موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باقي شرح حديث عَائِشَةَ- «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» 2 - شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الخامس
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الدروس / شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الخامس
  
 
 شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الخامس
 باقي شرح حديث عَائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» 2
 حَدِيثُ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ...»
 حَدِيثُ «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟»
 حَدِيثُ «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»
 حَدِيثُ «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَواسِقٌ ...»
 حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»
 الأَسْئِلَةٌ
شرح كتاب الحج من بلوغ المرام - الدرس الخامس - باقي شرح حديث عَائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» 2

باقي شرح حديث عَائِشَةَ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ» 2

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَالصَّلاةُ وَالسَّلامُ عَلى أَشْرَفِ الأَنْبِياءِ وَالمُرْسَلِينَ

قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»(1). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ»(2). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ -فِي قِصَّةِ صَيْدِهِ الحِمَارَ الوَحْشِيَّ، وَهُوَ غَيْرُ مُحْرِمٍ- قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ -وَكَانُوا مُحْرِمِينَ: «هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ؟» قَالُوا: لَا، قَالَ: «فَكُلُوا مَا بَقِيَ مِنْ لَحْمِهِ»(3). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنِ اَلصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اَللَّيْثِيِّ، أَنَّهُ أَهْدَى لِرَسُولِ اللَّهِ حِمَارًا وَحْشِيًّا، وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ -أَوْ في بِوَدَّانَ- فَرَدَّهُ عَلَيْهِ، وَقَالَ: «إِنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْكَ إِلَّا أَنَّا حُرُمٌ»(4) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ كُلُّهُنَّ فَواسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحِلِّ وَالْحَرَمِ: العَقْرَبُ، وَالْحِدَأَةُ، وَالْغُرَابُ، وَالْفَأْرَةُ، وَالْكَلْبُ العَقُورُ»(5) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا «أَنَّ النَّبِيَّ احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»(6). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ(7) قَالَ: حُمِلْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي، فَقَالَ: «مَا كُنْتُ أَرَى الوَجَعَ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى، أَتَجِدُ شَاةً؟» قُلْتُ: لَا. قَالَ: «فَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكِينَ، لِكُلِّ مِسْكِينٍ نِصْفُ صَاعٍ»(8) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ، وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، هَذَا الحَدِيثُ يَتَعَلَّقُ بِالْطِيبِ لِلْمُحْرِمِ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ لِلْمُحْرِمِ مَحْظُورٌ مِنْ مَحْظُورَاتِ الإِحْرَامِ بِإِجْمَاعِ العُلَمَاءِ، إِلَّا أَنَّ هُنَاكَ فَرْقًا بَيْنَ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ وَابْتِدَاءِ الطِّيبِ، فَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تَقَدَّمَتْ كَانَتْ فِي ابْتِدَاءِ الطِّيبِ، بِمَعْنَى أَنَّ المُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِي الإِحْرَامِ.

فِي قِصَّةِ الرَّجُلِ الَّذِي وَقَصَتْهُ رَاحِلَتُهُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَلَا تَمَسُّوهُ طِيبًا فِإِنَّهُ يُبْعَثُ يَوْمَ القِيَامَةِ مُلَبِّيًا»(9).

وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «وَلَا تَلْبَسُوا شَيْئًا مِنَ الثِّيَابِ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوِ الوَرْسُ»(10).

قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الطِّيبِ عَلَى المُحْرِمِ مَحَلُّ نَظَرٍ، وَإِنْ كَانَ قَد اسْتُدِلَّ بِهِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ العُلَمَاءِ.

