُ فِي الغَالِبِ العِبَادَاتُ بِالعِلَلِ دُونَ الحِكَمِ، وَنَادِرًا مَا تُنَاطُ الأَحْكَامُ بِالحِكَمِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَتُسَنُّ فِي صَحَرَاءَ قَرِيبَةٍ، فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَهَا سِتًّا، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا، يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ، وَيَقْرَأُ فِيهِمَا: بِـ)سَبِّحْ(، وَ)الْغَاشِيَةِ(. فَإِذَا فَرَغَ خَطَبَ، وَلا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا).

أَيْ: تُسَنُّ صَلَاةُ العِيدِ فِي صَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ؛ وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(15): أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ كَانَ إِذَا خَرَجَ إِلَى الصَّلَاةِ صَلَّى فِي المُصَلَّى، وَالمُصَلَّى كَانَ خَارِجَ مَدِينَةِ المُصْطَفَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

وَقَوْلُ الشَّيْخِ: (فِي صَحْرَاءَ قَرِيبَةٍ). أَيْ: لَيْسَتْ بَعِيدَةً؛ لِكَيْ لَا تَشُقَّ عَلَى النَّاسِ، فَتَكُونُ قَرِيبَةً عُرْفًا مِنَ البُلْدَانِ وَالأَمْصَارِ.

وَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ). يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فِي صَلَاةِ العِيدِ يُبْدَأُ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ؛ لِمَا ثَبَتَ أَيْضًا فِي « الصَّحِيحِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إِلَى العِيدِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُاَ وَلَا بَعْدَهَا. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَا يَبْدَأُ بِهِ المُصَلِّي يَوْمَ العِيدِ إِذَا كَانَ إِمَامًا أَنْ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الخُطْبَةِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (يُكَبِّرُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ، ثُمَّ يُكَبِّرُ بَعْدَهَا سِتًّا، وَيُكَبِّرُ فِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا). أَيْ أَنَّ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ يُكَبِّرُ بَعْدَهَا أَرْبَعَ تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدَ، وَالسُّنَّةُ فِي هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ جَمِيعًا أَنْ تَكُونَ حَذْفًا، أَيْ: لَيْسَتْ مَمْدُودَةً، كَمَا قَالَ الإِمَامُ أَحْمَدُ: التَّكْبِيرُ حَذْفٌ كَالسَّلَامِ. كَذَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي « سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ»: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ: « السَّلامُ حَذْفٌ»(16). مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُمَدُّ. فَيُكَبِّرُ الإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ الأُولَى، وَالسِّتَّ الزَّوَائِدَ بَعْدَهَا تَكْبِيرًا غَيْرَ مَمْدُودٍ فِيهِ.

وَالأَصْلُ وَالدَّلِيلُ فِي أَنَّ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدَ سِتٌّ فِي الأُولَى وَخَمْسٌ فِي الثَّانِيَةِ: مَا ثَبَتَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ(17) عَنْ أَبِيهِ(18) عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  صَلَّى بِهِمُ العِيدَ، فَكَبَّرَ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى سَبْعًا، وَفِي الثَّانِيَةِ خَمْسًا.

قَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ: فَكَبَّرَ بِنَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ تَكْبِيرَةً. فَالسَّبْعُ الأُوَلُ فِي الرَّكْعَةِ الأُولَى إِذَا حُسِبَتْ مَعَهَا تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ فَإِنَّهَا سِتٌّ زَوَائِدُ، وَالسَّابِعَةُ هِيَ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ.

وَهَذَا الحَدِيثُ صَحَّحَهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَلِيُّ بْنُ المَدِينِيِّ(19)، وَالبُخَارِيُّ... وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ. فَهُوَ حُجَّةٌ فِي هَذَا البَابِ، وَهُوَ أَصَحُّ مَا فِي البَابِ كَمَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ). سَبَقَ مَعَنَا أَنَّ القَاعِدَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ. وَمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَانَ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ، أَنَّهُ يَقُولُ: اللهُ أَكْبَرُ. وَأَمَّا رَفْعُ اليَدَيْنِ فِي التَّكْبِيرِ، فَالقَاعِدَةُ فِيهِ: أَنَّ كُلَّ تَكْبِيرَةٍ مِنْ تَكْبِيرَاتِ الصَّلَاةِ لَيْسَ قَبْلَهَا سُجُودٌ وَلَيْسَ بَعْدَهَا سُجُودٌ، فَإِنَّ اليَدَيْنِ تُرْفَعَانِ فِيهَا. وَلَوْ نَظَرْتَ فِي الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ لَوَجَدْتَ أَنَّهُ لَا يَنْطَبِقُ هَذَا القَيْدُ وَهَذَا الضَّابِطُ إِلَّا عَلَى أَرْبَعِ تَكْبِيرَاتٍ فَقَطْ، وَهِيَ: تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، وَتَكْبِيرَةُ النُّزُولِ لِلرُّكُوعِ، وَتَكْبِيرَةُ الرَّفْعِ مِنَ الرُّكُوعِ، وَتَكبِيرَةُ القِيَامِ مِنَ التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ لِلرَّكْعَةِ الثَّالِثَةِ.

فَهَذِهِ المَوَاضِعُ الأَرْبَعَةُ هِيَ الَّتِي وَرَدَ بِهَا النَّصُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ فِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ رَفَعَ يَدَيْهِ فِي التَّكْبِيرِ. لَكِنْ هُنَاكَ مَوَاضِعُ أُخَرُ غَيْرُ مُعْتَادَةٍ أَيْ: تَأْتِي فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ دُونَ بَعْضِهَا فَإِذَا طُبِّقَتْ هَذِهِ القَاعِدَةُ عَلَيْهَا، وَجَدْتَهَا قَاعِدَةً تَامَّةً غَيْرَ مَخْرُومَةٍ.

فَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ فِي العِيدَيْنِ، وَمَا فِي حُكْمِ صَلَاةِ العِيدَيْنِ كَالاسْتِسْقَاءِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ اليَدَيْنِ تُرْفَعَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ قَبْلَهَا سُجُودٌ وَلَيْسَ بَعْدَهَا سُجُودٌ، فَالتَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ قَبْلَهَا تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ، وَالَّذِي بَعْدَهَا قِرَاءَةٌ وَقِيَامٌ، فَلَيْسَ قَبْلَهَا سُجُودٌ وَلَيْسَ بَعْدَهَا سُجُودٌ. إِذَنِ الأَصْلُ أَنْ تُرْفَعَ فِيهَا اليَدَانِ.

