موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - من منن الله في رمضان

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / من منن الله في رمضان
من منن الله في رمضان لـ الشيخ عبد العزيز بن محمد الوهيبي
 
  
 

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد، فيا أيها الأخوة الكرام..

الله تعالى له على عباده النعم العظمى والخيرات التي لا تستقصى، تفضل الله تعالى بها على عباده ليطيعوه، وقد وعدهم بالزيادة إن هم شكروه، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ(1).

والمنن لو ذهب الإنسان يعدد لطال به المقام، ولكن في هذا الشهر المبارك منن من الله سبحانه وتعالى متواترة على أمة الإسلام، ولا أريد أن أطيل لكن أعظم هذه المنن هي المنة العظمى من إنزال كتابه سبحانه وتعالى في هذا الشهر المبارك، كما قال جل وعلا: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ(2)، وقال جل وعلا: ﴿ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ(3)، هذا الكتاب الذي قال فيه عثمان بن عفان رضي الله عنه: والله لو صحت قلوبكم ما شبعت من كلام الله.

هذا الكلام العظيم، الذي من عند عظيم، الذي من قال به صدق، ومن حكم به عدل، من تركه من جبار قصمه الله، من ابتغى الهدى من غيره أضله الله، حبل الله المتين، ونوره المبين، وصراطه المستقيم، هذا الكتاب الذي هال بلغاء العرب بما فيه من العَجب، ولذلك لما اجتمعوا فيما جاء في السيرة، جاء صناديد قريش على رأسهم الطاغية الأكبر الوليد بن المغيرة المخزومي ومعه من معه كأبي جهل وغيره، فاستمعوا قراءة النبي صلى الله عليه وسلم، وسمعوا قراءة الصديق لكلام الله سبحانه وتعالى، فقارب الوليد بن المغيرة، فقارب الوليد بن المغيرة، قارب الإسلام، وأراد الإسلام، لكنه أغري بالمال، جاءه أبو جهل بمال قال: يا عم، إنا قد علمنا ميلك إلى ما جاء به محمد، فماذا تقول في هذا الذي جاء به؟ فقال مقالته الشهيرة التي سارت به الركبان، قال: والله إنكم لتعلمون أني أعلم العرب بأشعارها وأرجازها، بل بأشعار الجن وأرجازها، والله إن الذي جاء به محمد إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أسفله لمغدق، وإن أعلاه لمثمر، وإنه ليعلوا ولا يعلى عليه، وإنه ليحطم ما تحته.

الله أكبر، انظر إلى هذاا لكلام العجيب، فأُعطي مالاً، فكان منه ما ذكر الله سبحانه، فكر وقدر، فقتل، يعني لعن، كيف قدر، ثم نظر، ثم عبس، أي كره ما جاء به النبي صلى الله عليه ولم، وغير ملامح وجهه، فقال: إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر، ماذا قال الله تعالى متوعدًا له؛ لأنه على علم وعلى بصيرة، قال: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ(4)، سقر اسم من أسماء النار، ولها أسماء كثيرة، النار، وسقر، والهاوية، والسعير، والحطمة، أسماء كثيرة، تدل على عظمتها وشدة أهوالها، قال: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ﴾– على وجه التعظيم لها – ﴿ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوَّاحَةٌ لِّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ(5)، قال الطاغية الآخر أبو جهل، قال: اكفوني عشرة وعلي تسعة. هب هؤلاء المجانين، نسأل الله العافية، ما أرادوه من التعالي والغطرسة، ما نالوا الخير.

فضلاء الصحابة رضي الله عنهم، وفضلاء هذه الأمة، أعني أمة الدعوة، فاستقاموا على ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما جاء به.

قال هذه المقالة، فأنزل الله في حقه، ما جاء في سورة الدخان: ﴿ إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الأثِيمِ * كَالْمُهْلِ يَغْلِي فِي الْبُطُونِ * كَغَلْيِ الْحَمِيمِ * خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ *  ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ * ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ(6)، نسأل الله السلامة والعافية.

ولذلك هذا الكتاب يا إخواني، لو تدبرناه وتأملناه لا تنقضي عجائبه، ولا يخلق عن كثرة الترداد، ولذلك لما جاء رجل لابن مسعود رضي الله عنه، قال: إني قرأت المفصل البارحة في ركعة. فقال له عبد الله بن مسعود، قال: هزًّا كهزِّ الشعر؟! ثم قال رضي الله عنه: لا تهزوه هز الشعر، ولا تنثروه نثر الدقل، وقفوا عند عجائبه، وحركوا به القلوب، ولا يكن هم أحدكم آخر السورة.

تجد الواحد الآن، يقرأ، كثيرًا في هذا الشهر، في الحقيقة هجر الكتاب العظيم، لكن في هذا الشهر الإنسان همه آخر السورة، متى يختم؟ تجد إنه ينظر كم بقي على نهاية السورة، أو على نهاية الجزء، أو نهاية الحزب، هذا يذهب عليك خيرًا كثيرًا يا أخي المبارك.

الله جل وعلا أنزله للتدبر والتأمل، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم لما تلا قول الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(7)، بكى عليه الصلاة والسلام، وقال: « يارب أمتي أمتي»، فأرسل الله إليه جبريل، قال: يا محمد، إن ربك يقرأ عليك السلام، ويقول إننا سنسرك في أمتك ولا نسوؤك» اللهم صل وسلم على محمد.

