موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حَدِيثُ- «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى...» - شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس السادس
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الدروس / شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس السادس
  
 
شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس السادس - حَدِيثُ: «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى...»

حَدِيثُ: «مَا كُنْتُ أُرَى الْوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى...»

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاء وَالمُرْسَلِينَ.

قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أُرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أتَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ» (1) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَمَّا فَتَحَ اَللَّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّاسِ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الفِيلَ، وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالمُؤْمِنِينَ، وَإِنَّهَا لَمْ تحِلَّ لِأَحَدٍ كَانَ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، وَإِنَّهَا لَنْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، فَلَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلَا تَحِلُّ سَاقِطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ»، فَقَالَ العَبَّاسُ (2): إِلَّا اَلْإِذْخِرَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي قُبُورِنَا وَبُيُوتِنَا. فَقَالَ: «إِلَّا اَلْإِذْخِرَ» (3) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ (4) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ إِبْرَاهِيمَ حَرَّمَ مَكَّةَ، وَدَعَا لِأَهْلِهَا، وَإِنِّي حَرَّمْتُ المَدِينَةَ كَمَا حَرَّمَ إِبْرَاهِيمُ مَكَّةَ، وَإِنِّي دَعَوْتُ فِي صَاعِهَا وَمُدِّهَا بِمِثْلِ مَا دَعَا به إِبْرَاهِيمُ لِأَهْلِ مَكَّةَ» (5) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بِسْمِ اللهِ وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَعَلَى آَلِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.

هَذَا حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَهُوَ حَدِيثٌ وَقَعَ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ». وَيَتَعَلَّقُ هَذَا الحَدِيثُ بِبَابِ (فِدْيَةِ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ) وَلَمْ يَنُص المُؤَلِّفُ عَلَى أَنَّ هَذَا فِي الفِدْيَةِ، وَلَكِنَّهُ سَاقَهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالإِحْرَامِ، وَقْدَ ذَكَرَ مِنْ قَبْلُ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، وَهَذَا الحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِهَا.

وَيَدُلَّ حَدِيثُ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ هَذَا عَلَى: أَنَّ مَنْ حَلَّقَ رَأْسَهُ لِعُذْرٍ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِنَّهُ يَصُومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يُطْعِمُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، وَلَمْ يُحَدَّدْ هَذَا الإِطْعَامُ بِنَوْعٍ مِنَ الأَنْوَاعِ، وَإِنَّمَا أَطْلَقَ. وَتَحْتَاجُ دَلَالَةُ هَذَا الحَدِيثُ عَلَى كُلِّ هَذِهِ الأَحْكَامِ إِلَى تَقْيِيدٍ فِي مَوَاضِعَ وَبَيَانٍ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى.

فَنَقُولُ أَوَّلًا: إِنَّ مَنِ احْتَاجَ إِلَى حَلْقِ رَأْسِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ جَازَ لَهُ ذَلِكَ، وَالأَذَى هُنَا لَيْسَ مِنَ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ القَمْلِ الَّذِي بِالرَّأْسِ. والقَمْلُ أو القُمَّلُ: دُوَيْبَةٌ صَغِيرَةٌ تَكُونُ بِالرَّأْسِ وَهِيَ مَعْلُومَةٌ. وَالأَذَى فِي الرَّأْسِ نَوْعَانِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ الأَذَى مِنَ الرَّأْسِ نَفْسِهِ: مِنَ الشَّعْرِ أَوْ مِنْ شَيْءٍ فِي الرَّأْسِ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ، وَفِي الحَدِيثِ هُنَا الأَذَى لَيْسَ مِنَ الرَّأْسِ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنَ القَمْلِ الَّذِي آَذَى رَأْسَهُ فَاحْتَاجَ إِلَى حَلْقِ رَأْسِهِ، فَلَيْسَ الرَّأْسُ هُوَ الَّذِي آَذَاهُ، وَإِنَّمَا آَذَاهُ القَمْلُ؛ لَأَنَّهُ كَمَا ثَبَتَ كَانَ القَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِهِ وَلِحْيَتِهِ، فَلَوْ أَنَّ الأَذَى كَانَ مِنَ الرَّأْسِ نَفْسِهِ كَأَنْ يَكُونُ الشَّعْرُ طَوِيلًا وَيَنْزِلُ عَلَى عَيْنَيْهِ وَاحْتَاجَ إِلَى إِزَالَتِهِ لَأَزَالَهُ بِدُونِ فِدْيَةٍ. وَهُنَا بِرَأْسِهِ أَذًى، وَهَذَا الأَذَى هُوَ القُمَّلُ الَّذِي آذَى رَأْسَهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَعَلَّكَ تُؤْذِيكَ هَوَامُّ رَأْسِكَ؟» وَلَمْ يَقُلْ: الَّذِي يُؤْذِيكَ رَأْسُكَ، وَلَكِنْ قَالَ: هَوَامُّ رَأْسِكَ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ إِذَا كَانَ بِالرَّأْسِ أَذًى وَاحْتَاجَ الإِنْسَانُ إلى إِزَالَتِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ، مَعَ أَنَّ حَلْقَ الرَّأْسِ مَحْظُورٌ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ، لَكِنْ يَجُوزُ لَهُ حَلْقُهُ لِلْعُذْرِ، هَذَا أَوَّلًا.

