موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المقدمة - شرح منظومة ابن طاهر المقدسي
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح منظومة ابن طاهر المقدسي لفضيلة د.عبد العزيز بن محمد السدحان
  
 
 شرح منظومة ابن طاهر المقدسي
 المقدمة
 مَنَاهِجُ التَّصْنِيفِ
 التَّعْرِيفُ بِالمُصَنَّفِ
 أَقُولُ مَقَالًا يَرْتَضِيهِ ذَوُو البَصَرْ
 لِأَنَّهُمَا نُورُ الهُدَى وَسِوَاهُمَا
 تَحَقَّقْتُ أَنَّ اللهَ لَا رَبَّ غَيْرُهُ
 سَمِيعٌ بَصِيرٌ قَادِرٌ مُتَكَلِّمٌ
 هُوَ الحَيُّ وَالبَاقِي بِأَسْمَائِهِ الَّتِي
 رَوَاهُ البُخَارِيُّ فِي الصَّحِيحِ وَمُسْلِمٌ
 وَأَوْرَدَهُ أَهْلُ الشَّآمِ بِشَرْحِهِ
 وَأُثْبِتُ إِرْسَالَ النَّبِيِّ لِمَا أَتَى
 وَأَعْلَمُ أَنَّ اللهَ مِنْ فَوْقِ عَرْشِهِ
 وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ أَسْرَى بِعَبْدِهِ
 وَأُثْبِتُ أَنَّ اللهَ جَلَّ جَلَالُهُ
 كَلَامٌ بِصَوْتٍ لَا كَأَصُواتِ خَلْقِهِ
 وَحَرْفٍ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي الخَبَرِ الَّذِي
 ومَتْلَو وَمَسْمُوعٍ بِلَفْظٍ بِكُلِّ ذَا
 قَدِيمٌ بِلَا شَكّ وَلَيْسَ بِمُحْدَثٍ
 فَمَنْ قَالَ: مَخْلُوقٌ، فَقَدْ فَارَقَ الهُدَى
 وَأَشْهَدُ أَنَّ الخَيْرَ وَالشَّرَّ كُلَّه
 وَأَعْلَمُ أَنَّ الجِسْرَ بَيْنَ جَهَنَّمَ
 وَلَا أُنْكِرُ المِيزَانَ وَالحَوْضَ عَامِدًا
 وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ مِنْ بَعْدِ حَشْرِنَا
 وَأُثْبِتُ حَقًّا لِلرَّسُولِ شَفَاعَةً
 وَيَخْرُجُ أَقْوَامٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَمَا
 وَأُثْبِتُ أَخْبَارَ الصِّفَاتِ وَلَا أَرَى
 وَأَشْهَدُ أَنَّ اللهَ لَيْسَ كَخَلْقِهِ
 وَأُثْبِتُ أَخْبَارَ النُّزُولِ لِمَا رَوَى
 أَبُو بَكْرٍ وَالدَّوْسِيُّ وَابْنُ عَرَابَة
 وَعَمْرُو سُلَيْمٍ وَابْنُ قَيْس وَحَيْدَرٌ
 وجُرْثُومُ وَالصِّدِّيقَةُ الطُّهْرُ عَائِشٌ
 وَعُثْمَانُ وَالعَبْسِيُّ ثُمَّ مَعَاذُنَا
 وَأَمَّا ابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ كَمَا رَوَوْا
 نُزُولُ إِلَهِ العَرْشِ فِي كُلِّ لَيْلَة
 وَيَنْزِلُ يَوْمَ الفِطْرِ جَلَّ ثَنَاؤُهُ
 وَأَعْلَمُ حَقًّا أَنَّ جَنَّةَ رَبِّنَا
 وَأَعْرِفُ إِيمَانًا يَزِيدُ بِطَاعَةٍ
 وَأُثْبِتُهُ بِالقَوْلِ وَالعَمَلِ الَّذِي
 وَإِجْمَاعُ أَصْحَابِ الرَّسُولِ وَثِيقَةٌ
 فَمَنْ جَاءَ مِنْ بَعْدِ الرَّسُولِ وَصَحْبِهِ
 وأَحْتَجُّ بِالمَنْصُوصِ فِي شَرْعِ أَحْمَدٍ
 وَلَسْتُ أَرَى رَأْيَ الرِّجَالِ وَثِيقَةً
 وأَحْتَجُّ بِالمَنْصُوصِ فِي شَرْعِ أَحْمَدٍ