وَهَذَا صَحِيحٌ وَمُنْضَبِطٌ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ فِي التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ، مَعَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ مِنْ أَشَدِّ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ تَحَرِّيًا وَاتِّبَاعًا وَامْتِثَالًا لِهَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ السِّتَّ وَالخَمْسَ تُرْفَعُ فِيهَا اليَدَيْنِ، وَكَذَلِكَ التَّكْبِيرَاتُ الأَرْبَعُ فِي تَكْبِيرَاتِ الجَنَازَةِ، وَسَتَمُرُّ مَعَنَا بِمَشِيئَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

وَهُنَاكَ مَسْأَلَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ، وَهِيَ: مَا الَّذِي يُقَالُ بَعْدَ هَذِهِ التَّكْبِيرَاتِ؟

التَّكْبِيرَةُ الأُولَى وَهِيَ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ: ذَكَرَ أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَتْبَعَهَا دُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  سُئِلَ عَنْ سُكُوتِهِ بَعْدَ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ: مَاذَا يَقُولُ فِيهِ؟ فَذَكَرَ فِيهِ دُعَاءَ الاسْتِفْتَاحِ. إِذَنِ التَّكْبِيرَةُ الأُولَى الَّتِي هِيَ تَكْبِيرَةُ الإِحْرَامِ مِنْ صَلَاةِ العِيدِ يُقْرَأُ بَعْدَهَا دُعَاءُ الاسْتِفْتَاحِ.

أَمَّا التَّكْبِيرَاتُ الزَّوَائِدُ: الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ وَالرَّابِعَةُ وَالخَامِسَةُ، وَالسَّادِسَةُ بِاعْتِبَارِ أَنَّنَا حَسَبْنَا الأُولَى تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ بَعْدَهَا أَنْ يُكْثِرَ المَرْءُ مِنْ حَمْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْر تَقْيِيدٍ بِدُعَاءٍ مَخْصُوصٍ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ(20) أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: مَاذَا يَقُولُ بَيْنَ التَّكْبِيرَاتِ فِي صَلَاةِ العِيدِ؟ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: يَحْمَدُ اللهَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ، وَيُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.

وَثَبَتَ نَحْوُ هَذَا الأَثَرِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ(21) وَغَيْرِهِ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ.

إِذَنْ يَحْمَدُ اللهَ بِأَيِّ صِفَةٍ شَاءَ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا بِتَسْبِيحٍ وَتَهْلِيلٍ... وَنَحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَهَذَا هُوَ الثَّابِتُ.

إِذَنْ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ السَّادِسَةِ مِنَ الزَّوَائِدِ إِنْ لَمْ نَحْتَسِبْ تَكْبِيرَةَ الإِحْرَامِ فِي العَدَدِ وَالسَّابِعَةِ فِي التَّوَالِي وَالسَّابِعَةِ إِنْ حَسَبْنَاهَا مَعَهُمْ فِي العَدَدِ فَيَكُونُ بَعْدَهَا مُبَاشَرَةً: الاسْتِعَاذَةُ وَقِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ.

وَمِنَ الفُقَهَاءِ مَنْ قَالَ: إِنَّ القِرَاءَةَ تَكُونُ بَعْدَ التَّكْبِيرَةِ الأُولَى. وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثٍ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا الحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ لَا يَصِحُّ مُطْلَقًا، بَلِ الثَّابِتُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ إِلَّا بَعْدَ التَّكْبِيرَاتِ الزَّوَائِدِ، كَمَا فِي حَدِيثِ كَثِيرٍ(22) عَنْ أَبِيهِ(23) عَنْ جَدِّهِ(24)، وَحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيَقْرَأُ فِيهِمَا بِسَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ).

أَيْ: يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ العِيدَيْنِ: الفِطْرِ وَالأَضْحَى.

(بِسَبِّحْ وَالْغَاشِيَةِ)، أَيْ: ﴿ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى(25). و﴿ هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ(26). وَهَذَا ثَابِتٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(27) عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ، وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ النُّعْمَانِ(28) رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ.

وَثَبَتَتْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قِرَاءَةٌ أُخْرَى؛ وَهُوَ أَنْ يَقْرَأَ بِسُورَتَيْ: ﴿ ق(29). و﴿ اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ(30). وَهَذَا ثَابِتٌ فِي « صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، فَثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  أَنَّهُ قَرَأَ بِهَاتَيْنِ مَعًا.

وَحَاوَلَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ أَنْ يَبْحَثَ عَنْ حِكْمَةٍ فِي تَخْصِيصِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  لِصَلَاةِ الجُمُعَةِ وَالعِيدَيْنِ بِسُورَتَيْ: سَبِّح وَالغَاشِيَةِ، فَتَلَمَّسَ حِكَمًا مُتَعَدِّدَةً، وَمِنَ الحِكَمِ الَّتِي الْتُمِسَتْ فِي ذَلِكَ: أَنْ يَعْلَمَ المُؤْمِنُ سَوَاءٌ كَانَ إِمَامًا أَمْ مَأْمُومًا أَنَّ كَلَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، كَمَا جَاءَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ الحَارِثِ الأَعْوَرِ(31) عَنْ عَلِيٍّ، قَالَ: كِتَابُ اللهِ فِيهِ نَبَأُ مَا كَانَ قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ.. وَمِمَّا قَالَ فِي هَذَا الحَدِيثِ: وَلا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ(32).

فَإِنَّ المُسْلِمَ إِذَا سَمِعَ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ كُلَّ جُمُعَةٍ، فَإِنَّهُ يَسْتَنْبِطُ مِنْهُمَا مَعَانٍ، وَيَنَتَبَّهُ لِدَقَائِقَ فِيهِمَا لَمْ يَنْتَبْهِ إِلَيْهَا قَبْلُ، فَهَذَا القُرْآنُ لَا يَخْلَقُ عَلَى كَثْرَةِ الرَّدِّ، وَلَا يَمَلُّ مُسْتَمِعُهُ مِنْ سَمَاعِهِ وَلَوْ تَكَرَّرَ. فَلَعَلَّ هَذِهِ مِنَ الحِكَمِ فِي تَخْصِيصِ هَاتَيْنِ السُّورَتَيْنِ فِي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ.

وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: لِأَنَّهُمَا اشْتَمَلَتَا عَلَى التَّذْكِيرِ بِالجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَعَاقِبَةِ مَنْ لَمْ يَتَّعِظْ بِالتَّذْكِيرِ، وَالجُمُعَةُ وَالعِيدُ فِيهِمَا تَذْكِيرٌ؛ إِذْ فِيهِمَا خُطْبَةٌ، فَمَنْ لَمْ يَتَّعِظْ، ﴿ لَسْتَ عَلَيْهِم بمُسَيْطِرٍ ﴿22﴾ إِلاَّ مَن تَوَلَّى وَكَفَرَ(33). فَبَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ وَفِي السُّورَتَيْنِ عُمُومًا: أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَذَكَّرْ فَإِنَّ إِثْمَهَ عَلَى نَفْسِهِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلاةِ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ).