وَثَانِيًا: إِذَا حَلَقَهُ تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الفِدْيَةُ، وَهَذَا بِإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ، لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي هَذَا. 

وَالثَّالِثُ: هَلْ هَذِهِ الفِدْيَةُ عَلَى التَّخْيِيرِ أَمْ عَلَى التَّرْتِيبِ؟

ظَاهِرُ هَذَا الحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أتَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ» وَهَذِهِ رِوَايَةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ (6) لَهَذَا الحَدِيثِ (7) يَرْوِيهِ بِهَذَا التَّرْتِيبِ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَلَكِنْ جَاءَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ كَعْبٍ (8) عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي يُوَافِقُ الآيَةَ: ﴿وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ (9).

وَلِهَذَا جَمَعَ العُلَمَاءُ بَيْنَ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَرِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ، فَقَالُوا: إِنَّ التَّرْتِيبَ المَذْكُورَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ لِبَيَانِ الأَوْلَوِيَّةِ، لَا عَلَى أَنَهُ لِلتَّرْتِيبِ؛ أَيْ أَنَّ الأَوْلَى أَنْ يَذْبَحَ، وَإِنْ كَانَ يَصِحُّ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ أَوْ يَصُومَ. وَلَكِنَّ الأَوْلَى لَهُ وَالأَفْضَلَ أَنْ يَذْبَحَ؛ أَيْ: يُقَدِّمُ الذَّبْحَ عَلَى مَا خُيِّرَ فِيهِ.

هَذَا تَوْجِيهُ بَعْضِ أَهْلِ العِلْمِ، وَمِنْهُمُ الحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ البَرِّ رَحِمَهُ اللهُ (10).

وَالثَّانِي: أَنَّ بَعْضَ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَتَجِدُ شَاةً؟» لَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ تَرْتِيبُ الحُكْمِ عَلَى الشَّاةِ، وَلَكِنَّهُ سَأَلَهُ: «أَتَجِدُ شَاةً؟» فإَذَا قَالَ مَثَلًا: أَجِدُ شَاةً. لَقَالَ: أَنْتَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الشَّاةِ وَالصِّيَامِ وَالإِطْعَامِ؛ لَأَنَّ الصِّيَامَ وَالإِطْعَامَ قَدْ يَتَوَفَّرُ أَكْثَرَ مِنَ الشَّاةِ، فَسَأَلَه عَنِ الشَّاةِ؛ لَأَنَّهَا قَدْ لَا تُوجَدُ مَعَهُ.

قَالُوا: وَلَيْسَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِدًا شَاةً لَأَلْزَمَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْرِجَ الشَّاةَ، وَلِكِنْ سَأَلَهُ عَنِ الشَّاةِ فَلَمْ يَجِدْ عِنْدَهُ شَاةً فَقَالَ لَهُ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَو أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ» لَأَنَّ الشَّاةَ الَّتِي كَانَتْ أَحَدَ الخِيَارَاتِ لَهُ قَدْ عَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مَعَهُ بِخَبَرِهِ؛ فَخَيَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِمَا كَانَ مَوْجُودًا عِنْدَهُ وَهُوَ الصِّيَامُ أَوِ الإَطْعَامُ. وَإِذَا كَانَ الأَمْرُ كَذَلِكَ فَنَقُولُ: إِنَّ أَهْلَ العِلْمِ عَلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ وَلَيْسَ يَجِبُ عَلَيْهِ التَرْتِيبُ، بَلْ َقَدْ يَكُونُ إِجْمَاعًا.

