موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كِتَابُ الصَّلاة - فَرْضُ الصَّلَوات الخَمس وأَبْحَاثها - شرح المنتـقى (الجزء الثاني)
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتـقى (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتـقى (الجزء الثاني)
 كِتَابُ الصَّلاة / فَرْضُ الصَّلَوات الخَمس وأَبْحَاثها
 وَصَلَّيْتُ مَعَهُ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ
 حَدِيثُ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»
 حَدِيثُ «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ»
 حَدِيثُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ»
 مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ
 حَدِيثُ «وَقْتُ صَلَاتِكُمْ مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ»
 بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ
 لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ
 عَلَامَةُ وَقْتِ الفَجْرِ
 المُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ الوُسْطَى
 بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَذَانِ
 مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ
 السُّتْرَةُ فِي الصَّلَاةِ
 النَّهْيُ عَنِ المُرُورِ أَمَامِ المُصَلِّي
 سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ
 الصَّلاَةُ خَلْفَ النَّائِمِ
 مَا جَاءَ فِي الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ
 لِبَاسُ المَرْأَةِ فِي الصَّلَاة
 الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْن
 مَا جَاءَ فِي المَسْجِدِ
 الصَّلَاةُ عَلَى الخُمْرَةِ
 صِفَةُ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 حُكْمُ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ
 الأَدْعِيَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الصَّلَاةِ
 مِنْ أَدْعِيَةِ الاسْتِفْتَاحِ فِي الصَّلَاةِ
 عَدَمُ الجَهْرِ بِالبَسْمَلَةِ
 قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ
 مَشْرُوعِيِّةُ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ
 مَسْأَلَةٌ خَاصَّةٌ بِقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ
 مَا يُجْزِئُ عَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ
 مَشْرُوعِيَّةُ التَّأْمِينِ فِي الصَّلَاةِ
 صِفَةُ الجُلُوسِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ
 حَدِيثُ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»
 حَدِيثُ: «إِنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوَضُوءَ»
 صِفَةُ صَلَاةُ النَّبِي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 حَديث «فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ».
 القُنُوتُ
 حَدِيثُ: «وَلَا يَكُفَّ شَعْرًا أَوْ ثَوْبًا»
 صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 جَوَازُ الإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ
 صِفَةُ التَّشَهُّدِ
 الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّشْهُّدِ
 صِفَةُ الإِشَارَةِ بِالأُصْبُعِ فِي الصَّلَاةِ
 صِفَةُ التَّسْلِيمِ
 بَابُ الأَفْعَالِ الجَائِزَةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الجَائِزَةِ
 كَيْفِيِّةُ رَدِّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ
 الصَّلَاةُ خَلْفَ الإِمَامِ وَهُوَ قَاعِدٌ
 مَسْحُ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ
 الخَصْرُ فِي الصَّلَاةِ
 كَظْمُ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلَاةِ
 تَقْدِيمُ العَشَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ
 مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ المُسَافِرِ
 الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
 الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ
 مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ القَاعِدِ
 بَابٌ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
 صِفَةُ صَلَاةِ الخَوْفِ
 مَسْأَلَةُ الخَصْرِ في الصَّلَاةِ
 مَسْأَلَةٌ فِي صَلَاةِ المَرْأَةِ
 مَسْأَلَةٌ في الإِشَارَةِ في الصَّلَاةِ
 بَابُ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ وَقَضَاءِ الفَوَائِتِ
 بَابُ السَّهْوِ
 السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ
 سُجُودُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ
 مَا جَاءَ فِي الكُسُوفِ
 صِفَةِ صَلَاةِ الكُسُوفِ
 العَتَاقَةُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ
 الأَسْئِلَةُ
 الأَسْئِلَةُ (1)
 الأَسْئِلَةُ (2)
 الأَسْئِلَةُ (3)
شرح المنتـقى (الجزء الثاني) - كِتَابُ الصَّلاة / فَرْضُ الصَّلَوات الخَمس وأَبْحَاثها

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

قَالَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ:

كِتَابُ الصَّلاة

فَرْضُ الصَّلَوات الخَمس وأَبْحَاثها

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: وَفِيمَا قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ نَافِعٍ وَثَنِي مُطَرِّفٌ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِيهِ أنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ (1) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: جَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ حَتَّى دَنَا، فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»، فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ» قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْ هَذَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» (2).


الحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: هُوَ الذِّهْلِيُّ.

قَالَ: وَفِيمَا قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ نَافِعٍ: وَهُوَ ابْنُ ثَابِتِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ الزُّبَيْرِ القُرَشِيِّ الأُسْدِيِّ الزُّبَيْرِيِّ أَبُي بَكْرٍ المَدَنِيِّ، صَدُوقٌ زَاهِدٌ عَابِدٌ، رَحِمَهُ اللهُ رَوَى لَهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

وَحَدَّثَنِي مُطَرِّفٌ: هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُطَرِّفٍ، أَبُو مُصْعَبَ المَدَنِيُّ، ثِقَةٌ رَحِمَهُ اللهُ.

عَنْ مَالِكٍ: هُوَ ابْنُ أَنَسٍ الإِمَامُ المَشْهُورُ الأَصْبَحِيُّ أَبُو عَبْدِ اللهِ المَدَنِيُّ الفَقِيهُ رَأْسُ المُتْقِنِينَ، وَكَبِيرُ المُتَثَبِّتِينَ إِمَامُ دَارِ الهِجْرَةِ رَحِمَهُ اللهُ رَوَى لَهُ الجَمَاعَةُ.

عَنْ عَمِّهِ أَبِي سُهَيْلِ بْنِ مَالِكٍ: وَهُوَ نَافِعُ بْنُ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ المَدَنِيُّ أَبُو سُهَيْلٍ المُقْرِئُ كَانَ يُؤْخَذُ عَنْهُ القِرَاءَةُ بِالمَدِينَةِ. ثِقَةٌ رَوَى لَهُ الجَمَاعَةُ رَحِمَهُ اللهُ.

عَنْ أَبِيهِ: مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرٍ، أَبُو أَنَسٍ ثِقَةٌ رَحِمَهُ اللهُ رَوَى لَهُ الجَمَاعَةُ.

أَنَّهُ سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: صَحَابِيٌّ جَلِيلٌ، وَأَحَدُ العَشْرَةِ المَشْهُودِ لَهُمْ بِالجَنَّةِ.

يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ:

ذَكَرَ بَعْضُ العُلَمَاءِ أَنَّهُ ضِمَامُ بْنُ ثَعْلَبَةَ المَذْكُورُ فِي خَبَرِ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ، لَكِنْ تَعَقَّبَهُمُ القُرْطُبِيُّ بِاخْتِلَافِ مَسَاقِهِمَا وَتَبَايُنِ الأَسْئِلَةِ بِهِمَا فَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ.

 مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ:

وَنَجِدُ فِي الأَصْلِ مَا ارْتَفَعَ مِنَ الأَرْضِ ضِدَّ التُّهَامَةِ سُمِّيَتْ بِهِ الأَرْضُ الوَاقِعَةُ بَيْنَ تُهَامَةَ -أَيْ مَكَّةَ- وَبَيْنَ العِرَاقِ.

إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَائِرَ الرَّأْسِ:

أَيْ مُنْتَشِرَ شَعْرِ الرَّأْسِ غَيْرَ مُرَجَّلٍ، وَأُطْلِقَ اسْمُ الرَّأْسِ عَلَى الشَّعْرِ إِمَّا مُبَالَغَةً، أَوْ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِنْهُ يَنْبُتُ، أَوْ لِأَنَّ مَا اتَّصَلَ بِالشَّيْءِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمُهُ وَالشَّعْرُ مُتَّصِلٌ بِالرَّأْسِ، فَشَعْرُهُ مِنْ رَأْسِهِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُءُوسِكُمْ(3) وَالإِنْسَانُ قَدْ يَمْسَحُ شَعْرَهُ، وَالشَّعْرُ تَابِعٌ لِلرَّأْسِ فَهُوَ فِي مُسَمَّاهُ، وَلَا مَجَازَ هُنَا وَلَا حَذْفَ وَلَا يُقَالُ: إِنَّ المَعْنَى ثَائِرُ شَعْرِ الرَّأْسِ، فَمَنْ ثَارَ شَعْرُهُ يُقَالُ: ثَارَ رَأْسُهُ وَلِأَنَّ الشَّعْرَ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَثْبُتَ إِلَّا عَلَى الرَّأْسِ.

يُسْمَعُ دَوِيُّ صَوْتِهِ:

الدَّوِيُّ: هُوَ الصَّوْتُ الَّذِي لَا يُمَيَّزُ، وَمِنْهُ دَوَّى، وَالصَّوْتُ المُدَوِّي هُوَ الصَّوْتُ المُزْعِجُ الَّذِي لَا يُعْلَمُ تَفْصِيلُهُ وَلَا يُفْهَمُ وَلِهَذَا قَالَ:

وَلَا يُفْقَهُ مَا يَقُولُ:

يَعْنِي لَا يُفْهَمُ مَا يَقُولُ، وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» نَحْوَ هِذِهِ القِصَّةِ، وَفِيهَا أَنَّهُ جَعَلَ يَقُولُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَأَنَّهُ يُنَادِي مِنْ بَعِيدٍ عَلَى طَرِيقَةِ الأَعْرَابِ حِينَمَا أَقْبَلَ عَلَى قَدَمَيْهِ أَوْ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمَّا قَرُبَ فَهِمُوا مَا يَقُولُ، لَكِنْ ظَاهِرَ الرِوَايَةِ هُنَا أَنَّهُ لَا يَفْقَهُ مَا يَقُولُ، إِلَّا أَنَّهُ حُمِلَ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ هُوَ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي فِي هَذِهِ القِصَّةِ.

حَتَّى دَنَا:

يَعْنِي مِنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَفِيهِ أَنَّ الدُّنُوَّ مِمَّنْ يُسْأَلُ مِمَّا يُعِينُ عَلَى الفَهْمِ، وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّ مِنْ عَادَةِ الأَعْرَابِ وَطَرِيقَةِ أَهْلِ البَادِيَةِ القُرْبُ وَالدُّنُوُّ مِمَّنْ يَسْأَلُهُ حَتَّى يَأْخُذَ عَنْهُ وَيَسْمَعَ، وَرُبَّمَا أَمْسَكَ بِبَعْضِ بَدَنِ مَنْ يَسْأَلُهُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ مِنَ القَوْلِ الَّذِي يَسْمَعُهُ.

فَإِذَا هُوَ يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلَامِ:

المُرَادُ أَنَّهُ يَسْأَلُهُ عَنْ شَرَائِعِ الإِسْلَامِ، لَا عَنِ الدُّخُولِ فِي الإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ الإِيمَانُ؛ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ أَصْلًا، يَدُلُّ عَلَى هَذَا مَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُكَ، وَذَكَرَ لَهُ أَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ، ثُمَّ ذَكَرَ لَهُمْ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ (4)، وَجَاءَ عِنْدَ البُخَارِيِّ: فَعَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ، فَقَالَ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ (5). فَوَاضِحٌ أَنَّ المُرَادَ بِالإِسْلَامِ هُنَا شَرَائِعُ الإِسْلَامِ.

فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ»:

يَعْنِي: هِيَ خَمْسٌ، كَأَنَّهُ خَبَرٌ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ.

«خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ»:

وَهُنَا جَاءَ مُجْمَلًا؛ إِمَّا لِأَنَّ الرَّاوِيَ لَمْ يَذْكُرِ التَّفْصِيلَ، أَوْ لِأَنَّهُ عَلِمَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ مِنْ جِهَةِ رَسُولِهِ الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَيْهِمْ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي اليَوْمِ وَاللَّيْلَةِ.

فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟

يَعْنِي هَلْ يَجِبُ عَلَيَّ غَيْرُهَا.

قَالَ: «لَا»: فَالصَّلَوَاتُ المَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ فَقَطْ.

«إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»:

الِاسْتِثْنَاءُ هُنَا قِيلَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ، وَقِيلَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ؛ وَإِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مُتَّصِلٌ فَمَعْنَاهُ أَنَّكَ إِذَا دَخَلْتَ فِي تَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْكَ أَنْ تُتِمَّهُ، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ مُنْقَطِعٌ فَالمَعْنَى: إِنْ تَطَّوَّعَ فَهَذَا إِلَيْكَ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، فَلَوْ تَطَوَّعَ بِصَوْمٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهُ، وَلَوْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهَا، وَلَوْ دَخَلَ فِي اعْتِكَافٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّهُ وَهَكَذَا.

وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ فِيهَا خِلَافٌ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ مَنْ شَرَعَ فِي تَطَوُّعٍ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إِتْمَامُهُ مِنْ حَيْثُ الأَصْلُ، كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الأَخْبَارُ الأُخْرَى وَفَسَّرَتْ هَذَا الحَدِيثَ وَبَيَّنَتْهُ كَحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُصْبِحُ صَائِمًا ثُمَّ يَسْأَلُ: «هَلْ مِنْ طَعَامٍ؟» فَيُقَالَ: نَعَمْ، فَيُفْطِرَ (6). وَثَبَتَ فِي حَدِيثِ جُوَيْرِيَةَ (7) فِي «صَحِيحِ البُخَارِيِّ» أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهَا وَكَانَتْ صَائِمَةً يَوْمَ الجُمُعَةِ قَالَ: «أَصُمْتِ أَمْسَ؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «تُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِي غَدًا؟»، قَالَتْ: لَا. قَالَ: «فَأَفْطِرِي» (8)، فَأَمَرَهَا بِالفِطْرِ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا أَمَرَهَا بِالفِطْرِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ مِنْ حَيْثُ الجُمْلَةُ، وَاخْتُلِفَ فِي بَعْضِ الأَشْيَاءِ.

قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ»:

وَهَذَا وَاجِبٌ بِالإِجْمَاعِ كَمَا جَاءَ فِي هَذَا الخَبَرِ وَفِي غَيْرِهِ.

قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»:

يَعْنِي أَنْ تَطَّوَّعَ بِصَوْمِ نَفْلٍ، كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ تَطَّوَّعَ بِنَافِلَةٍ وَنَحْوِهَا.

قَالَ: وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّكَاةَ قَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا؟ قَالَ: «لَا إِلَّا أَنْ تَطَّوَّعَ»:

فَالوَاجِبُ هُوَ الزَّكَاةُ بِشُرُوطِهَا.

قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ:

بَعْدَمَا عَلِمَ مَسْأَلَتَهُ وَتَبَيَّنَتْ لَهُ.

وَهُوَ يَقُولُ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أَنْقُصُ مِنْ هَذَا:

وَجَاءَ فِي اللَّفْظِ الآخَرِ: أَنَّهُ عَلَّمَهُ شَرَائِعَ الإِسْلَامِ، وَقَالَ: لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا شَيْئًا وَلَا أَنْقُصُ مِنْهُ (9).

فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»:

وَجَاءَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ (10): «لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ إِنْ صَدَقَ» (11)، وَالفَلَاحُ: هُوَ الظَّفَرُ وَالفَوْزُ، وَهِيَ كَلِمَةٌ تَجْمَعُ خَيْرَيِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَلَيْسَ كَلِمَةٌ أَجْمَعَ لِلْخَيْرِ مِنْ هَذِهِ الكَلِمَةِ، يَقُولُ أَهْلُ اللُّغَةِ: إِنَّهَا أَجْمَعُ كَلِمَةٍ لِلْخَيْرِ وَلِأَبْوَابِ الخَيْرِ.

قَوْلُهُ: «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ»:

المَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّهُ إِنْ أَدَّى الوَاجِبَاتِ صَادِقًا فِيهَا، فَإِنَّهُ يُضْمَنُ لَهُ الفَلَاحُ وَالظَّفَرُ وَالفَوْزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ وَاجِبًا، وَيُفَسَّرُ أَيْضًا قَوْلُهُ هَذَا بِمَا جَاءَ فِي النُّصُوصِ الأُخْرَى أَنَّ مَعْنَى الفَلَاحِ بِأَدَاءِ الوَاجِبَاتِ هُوَ الِانْتِهَاءُ عَنِ المُحَرَّمَاتِ، وَهَذَا وَاضِحٌ مِنْ سِيَاقِ الحَدِيثِ.

مَا يُسْتَفَادُ مِنَ الحَدِيثِ

وَالحَدِيثُ فِيهِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا: وُجُوبُ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ؛ لَكِنْ لَا يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ وَاجِبَاتٌ أُخْرَى، فَالوَاجِبَاتُ نَوْعَانِ:

الأَوَّلُ: الوَاجِبُ المُسْتَمِرُّ: كَالصَّلَوَاتِ الخَمْسِ المَفْرُوضَةِ بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ، وَالحَجِّ أَيْضًا، وَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ فِي هَذَا الحَدِيثِ لَكِنَّهُ ذُكِرَ فِي أَخْبَارٍ أُخْرَى.

