موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - إبطال الحيل - إبطال الحيل
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / المتون / إبطال الحيل لـ ابن بطة العكبري
  
 
إبطال الحيل - إبطال الحيل

إبطال الحيل

حدث الشريف الإمام أبو القاسم علي بن محمد بن علي العلوي الحراني قال: أخبرنا الإمام أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن محمد بن حمدان ابن بطة العكبري رحمه الله قال:

بتوفيق الله نستعين, ولعظمته نستكين وبما وصى به النبيين من شريعته ندين ونستهديه إلى الصراط المستقيم الذي أنعم الله به على النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وصلى الله على خاتم النبيين وسيد المرسلين محمد النبي الأمي وعى آله وسلم أجمعين.

أما بعد: يا أخي ألهمنا الله وإياك التقوى وجنبنا وإياك الردى وعصمنا وإياك من سوء المذاهب وقبيح الآراء فقد فهمت ما سألت عنه عن حال رجل ذكرت أنه حلف بالطلاق ثلاثا أنه لا بد أن يقتل رجل مسلما بغير حق لأجل خصومة جرت بينهما: أنه استفتى بعض الفقهاء, فأمره أن يطالب زوجته بأن تختلع منه على عوض تعطيه من مالها, فإذا قبل الفدية خلعها بتطليقه لتسقط اليمين ثم يعود في الوقت فيخطبها من وليها ويتزوجها تزويجا جديدا, و يسقط عنه الوفاء بما حلف عليه.

وسألت عن صحة الفتوى وهل لها مخرج من الكتاب والسنة؟ وأصل ثابت عند العلماء الربانيين من هذه الأمة؟

ولقد بلغني أن بعض من قد نصب نفسه للفتوى في النوازل يعلم من حلف بطلاق زوجته ثلاثا ليفعلن شيئا لا يحل له فعله أو لا يفعل شيئا لا بد له من فعله وكل واحد من الزوجين يؤدي إلى صاحبه ما أوجب الله عليه من حسن صحبته وإجمال عشرته فيدله على نحو الحيلة التي ذكرتها في السؤال

هذا وإني راجع إليك بجواب ما سألت عنه مشروحا مفهوما ليكون عملك بحسبه وحذوك على قدوه .

غير أني أقدم امام القول, وأبدأ قبل الجواب عن مسئلتك, بذكر صفة الفقيه الذي يجوز تقليده والفزع إليه عند المشكلات, والانقياد إلى طاعته عند نزول المعضلات وحلول الشبهات ثم أتبع ذلك بالجواب عما سألت عنه فإني أرى هذا الإسم قد كثر المتسمون به من عامة الناس وكافتهم وما ذاك إلا لأن البصائر قد عشيت والأفهام قد صدئت وابهمت عن معنى الفقه ما هو والفقيه من هو فهم يعولون على الاسم دون المعنى وعلى المنظر دون الجوهر.

ولذلك قال علي بن أبي طالب كرم الله وجه حين وصف المتجاسر على الفتوى بغير علم سماه أشباه الناس عالما ولم يفن في العلم يوما سالما

وقال رضي الله عنه "يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خراب من الهدى علماؤهم شر من تحت أديم السماء من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود" حدثنيه أبو محمد عبد الله بن سليمان الفاسي حدثنا محمد بن عبد الملك الدقيقي حدثنا يزيد بن هارون قال: أنبأنا عبد الله بن مكين حدثنا جعفر بن محمد عن جده عن علي رضي الله عنه أنه قال ذلك .

وسأنعت لك معنى الفقه والفقيه من العربية والشريعة الإسلامية نعتا جامعا من الشهادة المقنعة والدلالة الشافية مختصرا ذلك ومقتصرا على بعض الرواية دون النهاية وملخصه من الرواية بما فيه الكفاية تلخيصا يأتي على ما وراءه ويغني عما سواه.

فأما الفقيه في اللسان الفصيح فمعناه الفهم تقول فلان لا يفقه قولي أي لا يفهم قال الله عز وجل: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: ٤٤] أي لا تفهمون وقوله عز وجل ﴿ لّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: ١٢٢] أي ليتفهموه فيكونوا علماء به ومن ذلك قولهم فلان لا يفقه ولا ينقه معناه لا يفهم ولا يعلم.

ونجد الله عز وجل ندبنا إلى توحيده, والمعرفة بعظيم قدرته, بما دلنا عليه من بديع صنعته, وعجيب حكمته وما أسبغ علينا من نعمته ثم أخبرنا أنه إنما أظهر هذه المعجزات وفصل هذه الآيات للفقهاء العلماء لأنهم هم الذين فهموا عنه وفقهوا معنى مراده فجاز أن يدلوا عليه بما دلهم به على نفسه وجاز أن يكونوا هم النصحاء لعباده بما نصحوا به أنفسهم فإن الله عز وجل وصف نفسه لعباده وعرفهم ربوبيته ودعاهم إلى توحيده وعبادته بما أظهر لهم من قدرته فقال عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ ﴾ [الأنعام: ٩٥] إلى آخر الآية ثم قال عز وجل:﴿ فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ﴾ [الأنعام: ٩٦] ثم قال عز وجل ﴿ وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٧] ثم قال عز وجل:﴿ وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ ﴾ [الأنعام: ٩٨].

فلما فقهوا عن الله عز وجل ما عظم به نفسه, وأخبر به من جلاله وهيبته, ونفاذ قدرته وعظيم سلطانه وسطوته وما وعد به من ثوابه وتوعد به من عقابه وملكه للأشياء في الضر والنفع والإعطاء والمنع والدوام والبقاء هابوا الله عز وجل وأجلوه واستحيوا الله وعبدوه وخافوا الله وراقبوه وذلك لما فقهوا عنه من عظمته وجلاله وعظيم ربوبيته .

ولصق ما فقهوا عن الله عز وجل بقلوبهم فأزعجها وعن جميع مكاره الله باعدها وعلى ما يرضيه حركها وأذابها ومن مخالفته أوجلها وأرهبها فعند ذلك أضافهم الله عز وجل إلى نفسه فيما شهد لها بالالهية فقال: ﴿ شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ﴾ [آل عمران: ١٨] ثم رفعهم على جميع خلقه فقال:﴿ يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ﴾ [المجادلة: ١١] وقال:﴿ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ﴾ [يوسف: ٧٦] قيل: بالعلم. فهم صفوة الله من عباده, وأهل نوره في بلاده اصطفاهم الله لعلمه واختارهم لنفسه وعرفهم حقه ودلهم على نفسه فأقام بهم حجته وجعلهما قوامين بالقسط ذبابا عن حرمه نصحاء له في خلقه فارين إليه بطاعته فلذلك أمر الله عز وجل بمسئلتهم والنزول عند طاعتهم فقال عز وجل: ﴿ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ ﴾ [الأنبياء: ٧] ثم ألصق طاعتهم بطاعته وطاعة رسوله فقال:﴿ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ ﴾ [النساء: ٥٩] قال الفقهاء: كذا قال المفسرون.

حدثنا ابن مخلد حدثنا الحساني حدثنا أبو جعفر الرازي عن الربيع بن أنس عن أبي العالية بذلك.

فطاعتهم على جميع الخلق واجبة ومعصيتهم محرمة من أطاعهم رشد ونجا ومن خالفهم هلك وغوى هم سرج العباد ومنار البلاد وقوام الأمم وينابيع الحكم في كل وقت وزمن وصفهم الله عز وجل بالخشية والاعتبار والزهد في كل ما رغب فيه الجهلة الأغمار فقال عز من قائل:﴿ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ﴾ [فاطر: ٢٨] وقال: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٣].

ووصف قارون وخروجه في زينته, ومباهاته لأهل عصره بما أوتيه من حطام الدنيا وزينتها وغبطة الجاهلين له المريدين منها مثل إرادته, وتأسفهم على مثل حاله ثم دل على فضل العلماء وإصابتهم الصواب بعزوف أنفسهم عن ملكه وزينته ورضاهم بما فهموا عن الله وتصديقهم له فيما وعد من جزيل ثوابه وحسن مآبه لمن آمن بذلك ورضي به فقال عز وجل: ﴿ إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ ﴾ [القصص: ٧٦] ثم قال:﴿ فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ ﴿79﴾ وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ [القصص: ٧٩ - ٨٠].

وقال الله عز وجل تخصيصا للعلماء وتفضيلا للفقهاء: ﴿ ولَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ ﴾ [القصص: ٨٠] َ يعني الصابرين على الدنيا وزينتها رضاء بالله وبثوابه وبما أعاضهم من العلم به والفهم عنه وبما فقهوا عنه ما وعد به من صبر عنها ولذلك يروى والله أعلم في معنى هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم : "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" متفق عليه .

حدثنا أبو الفضل جعفر بن محمد القافلاني حدثنا الحسين بن محمد بن أبي معشر حدثنا وكيع حدثنا أسامة بن زيد عن محمد بن كعب القرظي قال: حدثنا معاوية ابن أبي سفيان على المنبر: "اللهم لا مانع لما أعطيت ولا معطي لما منعت من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" :سمعت هؤلاء الكلمات من نبيكم صلى الله عليه وسلم.

وحدثني أبو علي محمد بن أحمد البزار وأبو بكر محمد بن الحسين قالا: حدثنا أبو مسلم إبراهيم بن عبد الله الكشي حدثنا سليمان بن داود حدثنا عبد الواحد بن زياد حدثنا معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" .

حدثنا ابن صاعد حدثنا ابن زنبور حدثنا إسماعيل ابن جعفر حدثنا عبد الله بن سعيد بن أبي هند عن أبيه عن أبي هريرة عن ابن عباس قال :قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين" .

قال عبيد الله بن محمد شيخنا رضي الله عنه: ولهذا الفقيه الذي أراد الله به خيرا صفات وعلامات وصفها العلماء وأبانت عن حقائقها العقلاء.

فمن صفاته وعلاماته ما حدثنا أبو الفضل شعيب بن محمد بن الداجيان الكفي حدثنا علي بن حرب حدثنا الحسين بن علي الجعفي حدثنا ليث عن مجاهد قال: "إنما الفقيه من يخاف الله عز وجل".

وحدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: حدثني أبي حدثنا حسين بن علي عن ليث بن أبي سليم عن مجاهد قال: "الفقيه من يخاف الله عز وجل".

حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن أبي سهل الحربي حدثنا أبو العباس أحمد بن مسروق الطوسي حدثنا موسى بن خاقان النحوي "ح" وحدثنا أبو الحسين أحمد ابن عثمان الأزدي حدثنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا أبو النصر هاشم بن القاسم حدثنا بكر بن خنيس عن ليث بن أبي سليم عن أبي هبيرة الأنصاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "ألا أخبركم بالفقيه كل الفقيه؟ من لم يقنط الناس من رحمة الله ولم يؤمنهم من مكر الله ولم يرخص لهم في معاصي الله ولم يدع القرآن رغبة عنه إلى غيره".

حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر الخوارزمي حدثنا محمد بن إسماعيل أبو عبد الله الضرير حدثنا يزيد بن هارون قال أنبأنا المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن قال: قال عبد الله بن مسعود: "كفى بخشية الله علما وكفى بالاغترار بالله جهلا".

حدثنا أبو الحسين الحربي حدثنا أحمد بن مسروق حدثنا الحسين بن حفص حدثنا وكيع عن محمد بن عمر عن أبي علقمة الليثي قال: كتب عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري رحمه الله "إن الفقه ليس بكثرة السرد وسعة الهدر وكثرة الرواية وإنما الفقه خشية الله عز وجل".

حدثنا أبو بكر أحمد بن محمد بن السري الكوفي بالكوفة حدثنا إسحاق بن يحيى الدهقان حدثنا أبو كريب حدثنا ابن مسعود عن أبيه قال قلت لسعد أن إبراهيم: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أتقاهم.

حدثني أبو صالح محمد بن أحمد بن ثابت حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد الحربي حدثنا أحمد بن مسروق حدثنا محمد بن الحسن حدثنا أبو بشير حدثني مروان قال: سمعت بعض القرشيين قال: "إن كمال علم العالم ثلاثة! ترك طلب الدنيا بعلمه ومحبته الانتفاع لمن يجلس إليه ورأفته بالناس".

حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي حدثنا يحيى بن أيوب العابد حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله بن عمر العمراني قال: قال أبو حازم "لا يكون العالم عالما حتى تكون فيه ثلاث خصال لا يحقر من دونه في العلم ولا يحسد من فوقه ولا يأخذ على علمه دنيا" .

حدثنا أبو صاعد حدثنا علي بن مسلم حدثنا يسار ابن جعفر بن سليمان حدثنا مطر الوراق قال: سألت الحسن عن مسئلة فقال فيها فقلت يا أبا سعيد يأبى عليك الفقهاء فقال الحسن ثكلتك أمك يا مطر وهل رأيت بعينك فقيها قط وقال: "تدري ما الفقيه؟ الفقيه الورع الزاهد المقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي لا يسخر بمن أسفل منه ولا يهزأ بمن فوقه ولا يأخذ على علم علمه الله إياه حطاما".

حدثنا أبو الحسن إسحاق بن أحمد الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي حدثنا عمر بن الهيثم حدثنا أبو حمزة عن الحسن قال: "الفقيه المجتهد

في العبادة الزاهد في الدنيا المقيم على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

حدثنا إسحاق بن أحمد حدثنا عبد الله حدثني أبي حدثنا موسى بن هلال حدثنا هشام صاحب الدستوائي عن رجل عن الحسن وقد أتاه رجل فسأله عن مسئلة فأفتاه قال: فقال له الرجل: يا أبا سعيد قال فيها الفقهاء غير ما قلت قال فغضب الحسن وقال: "ثكلتك أمك وهل رأيت فقيها قط؟ قال: فسكت الرجل قال فسأله رجل فقال يا أبا سعيد من الفقيه قال: "الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة البصير في دينه المجتهد في العبادة هذا الفقيه".

حدثنا أبو عمر حمزة بن القاسم خطيب جامع المنصور حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا أبو عبد الله حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمعت أيوب يقول سمعت الحسن يقول: "ما رأيت فقيها قط يداري ولا يماري إنما يفشي حكمته فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله" .

قال: وسمعت الحسن يقول: "ما رأيت فقيها قط. وإنما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة الدائب على العبادة, المتمسك بالسنة"

حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء حدثنا عبد الوهاب ابن الحكم الوراق حدثنا محمد بن بكر حدثنا جعفر بن سليمان عن عبد الصمد بن معقل عن وهب بن منبه قال: "الفقيه العفيف المتمسك بالسنة أولئك أتباع الأنبياء في كل زمان".

حدثنا أبو محمد عبد الله بن محمد بن الراجيان حدثنا أبو نصر فتح بن شخرف حدثني عبد الله بن حبيق عن يوسف بن أسباط قال: قال سفيان الثوري: "الفقيه الذي يعد البلاء نعمة, والرخاء مصيبة وأفقه منه من لم يجترى ء على الله عز وجل في شيء لعلة به".

حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد زياد النيسابوري حدثنا يونس بن عبد الأعلى حدثنا عبد الله بن وهب حدثنا سليمان بن القاسم عن الحارث بن يعقوب قال يقال: "إن الفقيه كل الفقيه من فقه في القرآن وعرف مكيدة الشيطان" .

حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان النعماني الباهلي حدثنا عبد الله بن عبد الصمد حدثنا مخلد بن أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قال: "لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله ثم يرجع إلى نفسه فيكون لها أشد مقتا".

حدثنا أبو بكر محمد بن محمود السراج حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام العجلي حدثنا محمد بن عبد الرحمن الطفاوي حدثنا أيوب عن أبي قلابة عن أبي الدرداء قال: "إن من فقه المرء ممشاه ومدخله ومجلسه".

حدثنا إسحاق الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد حدثني أبي حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثنا أيوب عن أبي قلابة قال: قال أبو الدرداء "إنك لا تفقه كل الفقه حتى ترى للقرآن وجوها وإنك لا تفقه كل الفقه حتى تمقت الناس في جنب الله عز وجل ثم ترجع إلى نفسك فتكون لها أشد مقتا منك للناس" .

حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا محمد بن يونس الديلمي حدثنا إبراهيم بن نصر الصائغ قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: "إنما الفقيه الذي أنطقته الخشية, وأسكتته الخشية. إن قال قال بالكتاب والسنة وإن سكت سكت بالكتاب والسنة وإن اشتبه عليه شيء وقف عنده ورده إلى عالمه".

قال الشيخ أبو عبد الله أنا أقول- والله المحمود هذه صفة أحمد بن حنبل رحمه الله. فيا ويح من يدعي مذهبه ويتحلى بالفتوى عنه. وهو سلم لمن حاربه عون لمن خالفه الله المستعان على وحشة هذا الزمان.

حدثنا أبو شيبة عبد العزيز بن جعفر بن بكر الخوارزمي حدثنا أبو عبد الله إسماعيل حدثنا وكيع حدثنا سفيان عن يونس عن الحسن قال: "إنا لنجالس الرجل فنرى أن به عيا وما به عي وإنه لفقيه مسلم" قال وكيع: "أسكتته الخشية".

حدثني أبو علي محمد بن الحسن البزار حدثنا أبو جعفر محمد بن عثمان بن أبي شيبة حدثنا يوسف بن موسى حدثنا حكام حدثنا عيسى بن معاذ عن ليث قال: "كنت أسأل الشعبي فيعرض عني ويجبهني بالمسألة قال فقلت يا معشر العلماء؟ تزوون عنا أحاديثكم وتجبهوننا بالمسألة؟" فقال الشعبي "يا معشر العلماء, يا معشر الفقهاء؟! لسنا بعلماء ولا فقهاء. ولكننا قوم قد سمعنا حديثا فنحن نحدثكم بما سمعنا. إنما الفقيه من ورع عن محارم الله والعالم من خاف الله عز وجل".

حدثنا أبو شيبة حدثنا الحساني محمد بن إسماعيل حدثنا ابن نمير عن مالك بن مغول قال: "استفتى رجل الشعبي فقال: أيها العالم أفتني فقال إنما العالم من يخاف الله".

حدثنا أبو طلحة أحمد بن محمد بن عبد الكريم الفزاري حدثنا محمد بن يحيى الأزدي حدثنا داود بن المحبر حدثنا عباد بن كثير عن ابن جريح عن عطاء وأبي الزناد عن جابر أنه تلا: ﴿ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ﴾ [العنكبوت: ٤٣] فقال: "العالم الذي عقل عن الله أمره فعمل بطاعة الله واجتنب سخطه".

حدثني أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا أبو الحسن بن أبي العلاء الكوفي حدثنا العباس بن يزيد البحراني حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثني قرة بن خالد عن عون بن عبد الله بن عيينة قال: قال عبد الله بن مسعود: "ليس العلم للمرء بكثرة الرواية ولكن العلم الخشية" .

حدثنا أبو بكر محمد بن دارم الكوفي حدثنا أبو عبد الله محمد بن إسماعيل بن يزيد الرازي حدثنا محمد بن مسلم الرازي حدثني مقاتل بن محمد قال: "خرجنا مع سفيان بن عيينة إلى منى في جماعة فيهم أبو مسلم المستملي فقال سفيان في بعض ما يتكلم به "العالم بالله الخائف لله وإن لم يحسن "فلان عن فلان" ومن لم يحسن العلم والخوف من الله فهو جاهل وإن كان يحسن فلان عن فلان المسلمون شهود أنفسهم عرضوا أعمالهم على القرآن فما وافق القرآن تمسكوا به وإلا استعتبوا من قريب" قال أبو مسلم ما أحسن هذا الكلام يا أبا محمد, قال "إنه والله أحسن من الدر وهل الدر إلا صدفة؟".

حدثنا أبو عبد الله بن مخلد حدثنا أبو بكر المروذي حدثنا حبان بن موسى قال: سئل عبد الله بن المبارك "هل للعلماء علامة يعرفون بها؟" قال علامة العالم من عمل بعلمه, واستقل كثير العلم والعمل من نفسه ورغب في علم غيره وقبل الحق من كل من أتاه به. وأخذ العلم حيث وجده فهذه علامة العالم وصفته" قال المروذي: فذكرت ذلك لأبي عبد الله. فقال: "هكذا هو".

حدثنا ابن مخلد حدثنا المروذي قال: قلت لأبي عبد الله: قيل لابن المبارك: كيف يعرف العالم الصادق؟ فقال: "الذي يزهد في الدنيا ويعقل أمر آخرته" فقال: "نعم كذا يريد أن يكون".

حدثنا أبو بكر محمد بن محمود السراج حدثنا أبو بكر بن زنجويه حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر قال سمعت الزهري يقول "لا نثق للناس بعمل عامل لا يعلم ولا ترضى لهم بعلم عالم لا يعمل".

حدثنا أبو الحسين محمد بن أحمد بن أبي سهل الحربي حدثنا أحمد بن مسروق الطوسي قال سمعت إبراهيم بن الجنيد يقول "عوتب بعض العقلاء على تركه المجالس وقيل له ما بالك لا تكتب الحديث؟ فقال قد سمعت حديثين فأنا محاسب نفسي بهما, فإذا أنا علمت آني قد عملت بهما كتبت غيرهما. قيل: وما الحديثان؟ قال: "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه" و "حب الدنيا رأس كل خطيئة" وأنا أستغفر الله من اعتذاري إليه وأشكره على ما قد عرفني من زللي فانصرفوا وهم يحلفون بالله ما رأينا أفقه منه ولا أشد محاسبة منه لنفسه قال فرجع إليه رجل منهم فقال أوصني قال: "عليك بتقوى الله وصدق الحديث وترك ما لا يعنيك ثم قام فدخل إلى منزله".

حدثنا أبو عبد الله أحمد بن علي بن العلاء حدثنا أبو عبيدة بن أبي السفر حدثنا أبو أسامة عن زائدة "ح" وحدثنا ابن مخلد قال حدثنا ابن إسحاق حدثنا نعيم بن حماد حدثنا ابن المبارك عن زائدة عن هشام عن الحسن قال: "كان الرجل إذا طلب بابا من العلم لم يلبث أن يرى ذلك في تخشعه وبصره ولسانه ويده وزهده وصلاته وبدنه وإن كان الرجل ليطلب الباب من العلم فلهو خير له من الدنيا وما فيها".

حدثنا أبو الحسين إسحاق بن أحمد الكاذي حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل حدثني أبي ثنا عفان حدثنا حماد بن زيد عن أيوب قال: "ينبغي للعالم أن يضع التراب على رأسه تواضعا لله عز وجل".

حدثنا أبو بكر محمد بن القاسم النحوي حدثنا الحسن بن الحباب حدثنا معمر القطيعي قال سمعت سفيان بن عيينة يقول "العلم إذا لم ينفع ضر" .

حدثنا أبو جعفر عمر بن محمد بن رجاء حدثنا أبو نصر عصمة بن أبي عصمة حدثنا العباس بن الحسين القنطري حدثنا محمد بن الحجاج قال كتب أحمد بن حنبل رضي الله عنه عني كلاما قال العباس وأملاه علينا. قال: "لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه "يعني للفتوى" حتى يكون فيه خمس خصال أما أولاها فأن يكون له نية فإنه إن لم تكن له فيه نية لم يكن عليه نور ولا على كلامه نور وأما الثانية فيكون له خلق ووقار وسكينة وأما الثالثة فيكون قويا على ما هو فيه وعلى معرفته وأما الرابعة فالكفاية وإلا مضغه الناس. وأما الخامسة فمعرفة الناس".

قال أبو عبد الله رحمه الله: فأقول والله العالم-"لو أن رجلا أنعم نظره, وميز فكره, وسما بطرفه واستقصى بجهده طالبا خصلة واحدة في أحد من فقهاء المدينة والمتصدرين للفتوى فيها لما وجدها بل لو أراد أضدادها والمكروه والمرذول من سجايا دناءة الناس وأفعالهم فيهم لوجد ذلك متكاثفا متضاعفا والله نسأل صفحا جميلا وعفوا كثيرا".

حدثنا أبو صالح محمد بن أحمد قال: حدثنا أبو الأحوص قال حدثنا ابن أبي أوس عن أخيه عن أبيه قال: أدركت الفقهاء بالمدينة يقولون "لا يجوز أن ينصب نفسه للفتوى ولا يجوز أن تستفتي إلا الموثوق في عفافه وعقله وصلاحه ودينه وورعه وفقهه وحلمه ورفقه وعلمه بأحكام القرآن والمحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ عالما بالسنة والآثار وبمن نقلها والمعمول به منها والمتروك عالما بوجوه الفقه التي فيها الأحكام, عالما باختلاف الصحابة والتابعين فإنه لا يستقيم أن يكون صاحب رأي له علم بالكتاب والسنة والأحاديث والاختلاف. ولا صاحب حديث ليس له علم بالفقه والاختلاف ووجوه الكلام فيه. وليس يستقيم واحد منهما إلا بصاحبه. قالوا ومن كان من أهل العلم والفقه والصلاح بهذه المنزلة إلا أن طعمته من الناس وحاجاته منزلة بهم وهو محمول عليهم. فليس بموضع الفتوى ولا موثوق به في فتواه ولا مأمون على الناس فيما اشتبه عليهم".

قال الشيخ أبو عبد الله ابن بطة -رضي الله عنه: قد اقتصرت يا أخي صانك الله من صفة الفقيه على ما أوردت وكففت عن أضعاف ما أردت فإني ما رأيت الإطالة بالرواية في هذا الباب متجاوزة ما قصدنا من جواب المسألة. نعم -أيضا- وتهجين لنا وسبة علينا وغضاضة على الموسومين بالعلم والمتصدرين للفتوى من أهل عصرنا مع عدم العالمين لذلك والعاملين به. فأسأل الله أن لا يمقتنا فإنا نعد أنفسنا من العلماء الربانيين والفقهاء الفهماء العارفين ونحسب أنا أئمة متصدرون علما وفتيا وقادة أهل زماننا ولعلنا عند الله من الفاجرين ومن شرار الفاسقين فقد روي عن الفضيل بن عياض رحمه الله قال: "إنا نتكلم بكلام أحسب أن الملائكة تستحسنه ولعلها تلعن عليه".

وروي أن قائلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله من شر الناس فقال: "اللهم غفرا, شر الناس العلماء إذا فسدوا" وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "يوشك أن لا يبقى من الإسلام إلا اسمه ومن القرآن إلا رسمه مساجدهم يومئذ عامرة وهي خربة من الهدى, علماؤهم شر من تحت أديم السماء, من عندهم تخرج الفتنة وفيهم تعود".

وقال عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم "يا معشر الحواريين, الحق أقول لكم: إن الدنيا لا تصلح إلا بالملح, والطعام لا يطيب إلا به, فإذا فسد الملح فسد الطعام وذهبت المنفعة به. وكذلك العلماء ملح الأرض لا تستقيم الأرض إلا بهم وإذا فسد العلماء فسدت الأرض".

وقال سفيان بن عيينة: "قدم عبيد الله بن عمر الكوفة فلما رأى اجتماعهم عليه قال: أشنتم العلم وأذهبتم نوره لو أدركني وإياكم عمر لأوجعنا ضربا".

هذا-رحمكم الله- قول عبيد الله بن عمر رحمه الله لمن اجتمع عليه من طلبة العلم وهم: سفيان الثوري وابن عيينة وأبو إدريس الخولاني, وحفص بن غياث ونظراؤهم فما ظنك بقوله لو رأى أهل عصرنا فنسأل الله صفحا جميلا, وعفوا كبيرا, فيا طوبى لنا إن كانت موجبات أفعالنا أن نوجع ضربا فإني أحسب كثيرا ممن يتصدر لهذا الشأن يرى نفسه فوق الذين قد مضى وصفهم ويرى أنهم لو أدركوه لا حتاجوا إليه وأمموه. ويرى أن هذه الأفعال منهم والأقوال المأثورة عنهم كانت من عجزهم وقلة علمهم وضعف نحائزهم, الله المستعان فلقد عشنا لشر زمان. فقد حدثنا أبو محمد السكري حدثنا أبو يعلى الساجي حدثنا الأصمعي قال سمعت سفيان بن عيينة قال: "إذا كنت في زمان يرضى فيه بالقول دون الفعل والعلم دون العمل فاعلم بأنك في شر زمان بين شر الناس".

ولقد روي عن حبر من أحبار هذه الأمة وسيد من سادات علمائها أنه قال: "ما أرى أن يعذب الله هذا الخلق إلا بذنوب العلماء".

قال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد- ومعنى ذاك: والله أعلم- أن العالم إذا زل عن المحجة, وعدل عن الواضحة, وآثر ما يهواه على ما يعلمه وسامح نفسه فيما تدعوه إليه زل الناس بزلله, وانهمكوا مسرعين في أثره يقفون مسلكه ويسلكون محجته. وكان ما يأتونه ويرتكبونه من الذنوب وحوبات المأثم بحجة, وعلى اتباع قدوة فلا تجري مجرى الذنوب التي تمحى بالاستغفار, ومرتكبها بين الوجل والإنكسار, فالمقتدون به فيها كالسفينة إذا غرقت غرق بغرقها خلق كثير وجوهر خطير أضعاف ثمنها وقيمتها بأضعاف مضاعفة. والله أعلم .

الحالف بالطلاق ثلاثا على قتل أخيه

ونعود إلى جواب المسألة, ونستوفق الله لصواب القول وصالح الأعمال. قال أبو عبد الله: وأما الحالف بالطلاق ثلاثا أنه لا بد أن يقتل أخاه من غير أن يحد لذلك حدا, أو يوقت له وقتا فهو غير حانث ما كان مجتهدا في إنفاذ ما حلف عليه مع مواظبة الأوقات لمواظبة عزمه وتصحيح نيته على ذلك. وفي إصراره على ذلك وإقامته عليه مبارزة لله عز وجل في تعدي حدوده, ومخالفة أمره واستجلاب غضبه ولعنته, والخلود في أليم عذابه, فإن تلاومت نيته, أو وقف عزمه, وحل عقد الإصرار من قلبه, وعزم أن لا يفعل ذلك أبدا, فساعته بانت امرأته, وانقطعت العصمة بينهما, وحرمت عليه, فلم تحل له حتى تنكح زوجا غيره وفي تردده في يمينه وضربه عرض البلاد, وملاقاة الرجال يلتمس المخرج من يمينه والخلاص من حنثه من غير الوفاء بيمينه, ما دل على تلاوم نيته, ووقف عزمه وفتور قلبه, عما كان حلف عليه فصار ذلك إلى صريح الحنث به والله أعلم.

وأما الجواب عن قول المفتي: أن تسأل امرأتك أن تفتدي منك نفسها بشيء تعطيكه من مالها, فإذا قبلت الفدية طلقها تطليقة بائنة, فانخلعت منك وسقطت عنك اليمين الأولى, ثم اخطبها من وليها وتزوجها تزويجا ثانيا, وعادت كما كانت معك.

قال أبو عبد الله: أن هذا الجواب لا يجري مجرى الفتوى, ولا يقال لقائله مفتي ولا فقيه, لأن الفتوى عند أهل العلم تعليم الحق والدلالة عليه, قال الله عز وجل: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ ﴾ [النساء: ١٧٦] يقول يستعلمونك قال الله يعلمكم الحق ويدلك عليه, "و" قول الله عز وجل:﴿ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ ﴾ [يوسف: ٤٦] فالفتوى هي: تعليم الحق والدلالة عليه.

و أما من علم الحيلة والمماكرة في دين الله, والخديعة لمن يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور, حتى يخرج الباطل في صورة الحق, فلا يقال له مفتي لأن من كان على ملة إبراهيم وشريعة محمد صلى الله عليه وسلم ومن شرح الله صدره للإسلام فقد تيقن علما, وعلم يقينا أن هذه حيلة لإباحة ما حظره الله وتوسعة ما ضيقه الله وتحليل ما حرمه الله، ولفظ حق في ظاهره أريد به باطل في باطنه.

وقد علم المؤمنون والعلماء الربانيون, والفقهاء الديانون: أن الحيلة على الله وفي دين الله لا تجوز, وأن فاعلها مخادع لله ولرسوله وما يخادع إلا نفسه لا من يعلم السر وأخفى و ﴿ يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ ﴾ [غافر: ١٩] و﴿ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ ﴾ [البقرة: ٢٣٥] ومن قال: ﴿ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ ﴾ [آل عمران: ٢٩] ومن قال: ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ ﴾ [ق: ١٦] ومن قال: ﴿ وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِن قُرْآنٍ ولَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ مِن مِّثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ ولَا فِي السَّمَاءِ ولَا أَصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [يونس: ٦١] .

قد علم الله عز وجل: أن الخلع الذي أفتى به هذا المفتي, ليس هو الخلع الذي ذكره الله في كتابه, ولا هو الذي علمه المؤمنون من عباده.

وذلك أنا نجد الله عز وجل: قد جعل الرجال قوامين على النساء وجعل عقدة النكاح بأيديهم وجعل النساء كالعواري عندهم, ولما جاز أن يقع بينهما من القول والنفار والبغض والنشاز- ما إن تعاشرا معه خافا على أنفسهما الخروج عن أحكام الطاعة إلى شرور المعصية, ولا سبيل للمرأة إلى حل عصمتها بنفسها وكان وجوب المهر على الزوج, ومايخافه من المطالبة يمنعه من تخلية سبيلها جعل لذلك حكما بائنا من الخلع بإعطاء الفدية, تملك المرأة به نفسها ويبرأ الزوج بذلك من صداقها- فأمر بالخلع وقبول الفدية وجعل ذلك لذلك نفسه وسماه حدا من حدوده التي من تعداها كان من الظالمين فقال عز وجل:﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [البقرة: ٢٢٩] فجعل الإختلاع على المرأة أثاما وأخذ الرجل الفدية منها حراما إلا من بعد مخافتهما عصيان الله, والإقامة بينهما على عشرة فيها تعدي حدوده.

والمعني بالخلع في المسألة المذكورة حالها في تبيان أن هذا الحالف قد وضع الخلع في غير ما وضعه الله له وقصد, إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فيما اشترط لكل واحد منهما على صاحبه من العشرة والصحبة.

وحدثنا عبد الوهاب حدثنا أبي حدثنا علي بن عبدالعزيز حدثنا أبو عبيد حدثنا أبو الأسود عن ابن لهيعة عن عبد الله بن عبد الله بن أبي فروة عن عطاء بن أبي رباح قال: "لا يحل الخلع إلا أن تقول المرأة لزوجها: إني أكرهك وما أحبك وقد خشيت أن آثم في جنبك ولا أؤدي حقك, وتطيب نفسا بالخلع".

حدثنا عبد الوهاب حدثنا أبي حدثنا علي بن عبد العزيز حدثنا أبو عبيد حدثنا أبو إسماعيل عن ابن جريح عن هشام عن عروة أنه قال: "لا تحل الفدية ولا يتم الخلع حتى يكون الفساد من قبلها ولم يكن يقول لا تحل له ، حتى تقول لا أغتسل لك من جنابة ولا أبر لك قسما".

حدثني أبو صالح حدثنا الكديمي حدثنا عمرو بن عاصم الكلابي حدثنا معتمر بن سليمان قال: سمعت أبي عن الحسن "إذا قالت لا أبر لك قسما ولا أغتسل لك من جنابة فحينئذ حل الخلع".

حدثنا أبو علي محمد بن يوسف حدثنا عبد الرحمن بن خلف الضبي حدثنا حجاج حدثنا حماد بن سلمة حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: "لا يصلح الخلع إلا أن يكون الفساد من قبل المرأة".

أخبرني أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء عن أبي عمران موسى بن حمدون حدثنا حنبل بن إسحاق حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة عن حماد بن زيد عن إبراهيم حدثنا هشام بن عروة عن أبيه قال: "لا يصلح الخلع إلا أن يكون الفساد من قبل المرأة" قال حدثنا حنبل قال أبو عبد الله: "الخلع لا يكون إلا من قبل المرأة لأنها هي المطالبة".

حدثنا أبو حفص حدثنا أبو أيوب عبد الوهاب بن عمرو النزلي حدثنا أبو همام الوليد بن شجاع حدثنا يحيى بن أبي زائدة عن صالح بن صالح قال: قلت لعامر- يعني الشعبي- :"متى يجوز الخلع بين الرجل والمرأة ومتى يطيب له أخذ الفدية منها؟" قال: "إذا كرهته وعصت الله فيه".

حدثني أبو صالح محمد بن أحمد حدثني أبو الأحوص حدثنا حفص بن عمر النمري قال: حدثنا شعبة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: "ما أقام الزوجان على إقامة حدود الله بينهما فالخلع غير جائز والفدية لا تحل".

حدثنا أبو عيسى يحيى بن محمد بن سهل الخصيب حدثنا أبو صالح عبد الوهاب بن عصام بن الحكم حدثنا أبو مسعود أحمد بن الفرات الأصبهاني حدثنا محمد بن يوسف حدثنا الأوزاعي عن عطاء والزهري وعمرو بن شعيب قالوا: "لا يجوز الخلع إلا من الناشز".

حدثنا أبو عيسى حدثنا أبو صالح حدثنا أبو مسعود حدثنا محمد بن عيسى حدثنا حماد بن زيد عن هشام بن عروة عن أبيه قال: "إذا كان من قبلها فلا بأس وإذا كان من قبله فلا ولا نعمى عين".

حدثنا أبو عيسى حدثنا أبو صالح حدثنا عبد الوهاب حدثنا أبو مسعود حدثنا محمد بن عيسى حدثنا هشيم عن إسماعيل بن سالم عن الشعبي قال: "إذا كان من قبلها فلا بأس وإذا كان من قبله فلا".

حدثنا أبو عيسى حدثنا عبد الوهاب حدثنا أبو مسعود حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار قال: "لا يجوز الخلع حتى يكون من قبل المرأة وإذا كان من قبل الرجل لم يتم".

حدثني أبو صالح حدثنا الكديمي حدثنا بكار الليثي حدثنا يزيد بن إبراهيم عن الحسن في قوله عز وجل: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ قال: "ذلك في الخلع إذا قالت: والله لا أغتسل لك من جنابة".

قال أبو عبد الله: فهذه أقوال الصحابة والتابعين وفقهاء المسلمين, موافقة كلها لما أنزل به القرآن, مخالفة لما أفتى به. المفتي منافية له وأوضح ذلك وصححته السنة التي فسرت الكتاب والخلع الذي أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك ما حدثني به أبو يوسف يعقوب بن يوسف الطباع حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا عبيد الله بن عمر القواريري حدثني عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن عكرمة عن ابن عباس أن جميلة بنت سلول أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق, ولكني أكره الكفر في الإسلام. لا أطيقه بغضا فقال لها نبي الله صلى الله عليه وسلم: "تردين إليه حديقته؟" قالت: نعم, فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأخذ ما ساق ولا يزداد.

قال أبو عبد الله: فهذا الخلع الذي نزل به القرآن وجاءت به السنة وذهب إليه فقهاء الأمة, لا نعلم له وجها غير هذا, ولا يجوز أن يصرف ولا يستعمل إلا عند الأسباب التي ذكرها الله عز وجل. وهي وقوع النفار والبغض والشقاق ومعصية الله تبارك وتعالى. لا للحيلة والمخالفة, والخديعة والمماكرة, والعدول به إلى غير جهته, ووضعه في غير موضعه الذي أراد الله له, وفسح به عند الحاجة إليه .

وما ظنك به إذا كان بدء المسألة من الرجل لزوجته, أن تنخلع منه وأن تفتدي منه نفسها على شريطة عقد النكاح بينهما بعقد؟ فإن هذا مما لا خفاء على أهل العقل في قبحه وفساده فإنه وضع الخلع في غير موضعه واستعماله في غير ما أمر الله به. وشرط أيضا عقد النكاح بوقوعه فصار ما فعله في القرب من مقصده والظفر بمطلبه كالذي أراد مشرقا فذهب مغربا فكلما ازداد في سعيه جهدا ازداد من ظنه بعدا وهو في ذلك من المتلاعبين بحدود الله عز وجل والمستهينين بآياته.

فقد حدثني أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا أبو الأحوص حدثنا أبو حذيف حدثنا أبو الحسين عبد الباقي بن قانع حدثنا إسحاق بن حمدان البجلي حدثنا محمد بن الحسين بن طرحان حدثنا أبو حذيفة حدثنا سفيان الثوري عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبيه أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته خلعتك راجعتك طلقتك راجعتك" .

حدثنا القاضي المحاملي حدثنا إبراهيم بن هانىء حدثنا أبو حذيفة قال حدثنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما بال أقوام يلعبون بحدود الله طلقتك راجعتك طلقتك راجعتك؟" .

الحيلة والخديعة نفاق

قال أبو عبد الله رحمه الله: وما الفرق بين هذا الخلع والنكاح الواقع بعقد شريطته, وبين من تزوج امرأة على شريطة أن يطلقها بعد الدخول بها, فتعود إلى زوج كان لها. وهذا المحلل والمحلل له اللذان لعنهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وما الفرق بين هذا الخلع وبين من باع دراهمه المكسرة من صيرفي بدينار على أن يعطيه بذلك الدينار صحاحا على صرف مقطوع وكل ذلك في عقد واحد؟ .

وما الفرق بين هذا الخلع وبين من استسلف من رجل في سلعة إلى أجل على أنه إذا جاء أجلها عاد البائع لها فاشتراها من المسلم فيها على سعر المقطوع؟.

وما الفرق بين هذا الخلع وبين من اشترى من رجل سلعة نسيئة على أن يشتريها منه بالنقد؟ مع نظائر كثيرة لهذه شاكل بعضها بعضا وكلها عند من كان على شريعة الإسلام وشروط أحكامه فاسدة مردودة, وربما وضعها أهلها موضع الحيلة على نحو من الحكم في ظاهره مع فساد باطنه وكل ذلك من الخديعة والمواربة والمماكرة لله تعالى ذكره في معاملته وعبادته .

وأصل الحيلة في شريعة الإسلام خديعة, والخديعة نفاق والنفاق, عند الله عز وجل أعظم من صراح الكفر. قال الله عز وجل: ﴿ وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ﴿8﴾ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ٨ - ٩] وقال تبارك وتعالى: ﴿ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى ﴾ [النساء: ١٤٢] أفلا ترى: إن المنافقين أظهروا قبول الأحكام الإسلامية, وألزموا أنفسهم التدين بها, حيلة, بذلك و خديعة لله عز وجل ولرسوله صلى الله عليه وسلم ولعباده المؤمنين رحمة الله عليهم؟ ليحقنوا بذلك دماءهم, ويحفظوا أموالهم, فأعطاهم ما أرادوا بما أظهروا وأكذبهم فيما ادعوا بما أسروا وأبطنوا ورد عليهم كيدهم وخديعتهم بسوء اعتقادهم وإرادتهم غير الذي أمر الله به من خالص التصديق وصافي التوحيد. واستعمالهم آلات الإيمان لغير ما أرادها الله عز وجل.

وهذا باب من الحيلة وهو أفحشها وأقبحها. وكل ما كان من الحيلة فمشبه بها ومنسوب إليها, ومتشعب عنها.

ألا ترى: أن الله عز وجل شرع- برا بكافة خلقه وإرفاقا بهم- رخصا وضعها عند الحاجة إليها وشدة الضرورة عند نزولها, فقال الله عز وجل حين فرغ من فرض الصيام: ﴿ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ﴾ [البقرة: ١٨٥] وقال: ﴿ وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ﴾ [النساء: ١٠١].

فأباح الفطر في السفر وقصر الصلاة. وفرض الحج بوجود الاستطاعة, فلو أن رجلا سافر لا يريد بسفره إلا الأكل والجماع نهارا في شهر رمضان حتى يقضي ذلك على مهل متقطعا في قصير الأيام على مر الأوقات. ولو أن رجلا سافر لا يريد من سفره إلا أن يضع عن نفسه بعض صلاته, و كذلك لو وجب عليه الحج بوجوب الاستطاعة فوهب ماله لبعض ولده عند أوقات الحج, ثم استرجعه بعد ذلك, وكذلك لو كان له من أصناف الماشية مال كثير تجب فيه الزكاة الكثيرة فباعها عند رأس الحول وجرى ثمنها مجرى المال المستفاد, أو مال صامت فعند رأس الحول ابتاع به عقارا حتى إذا جاوز الحول باعه لكان هذا كله في ظاهره جائزا في شريعة الإسلام ماضيا على أحكامها, ولو استفتى فاعله جميع الفقهاء المسلمين في جميع الأمصار فيما فعل غير مخبر لهم بنيته, ولا ما قصد له من ذلك لما اختلف عليه اثنان في جوازه وصحته ولا رأوه حرجا في فعله ولا آثما في مرتكبه.

وما ظنك الآن إ ذا كان المفتي هو الآمر بهذا والدال عليه والمفتي به؟ ولا فرق بين الفتوى بالخلع على الحال المذكورة في هذه المسألة وبين الفتوى في هذه الأسباب التي ذكرناها كلها فإنها كلها ترجع إلى الحيلة.

وتجد الله عز وجل قد حرم الحيلة والخديعة وحرمها رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبطلها, وإن أعطاها صحة الحكم في ظاهرها.

ألا ترى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حكم بما ظهر, وأبطل ذلك بما استتر, وهو أعدل الخلق في حكومته, وأعلمهم بقضيته, ولما علم أن في الناس من يكون ألطف حيلة في خصومته, وألحن من خصمه بحجته, وأن الحكم بما ظهر لا بما استتر, قال صلى الله عليه وسلم: "إنكم تختصمون إلي ولعل بعضكم يكون ألحن بحجته من صاحبه, فمن قضيت له شيئا من مال أخيه بغير حق فلا يأخذه, فإنما أقطع له قطعة من النار".

أفلا ترى أن ظاهر القضية حق بما ظهر من حيلة صاحبها ومكره, ثم جعلها بغير حق, وأوجب لصاحبها النار بما أبطن من سره وعزمه؟ فلو كان ظاهر الحكم الإسلامي يدرأ عن صاحبه فساد ما ورى عنه من حيلته ومخادعته لما أوجب له رسول الله صلى الله عليه وسلم النار.

وهكذا صاحب هذا الخلع وضعه في غير الموضع الذي أراد الله عز وجل له, فظاهره صحيح ومعناه مردوده قبيح.

ومن أوضح الأدلة على بطلان الحيلة في الأحكام نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عنها ولعنته فاعلها: من ذلك ما حدثنا به أبو الحسن أحمد بن محمد بن مسلم حدثنا الحسن ابن محمد بن الصباح الزعفراني حدثنا يزيد بن هارون حدثنا محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود, فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل" .

حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد النيسابوري حدثنا عباس الدوري "ح" وحدثنا ابن مخلد حدثنا ابن زنجويه قال حدثنا عبيد الله بن موسى حدثنا شيبان بن عبد الرحمن عن الأعمش عن حبيب بن أبي ثابت عن سعيد بن جبير عن ابن عباس عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لعن الله اليهود يحرمون شحم الغنم ويأكلون أثمانها".

قال أبو عبد الله: فرسول الله صلى الله عليه وسلم إنما لعن اليهود باستعمالهم الحيلة بأكلهم الشحوم, لأن أكلها حلال والحيلة حرام والمستعمل لها في دينه إنما يخادع ربه.

حدثنا أبو علي محمد بن أحمد البزار حدثنا بشر بن موسى حدثنا سعيد بن منصور حدثنا هشيم قال حدثنا الأعمش قال: حدثنا عمران بن الحارث السلمي عن ابن عباس أنه أتاه رجل فقال إن عمه طلق امرأته ثلاثا وندم, فقال: "إن عمك عصى الله فأندمه, وأطاع الشيطان فلم يجعل الله له مخرجا" قال: فإني أتزوجها بغير أمره وترجع إليه؟ فقال ابن عباس: "من يخادع الله يخدعه".

قال أبو عبد الله رحمه الله:

أولا يرى أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الخيار للمتبايعين ما لم يتفرقا: ثم نهاهما أن يفارق أحدهم صاحبه مخافة أن يستقيله فإذا أراد أحدهما أن يفارق صاحبه, ليبطل عليه الخيار الذي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم, فإن فاعل ذلك قد أدخل في البيع ضربا من الحيلة, وخديعة لصاحبه, استعمل فيها ظاهر العلم, فجعل السنة والعلم ذريعة لحيلته وأداة لخديعته, وركب مطية الحق في عراة الباطل, فهو بالنسبة لما ظهر من فعله يخصمه وبما أبطن من مراده مخصوم.

حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد النيسابوري حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن وهب حدثنا عمي حدثني مخرمة بن بكير عن أبيه قال سمعت عمرو بن شعيب يقول: سمعت شعيبا يقول سمعت عبد الله بن عمرو يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "أيما رجل ابتاع من رجل بيعا فإن كل واحد منهما بالخيار حتى يتفرقا من مكانهما ولا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يسقيله".

قال أبو عبد الله: فانظر يا أخي إلى حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم للمتبايعين بتمام البيع إذا تفرقا على السلامة وجاري العادة, وتحريمه التفريق على من أراد الحيلة والخديعة فصار يستعمل السنة في غير موضعها فصار المباح عليه محظورا والحلال محرما.

حدثني أبو حفص عمر بن أحمد بن عبد الله بن شهاب قال حدثنا أبي حدثنا أبو بكر الأثرم قال وقيل لأبي عبد الله في حديث عبد الله بن عمرو: "لا يحل لواحد منهما أن يفارق صاحبه خشية أن يستقيله" يرويه ابن عجلان.

قال أبو عبد الله: "وفي حديث عبد الله بن عمرو أبطال الحيل".

قال أبو عبد الله: ألا ترى أن الله عز وجل مسخ قوما قردة باستعمالهم الحيلة في دينهم, والمواربة في دينهم, ومخادعتهم لربهم, مع أنهم أظهروا التمسك وتحريم ما حرمه رب العالمين, مع فساد باطنهم وقبيح مرادهم فقال عز وجل:﴿ وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ذكر لنا والله أعلم- أن الحيتان كانت تأتيهم يوم السبت كالمخاض آمنة, فلا يعرضون لها. ثم لا يرونها إلى يوم السبت الآخر, فلما طال نظرهم إليها وتأسفهم عليها تشاوروا فيها, فقال بعضهم لبعض: إن الله عز وجل إنما حرمها يوم السبت فأصنعوا لها المصايد يوم الجمعة فإذا جاء يوم السبت فدخلت فيها فخذوها يوم الأحد ففعلوا ذلك وكان ما قص الله عز وجل علينا من خبرهم.

حدثنا أبو علي الصواف حدثنا بشر بن موسى حدثنا الوليد بن بشر بن الوليد الكندي حدثنا العوفي القاضي الحسين بن الحسن عن أبيه عن عطية العوفي- وهو جده- عن ابن عباس قال: "كانت بنو إسرائيل تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم فلما رأت ذلك بنو اسرائيل حظروا لذلك حظائر وجعلوا لها أبوابا, وكان يدخلها السمك يوم السبت ويخرج فلما رأوا ذلك كان الرجل يسبح يوم السبت فيدنو من تلك الأبواب ثم يضرب بيده ورجله كأنه يسبح فيضرب الباب بيده أو برجله فيغلقه, فلا يستطيع السمك أن يخرج, فإذا كان يوم الأحد أخذوه, فمكثوا كذلك زمانا فمسخوا".

قال ابن عباس: "مسخت بنو إسرائيل, فمسخ الشيوخ خنازير والشباب قردة" .

المحتال يدخل في دين الله ماليس منه

فالحيلة في الدين محرمة في الكتاب والسنة, فكل حكم عمل بالحيلة في طلاق أو خلع أو بيع أو شراء, فهو مردود مذموم عند العلماء الربانيين والفقهاء الديانيين.

حدثني أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا أبو جعفر محمد بن داود حدثنا أبو الحارث الصائغ قال: سمعت أبا عبد الله قال:"هذه الحيل التي وضعها هؤلاء: أبو حنيفة وأصحابه عمدوا إلى السنن فاحتالوا في نقضها, أتوا إلى الذي قيل لهم أنه حرام واحتالوا فيه حتى أحلوه".

وقال الميموني: قلت لأبي عبد الله: من حلف على يمين ثم احتال لإبطالها, هل تجوز تلك الحيلة؟ قال: لا ، نحن لا نرى الحيلة".

حدثني أبو بكر عبد العزيز بن جعفر قال حدثنا أحمد بن محمد بن هارون ح حدثني عبد الله بن محمد بن عبد الحميد حدثنا بكر بن محمد بن الحكم قال: قال أبو عبد الله: "إذا حلف على شيء ثم احتال بحيلة فصار إليها فقد صار إلى ذلك الذي حلف عليه بعينه".

قال أبو عبدالله : ما أخبثهم يعني أصحاب الحيل ، وقال أبو عبد الله: "من احتال بحيلة فهو حانث".

حدثني أبو عيسى يحيى بن محمد حدثنا علي بن الحسن الفامي قال حدثنا صالح بن أحمد قال : قال أبي- وذكر أصحاب أبي حنيفة-: "وتعجب مما يقولون في الحيل في الأيمان يبطلون الأيمان بالحيل قال الله عز وجل: ﴿ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ قال: قال صالح: قال أبي: "والحيل لا نراها".

حدثنا أبو الحسن أحمد بن إبراهيم بن حبيب العطار حدثنا أبو داود السجستاني قال سمعت أبا عبد الله وذكر الحيل عن أصحاب الرأي- فقال: "يحتالون لنقض سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم"

وحدث موسى بن سعيد الدنداني أن أبا عبد الله قال: "لا يجوز شيء من الحيل".

حدثنا أبو بكر محمد بن أيوب حدثنا بشر بن موسى قال سمعت إبراهيم بن شماس السمرقندي يقول: قال رجل للفضيل بن عياض رحمه الله: يا أبا علي, إني استفتيت رجلا في يمين بليت بها, فقال لي: إن فعلت ذلك حنثت, وأنا أحتال لك حتى تفعل و لا تحنث؟ فقال له الفضيل: "تعرف الرجل؟" قال: نعم, قال: "ارجع واستثبته فإني أحسبه شيطانا شبه لك في صورة إنسان" .

حدثنا أبو الحسن أحمد بن عبد الله التميمي الآدمي البصري حدثني أبي قال: سمعت سهل بن عبد الله التستري يقول: "من أفتى الناس بالحيلة فيما لا يجوز بتأول الرأي والهوى بلا كتاب ولا سنة فهذا من علماء السوء, وبمثل هذا هلك الأولون والآخرون. ولهذا ثلاث عقوبات يعاقب بها في عاجل الدنيا: يبعد علم الورع من قلبه ويضيع منه, وتزين له الدنيا ويرغب فيها ويفتن بها ويطلب الدنيا تضيعا فلو أعطي جميع الدنيا في هلاك دينه لأخذه ولا يبالي" .

قال أبو عبد الله: فهذه الحيلة المذكورة المخلوع عليها اسم الخلع لا يعرف لها مخرج ولا تأويل في كتاب ولا سنة. ولا أفتى بها أحد من الصحابة والتابعين, لأن الخلع أصل من أصول الشريعة قائم بذاته, غير محمول على تأويل ولا مستند لغير ما نزله الله في كتابه بلفظ مفهوم ومعنى معلوم فقد قال تعالى في ذلك:﴿ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلَّا أَن يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم عطف بالتأكيد فقال: ﴿ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ ﴾ [البقرة: ٢٢٩].

فلم يجعل للمرأة سبيلا إلى اختلاعها ولا للزوج فسحة في أخذ الفدية منها إلا بالعلة التي وصفها. فإن أفتى مفت أو احتال ذو رأي بحيلة شبهها بهذا الخلع فقد جعل مع الخلع الذي وصفه الله عز وجل خلعا ثانيا وحكم حكما آخر وليس يخلو صاحب هذه المقالة أن يكون هذا أراد فقد جعل لنفسه حكما وشرع شريعة أضافها إلى حكم الله عز وجل وشريعته وقد أحدث في دين الله ما لم يأذن به. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدخل في ديننا ما ليس منه فهو رد" ويزعم أن هذا هو الخلع الذي عنى الله عز وجل وأراده ولمثل هذه البلوى أنزله الله على نبيه فقد ادعى على الله ما لم يقله وبهت القرآن وخالف ما جاءت به السنة والجماعة وأجمع عليه المسلمون فقد ذكرنا كيف خالع رسول الله صلى الله عليه وسلم بين جميلة بنت سلول وثابت بن قيس بن شماس وما ذكره الصحابة والتابعون من الخلع ومتى يجوز وقوعه, والعلة التي جاز للمرأة الانخلاع لأجلها, وحل للزوج أخذ الفدية منها.

فمن زعم أن الخلع وأخذ الفدية نزل من السماء لغير ذلك فقد رد على الله حكمه وعلى رسول الله صلى الله عليه وسلم سنته وعلى أصحابه والسلف الصالح إجماعهم. والله حسيبه وحجيجه .

ولقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من التهديد والوعيد الشديد لمن انخلعت من زوجها لغير السبب الذي وصف الله عز وجل ما يطول الكتاب بروايته ولكنا نختصر منه ما فيه كفاية إن شاء الله.

حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أحمد بن إبراهيم الموصلي حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن أبي قلابة عن أبي أسماء الرحبي عن ثوبان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيما إمرأة سألت زوجها طلاقها من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة"

حدثنا القاضي المحاملي ثنا محمد بن عبد الله المخرمي حدثنا عبد الرحمن بن مهدي حدثنا حماد بن زيد عن أيوب فذكر مثله.

قال أبو عبد الله: فرسول الله صلى الله عليه وسلم قد تواعد المختلعة من زوجها من غير ما بأس بهذا الوعيد وجعل رائحة الجنة عليها حراما فكيف يتسع لمسلم أن يفتي أخاه المسلم بأن يأمر زوجته أن تختلع منه ويأخذ منها عوضا قد حرم الله عليه أخذه وعليها أن تختلع منه, إلا في الموضع الذي أباح الله ذلك لها فيه؟.

وما ظنك الآن إن شرط لها على نفسه أنها إذا اختلعت عاد فتزوجها فأنعمت باختلاعها على شرط عقد نكاحها فوقع الخلع بشرط النكاح والنكاح بشرط الخلع فبطلا جميعا. نعم وإن حنث في يمين قد كان حلف عليها بعقب الخلع وهي في العدة صار إلى عين الشبهة وجمهور الريبة وحصل في حبائل الاختلاف فإن جماعة من الفقهاء من الصحابة والتابعين يقولون المختلعة يقع عليها الطلاق في عدتها.

ولقد روي نحو ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يكن الحديث متصلا, فسبيل الاحتياط أن يكون معمولا به خوف مخالفته.

حدثنا أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء حدثنا أبو نصر بن أبي عصمة حدثنا محمد بن إسحاق الصاغاني حدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام حدثنا إسماعيل بن عياش عن العلاء بن عتبة عن علي بن أبي طلحة- رفعه إلى النبي صلى الله عليه وسلم- قال: "للمختلعة طلاق ما كانت في العدة" قال بذلك عبد الله بن مسعود, وسعيد بن المسيب, وشريح والشعبي ومغيرة الضبي, وإبراهيم النخعي, وحماد ومحمد بن شهاب الزهري, وطاوس والحكم, وداود وهو مذهب سفيان الثوري وأصحاب الرأي من الكوفيين.

وفيها قول ثان وهو أن المختلعة أن اتبع الخلع الطلاق في وقته طلقت وإن تأخر ذلك لم يقع بها طلاق قال بذلك أبو سلمة ابن عبد الرحمن وغيره وقال مالك بن أنس رحمه الله: الأمر عندنا والمجمع عليه في بلدنا في المفتدية-: أنه إذا طلقها بعقب خلعها طلاقا نسقا متتابعا بانت منه وإن كان بين ذلك صمات فليس بشيء.

وفيها قول ثالث: قال ابن عباس وابن الزبير وعكرمة والحسن وجابر بن زيد: لا يقع بالمعتدة من الخلع طلاق وبهذا القول قال الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو عبيد القاسم بن سلام وإسحاق بن راهويه وأبو ثور وجماعة من فقهاء المسلمين قالوا: طلاقه لها بعد الخلع باطل. وهذا المعول عليه والمعمول به, وبه نقول.

وفيها قول رابع, وإليه يذهب جماعة من الفقهاء, وعليه أكثرهم: وهو أن الرجل إذا حلف بطلاق زوجته ثلاثا أن لا يفعل شيئا أو ليفعلن شيئا فاختلعت منه زوجته أو طلقها طلاقا بائنا قبل أن يحنث, ثم ارتجعها- أن اليمين راجعة عليه برجعتها لأن اليمين قائمة والزوجة هي بعينها, وبهذا نقول.

والعلم قد أحاط بأن صاحب المسألة المذكورة في صدر هذا الكتاب: أنه إذا راجع زوجته بعد خلعها ولم يفعل ما كان حلف أن يفعله إن الزوجة هي تلك بعينها واليمين قائمة مبقاة.

أخبرني أبو حفص عمر بن محمد بن رجاء عن أبي عمران موسى بن حمدون قال: حدثنا حنبل بن إسحاق قال: حدثني أبو عبد الله أحمد بن حنبل حدثنا عبد الصمد عن هشام عن حماد- في الرجل يقول لامرأته: إن دخلت دار فلان فأنت طالق فطلقها قبل أن تدخل فبانت ثم خطبها وتزوجها قال: "إن دخلت وقع الطلاق الأول, بمنزلة رجل قال لغلامه: إن ضربتك فأنت حر فباعه ثم اشتراه بعد فضربه فهو حر".

قال حنبل: قال أبو عبد الله: هكذا نقول.

وقال حرب بن إسماعيل الكرماني, قلت لأحمد بن حنبل: رجل قال لامرأته أنت طالق ثلاثا إن دخلت هذه الدار فطلقها تطليقة فانقضت عدتها وبانت منه ثم دخلت الدار؟

قال: "لا يقع عليها حينئذ طلاق لأنها دخلت وليست امرأته ولكن إذا رجعت إليه رجعت وهو على يمينه".

قال أبو عبد الله: حسبك يا أخي رحمك الله بما قد شرحته من جواب هذه المسألة كفاية ونهاية لك فيه بلاغ إن كان لمولاك الكريم بك عناية فأعاذك من الكبر والكيد وخلصك من حقد أهل العجب والحسد فليتق الله عبد في نفسه وفي المسلمين من إخوانه ولا يخاطر بها وبهم فقال بعلم فغنم أو سكت فسلم فقد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: "أجرأكم على الفتوى أجرأكم على النار" .

وروي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: "إن من يفتي الناس في كل ما يستفتونه لمجنون".

وروي عن ابن شبرمة أنه قال: "من المسائل ما لا يحل لأحد أن يسأل عنها ومنها ما لا يحل لأحد أن يجيب عنها".

حدثنا ابن مخلد حدثنا عباس الدوري حدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس حدثنا ابن شهاب عن ابن حصين قال: "إن أحدهم ليفتي في المسألة لو وردت على عمر لجمع لها أهل بدر".حدثنا أبو عمرو عثمان بن أحمد الدقاق حدثنا حنبل حدثنا عفان حدثنا حماد ابن زيد قال: سمعت أيوب قال: "رأيت أعلم الناس بالقضاء والفتوى أشدهم منه فرارا وأشدهم منه فرقا وأعماهم عنه أشدهم مسارعة إليه".

حدثنا أبو بكر محمد بن الحسين بمكة حدثنا أبو بكر جعفر بن محمد الفريابي حدثنا محمود بن خالد حدثنا مروان بن محمد حدثنا مالك بن أنس عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: قال لي ابن خلدة : "يا ربيعة إني أرى الناس قد أحاطوا بك فإذا سألك الرجل عن مسئلة فلا تكن همتك أن تخلصه ولكن لتكن همتك أن تخلص نفسك".

حدثنا إسحاق الكاذي حدثنا عبد الله بن الإمام أحمد حدثني أبي حدثنا وكيع حدثنا مالك ابن مغول عن زبيد قال: سألت إبراهيم عن مسئلة فقال "ما وجدت من بلدك من تسئله غيري؟".

حدثنا الكاذي حدثنا عبد الله حدثنا أبي حدثنا عبد الرزاق حدثنا سفيان عن ابن أبجر عن زبيد قال: "ما سألت إبراهيم عن شيء قط إلا عرفت الكراهية في وجهه".