 وَلَا أَرْتَضِي فِي الدِّينِ قَوْلَ مُجَادِلٍ
 وَلَكِنْ بِالآيَاتِ وَالسُّنَنِ الَّتِي
 فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَاكَ نَصٌّ فَمَا أَتَى
 وَأَهْجُرُ أَرْبَابَ الكَلَامِ بِأَسْرِهِمْ
 لِأَنَّهُمْ قَدْ أَبْدَعُوا وَتَنَطَّعُوا
 وَلَسْتُ أَرَى شَقَّ العَصَا لَا وَلَا أَرَى
 وَأَبْرَأُ مِنْ رَأْيِ الخَوَارِجِ إِنَّهُمْ
 وَلَسْتُ بِرَاضٍ أَنْ يُكَفَّرَ مُسْلِمٌ
 وَقَالَ رَسُولُ اللهِ يَوْمًا مُحَذِّرًا
 فَوَاحِدَةٌ تَنْجُو وَهُمْ أَهْلُ سُنَّتِي
 وَسَائِرُهُمْ هَلْكَى لِقُبْحِ انْتِحَالِهِمْ
 فَمَعْبَدٌ مِنْ قَبْلُ الَّذِي خَالَفَ الوَرَى
 وَأَمَّا ابْنُ كُلَّابٍ فَجَاءَ بِبِدْعَةٍ
 وَجَاءَ ابْنُ كَرَّامٍ بِمَيْنٍ وَفِرْيَةٍ
 فَهُمْ أَحْدَثُوا هَذَا الكَلَامَ بِعَقَلِهِمْ
 أَرَادُوا بِهِ تَشْوِيشَ شَرْعِ مُحَمِّدٍ
 مَحَالٌ كَقِيعَانِ السَّرَابِ تَخَالُهُ
 أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَلَّطَ بَعْضَهُمْ
 وَجَنَّبَ أَهْلَ الحَقِّ سُوءَ كَلَامِهِمْ
 فَلَمْ تَرَ بِدْعِيًّا يُزَنُّ بِبِدْعَةٍ
 فَقُلْ لِذَوِي التَّحْصِيلِ هَلْ يَبْلُغُ الَّذِي
 كَمَالِكٍ وَالثَّوْرِي وَابْنِ عُيَيْنَةٍ
 وَمَنْ فَقَرَتْ أَرْضُ الشَّامِ بِكَوْنِهِ
 وَمِثْلُ ابْنِ طَهْمَانَ الإِمَامِ وَبَعْدَهُ
 وَمِثْلُ وَكِيعٍ وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَبَعْدَهُ
 وَمَنْ أَشْرَقَ الإِسْلامُ مِنْ نُورِ عِلْمِهِ
 وَمِنْ عُصْبَةِ ابْنِ المُبَارَكِ فِيهِمُ
 وَيَحْيَى وَإِسْحَاقُ وَأَحْمَدُ الَّذِي
 وَمَنْ حَلَّ فِي مِصْرَ وَدَانَ بِسُنَّةٍ
 وَمَنْ بِالعِرَاقِ المُسْتَنِيرِ كَشُعْبَةَ
 وَمِثْلُ ابْنِ سَلَّامٍ وَمَنْ سَارَ سَيْرَهُ
 وَمِثْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ يَحْيَى وَبَعْدَهُ
 وَمِثْلُ ابْنِ إِدْرِيسَ وَمَنْ دَانَ دِينَهُ
 وَمِثْلُ أَبِي دَاوُدَ وَابْنِ خُزَيْمَةَ
 فَمَنْ فَارَقَ الإِجْمَاعَ ثُمَّ اقْتَدَى بِمَنْ
 فَأَسْأَلُ رَبِّي إِذْ هَدَانِي لِهَدْيِهِمْ
 وَأُثْبِتُ مِنْ بَعْدِ الرَّسُولِ خَلِيفَةً
 وَعُثْمَانُ ذُو النُّورَيْنِ تَالٍ وَبَعْدَهُ
 وَأُثْبِتُ أَنَّ الفَضْلَ بَعْدَ الَّذِي مَضَتْ
 وَأُثْبِتُ مِنْ بَعْدِ الخِلَافَةِ بَيْعَةً
 بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الحَلِّ وَالعَقْدِ مِنْهُمُ
 وَقَوْلِيَّ فِي صَحْبِ الرَّسُولِ بِأَسْرِهِمْ
 رَوَافِضُ أَعْدَاءِ الشَّرِيعَةِ وَصْفُهُمْ
 فِي كُتُبِ الشَّرِيعَةِ نَالَهَمْ
 لَهُمْ نَبْزُ لَا دَرَّ يَا صَاحِ دِرِهُمْ
 فَهَذَا اعْتِقَادُ المَقْدِسِيِّ مُحَمَّدٍ
شرح منظومة ابن طاهر المقدسي - المقدمة