 قَالَ فِي الحَدِيثِ: «أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ».

فِي هَذِهِ الرِّوَايَةَ أَطْلَقَ نِصْفَ صَاعٍ، وَلَمْ يُحَدِّدْ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ، هَلْ هُوَ مِنْ تَمْرٍ أَمْ مِنْ طَعَامٍ أَمْ مِنْ زَبِيبٍ؟

أَمَّا الزَّبِيبُ فَقَدْ جَاءَتْ فِيهِ رِوَايَةٌ (11) وَلَا تَصِحُّ.

وَأَمَّا الطَّعَامُ أَوِ التَّمْرُ فَقَدْ جَاءَ فِي «الصَّحِيحِ» فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ هَذَا الحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَعْقِلٍ الإِطْلَاقُ. وَالمَحْفُوظُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الأَصْبَهَانِي، عَنْ عَبْدِ اللهِ بِنْ مَعْقِلٍ «نِصْفُ صَاعٍ مِنْ طَعَامٍ» (12) هَذَا هُوَ المَعْرُوفُ مِنَ الحَدِيثِ.

لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِهَا «مِنْ تَمْرٍ» وَفِي بَعْضِهَا الإِطْلَاقُ، وَالإِطْلَاقُ لَا يُنَافِي التَّقْيِيدَ، فَجَاءَ الإِطْلَاقُ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ، وَجَاءَ تَقْيِيدُهُ بِالتَّمْرِ.

أَمَّا تَقْيِيدُهُ مِنَ الإِطْلَاقِ فِي حَدِيثِ مُجَاهِدٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى (13) وَهُوَ ثَابِتٌ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» (14).

وَفِي التَّقْيِيدِ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي قُلَابَةَ (15) عِنْدَ الإِمَامِ مُسْلِمٍ (16) وَمِنْ حَدِيثِ الحَكَمِ (17) عِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ (18) عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ.

فَصَارَ عِنْدَنَا التَخْيِيرُ: إِمَّا تَمْرٌ وَإِمَّا طَعَامٌ. وَالطَّعَامُ إِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الحِنْطَةُ وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ المَطْعُومُ، فَإِذَا وُجِدَ عِنْدَهُ المَطْعُومُ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا؛ لَأَنَّ التَّمْرَ نَوْعٌ مِنَ الطَّعَامِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ مَا كَانَ طَعَامًا بِحَسَبِ مَا ذَكَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الآَصُعِ. إِذَا كَانُوا سِتَّةَ مَسَاكِينَ، وَلِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ المَسَاكِينَ يَكْفِيهِمْ ثَلَاثَةُ آَصُعٍ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ.

 وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ بَعْضُ الفُقَهَاءِ مِنَ التَّفْصِيلِ؛ فَوُجِدَ فِي بَعْضِهَا صَاعٌ، وَفِي بَعْضِهَا نِصْفُ صَاعٍ، أَوْ بَعْضِهَا نِصْفُ صَاعٍ، وَبَعْضِهَا مُدٌّ، فَهَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ أَنَّهَا ثَلَاثَةُ آصُعٍ، وَقَدْ جَاءَ التَنْصِيصُ عَلَى أَنَّهَا ثَلَاثَةُ آَصُعٍ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الحَدِيثِ (19).

هَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالفِدْيَةِ نَفْسِهِا وَتَكُونُ عَلَى التَّخْيِيرِ أَوَّلًا، وَهَذَا كَانَ شِبْهَ إِجْمَاعٍ.

ثاَنِيًا: أَنَّ التَخْيِيرَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءٍ: أَنْ يَذْبَحَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يُطْعِمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، وَالإِطْعَامُ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ ثَلَاثَةَ آَصُعٍ؛ لَأَنَّهَا مِنَ المَنْصُوصِ عَلَيْهِ. وَهَذَا المَنْصُوصُ عَلْيَهِ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنَ الطَّعَامِ.

وَالتَّرْتِيبُ فِي الفِدْيَةِ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ، وَإِنْ كَانَ مَنْقُولًا عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ (20) وَعَلْقَمَةَ (21) رَحِمَهُمَا اللهُ، إِلَّا أَنَّ القَوْلَ المَشْهُورَ وَالمَعْرُوفَ عِنْدَ العُلَمَاءِ وَالأَئِمَّةِ الأَرْبَعَةِ هُوَ التَّخْيِيرُ؛ لَأَنَّ أَحَادِيثَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى فِي التَّخْيِير يُوَافِقُ الآَيَةَ.

 وَقْدَ جَاءَ هَذَا الحَدِيثُ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ لِعُذْرٍ.

وَهُنَا مَسْأَلَتَانِ:

المَسْأَلَةُ الأُولَى: حَلْقُ الرَّأْسِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب المحصر- باب قول الله تعالى: ﴿أَوْ صَدَقَةٍ﴾ (1715)، ومسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى، ووجوب الفدية لحلقه، وبيان قدرها (1201).

(2) العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أبو الفضل، عم رسول الله صلى الله عليه وسلم . ولد قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم بسنتين. كان في الجاهلية رئيسًا في قريش، وكانت إليه السقاية والعمارة. حضر بيعة العقبة مع الأنصار قبل أن يُسلم، وشهد بدرًا مع المشركين مُكرهًا، فأُسِرَ، فافتدى نفسه وافتدى ابن أخيه عقيل بن أبي طالب، ورجع إلى مكة، وصار يكتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم بالأخبار، ثم هاجر قبل الفتح بقليل، وشهد الفتح، وثبت يوم حنين. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من آذى عمي فقد آذاني؛ فإنما عم الرجل صنو أبيه» وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعظمه ويكرمه بعد إسلامه، وكان وصولًا لأرحام قريش محسنًا إليهم، ذا رأي سديد وعقل غزير، وكان الصحابة يعرفون للعباس فضله، ويقدمونه ويشاورونه ويأخذون برأيه، وكفاه شرفًا وفضلًا أنه كان يعزَّى بالنبي صلى الله عليه وسلم لما مات. وأضرّ العباس في آخر عمره، ومات بالمدينة سنة اثنتين وثلاثين، وهو ابن ثمان وثمانين سنة، قبل مقتل عثمان بسنتين، وصلى عليه عثمان، ودفن بالبقيع. انظر: الاستيعاب (2/69-71) أسد الغابة (2/75–77) الإصابة (3/631).

(3) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب كتابة العلم (112)، ومسلم في كتاب المناسك- باب تحريم مكة وصيدها (3371).

(4) عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن المبذول بن عمرو بن غنم بن مازن الأنصاري المازني، أبو محمد، يعرف بابن أم عمارة. شهد أُحدًا وغيرها ولم يشهد بدرًا. وهو الذي قتل مسيلمة الكذاب، وكان مسيلمة قد قتل أخاه حبيب بن زيد، فقضى الله أن شارك أخوه عبد الله بن زيد في قتل مسيلمة. قال خليفة: اشترك وحشي بن حرب وعبد الله بن زيد في قتل مسيلمة، رماه وحشي بن حرب بالحربة، وضربه عبد الله بن زيد بالسيف فقتله. وقُتل عبد الله بن زيد يوم الحرة سنة ثلاث وستين، أيام يزيد بن معاوية،وهو صاحب حديث الوضوء. انظر: الاستيعاب (1/276) أسد الغابة (2/113–114) الإصابة (4/98).

(5) أخرجه البخاري في كتاب البيوع- باب بركة صاع النبي صلى الله عليه وسلم ومدهم (2129)، ومسلم في كتاب المناسك- باب فضل المدينة (3379).

(6) عبد الله بن معقل بن مقرن المزني، أبو الوليد، الكوفي. لأبيه صحبة. قال ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث. وقال العجلي: تابعي ثقة، من خيار التابعين. انظر: تهذيب الكمال (19/169).

(7) أخرجه مسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم (1201)، ولفظه: عن عبد الله بن معقل قعدت إلى كعب رضي الله عنه وهو في المسجد، فسألته عن هذه الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾، فقال كعب رضي الله عنه: نزلت في؛ كان بي أذى من رأسى، فحملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم والقمل يتناثر على وجهى، فقال: «ما كنت أرى أن الجهد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟» فقلت: لا. فنزلت هذه الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: «صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين؛ نصف صاع طعاما لكل مسكين». قال: فنزلت فيّ خاصة؛ وهي لكم عامة.

(8) أخرجه البخاري في كتاب الطب- باب الحلق من الأذى ( 5703)، ومسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم (1201)، ولفظه: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «ادن» فدنوت فقال: «أيؤذيك هوامك؟» قلت: نعم. قال: «فدية من صيامٍ أو صدقة أو نسك».

(9) سورة البقرة: ١٩٦.

(10) التمهيد (2/233-239)، والاستذكار (4/333-335).

(11) أخرجها أبو داود في كتاب الحج- باب في الفدية (1860)، والطبراني في المعجم الكبير (13/479)، والبيهقي في السنن الكبرى (5/55)، ولفظها: فقال لي: «احلق رأسك وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة» فحلقت رأسى ثم نسكت. قال الألباني: حسن، لكن ذكر الزبيب منكر. «صحيح وضعيف أبي داود» (1860).

(12) أخرجها البخاري في كتاب التفسير- باب ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ (4517)، ومسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها (1201).

(13) عبد الرحمن بن أبي ليلى الإمام، أبو عيسى، الأنصاري، الكوفي، الفقيه. ولد لست بقين من خلافة عمر بن الخطاب، وروى عن عثمان وعلي وابن مسعود وأبي ذر. قال ابن سيرين: جلست إليه وأصحابه يعظمونه كأنه أمير. قال يحيى بن معين: ثقة. وقال العجلي: تابعي ثقة. مات سنة اثنتين أو ثلاث وثمانين. انظر: تذكرة الحفاظ (1/47).

(14) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب قول الله تعالى ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ﴾ (1814)، ومسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها (1201).

(15) عبد الله بن زيد، أبو قلابة، الجرمي، البصرِي. الإمام شيخ الإسلام، كان من أئمة الهدى. أدرك خلافة عمر بن عبد العزيز. توفي سنة أربع ومائة. انظر: سير أعلام النبلاء (4/469-475).

(16) أخرجه مسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها (1201).

(17) الحكم بن عتيبة، أبو عمر، الكندي، الكوفي، الحافظ الفقيه. قال ابن عيينة: ما كان بالكوفة مثل الحكم وحماد. وقال العجلي: ثقة ثبت، فقيه، صاحب سنة واتباع. وقال مغيرة: كان الحكم إذا قدم المدينة خلوا له سارية النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إليها. وقال ليث بن أبي سليم: كان الحكم أفقه من الشعبي. وقال يحيى بن معين والنسائي وأبو حاتم الرازي: ثقة. في سنة خمس عشرة ومائة. انظر: تهذيب الكمال (7/119) تذكرة الحفاظ (1/88-89).

(18) المسند (4/241).

(19) أخرجه مسلم في كتاب المناسك- باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها (1201).

(20) سعيد بن جبير بن هشام، أبو محمد، الأسدي، الوالبي، الكوفي، الإمام، الحافظ، المقرئ، المفسر، الشهيد، أحد الأعلام. كان من كبار العلماء، قرأ القرآن على ابن عباس. قتله الحجاج سنة خمس وتسعين، وله تسع وأربعون سنة. انظر: سير أعلام النبلاء (4/323–434) تذكرة الحفاظ (1/60-62) تهذيب التهذيب (4/11).

(21) علقمة بن قيس بن عبد الله بن مالك النخعي، أبو شبل. تابعي، ورد المدائن في صحبة علي ، وشهد معه حرب الخوارج بالنهروان، كما شهد معه صفين. روى عن عمر وعثمان وعلي وعبد الله بن مسعود، وتفقه به. وهو أحد أصحابه الستة الذين كانوا يقرئون الناس، ويعلمونهم السنة، ويصدر الناس عن رأيهم. وكان فقيهًا إمامًا بارعًا طيب الصوت بالقرآن، ثبتًا فيما ينقل، صاحب خير وورع، بلغ من علمه أن أناسًا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم كانوا يسألونه ويستفتونه. انظر: تاريخ بغداد (12/296) تذكرة الحفاظ (1/48) تهذيب التهذيب (7/276).