حدثنا أبو بكر محمد بن أيوب حدثنا إسماعيل بن إسحاق حدثني أبو زائد حدثني ابن وهب قال: قال مالك قال القاسم بن محمد: "أن يعيش الرجل جاهلا خير له من أن يقول على الله ما لا يعلم" فقال مالك هذا كلام شديد ثم ذكر في ذلك أبا بكر الصديق رضي الله عنه وما خصه الله عز وجل به من الفضل وما آتاه من العلم فقال: يقول أبو بكر في ذلك الزمان لا أدري.

حدثني أبو محمد إسماعيل بن علي الخطبي قال:حدثنا الكديمي حدثنا أحمد بن حنبل حدثنا سفيان بن عيينة قال: "كان الشعبي إذا ذكر عنده الملتبس من المسائل بالصعاب قال:زباء ذات وبر لا تنقاد ولا تنساق,لو سئل عنها أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم وعليهم لأعضلت لهم" قال أبو العباس الكديمي أنبأنيه عن الشعبي قال:حدثنيه علي بن المديني قال: حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن شبرمة عن الشعبي.

وحدثني أبو صالح محمد بن أحمد حدثنا أبو الأحوص حدثنا الحميدي قال: حدثنا سفيان عن ابن شبرمة قال: كان الشعبي إذا سئل عن معضلة قال: "زباء ذات وبر أعيت السائق والقائد لو ألقيت على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأعضلت لهم".

قال أبو عبد الله: هذا رحمك الله قول الشعبي وهو أحد علماء هذه الأمة من الطبقة العليا من تابعي الصحابة يشبه صعاب المسائل بفصيل الناقة الذي لم يرض ولم يركب فهو بوبره وزغبه لا يتبع قائده ويحرن على سائقه وقوله لأعضلت بهم شبهها بالداء العضال الذي لا يوجد له دواء ولا يرجى منه شفاء .حدثنا أبو علي محمد بن أحمد البزار حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال حدثني أبي قال حدثنا عبد الرحمن عن سفيان عن الأعمش عن أبي وائل عن عبد الله قال: "من أفتى الناس في كل ما يستفتونه فهو مجنون"حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي حدثنا أبو خيثمة حدثنا محمد بن حازم أبو معاوية الضرير حدثنا الأعمش عن شقيق عن عبد الله بن مسعود قال: "والله إن الذي يفتي للناس في كل ما يسألونه لمجنون".

قال الأعمش: قال لي الحكم: "لو سمعت هذا الحديث منك قبل اليوم ما كنت أفتي في كثير مما كنت أفتي".

حدثنا أبو شيبة حدثنا الحساني حدثنا وكيع قال حدثنا الحسن بن صالح عن ضرار بن مرة عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: "من أفتى فتوى يعمى فيها فإثمها عليه".

قال أبو عبد الله: فهذا عبد الله بن مسعود يحلف بالله: إن الذي يفتي الناس في كل ما يسألونه مجنون ولو حلف حالف لبر أو قال لصدق: أن أكثر المفتين في زماننا هذا مجانين لأنك لا تكاد تلقى مسئولا عن مسئلة متلعثما في جوابها ولا متوقفا عنها ولا خائفا لله ولا مراقبا له أن يقول له: من أين قلت بل يخاف ويجزع أن يقال: سئل فلان عن مسئلة فلم يكن عنده فيها جواب, يريد أن يوصف بأن عنده من كل ضيق مخرجا, ومن كل متعلق متهجرا يفتي فيما عيي عنه أهل الفتوى ويعالج ما عجز عن علاجه الأطباء, يخبط العشوة ويركب السهوة لا يفكر في عاقبة ولا يعرف العافية, إذا أكثر عليه السائلون وحاقت به الغاشية ولو كان لكل حالف مخرجا عن يمينه ولكل عليل دواء من سقمه لما حنث الحالف ولا وجبت على أحد كفارة ولا طلقت امرأة من زوجها ولا مات عليل إذا هو يعالج وكيف يكون ذلك كذلك؟ وعمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول: (الحلف حنث أو مندمة ) كل حالف حانث أو نادم.

لو عاش عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى يعاين المفتين في هذا الزمان لرأى الأمر عندهم بخلاف ذلك, ولما رأى معهم حانثا ولا نادما.

حدثنا أبو محمد السكري حدثنا أبو يعلى الساجي حدثنا الأصمعي قال: حدثنا العمري عن أبيه قال: قال عمر رضي الله عنه: "اليمين حنث أو مندمة".

ولقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم مما يدل على صحة توحيد من آمن به وصدق وتكذيب من حاول أن يحتال لسقوط الحنث والمخرج من ضيق الإيمان وحرجها.

حدثنا أبو بكر محمد بن أبي الفتح المعروف بالرومي بالبصرة حدثنا أبو بكر محمد بن جعفر بن سفيان الرقي بالرقة حدثنا أيوب بن محمد أبو سليمان الوزان أخبرني عثمان بن عطاء عن أبيه عن أبي الدرداء أنه كان يقول: "لا أقول و الله لا أزني, ولا أشرب الخمر, ولا أسرق أبدا" قيل ولم؟ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن البلاء موكل بالقول" ما قال عبد قط لشيء والله لا أفعله, إلا ترك الشيطان كل شيء من عمله وولع بذلك منه حتى يؤثمه.

قال أبو عبد الله: وربما أفتى أحدهم بالفتوى ما سبقه إليها أحد ,لم توجد في كتاب مسطور, ولا عن إمام مذكور ولا يحتشم أن يقول: هذا قول فلان ومذهب فلان, تخرصا وتأثما ولقد بلغني أن بعض من يقدم على هذه الفتوى يؤثرها عن أحمد بن حنبل. وما لمن حكى هذا عن أحمد بن حنبل جواب ,غير أن يقال له: ﴿ سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ١٦].

فقد ذكرنا مذهب أحمد بن حنبل في الحيل, ومذهبه فيمن حلف أن لا يفعل شيئا فطلق امرأته تطليقة وانقضت عدتها وبانت منه ففعل ذلك الشيء أنه لا شيء عليه لأنه لا زوجة- له ثم راجعها -إن اليمين ترجع عليه.

ونذكر فتواه في مثل هذه المسألة مصرحا:

حدثني أبو بكر محمد بن أيوب قال: سمعت إبراهيم الحربي يقول: سئل أحمد بن حنبل عن رجل حلف بالطلاق: أنه لا بد أن يطأ امرأته الليلة فوجدها حائضا فقال: "تطلق منه امرأته ولا يطؤها. الله تبارك وتعالى أباح الطلاق وحرم وطء الحائض" .

وإنما حكاه آخرون عن الشافعي, ولقد سألت أبا بكر الآجري وأنا في منزله بمكة عن هذا الخلع الذي يفتي به بعض الناس, وهو أن يحلف رجل أن ألا يفعل شيئا لا بد له من فعله, فيقال له: اخلع زوجتك وافعل ما حلفت عليه ثم راجعها واليمين بالطلاق ثلاثا وقلت له: إن قوما يفتون الرجل الذي يحلف بأيمان البيعة ويحنث- أن لا شيء عليه ويذكرون أن الشافعي لم ير على من حلف بيمين البيعة شيئا. فجعل أبو بكر يعجب من سؤالي له عن هاتين المسئلتين في وقت واحد, ثم قال لي "اعلم أني منذ كتبت العلم وجلست للكلام والفتوى ما أفتيت في هاتين المسئلتين بحرف. ولقد سألت أبا عبد الله الزبيري الضرير رحمه الله عن هاتين المسئلتين كما سألتني عن التعجب ممن يقدم على الفتوى فيهما فأجابني فيهما بجواب قد كتبته عنه ثم قام فأخرج إلي كتاب أحكام الرجعة والنشوز من كتاب الشافعي وإذا مكتوب على ظهره بخط أبي بكر رحمه الله "سألت أبا عبد الله الزبيري فقلت له الرجل يحلف بالطلاق ثلاثا أن لا يفعل شيئا ثم يريد أن يفعله وقلت له: إن أصحاب الشافعي رحمه الله يفتون فيها بالخلع: ثم يفعل فقال الزبيري: ما أعرف هذا من قول الشافعي ولا بلغني له في هذا قول معروف, ولاأرى من يذكرها عنه صادقا. وقلت له: إن الرجل يحلف بأيمان البيعة فيحنث, وبلغني أن قوما ما يفتونه أن لا شيء عليه أو كفارة يمين, فجعل الزبيري يعجب من هذا, وقال: أما هذا فما بلغني عن عالم ولا بلغني فيه قول ولا فتوى, ولا سمعت أن أحدا أفتى في هذه المسألة بشيء قط. وقلت للزبيري: ولا عندك فيها جواب؟ فقال: إن ألزم الحالف نفسه جميع ما في أيمان البيعة وإلا فلا أقول غير هذا" فكتبت هذا الكلام من ظهر كتاب أبي بكر وقرأته عليه ثم قلت إيش تقول يا أبا بكر فقال هكذا أقول وإلا فالسكوت عن الجواب أسلم لمن يحب السلامة إن شاء الله تعالى .

تم كتاب الرد على من أفتى بالخلع في غير موضعه وصفة الذي تحل له الفتوى ويجوز للناس أن يستفتوه ويقلدوه. والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.

علقه لنفسه محمد بن محمد بن بكر بن أحمد بن عبد الدائم المقدسي حامدا لله: من نسخة سقيمة كثيرة الغلط واجتهدت فيها على ما أطيق والحمد لله.