وَهَذا الأَمْرُ مَعْلُومٌ لَدَى أَهْلِ العِلْمِ وَقدْ أَجْمَعُوا عَلَيْهِ، أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ المُحْرِمَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، سَوَاءً فِي بَدَنِهِ أَوْ فِي ثِيَابِهِ، حَتَّى يُحِلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ، فِإِذَا أَحَلَّ مِنْ إِحْرَامِهِ فَإِنَّ السُّنَّةَ لَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ طَوَافِهِ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الإِفَاضَةِ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لَأَنَّ قَوْلَهَا رَضِي اللهُ عَنْهَا: «وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ»، يَعْنِي: طَوَافَ الإِفَاضَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا رَمَى وَحَلَقَ وَنَحَرَ وَعَادَ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- إِلَى مَكَانِ إِقَامَتِهِ بِمِنَى، تَطَيَّبَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ قَصَدَ البَيْتَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ طَوَافَ الإِفَاضَةِ قَبْلَ الظُّهْرِ.

وَهَذَا الحَدِيثُ -حَدِيثُ عَائِشَةَ- فِي قَوْلِهَا: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ»، وَإِذَا طَيَّبَتْهُ قَبْلَ إِحْرَامِهِ: فَإِمَّا أَنْ يَبْقَى أَثَرُ الطِّيبِ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَإِمَّا أَنْ يَزُولَ، فَإِذَا تَطَيَّبَ قَبْلَ الإِحْرَامِ وَزَالَ أَثَرُ الطِّيبِ قَبْلَ دُخُولِهِ فِي النُّسُكِ، فَهَذَا جَائِزٌ بِالاتِّفَاقِ، أَمَّا إِذَا تَطَيَّبَ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ بَعْدَ الإِحْرَامِ، أَوْ تَطَيَّبَ ثُمَّ دَخَلَ فِي النُّسُكِ وَبَقِيَ أَثَرُ الطِّيبِ بَعْدَ الإِحْرَامِ- فَهَذِهِ المَسْأَلَةُ عِنْدَ العُلَمَاءِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى مَسْأَلَةُ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ، أَيْ أَنَّهُ لَا يَرْتَدِي لِبَاسَ الإِحْرَامِ، وَلَكِنْ يَكُونُ هَذَا الطِّيبُ قَبْلَ الإِحْرَامِ وَيَدُومُ لَهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى أَنَّ اسْتِدَامَةَ الطِّيبِ لَا تَضُرُّ الإِحْرَامَ، وَالدَّلِيلَُ عَلَيْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» قَالَتْ: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ المِسْكِ فِي مَفَارِقَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ»(11)، وَوَبِيصُ المِسْكِ، هُوَ: لَمَعَانُهُ وَبَرِيقُهُ، وَمَعْنَى ذَلِكَ: أَنَّ أَثَرَ الطِّيبِ بَاقٍ عَلَيْهِ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- بَعْدَ إِحْرَامِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ مُبَيِّنٌ لَهَذَا الحَدِيثِ؛ لِأَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يحتمل قولها: «كُنْتُ أُطَيِّبُ رَسَولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ»، أَيْ أَنَّهَا تُطَيِّبُهُ بِطِيبٍ قَدْ لَا يَكُونُ لَهُ أَثَرٌ يَبْقَى، أَوْ أَنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَا يَدْخُلُ فِي النُّسُكِ إِلَّا بَعْدَ أَنْ تَزُولَ رَائِحَتُهُ، لَكِنْ جَاءَ حَدِيثُهَا الآخَرُ فَذَكَرَتْ أَنَّهَا تَنْظُرُ وَمِيصَ المِسْكِ فِي مَفَارِقَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَعْنِي: فِي رَأْسِهِ، وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ كَانَ بَاقِيًا أَثَرُهُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الإِحْرَامِ.

وَلَكِنَّهُ -عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ- لَمْ يَتَطَيَّبْ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَإِنَّمَا تَطَيَّبَ قَبْلَ الإِحْرَامِ، فَدَامَ الطِّيبُ عَلَيْهِ بَعْدَ إِحْرَامِهِ، يَشْهَدُ لِهَذَا وَيُؤيِّدُهُ، مَا ثَبَتَ فِي «سُنَنِ أَبِي دَاود» بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ، مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا قَالَتْ: «كُنَّا نَخْرُجُ مَعَ النَّبِىِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى مَكَّةَ، فَنُضَمِّدُ جِبَاهَنَا بِالسُّكِّ المُطَيَّبِ عِنْدَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا عَرِقَتْ إِحْدَانَا سَالَ عَلَى وَجْهِهَا، فَيَرَاهُ النَّبِىُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَنْهَاهَا»(12).

فَهَذَا طِيبٌ بَقِيَ أَثَرُهُ بَعْدَ الإِحْرَامِ، وَسَالَ عَلَى الوَجْهِ، وَهَذَا أَثَرٌ ظَاهِرٌ وَبَيِّنٌ، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ إِذَا بَقِيَتْ رَائِحَتُهُ أَوْ جُرْمُهُ فِإِنَّهُ لَا يَضُرُّ، مَا دَامَ مَوْضُوعًا قَبَلَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا تَطَيَّبَ الإِنْسَانُ بِبَخُورٍ، أَوْ تَطَيَّبَ الإِنْسَانُ بِأَدْهَانٍ، أَوْ بِأَيِ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الطَِّيبِ، سَواءً الَّتِي تَبْقَى رَائِحَتُها دُونَ جُرْمِهَا، أَوْ يَبْقَى لَوْنُهَا وَرَائِحَتُهَا، أَوْ يَبْقَى جُرْمُهَا وَلَوْنُهَا وَرَائِحَتُهَا- فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَضُرُّ المُحْرِمَ، كَمَا هُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ، لَكِنْ بَشَرْطِ أَنْ يَكُونَ هَذَا الطِّيبُ قَدْ وَضَعَهُ قَبْلَ الإِحْرَامِ، فَإِذَا اسْتَدَامَ مَعَهُ فَلَا بَأْسَ، لَوْ أَنَّ إِنْسَانًا تَطَيَّبَ بِطِيبٍ لَهُ أَثَرٌ يَمْتَدُّ اللَّيَالِيَ وَالْأَيَّامَ، وَبَقِيَتْ رَائِحَةُ هَذَا الطِّيبِ أَوْ أَثَرُهُ حَتَّى تَحَلَّلَ مِنْ إِحْرَامِهِ فَلَا بَأْسَ؛ لِأَنَّهُ تَطَيَّبَ قَبْلَ الإِحْرَامِ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ إِنَّمَا هُوَ أَنْ يَتَطَيَّبَ فِي الإِحَرَامِ، وَهَذَا هُوَ مَا يُسَمُّونَهُ: مَسْأَلَةُ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ.

وَالصَّوَابُ فِي اسْتِدَامَةِ الطَّيبِ: مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ، وَدَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» وَدَلَّ عَلَيْهِ -أَيْضًا- حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي «سُنَنِ أَبِي دَاود» الَّذِي تَقَدَِّمَ.

قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ حَدَّثَ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا تَرَى فِي رَجُلٍ أَحْرَمَ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَمَّا الطِّيبُ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثًا، وَأَمَّا الجُبَّةُ فَانْزَعْهَا»(13)، فَأَمَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُسْلِ الطِّيبِ، وَإِحْرَامُهُ وَقَعَ بَعْدَ تَطَيُّبِهِ، حِينَ قَالَ: «أَحْرَمَ بَعْدَ مَا تَضَمَّخَ بِطِيبٍ».

وَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّ حَدِيثَ ابْنَ أُمَيَّةَ كَانَ فِي عُمْرَةِ الجِعِرَّانَةِ سَنَةَ ثَمَانِيةٍ، وَهَذَا الحَدِيثُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ، فَنَسَخَ حَدِيثُ عَائِشَةَ حَدِيثَ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ، وَالْمُرَادُ بِنَسْخِهِ هُنَا نَسْخُ أَحِدِ أَجْزَاءِ الحَدِيثِ، فَهُوَ لَمْ يَنْسَخ الحَدِيثَ كُلَّهُ؛ لِأَنَّ المُحْرِمَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يَلْبَسَ المَخِيطَ، وَهُوَ المَذْكُورُ فِي هَذَا الحَدِيثِ، وَالْعُلَمَاءُ يَقُولُونَ: لَا يُمْتَنَعُ أَنْ يُنْسَخَ بَعْضُ أَجْزَاءِ الدَّلِيلِ، وَلَا يُنْسَخُ كُلُّ الدَّلِيلِ.

المَنْسُوخُ مِنْهُ، إِنَّمَا هُوَ الطِّيبُ، أَيْ: اسْتِدَامَةُ الطِّيبِ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الغسل- باب إذا جامع ثم عاد، ومن دار على نسائه في غسل واحد (270)، ومسلم في كتاب الحج- باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1189).

(2) أخرجه مسلم في كتاب النكاح- باب تحريم نكاح المحرم وكراهة خطبته (1409).

(3) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب لا يشير المحرم إلى الصيد لكي يصطاده الحلال (1824)، ومسلم في كتاب الحج- باب تحريم الصيد للمحرم (1196).

(4) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب إذا أهدى للمحرم حمارًا وحشيًا حيًا لم يقبل (1852)، ومسلم في كتاب الحج- باب تحريم الصيد للمحرم (1193).

(5) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب ما يقتل المحرم من الدواب (1828)، ومسلم في كتاب الحج- باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب في الحل والحرم (1198).

(6) أخرجه البخاري في كتاب المناسك- باب الحجامة للمحرم (1821)، ومسلم في كتاب الحج- باب جواز الحجامة للمحرم (1202).

(7) كعب بن عجرة بن أمية بن عدي بن عبيد بن الحارث البلوي ثم السوادي، من بني سواد، بن مري بن بلي بن عمرو بن الحارث بن قضاعة، يكنى أبا محمد، حليف الأنصار. قيل: حليف لبني حارثة بن الحارث بن الخزرج وقيل: بل هو حليف لبني عوف بن الخزرج. وقيل: إنه حليف لبني سالم من الأنصار. وقال الواقدي: ليس بحليف للأنصار ولكنه من أنفسهم. وقال محمد بن سعد: طلبت اسمه في نسب الأنصار فلم أجده. وأطلق البخاري أنه أنصاري وقال: مدني له صحبة. تأخر إسلامه، ثم أسلم وشهد المشاهد كلها. فيه نزلت: {ففدية من صيام أو صدقة أو نسك} [البقرة: 196]. نزل الكوفة. ومات بالمدينة سنة ثلاث أو إحدى وخمسين. وقيل: سنة اثنتين وخمسين. وهو ابن خمس وسبعين سنة. انظر: الاستيعاب (1/410) أسد الغابة (2/436) الإصابة (5/599).

(8) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب الإطعام في الفدية نصف صاع (1816)، ومسلم في كتاب الحج- باب جواز حلق الرأس للمحرم إذا كان به أذى ووجوب الفدية لحلقه وبيان قدرها (1201).

(9) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب الكفن في ثوبين (1265)، ومسلم في كتاب الحج- باب ما يفعل بالمحرم إذا مات (1206)، من حديث عبد الله بن عباس رضي الله عنهما.

(10) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب الصلاة في القميص والسراويل والتبان والقباء (366)، ومسلم في كتاب الحج- باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (1177).

(11) أخرجه البخاري في كتاب الغسل- باب من تطيب ثم اغتسل وبقي أثر الطيب (271)، ومسلم في كتاب الحج- باب الطيب للمحرم عند الإحرام (1190).

 

(12) أخرجه أبو داود في كتاب المناسك- باب ما يلبس المحرم (1830).

(13) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان (4329)، ومسلم في كتاب الحج- باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح (1180).