مَنْظُومَةُ ابْنِ طَاهِرٍ المَقْدِسِيِّ(1) فِي العَقِيدَةِ

الحَمْدُ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى رَسُولِ اللهِ مُحَمَّدٍ.

أَمَّا بَعْدُ:

فِي هَذَا اليَوْمِ؛ يَوْمِ السَّبْتِ، الثَّامِنَ عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ، لِلْعَامِّ الثَّلَاثِينَ بَعْدَ المِائَةِ الرَّابِعَةِ بَعْدَ الأَلْفِ مِنَ الهِجْرَةِ النَّبَوِيَّةِ -عَلَى صَاحِبِهَا أَتَمُّ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ، وَفِي هَذَا الجَامِعِ المُبَارَكِ -جَامِعِ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى(2) نَتَدَارَسُ سَوِيًّا مَتْنًا مِنْ مُتُونِ الاعْتِقَادِ، وَهَذَا المَتْنُ وَاحِدٌ مِنْ مُتُونٍ كَثِيرَةٍ نَظَمَهَا وَصَنَّفَهَا أَهْلُ العِلْمِ تَوْثِيقًا وَتَقْرِيبًا لِلْعِلْمِ.

وَقَبْلَ هَذَا يُقَالُ: إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الدَّوْرَاتِ العِلْمِيَّةِ تُذَكِّرُنَا بِرِحْلَةِ طُلَّابِ العِلْمِ فِي الطَّلَبِ، وَبِالتَّغْرِّبِ عَنِ الأَوْطَانِ، وَالهِجْرَةِ فِي طَلَبِ التَّحْصِيلِ العِلْمِيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا مِنَ البَشَائِرِ. وَهَذَا الأَمْرُ -أَعْنِي الرِّحْلَةَ فِي طَلَبِ العِلْمِ- كَانَ مِنْ مَنْهَجِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بَلْ كَانَ مِنْ مَنْهَجِ الأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمُ السَّلَامُ، وَكُلُّكُمْ يَعْلَمُ مَا قَصَّهُ القُرْآنُ عَلَيْنَا مِنْ ذَهَابِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إِلَى الخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ.

وَأَمَّا فِي وَقْتِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ فَمَا أَخْرَجَهُ البُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الحُوَيْرِثِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ(3) لَمَّا قَالَ: قَدِمْنَا وَنَحْنُ شَبَبَةٌ مُتَقَارِبُونَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَقَمْنَا عِنْدَهُ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ يَوْمًا، وَجَاءَ فِي الرِّوَايَةِ، فَلَمَّا رَأَى أَنَّا قَدِ اشْتَقْنَا إِلَى أَهْلِينَا، قَالَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ، فَعَلِّمُوهُمْ وَمُرُوهُمْ، وَإِذَا حَضَرَتِ الصَّلَاةُ فَلْيُؤَذِّنْ لَكُمْ أَحَدُكُمْ، وَلْيَؤُمَّكُمْ أَكْبَرُكُمْ»(4). أَوْ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ  .


(1) هو: محمد بن طاهر بن علي بن أحمد الإمام الحافظ، الجوال الرحال، ذو التصانيف، أبو الفضل ابن أبي الحسين بن القيسراني، المقدسي الأثري، الظاهري الصوفي. ولد ببيت المقدس في شوال سنة ثمان وأربعين وأربع مئة. سمع بالقدس ومصر، والحرمين والشام، والجزيرة والعراق، وأصبهان والجبال، وفارس وخراسان، وكتب ما لا يوصف كثرة بخطه السريع، القوي الرفيع، وصنف وجمع، وبرع في هذا الشأن، وعُني به أتم عناية، وغيره أكثر إتقانا وتحريا منه. مات عند قدومه من الحج في يوم الجمعة لليلتين بقيتا من شهر ربيع الأول، سنة سبع وخمس مئة. انظر: سير أعلام النبلاء (19/361 ترجمة 213)، ووفيات الأعيان (4/287 ترجمة 619).

(2) هو: تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيميّة الحرّاني، ثم الدمشقي، الحنبلي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. برع في العلوم الإسلامية والآلية، وقمع الله به أهل الضلال، ونصر به أهل السنة. ولد سنة إحدى وستين وست مئة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله من المؤلفات: الواسطية، ومنهاج السنة. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (4/491 ترجمة 531)، والوافي بالوفيات (7/10 ترجمة 619).

(3) هو: الصحابي مالك بن الحويرث بن أشيم بن زبالة بن خشيش بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن ليث، أبو سليمان الليثي، ويقال له: ابن الحويرثة. مات بالبصرة سنة أربع وسبعين، وقيل: سنة أربع وتسعين. والأول أصح. انظر: الاستيعاب (ص: 659 ترجمة 2303)، والإصابة (5/719 ترجمة 7623).

(4) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب الأذان للمسافر إذا كانوا جماعة (631)، ومسلم في كتاب المساجد- باب من أحق بالإمامة (674)، من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه.