موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ صِفَةِ الحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ - شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس السابع
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الدروس / شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس السابع
  
 
شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس السابع - بَابُ صِفَةِ الحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ

بَابُ صِفَةِ الحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ

بِسْمِ اللّهِ الرَحَّمِنِ الرَّحِيمِ

وَالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ:

قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

بَابُ صِفَةِ الحَجِّ وَدُخُولِ مَكَّةَ.

عَن جَابِرِ بنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّ، فَخَرَجْنَا مَعَه، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ فَوَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ، فَقَالَ: «اغْتَسِلِي واستَثْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي» وَصَلَّى رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي المَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ القَصْوَاءَ، حَتَّى إِذَا اسْتَوَت بِهِ عَلَى البَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ» حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا البَيْتَ اسْتَلَمَ الرُّكْنَ، فَرَمَلَ ثَلَاثًا وَمَشَى أَرْبَعَةً، ثُمَّ أَتَى مَقَامَ إِبْرَاهِيمَ فَصَلَّى، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمَّ خَرَجَ مِن البَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِن الصَّفَا قَرَأَ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللّهِ﴾ «أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ» فَرَقِىَ الصَّفَا حَتَّى رَأَى البَيْتَ، فَاسْتَقْبَل القِبْلَةَ، ووَحَّدَ اللّه وَكَبَّرَهُ، وَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، لَا إِلَهَ إِلَّا الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَقَالَ مِثْلَ هَذَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى المَرْوَةِ، حَتَّى إِذَا انْصَبَّتْ قَدَمَاهُ فِي بَطْنِ الوَادِي سَعَى، حَتَّى إِذَا صَعِدَ مَشَى حَتَّى أَتَى المَرْوَةَ، فَفَعَل عَلَى المَرْوَةِ كَمَا فَعَل عَلَى الصَّفَا... وَذَكَر الحَدِيث، وَفِيه: فَلَمَّا كَان يَومُ التَّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، وَرَكِب النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهَا الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعَشَاءَ وَالفَجْرَ، ثُمَّ مَكَث قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَت الشَّمْسُ، فَأَجَازَ حَتَّى أَتَى عَرَفَةَ، فَوَجَدَ القُبَّةَ قَد ضُرِبَت لَهُ بِنَمِرَةَ، فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَت الشَّمْسُ أَمَرَ بالقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ لَهُ، فَأَتَى بَطْنَ الوَادِي فَخَطَبَ النَّاسَ، ثُمَّ أَذَّن بِلَالٌ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الظُّهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى العَصْرَ، وَلَم يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَوْقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ القَصْوَاءِ إِلَى الصَّخَرَاتِ، وَجَعَلَ حَبْلَ المُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَل القِبْلَةَ، فَلَم يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى غَرَبَت الشَّمْسُ وَذَهَبَت الصُّفْرَةُ قَلِيلاً، حِينَ غَابَ القُرْصُ، وَدَفَعَ، وَقَد شَنَقَ لِلْقَصْوَاءِ الزِّمَامَ، حَتَّى إِنَّ رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ اليُمْنَى: «يَا أَيَّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ» وَكُلَمَّا أَتَى حَبْلاً مِنَ الحِبَالِ أَرْخَى لَهَا قَلِيلاً حَتَّى تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى المُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّى بِهَا المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَم يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئًا، ثُمَّ اضطَّجَعَ حَتَّى طَلَعَ الفَجْرُ، وَصَلَّى الفَجْرَ حِينَ تَبَيَّنَ لَهُ الصُّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثُمَّ رَكِبَ حَتَّى أَتَى المَشْعَرَ الحَرَامَ، فَاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ وَدَعَاهُ وَكَبَّرَهُ وَهَلَّلَهُ، فَلَم يَزَلْ وَاقِفًا حَتَّى أَسْفَرَ جَدًّا، فَدَفَع قَبْلَ أَن تَطْلُعَ الشَّمْسُ، حَتَّى أَتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلاً، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَةَ الوُسْطَى الَّتِي تُخْرِجُ عَلَى الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الجَمْرَةَ الَّتِي عَنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا، كُلُّ حَصَاةٍ ِمِثْلِ حَصَى الخَذْفِ، فرَمَى مِن بَطَنِ الوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى المَنْحَرِ، فَنَحَرَ، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفَاضَ إِلَى البَيْتِ، فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ. رَوَاهُ مُسْلِمٌ مُطَوَّلاً.

بِسْمِ اللّهِ الرَحَّمِنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وصَلَّى الله وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، أَمَّا بَعْدُ:

فهَذَا حَدِيثُ جَابَرٍ فِي صِفَةِ حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَطْوَلُ حَدِيثٍ خَرَجَ فِي صِفَةِ حَجَّتِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِن العَلْمَاءِ مَن يَسُوقُهُ مُطَوَّلًا، وَمِنْهُم مَن يُقَطِّعَهُ فِي الأَقْوَالِ، أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وأَبُو دَاوُدَ والتِرِّمِذِيُّ مُطَوَّلاً (1) وكَثِيرٌ مِن أَهْلِ العِلْمِ إِمَّا أَخْرَجُوهُ تَامًّا، وَإِمَّا أَخْرَجُوا أَصْلَهُ، وَإِمَّا فَرَّقُوهُ فِي مَوَاضِعِهِ.

وَهُوَ وَصْفٌ لِحَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذَ خَرَجَ مِن المَدِيَنَةِ حَتَّى قَضَى صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَجَّتَهُ. وقَدِ اختَصَرَ المُؤَلِّفُ، رَحِمَه اللّهُ، هَذَا الحَدِيثَ مِن «صَحِيحِ الإِمَامِ مُسْلِمٍ» رَحِمَه اللّهُ.

وهَذَا الحَدِيثُ اشتَمَلَ عَلَى فَوَائِدَ كَثِيرَةٍ، وَكَثِيرٌ مِن الأَحَادِيثِ إِمَّا مُوَافِقَةٌ لَهُ أَو مُقَيِّدَةً أَو مُبَيِّنَةٌ، وتَارَةً يَكُونُ هُنَاكَ تَعَارُضً بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا الحَدِيثِ فيُوَفِّقُ العَلْمَاءُ بَيْنَهُمَا، وَأَحْيَانًا يُقَدَّمُ حَدِيثِ جَابَرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ عَلَى غَيْرِهِ مِن الأَحَادِيثِ؛ لِكَوْنِ جَابَرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ حَكَى الحَجَّ كَامِلاً مِن أَوَّلِهِ إلى آخِرِهِ، فَقَد كَان رَضِيَ الله عَنْهُ مُتَابِعًا لِحَجِّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ومِن المَعْلُومِ أَنَّ مِن قَرَائِنِ التَّرْجِيحِ الَّتِي يَذْكُرُهَا أَهْلُ العِلْمِ أَنَّ الرَّاوِيَ إِذَا كَانَت لَهُ خُصُوصِيَّةٌ لِحَدَثٍ ما فَإِنَّه يُقَدَّمُ فِي الرِّوَايَةِ عَلَى غَيْرِهِ عَنْدَ الِاخْتِلَافِ. وعَامَّةُ ما فِي هَذَا الحَدِيثِ قَد ثَبَتَت صِحَّتُهُ، وهُنَاكَ بَعْضُ الزِّيَادَاتِ الَّتِي قَد تَكُونُ ضَعِيفَةً أَو مَحَلَّ اجْتِهَادٍ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ فِي إِثْبَاتِهَا أَو نَفْيِهَا.

فِي هَذَا الحَدِيثِ (حَجَّ رَسُولُ اللّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجْنَا مَعَه، حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الحُلَيْفَةِ).

وَ(ذُو الُحُلَيْفَةِ) مِيقَاتُ أَهْلِ المَدِيَنَةِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَشْرَوعِيَّةِ الإِحْرَامِ مِن المِيقَاتِ؛ لَأَنَّه قَالَ (حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا ذَا الُحُلَيْفَةِ) ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ (وَأَحْرِمِي) فَأَمَرَهَا بِالإِحْرَامِ مِن ذِي الحُلَيْفَةِ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ المَشْرُوعَ أَن يُحْرِمَ الإِنْسَانُ مِن المَدِيَنَةِ، مِن المِيقَاتِ، وَلَا يَتَقَدَّمَ عَلَى المِيقَاتِ، وَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ، فَإِن أَحْرَمَ قَبْلَهُ صَحَّ إِحْرَامُهُ، وَإِن أَحْرَمَ بَعْدَه فَفِيهٍ تَفْصِيلٌ.


(1) أخرجه مسلم في كتاب الحج- باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1218)، وأبو داود في كتاب الحج- باب صفة حجة النبي صلى الله عليه وسلم (1905)، والترمذي في كتاب الحج- باب كيف الطواف (856)، وباب أنه يبدأ بالصفا قبل المروة (862)، وكتاب التفسير- باب ومن سورة البقرة (2967).