الثَّانِي: الوَاجِبُ العَارِضُ: لِارْتِبَاطِهَا بِشَيْءٍ عَارِضٍ مِثْلُ بَعْضِ الصَّلَوَاتِ كَصَلَاةِ الكُسُوفِ جَاءَتِ النُّصُوصُ فِي الأَمْرِ بِهَا، وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى وُجُوبِهَا، وَصَلَاةِ العِيدَيْنِ ذَهَبَ أَيْضًا جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ إِلَى وُجُوبِهَا، كَذَلِكَ الصَّلَاةُ الَّتِي تَجِبُ بِالنَّذْرِ، وُجُوبُ الصَّلَاةِ بِالنَّذْرِ، وَوُجُوبُ الصِّيَامِ بِالنَّذْرِ، بَلْ إِنَّ هُنَاكَ أَشْيَاءٌ فِي الشَّرِعِ مِثْلُ زَكَاةِ المَالِ لَا تَجِبُ إِلَّا بِشُرُوطٍ وَأَسْبَابٍ، لَكِنْ هُنَاكَ أَشْيَاءٌ تَجِبُ فِي المَالِ مِنَ النَّائِبَةِ مَا يَنُوبُ أَهْلُ الإِسْلَامِ وَيُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَإِكْرَامُ الضَّيْفِ وَإِطْعَامُ الجَائِعِ هَذِهِ وَاجِبَةٌ تَجِبُ، لَكِنَّهَا تَجِبُ بِأَسْبَابِهَا وُجُوبًا عَارِضًا، وَعَلَى هَذَا تَتَّفِقُ الأَدِلَّةُ، وَأَخَذَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ هَذَا أَنَّ صَلَاةَ الوِتْرِ لَا تَجِبُ، وَالأَدِلَّةُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ، لَكِنْ يُفْهَمُ مِنْ خُصُوصِ هَذَا الحَدِيثِ.


(1) هو: طلحة بن عبيد الله بن عثمان التيمي القرشي المدني، أبو محمد: صحابي، شجاع، من الأجواد. وهو أحد العشرة المبشرين، وأحد الستة أصحاب الشورى، وأحد الثمانية السابقين إلى الإسلام. قال ابن عساكر: كان من دهاة قريش ومن علمائهم. شهد أحدا، والخندق وسائر المشاهد. قتل يوم الجمل وهو بجانب عائشة. ودفن بالبصرة. (الإصابة في تمييز الصحابة: 3/529).

(2) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب الزكاة من الإسلام (46)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (11).

(3) سورة المائدة: 6.

(4) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب ما جاء في العلم (63)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (12).

(5) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب جوب صوم رمضان (1891).

(6) أخرجه مسلم في كتاب الصيام- باب جواز صوم النافلة بنية من النهار قبل الزوال، وجواز فطر الصائم نفلًا من غير عذر (1154).

(7) هي: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، من خزاعة: إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم تزوجها قبله مسافع بن صفوان وقتل يوم المريسيع وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية، فسبيت مع بني المصطلق، فافتداها أبوها، ثم زوجها لرسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اسمها (برة) فغيره النبي صلى الله عليه وسلم وسماها (جويرية) وكانت من فضليات النساء أدبا وفصاحة. وتوفيت في المدينة سنة خمسين وعمرها 65 سنة. (الطبقات الكبرى: 8/116).

(8) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب صوم يوم الجمعة (1986).

(9) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب جوب صوم رمضان (1891).

(10) هو: أنس بن مالك بن النضر النجاري الخزرجي الأنصاري، أبو ثمامة، أو أبو حمزة: صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه. روى عنه رجال الحديث 2286 حديثًا. مولده بالمدينة وأسلم صغيرًا وخدم النبي صلى الله عليه وسلم إلى أن قبض. ثم رحل إلى دمشق، ومنها إلى البصرة، فمات فيها سنة 93هـ. وهو آخر من مات بالبصرة من الصحابة. (الطبقات الكبرى: 7/17).

(11) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (12).