أَي: إِذَا فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، وَجَمَاهِيرُ أَهْلِ العِلْمِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى عَلَى أَنَّ العِيدَ لَهُ خُطْبَتَانِ، وَيَسْتَدِلُّونَ لِذَلِكَ بِأَحَادِيثَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِ، وَهِيَ وَإِنْ كَانَ فِيهَا مَقَالٌ، إِلَّا أَنَّ عَمَلَ المُسْلِمِينَ يَدُلُّ عَلَى ثُبُوتِهَا.

وَقَدْ نَقَلَ أَبُو مُحَمَّدٍ ابْنُ حَزْمٍ الإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ العِيدِ تَكُونُ بِخُطْبَتَيْنِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلا يَتَنَفَّلُ قَبْلَهَا وَلا بَعْدَهَا فِي مَوْضِعِهَا).

أَيْ: لَا يَتَنَفَّلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي تَقَدَّمَ فِي « الصَّحِيحِ»: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  خَرَجَ يَوْمَ الفِطْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ، وَلَمْ يُصَلِّ قَبْلَهُمَا، وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهُمَ(34).

وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى يَخْتَارُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ(35) أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ إِنَّمَا هُوَ نَفْيٌ لِلسُّنَّةِ الخَاصَّةِ بِصَلَاةِ العِيدِ، فَلَا سُنَّةَ خَاصَّةً بِصَلَاةِ العِيدِ لَا قَبْلِيَّةٍ وَلَا بَعْدِيَّةٍ، فَإِنْ وُجِدَ مِنَ السُّنَنِ سُنَّةٌ لَهَا سَبَبٌ: كَأَنْ تَكُونَ سُنَّةُ تَحِيَّةِ المَسْجِدِ إِذَا صَلَّى النَّاسُ العِيدَيْنِ فِي المَسْجِدِ أَوْ سُنَّةُ الوُضُوءِ.. وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يُصَلَّى لِأَجْلِ السَّبَبِ. وَالمَنْفِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا إِنَّمَا هُوَ تَخْصِيصُ صَلَاةِ نَافِلَةٍ لِلعِيدِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيُسَنُّ التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ).

فَيَوْمُ العِيدِ يَوْمُ تَكْبِيرٍ وَلَا شَكَّ، وَقَدْ بَيَّنَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّهُ فِيهِ يُكَبَّرُ، وَشُرِعَ التَّكْبِيرُ يَوْمَ العِيدِ فِي مَوَاضِعَ فِي الصَّلَاةِ؛ فَإِنَّ فِيهَا تَكْبِيرَاتٍ زَوَائِدَ، وَفِي الخُطْبَةِ عَلَى قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ تَكْبِيرَاتٌ زَوَائِدُ، وَهُنَاكَ تَكْبِيرَاتٌ تَتَخَلَّلُ الخُطْبَةَ، وَهُنَاكَ مَا يُسَمَّى بِالتَّكْبِيرِ المُطْلَقِ، أَيْ: يُكَبِّرُ المُسْلِمُ لَيْلَةَ العِيدِ تَكْبِيرًا مُطْلَقًا فِي الطُّرُقَاتِ وَفِي الشَّوَارِعِ وَفِي البُيُوتِ وَفِي الأَزِقَّةِ... وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ. فَهَذَا اليَوْمُ يَوْمُ تَكْبِيرٍ. فَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (يُسَنُّ التَّكْبِيرُ). أَيِ: التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ فِي العِيدَيْنِ.

وَقَدْ ثَبَتَ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ عَنْ جَمْعٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ كَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِمْ جَمِيعًا.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَإِظْهَارُهُ فِي الْمَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ).

أَي: يُسَنُّ إِظْهَارُ التَّكْبِيرِ المُطْلَقِ فِي المَسَاجِدِ وَالطُّرُقِ، وَفِي كُلِّ مَوْضٍع يَجُوزُ ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ. فَإِنَّ المَوَاضِعَ الَّتِي لَا يُذْكَرُ اسْمُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا، أَوْ يُكْرَهُ ذِكْرُ اسْمِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهَا كَالحَمَّامَاتِ وَالحُشُوشِ... وَنَحْوِهَا، فَإِنَّهُ لَا يُجْهَرُ فِيهَا بِالتَّكْبِيرِ؛ لِأَنَّ التَّكْبِيرَ ذِكْرٌ للهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالأَمْصَارِ).

قَوْلُ الشَّيْخِ: (وَيُسَنُّ الْجَهْرُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَالأَمْصَارِ). يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الجَهْرَ بِالتَّكْبِيرِ سُنَّةٌ لِلجَمِيعِ: لِلصَّغِيرِ وَالكَبِيرِ، لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى. فَإِنَّ الذَّكَرَ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ فِي اسْتِحْبَابِ الجَهْرِ بِالتَّكْبِيرِ المُطْلَقِ، فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ، فَيُسْتَحَبُّ الجَهْرُ بِهِ مُطْلَقًا، وَلَا فَرْقَ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيَتَأَكَّدُ فِي لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ، وَفِي الْخُرُوجِ إِلَيْهَا).

يَقُولُ أَهْلُ العِلْمِ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى: إِنَّ التَّكْبِيرَ عَلَى نَوْعَيْنِ: تَكْبِيرٌ مُطْلَقٌ، وَتَكْبِيرٌ مُقَيَّدٌ.

النَّوْعُ الأَوَّلُ: التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ، وَهُوَ أَنْ يُكَبِّرَ المَرْءُ فِي مُطْلَقِ الزَّمَانِ؛ أَيْ: لَا يَتَقَيَّدُ بِزَمَانٍ مُعَيَّنٍ، فَيُكَبِّرُ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ، وَيُكَبِّرُ فِي غَيْرِ دُبُرِ الصَّلَوَاتِ أَيْضًا، وَيُكَبِّرُ فِي الأَزِقَّةِ، وَهُوَ فِي فِرَاشِهِ، وَهُوَ فِي السُّوقِ، وَهُوَ فِي المَسْجِدِ، وَهُوَ فِي البَيْتِ.. وَغَيْرِهَا. فَهَذَا هُوَ النَّوْعُ الأَوَّلُ، وَهُوَ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ وَسَنَتَكَلَّمُ عَنْهُ بَعْدَ قَلِيلٍ.

النَّوْعُ الثَّانِي: التَّكْبِيرُ المُقَيَّدُ، وَهُوَ أَنْ يَتَقَيَّدَ بِزَمَانٍ مَخْصُوصٍ؛ وَهُوَ أَنْ يُكَبِّرَ المَرْءُ فَقَطْ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ دُونَ النَّوَافِلِ، فَإِنَّ النَّوَافِلَ لَا يُكَبَّرُ بَعْدَهَا، وَإِنَّمَا يُكَبَّرُ بَعْدَ الصَّلَوَاتِ المَفْرُوضَةِ.

وَالتَّكْبِيرُ فِي عِيدِ الفِطْرِ وَاحِدٌ، فَكُلُّهٌ مُطْلَقٌ، وَلَيْسَ فِيهِ مُطْلَقٌ وَلَا مُقَيَّدٌ، وَإِنَّمَا التَّكْبِيرُ وَاحِدٌ، وَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ التَّفْرِيقُ بَيْنَ أَوْقَاتِ المُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ فِي لَيَالِي العِيدِ فَقَطْ.

وَالتَّكْبِيرُ المُطْلَقُ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، لَكِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي الأَوْقَاتِ الَّتِي سَنَتَكَلَّمُ عَنْهَا بَعْدَ قَلِيلٍ، لَكِنَّهُ يَتَأَكَّدُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ تَأْكِيدُهُ فِي لَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ، وَعِنْدَ الخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ، فَهَذَا هُوَ آكَدُ أَوْقَاتِ التَّكْبِيرِ المُطْلَقِ، وَالَّذِي هُوَ لَيْسَ بِمُؤَكَّدٍ بِمَعْنَى مَا دُونَهُ فِي التَّأْكِيدِ اللَّيَالِي السَّابِقَةُ لِلعِيدِ فِي الأَضْحَى، فَإِنَّ التَّكْبِيرِ المُطْلَقَ يَبْدَأُ فِي الأَضْحَى مِنْ أَوَّلِ دُخُولِ شَهْرِ ذِي الحَجَّةِ، وَلَكِنَّهُ إِنَّمَا يَتَأَكَّدُ فِي لَيْلَةِ العِيدِ، وَهِيَ لَيْلَةُ العَاشِرِ مِنَ الشَّهْرِ.

وَيَبْدَأُ التَّكْبِيرُ المُطْلَقُ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ وَيَتَأَكَّدُ فِي لَيْلَتَيِ العِيدَيْنِ، وَفِي الخُرُوجِ إِلَيْهِمَا إِلَى فَرَاغَ الخُطْبَةِ، فَمُنْتَهَاهُ يَكُونُ مَعَ فَرَاغِ الخُطْبَةِ.

إِذَنْ فَوَقْتُ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الفِطْرِ: يَبْدَأُ مِنْ غِيَابِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَمُنْتَهَاهُ إِلَى أَنْ يَفْرَغَ الخَطِيبُ مِنَ الخُطْبَةِ، وَخَصُّوهُ بِالخُطْبَةِ؛ لِأَنَّ الخُطْبَةَ فِي طَيَّاتِهَا تَكْبِيرٌ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّكْبِيرَ مَوْجُودٌ فِي الخُطْبَةِ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ(36) كَمَا فِي « المُغْنِى» أَوِ « الكَافِي»: إِنَّ الخَطِيبَ إِذَا كَبَّرَ فِي خُطْبَتِهِ كَبَّرَ النَّاسُ بِتَكْبِيرِهِ، كَذَا نَصَّ بَعْضُ الفُقَهَاءِ. وَإِنْ كَانَ هَذَا قَدْ يُنَافِي ظَاهِرًا مَا جَاءَ مِنَ النُّصُوصِ مِنْ لُزُومِ إِنْصَاتِ المَأْمُومِينَ، لَكِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُ أَهْلِ الفِقْهِ؛ لِذَلِكَ خَصُّوهُ إِلَى فَرَاغِ الخُطْبَةِ.

أَمَّا وَقْتُ التَّكْبِيرِ فِي عِيدِ الأَضْحَى: فَإِنَّهُ يَبْدَأُ مِنْ دُخُولِ عَشْرِ ذِي الحَجَّةِ أَيْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ مِنْ ذِي الحَجَّةِ إِلَى صَلَاةِ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإِذَا جَاءَتْ صَلَاةُ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ، فَإِنَّ التَّكْبِيرَ يُصْبِحُ مُقَيَّدًا وَلَيْسَ مُطْلَقًا.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَالْمُقَيَّدُ مِنْ صَلاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى عَصْرِ آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ).

فَيَسْتَمِرُّ التَّقْيِيدُ بِدُبُرِ الصَّلَوَاتِ فَقَطْ إِلَى آخِرِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَهُوَ عَصْرُ اليَوْمِ الثَّالِثَ عَشْرَ مِنْ ذِي الحَجَّةِ وَالدَّلِيلُ عَلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ المُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ: مَا ثَبَتَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: أَنَّهُمْ جَعَلُوا التَّكْبِيرَ فِي شَهْرِ ذِي الحَجَّةِ قِسْمَيْنِ: تَكْبِيرًا مُطْلَقًا، وَتَكْبِيرًا مُقَيَّدًا.

وَأَمَّا مَا جَاءَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ(37) فِي « السُّنَنِ»: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَانَ إِذَا جَاءَ فَجْرُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَبَّرَ دُبُرَ الصَّلَوَاتِ وَحْدَهَا؛ فَإِنَّ الحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَلَا يَصِحُّ.

وَسُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ عَنِ الحَدِيثِ فَضَعَّفَهُ، وَقَالَ: أَصِيرُ إِلَى مَا عَلَيْهِ النَّاسُ. وَهُوَ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ وَعَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فَرَأَى التَّقْيِيدَ بِنَاءً عَلَى عَمَلِ النَّاسِ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: وَالتَّقْيِيدُ عَلَيْهِ فُقَهَاءُ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ.

وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ المُعَاصِرِينَ وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ ابْنُ عُثَيْمِينَ(38) مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا يُوجَدُ تَقْيِيدٌ، بَلِ التَّكْبِيرُ مُطْلَقٌ لَيْلَةَ العِيدِ، وَفِي شَهْرِ ذِي الحَجَّةِ وَلَا فَرْقَ، فَيَكُونُ شَهْرُ ذِي الحَجَّةِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى مُنْتَهَى أَيَّامِ التَّشْرِيقِ كُلِّهَا تَكْبِيرًا مُطْلَقًا، وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَلَيْهِ رَحْمَةُ اللهِ أَنَّ التَّفرِيقَ بَيْنَ المُطْلَقِ وَالمُقَيَّدِ فِي أَيَّامِ شَهْرِ ذِي الحَجَّةِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيُسَنُّ الاجْتِهَادُ فِي الْعَمَلِ الصَّالِحِ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ).

وَذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ فِي « الصَّحِيحَيْنِ»: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  قَالَ: « مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنْ هَذِهِ الأَيَّامِ»(39).

فَبَيَّنَ النَّبِيُّ أَنَّ هَذِهِ الأَيَّامَ أَيَّامٌ يُحِبُّ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ العَمَلَ الصَّالِحَ فِيهَا. وَأَفْضَلُ الأَعْمَالِ الَّتِي تُعْمَلُ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ مَا وَرَدَ النَّصُّ بِهَا.

وَمِمَّا وَرَدَ النَّصُّ بِفِعْلِهِ فِي الأَيَّامِ العَشْرِ الفَاضِلَةِ: ذِكْرُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « فَأَكْثِرُوا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ».

وَمِنَ الأَعْمَالِ الفَاضِلَةِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِهَا العَشْرُ: التَّقَرُّبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ، إِنْ كَانَ المَرْءُ قَارِنًا فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ، وَأَنْ يُتَقَرَّبُ إِلَيْهِ جَلَّ وَعَلَا بِالأُضْحِيَةِ وَالاسْتِعْدَادِ لَهَا، فَإِنَّ لِلوَسَائِلِ أَحْكَامَ المَقَاصِدِ؛ فَإِنَّ شِرَاءَ الأُضْحِيَةِ وَتَقْلِيدَهَا وَعَلْفَهَا لَهُ أَجْرٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَمَا فِي « الصَّحِيحِ»: « الْخَيْلُ ثَلاثَةٌ، فَمَنْ حَبَسَهَا فِي سَبِيلِ اللهِ كَانَ عَلَفُهَا وَبَوْلُهَا وَرَوَثُهَا حَسَنَاتٍ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»(40). فَكَذَلِكَ قَالَ أَهْلُ العِلْمِ فِي الأُضْحِيَةِ: إِنَّ مَنْ احْتَبَسَهَا وَقَلَّدَهَا وَنَوَاهَا وَحَدَّدَهَا بِعَيْنِهَا، كَانَ تَعْلِيفُهُ لَهَا وَمَا يَبْذُلُهُ عَلَيْهَا أَجْرٌ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَوْمَ القِيَامَةِ.

وَهُنَا قَاعِدَةٌ ذَكَرَهَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الأَزْمَانِ الفَاضِلَةِ وَالأَعْمَالِ الَّتِي تُفْعَلُ فِيهَا، وَهِيَ: فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ فَضْلِ الزَّمَانِ وَتَخْصِيصِهِ بِعَمَلٍ. فَإِنَّ يَوْمَ الجُمُعَةِ يَوْمٌ فَاضِلٌ، بَلْ هُوَ أَفْضَلُ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ عَلَى الإِطْلَاقِ وَلَا شَكَّ، وَقَدْ وَرَدَ الحَدِيثُ صَرِيحًا فِي النَّهْيِ عَنْ إِفْرَادِهِ بِالصَّوْمِ، وَفِي النَّهْيِ أَيْضًا عَنْ تَخْصِيصِ لَيْلَتِهِ بِقِيَامٍ. وَكَذَلِكَ يَوْمُ العِيدِ، فَإِنَّ يَوْمَ العِيدِ يَوْمٌ فَاضِلٌ، وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ تَخْصِيصِهِ بِالصَّوْمِ. فَالمَقْصُودُ: أَنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ الفَضْلِ، وَبَيْنَ العَمَلِ الَّذِي يُؤَدَّى فِيهِ.

وَهَذَا السَّبَبُ هُوَ الَّذِي أَوْقَعَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ سَوَاءٌ كَانَ بِاجْتِهَادٍ أَمْ بِسَبَبِ بِدْعَةٍ فِي تَعْظِيمِ بَعْضِ الأَيَّامِ، فَلَيْلَةُ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ وَرَدَ فِيهَا حَدِيثٌ فِي « مُسْنَدِ الإِمَامِ أَحْمَدَ»، وَقَدْ حَسَّنَهُ جَمْعٌ مِنْ أهْلِ العِلْمِ، وَصَحَّحَهُ آخَرُونَ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  بَيَّنَ فَضْلًا لِهَذِهِ اللَّيْلَةِ، وَأَنَّ الأَعْمَالَ تُرْفَعُ فِيهَا إِلَّا لِمُشَاحِنٍ أَوْ مُشْرِكٍ.

وَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ كَمَكْحُولٍ(41) وَغَيْرِهِ، جَاءَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ أَحْيَوا هَذِهِ اللَّيْلَةَ، وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ فَضْلِ اللَّيْلَةِ وَبَيْنَ إِحْيَائِهَا، فَهَذَا اجْتِهَادٌ مِنْهُمْ رَحِمَهُمُ اللهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ، وَهُوَ خَطَأٌ.

وَكَذَلِكَ مَا يَحْدُثُ وَأَنْكَرَهُ الشَّيْخُ، وَرَأَى أَنَّهُ بِدْعَةٌ مِنْ بَعْضِ النَّاسِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ: مِنْ تَعْظِيمِ هَذَا اليَوْمِ، وَإِظْهَارِ الزِّينَةِ فِيهِ، وَمِنْ تَوْزِيعِ الهَدَايَا فِيهِ.

قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: هَذَا بِدْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ إِظْهَارٌ. وَكَذَلِكَ العَكْسُ: فَإِظْهَارُ الحُزْنِ فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ بِدْعَةٌ أَيْضًا، فَإِنَّهُ لَا تَلَازُمَ بَيْنَ العَمَلِ وَبَيْنَ الفَضْلِ.

نَأْتِي إِلَى العَشْرِ مِنْ ذِي الحَجَّةِ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « مَا مِنْ أَيَّامٍ الْعَمَلُ الصَّالِحُ فِيهِنَّ أَحَبُّ إِلَى اللهِ»(42). فَيَدُلُّنَا ذَلِكَ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ العَمَلِ الصَّالِحِ مِمَّا يُشْرَعُ جِنْسُهُ فَإِنَّهُ مَشْرُوعٌ فِي هَذِهِ الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ.

وَمِنْ مُطْلَقِ العَمَلِ الَّذِي وَرَدَ: التَّطَوُّعُ للهِ عَزَّ وَجَلَّ بِالصِّيَامِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَانَ يَصُومُ أَيَّامًا كَثِيرَةً مِنَ السَّنَةِ. وَقَدْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إِفْرَادِ أَيَّامٍ أَوْ شُهُورٍ بِعَيْنِهَا بِالصِّيَامِ، فَثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَضْرِبُ يَدَ مَنْ يَصُومُ شَهْرَ رَجَبٍ.

وَأَمَّا عَشْرُ ذِي الحَجَّةِ فَإِنَّ هَذَا الحَدِيثَ الَّذِي فِي « الصَّحِيحَيْنِ» كَمَا ذَكَرْتُ لَكُمْ يَدُلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ صِيَامِ العَشْرِ الأُوَلِ مِنْهُ حَاشَا يَوْمَ العِيدِ، فَإِنَّ يَوْمَ العِيدِ لَا يُصَامُ.

وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ: مَا جَاءَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  فِي صِيَامِ هَذِهِ الأَيَّامِ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ  كَانَ يَصُومُهَا، وَإِنْ كَانَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مَقَالٌ لِبَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، فَالحَدِيثُ الضَّعِيفُ لَا يُرَدُّ عَلَى إِطْلَاقِهِ مَا دَامَ أَصْلُهُ لَا يُعَارَضُ أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مَعَانٍ أُخْرَى فِي الشَّرِيعَةِ، وَلَا يُوجَدُ فِي البَابِ مَا يُخَالِفُهُ، وَهَذَا مَا نَصَّ عَلَيْهِ الإِمَامُ أَحْمَدُ.

وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي المُسَوَّدَةِ: أَنَّ فُقَهَاءَ الحَدِيثِ تَكَادُ تَكُونُ كَلِمَتُهُمْ مُتَّفِقَةً عَلَى العَمَلِ بِالحَدِيثِ الضَّعِيفِ إِذَا لَمْ يَكُنْ ضَعْفُهُ شَدِيدًا، وَلَا يُوجَدُ فِي البَابِ غَيْرُهُ أَنَّهُ يُعْمَلُ بِهِ وَيُصُارَ إِلَيْهِ.

 


(1) هو: الإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن علي بن محمد بن أحمد بن راشد، التميمي، الحنبلي، النجدي، المصلح الكبير، ولد ونشأ وتعلم في بلدة العيينة، ورحل في طلب العلم إلى نواحي نجد ومكة، حتى صار عالمًا، أنكر المنكر، وقمع الله به البدع، اتحد مع آل سعود في توحيد الجزيرة العربية، وتوحيد الرب تعالى حتى أيدهما الله. له « كتاب التوحيد»، و« الأصول الثلاثة»، وغيرهما كثير. ولد سنة خمس عشرة بعد المئة والألف، وتوفي سنة ست ومئتين بعد الألف. انظر: إسلامية لا وهابية للدكتور/ ناصر بن عبد الكريم العقل (ص: 23)، والأعلام للزركلي (6/ 257).

(2) هو: موسى بن أحمد بن موسى بن سالم بن أحمد بن عيسى بن سالم، شرف الدين، أبو النجا، الحجاوي، المقدسي، ثم الصالحي، الحنبلي، أحد أركان المذهب، له « الزاد»، و« الإقناع». توفي سنة ثمان وستين وتسع مئة. انظر: شذرات الذهب (10/ 472)، والسحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (3/ 1134 ترجمة 767).

(3) هو: منصور بن يونس بن صلاح الدين بن حسن بن أحمد بن علي بن إدريس، أبو السعادات، الْبُهُوتِي -نسبةً إلى بُهُوتِ مصر- الإمام العلامة المدقق، أحد كبار أئمة المذهب، شيخ الحنابلة في مصر دون مدافع، شارح الإقناع والمنتهى. ومؤلفاته كلها موجودة لم يُفقد منها أي شيء. وكتابه « الروض المربع» دال على إمامته وعلو كعبه، ولد سنة ألف، وتوفي سنة إحدى وخمسين وألف. انظر: السحب الوابلة على ضرائح الحنابلة (3/ 1131 ترجمة 766)، والأعلام (7/ 307).

(4) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب صلاة العيدين (1134)، والنسائي في كتاب صلاة العيدين (1556)، وصححه الألباني في « صحيح الجامع» (4460).

(5)  أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب الإيمان- باب الزكاة من الإسلام (46)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (11).

(6) هو: تقي الدين، أبو العباس، أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبدالله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيميَّة، الحرَّاني، ثم الدمشقي، الحنبلي، الإمام، الفقيه، المجتهد، المحدث، الحافظ، المفسر، الأصولي، الزاهد. برع في العلوم الإسلامية والآلية، وقمع الله به أهل الضلال، ونصر به أهل السنة. ولد سنة إحدى وستين وست مئة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله من المؤلفات: « الواسطية»، و« منهاج السنة»، وغيرها. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (4/ 491 ترجمة 531)، والوافي بالوفيات (7/ 10 ترجمة 619).

(7) هو: أبو عميرة بن أنس بن مالك، الأنصاري. قال الحاكم أبو أحمد: اسمه عبدالله. روى عن عمومة له من الأنصار، وكان أكبر ولد أنس بن مالك. قال ابن حجر في التقريب: ثقة. انظر: تهذيب الكمال (34/ 142ترجمة 7545)، ولسان الميزان (7/ 477 ترجمة 5613).

(8) هو: الإمام الأوحد، البحر، ذو الفنون والمعارف، أبو محمد، علي بن أحمد بن سعيد بن حزم بن غالب بن صالح بن خلف بن معدان بن سفيان بن يزيد، الفارسي الأصل، ثم الأندلسي، القرطبي، اليزيدي، مولى الأمير يزيد بن أبي سفيان بن حرب الأموي -رضي الله عنه- المعروف بيزيد الخير، نائب أمير المؤمنين أبي حفص عمر على دمشق، الفقيه الحافظ، المتكلم، الأديب، الوزير الظاهري، صاحب التصانيف. ولد بقرطبة في سنة أربع وثمانين وثلاث مئة. فنشأ في تنعم ورفاهية، ورزق ذكاء مفرطا، وذهنا سيالا، وكتبا نفيسة كثيرة. مات سنة ست وخمسين وأربع مئة. له من المؤلفات: « المحلى» في الفقه، و« الإحكام» في أصول الفقه، انظر: سير أعلام النبلاء (18/ 184 ترجمة 99)، و« ابن حزم فقهه وآراؤه» للشيخ/ محمد أبو زهرة.

(9) هو: الإمام الحافظ العلامة، شيخ خراسان، أبو بكر، أحمد بن الحسين بن علي بن موسى، الخسروجردي، البيهقي، صاحب التصانيف. ولد سنة أربع وثمانين ثلاث مئة في شعبان، ومات في عاشر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربع مئة بنيسابور، ونقل في تابوت إلى بيهق مسيرة يومين. من تصانيفه: « السنن الكبرى»، و« الخلافيات». انظر سير أعلام النبلاء (18/ 163 ترجمة 86)، وطبقات الحفاظ (ص87).

(10) هو: الصحابي عمرو بن حزم بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار، الأنصاري، الخزرجي، ثم النجاري. يكنى: أبا الضحاك. أول مشاهده الخندق، واستعمله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على أهل نجران وهو ابن سبع عشرة سنة، وكتب لهم كتابا فيه الفرائض والسنن والصدقات والديات. روى له أبو داود في المراسيل، والنسائي، وابن ماجه. توفي بعد سنة خمسين. انظر: الاستيعاب (ص: 500 ترجمة 1772)، والإصابة (4/ 621 ترجمة 5814).

(11) أخرجه البيهقي في « السنن الكبرى» (3/282)، وقال: « هذا مرسل».

(12) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب الأكل يوم الفطر قبل الخروج (953).

(13) هو: الصحابي الجليل جابر بن عبدالله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة، أبو عبدالله، وأبو عبد الرحمن، الأنصاري، الخزرجي، السلمي، المدني، الفقيه، الإمام، الكبير، المجتهد، الحافظ، صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم. وكان مفتي المدينة في زمانه. شهد ليلة العقبة مع والده، وأطاع أباه يوم أحد، وقعد لأجل أخواته، ثم شهد الخندق وبيعة الشجرة، وقد ورد أنه شهد بدرًا. شاخ، وذهب بصره، وقارب التسعين. توفي بالمدينة سنة أربع وتسعين، وقيل: سنة سبع وتسعين. انظر: الاستيعاب (ص114 ترجمة 296)، وأسد الغابة (1/ 492 ترجمة 647).

(14) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب من خالف الطريق إذا رجع يوم العيد (986).

(15) هو: الصحابي الجليل سعد بن مالك بن سنان بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر بن عوف بن الحارث بن الخزرج، أبو سعيد، الخدري، الإمام، المجاهد، مفتي المدينة. واسم الأبجر: خدرة، وقيل: بل خدرة هي أم الأبجر. استشهد أبوه مالك يوم أحد، وشهد أبو سعيد الخندق، وبيعة الرضوان. وحدث عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فأكثر وأطاب، وعن أبي بكر، وعمر، وطائفة، وكان أحد الفقهاء المجتهدين. مات سنة أربع وسبعين. انظر: الاستيعاب (ص: 286 ترجمة 915)، وأسد الغابة (2/ 451 ترجمة 2036).

(16)  أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- كتاب حذف التسليم (1004)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

(17) هو: عمرو بن شعيب بن محمد ابن صاحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عبدالله بن عمرو بن العاص بن وائل، الإمام المحدث، أبو إبراهيم، وأبو عبدالله، القرشي، السهمي، الحجازي، فقيه أهل الطائف، ومحدثهم، وكان يتردد كثيرًا إلى مكة، وينشر العلم، وله مال بالطائف، وأمه حبيبة بنت مرة الجمحية. حدث عن أبيه فأكثر. قال ابن حجر في التقريب: صدوق. توفي سنة ستين ومئتين. انظر: تهذيب الكمال (22/ 64 ترجمة 4385)، وسير أعلام النبلاء (5/ 165 ترجمة 61).

(18) هو: شعيب بن محمد بن عبدالله بن عمرو بن العاص، القرشي، السهمي، الحجازي، والد عمرو بن شعيب، وقد ينسب إلى جده. من الطبقة الوسطى من التابعين، روى له البخاري في جزء القراءة خلف الإمام، والباقون سوى مسلم. قال ابن حجر في التقريب: صدوق، ثبت سماعه من جده. انظر: تهذيب الكمال (12/ 534 ترجمة 2756)، وسير أعلام النبلاء (9/ 181 ترجمة 62).

(19) هو: علي بن عبدالله بن جعفر بن نجيح، السعدي، أبو الحسن، ابن المديني، البصري، مولى عروة بن عطية السعدي. الإمام المبرز في هذا الشأن، صاحب التصانيف الواسعة، والمعرفة الباهرة. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله. مات سنة أربع وثلاثين ومئتين. انظر: تهذيب الكمال (21/ 5 ترجمة 4096)، وسير أعلام النبلاء (11/ 41 ترجمة 22).

(20) هو: الصحابي عقبة بن عامر بن عبس بن عمرو بن عدي بن عمرو بن رفاعة بن مودوعة بن عدي بن غنم بن الربعة بن رشدان بن قيس بن جهينة، الجهني. روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كثيرًا. روى عنه جماعة من الصحابة والتابعين. كان قارئًا عالمًا بالفرائض والفقه، فصيح اللسان، شاعرًا، كاتبًا، وهو أحد من جمع القرآن. مات عقبة في خلافة معاوية. انظر: الاستيعاب (ص: 561 ترجمة 1898)، والإصابة (4/ 520 ترجمة 5605).

(21) هو: الصحابي الجليل حذيفة بن اليمان بن جابر، العبسي. من نجباء أصحاب محمد -صلى الله عليه وسلم- وهو صاحب السر. واسم اليمان: حِسْل -ويقال: حُسَيْل- ابن جابر العبسي، اليماني، أبو عبدالله، حليف الأنصار، من أعيان المهاجرين. وأمه الرباب بنت كعب بن عدي الأنصارية. توفي سنة ست وثلاثين بعد مقتل عثمان. انظر: أسد الغابة (1/ 706 ترجمة 1113)، والإصابة (2/ 44 ترجمة 1649).

(22) هو: كثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، القرشي، السهمي، المكي، روى عن: سعيد بن جبير وأبيه كثير بن المطلب بن أبي وداعة وعن بعض أهله عن جده المطلب بن أبي وداعة، روى عنه: إبراهيم بن نافع المكي وسالم الخياط وسفيان بن عيينة، وغيرهم، كان شاعرًا قليل الحديث، قال ابن حجر في التقريب: ثقة من السادسة. انظر: تهذيب الكمال (24/ 151 ترجمة 4956)، وتهذيب التهذيب (28/ 20 ترجمة 761).

(23) هو: كثير بن المطلب بن أبي وداعة بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، القرشي، السهمي، أبو سعيد، المكي، والد جعفر وسعيد وعبدالله وكثير، روى عن: أبيه المطلب بن أبي وداعة، روى عنه: بنوه جعفر وسعيد وكثير، قال ابن حجر في التقريب: مقبول من الثالثة. انظر: تهذيب الكمال (24/ 161 ترجمة 4964)، وتهذيب التهذيب (28/ 23 ترجمة 769).

(24) هو: الصحابي المطلب بن أبي وداعة الحارث بن صبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، القرشي، السهمي، أسلم يوم الفتح ثم نزل الكوفة، ثم تحول إلى المدينة، كان لدة النبي -صلى الله عليه وسلم- له صحبة، وروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم. انظر: أسد الغابة (4/ 414 ترجمة 4946)، والإصابة (6/ 132 ترجمة 8034).

(25) سورة الأعلى: 1.

(26) سورة الغاشية: 1.

(27) هو: الصحابي سمرة بن جندب بن هلال، أبو سليمان، الفزاري. كان من حلفاء الأنصار. وكان شديدًا على الخوارج فكانوا يطعنون عليه، وكان الحسن وابن سيرين يثنيان عليه. قيل: مات سنة ثمان. وقيل: سنة تسع وخمسين. وقيل: في أول سنة ستين. انظر: الإصابة (2/ 178 ترجمة 3477)، والاستيعاب (ص: 300 ترجمة 996).

(28) هو: الصحابي النعمان بن بشير بن سعد بن ثعلبة، أبو عبدالله، الأنصاري، الخزرجي. أمه عمرة بنت رواحة. ولد قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- بثماني سنين، وهو أول مولود للأنصار بعد الهجرة، له ولأبويه صحبة. سمع من النبي -صلى الله عليه وسلم. روى عنه: ابناه محمد وبشير والشعبي وأبو إسحاق السبيعي وغيرهم. استعمله معاوية على حمص، ثم على الكوفة، واستعمله عليها بعده ابنه يزيد، فلما مات يزيد؛ دعا الناس إلى بيعة عبدالله بن الزبير بالشام، فخالفه أهل حمص، فأخرجوه منها، واتبعوه، وقتلوه في ذي الحجة سنة أربع وستين. انظر: الاستيعاب (ص: 723 ترجمة 2596)، والإصابة (6/440 ترجمة 8734).

(29) سورة ق: 1.

(30) سورة القمر: 1.

(31) هو: الحارث الأعور، العلامة الإمام، أبو زهير، الحارث بن عبدالله بن كعب بن أسد، الهمداني، الخارقي، الكوفي، صاحب علي وابن مسعود، كان فقيهًا كثير العلم، على لين في حديثه، تعلم الفرائض من علي -رضي الله عنه- كان يقول: تعلمت القرآن في سنتين، والوحي في ثلاث سنين. قال ابن حجر: كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض، وفي حديثه ضعف، وليس له عند النسائي سوى حديثين. توفي سنة خمس وستين بالكوفة. انظر: تهذيب الكمال (5/ 244 ترجمة 1025)، وسير أعلام النبلاء (4/ 152 ترجمة 54).

(32)أخرجه الترمذي (2906) كتاب فضائل القرآن - باب ما جاء في فضل القرآن، وضعفه الألباني في « ضعيف الجامع» (2081)، وقال: « ضعيف جدً».

(33) سورة الغاشية: 22، 23.

(34)  تقدم تخريجه.

(35) هو: عبد العزيز بن عبدالله بن عبد الرحمن بن محمد بن عبدالله بن باز، الشيخ العلامة، الداعية، الفقيه، الزاهد، ولد في الثاني عشر من ذي الحجة سنة ثلاثين وثلاث مئة وألف بمدينة الرياض، وكان بصيرًا ثم أصابه مرض الجدري المنتشر في تلك الفترة، وضعف بصره، ثم فقده عام خمسين وثلاث مئة وألف، حفظ القرآن الكريم قبل سن البلوغ، ثم جد في طلب العلم على العلماء في الرياض، ولما برز في العلوم الشرعية واللغة؛ عُين في القضاء، وشغل الإفتاء إلى أن مات -رحمه الله- قبيل فجر الخميس في السابع والعشرين من المحرم سنة عشرين وأربع مئة وألف. من مؤلفاته: « الفوائد الجلية في المباحث الفرضية»، و« التحقيق والإيضاح لكثير من مسائل الحج والعمرة والزيارة»، وغيرها كثير. انظر: علماء ومفكرون عرفتهم لمحمد المجذوب (1/ 77)، وله ترجمة موعبة في موقعه على الشبكة العنكبوتية.

(36) هو: موفق الدين، أبو محمد، عبدالله بن أحمد بن قدامة، المقدسي، الجماعيلي، ثم الدمشقي، ثم الحنبلي. الشيخ، الإمام، القدوة، العلامة، المجتهد، شيخ الإسلام. مولده بجماعيل من عمل نابلس في شعبان سنة إحدى وأربعين وخمس مئة. قدم دمشق مع أهله وله عشر سنين، قرأ القرآن، وحفظ مختصر الخرقي، وكان شيخ الحنابلة. توفي يوم عيد الفطر سنة عشرين وسبع مئة. صنف التصانيف الحسنة؛ منها: « المغني» في الفقه المقارن، و« الكافي»، و« المقنع». انظر: سير أعلام النبلاء (22/ 165 ترجمة 112)، والذيل على طبقات الحنابلة (3/ 281 ترجمة 300).

(37) هو: الإمام الحافظ المجود، شيخ الإسلام، علم الجهابذة، أبو الحسن، علي بن عمر بن أحمد بن مهدي بن مسعود بن النعمان بن دينار بن عبدالله، البغدادي، المقرئ، المحدث، من أهل محلة دار القطن ببغداد. ولد سنة ست وثلاث مئة. كان من بحور العلم، ومن أئمة الدنيا، انتهى إليه الحفظ ومعرفة علل الحديث ورجاله، مع التقدم في القراءات وطرقها، وقوة المشاركة في الفقه، والاختلاف، والمغازي، وأيام الناس، وغير ذلك. وهو أول من صنف القراءات، وعقد لها أبوابًا قبل فرش الحروف. من مؤلفاته: « السنن»، و« العلل». توفي في ثامن ذي القعدة سنة خمس وثمانين وثلاث مئة. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 449 ترجمة 332)، ووفيات الأعيان (3/ 297 ترجمة 434).

(38) هو: أبو عبدالله، محمد بن صالح بن محمد بن عثيمين، الوهيبي، التميمي، الشيخ العلامة، الفقيه المتفنِّن. قرأ القرآن الكريم على جده لأمه، ثم اتجه إلى طلب العلم، فتعلم الخط والحساب، وبعض فنون الآداب. قرأ على الشيخ ابن ناصر السعدي (مختصر العقيدة الواسطية)، و(منهاج السالكين)، و(الآجرومية)، و(الألفية)، وتأثر به كثيرًا. وقرأ على الشيخ ابن باز (صحيح البخاري)، وبعض رسائل شيخ الإسلام ابن تيمية. عُين مدرسًا في معهد عنيزة العلمي، ثم تولى إمامة الجامع الكبير، ثم انتقل إلى التدريس في كليتي الشريعة وأصول الدين بالقصيم. وعُرض عليه القضاء فأباه. له مؤلفات وشروح للمتون العلمية كثيرة؛ منها: شرح (كتاب التوحيد)، وشرح « زاد المستقنع». ولد بعُنَيْزَةَ في السابع والعشرين من رمضان سنة سبع وأربعين وثلاث مئة وألف، وتوفي في الخامس عشر من شوال سنة إحدى وعشرين وأربع مئة وألف إثر إصابته بسرطان القولون. انظر: مقدمة مجموع الفتاوى للشيخ (1/ 9) ط: دار الثريا، وكتاب « ابن عثيمين الإمام الزاهد» ط: دار ابن الجوزي.

(39) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب فضل العمل في أيام التشريق (969).

(40) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (1402)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب إثم مانع الزكاة (987).

(41) هو: مكحول. عالم أهل الشام، يكنى: أبا عبدالله، وقيل: أبو أيوب. وقيل: أبو مسلم. الدمشقي، الفقيه. أرسل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أحاديث، وأرسل عن عدة من الصحابة لم يدركهم، وروى أيضًا عن طائفة من قدماء التابعين. وعداده في أوساط التابعين، من أقران الزهري. قال أبو حاتم: ما بالشام أحد أفقه من مكحول. مات سنة بضع عشرة ومئة. قال ابن حجر في التقريب: ثقة فقيه كثير الإرسال. انظر: تهذيب الكمال (28/ 464 ترجمة 6168)، وسير أعلام النبلاء (5/ 155 ترجمة 57).

(42)  تقدم تخريجه.