فإذن علينا أن نعود إلى هذا المعين الصافي، إلى كتاب الله جل وعلا، الذي ﴿ فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلاَ يَضِلُّ وَلاَ يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي(8)، ذكر الله القرآن، ﴿ فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا(9)، ضيقة، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: بحسب البعد يكون الضيق، فمستقل ومستكثر.

﴿ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى(10)، ، نسأل الله السلامة والعافية.

يقول ابن عباس لما قرأ هذه الآية، قال: تكفل الله لمن عمل بالقرآن وقام بالقرآن أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة.

فهذا الكتاب أيها الأخوة الكرام، حري بنا أن نعود إليه عودة صادقة، ولذلك جاء عند الحاكم في مستدركه، وعند الإمام مالك في موطأه حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما إن تمسكتم بهما، كتاب الله وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض»، فأوصي نفسي وإخواني بتقوى الله سبحانه وتعالى في هذا الكتاب العظيم، الذي حصل له الأجر العظيم.

تجد الإنسان يقرأ الجريدة من أولها إلى آخرها، ويقلب كل صفحة وفيها، وينظر في كثير من مقالاتها، ولا مانع إن الإنسان يعلم يعني أحواله، وأحوال الناس، وأحول المجتمع، وأحوال الإسلام والمسلمين، لا بأس بهذا، لكن يا إخواني ما هو نصيبنا من كلام الله سبحانه وتعالى.

الصحابة رضي الله عنهم، كان النبي صلى الله عليه وسلم يخفض من بعضهم، قابل عبد الله بن عمرو بن العاص، فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: « ألم أخبر أنك تقوم الليل فلا ترقد، وتصوم النهار فلا تفطر؟»، قال: بلى يا رسول الله - إني شاب، إني قوي، عندي جلد، عندي استطاعة - قال عليه الصلاة والسلام – أنا أتكلم عن مسألة الآن القراءة – قال: « اختم القرآن في كل شهر»، قال: إني أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله، قال: « ففي كل عشرة»، قال: أطيق أكثر من ذلك يا رسول الله. قال: « ففي كل جمعة»، يعني في كل أسبوع، قال: أطيق أكثر من ذلك، قال: « ففي كل ثلاثة»، قال أطيق أكثر من ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: « لم يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاثة».

يعني هذا على سبيل الديمومة، وإلا في مواطن الخير، وفي المواسم، خاصة إذا اجتمع فضل الزمان والمكان، فقد جاء عند ابن أبي شيبة أن عثمان رضي الله عنه قام ليلة من الليالي خلف المقام بعد الصلاة، فاستفتح بالبقرة، ثم قبل الفجر ختم بالناس في ركعة واحدة، رضي الله عنه.

لذلك لما قرأ عبد الرحمن بن عوف: ﴿ أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ(11)، قال: ذاك عثمان بن عفان، رضي الله عنه وأرضاه، فعلينا إخواني الكرام أن نتقي الله في هذا الكتاب، في تلاوته، فإن الله يأجرنا على تلاوته، كما قال عليه الصلاة والسلام: « لا أقول ألم حرف، ولكن ألف حرف، ولام حرف، وميم حرف» كم في ذلك من الخير العظيم أيها الأخوة الكرام.

كذلك مسألة التدبر والتأمل، كثير من الناس يقرأ لكن لا يتدبر ولا يتأمل، الله جل وعلا أمر بتدبره، ﴿ كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ(12)، قال: ﴿ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ(13)، وقال جل وعلا: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(14). قسوة، إذا قست القلوب أعوذ بالله أصبحت كالصخر، لا تنتفع بما يأتيها من الخير، وما يأتيها وما يأتيها ويرد عليها من كلام الله سبحانه وتعالى، قسوة القلب مثل ما قال العلامة ابن القيم من أربعة أشياء، إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل، والكلام، والنوم، والمخالطة.

كل واحدة وارد فيها ما شاء الله.......

فإذن نحن بحاجة إلى التدبر والتأمل: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(15)، ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(16).

حري بنا أيها الأخوة الكرام أن نتدبر وأن نتأمل، ولذلك كان الصحابة رضي الله عنهم أهل تدبر، وأهل تأمل.

النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا قرأ يُسمع لصدره عليه الصلاة والسلام أزيز كأزيز المرجل، وكان الصحابة رضي الله عنهم كذلك، لو نظرنا في سيرتهم، عمر رضي الله عنه كان أحيانًا يُسمع نشيجه من خلف الصفوف، والصديق رضي الله عنه كان لا يُسمع الناس من البكاء، كما في القصة المشهورة في وفاة النبي صلى الله عليه وسلم، أو قبل ذلك في مرضه، « مروا أبا بكر فليصل بالناس».

فالمقصود من هذا أننا بحاجة إلى التدبر، ثم مسألة العمل بكتاب الله، بعض الناس يا إخواني قد يتدبر، قد يقرأ، لكن ما يعمل بكتاب الله جل وعلا في نفسه، ليس في مسألة التحاكم فقط، بل حتى في مسألة العمل.

كثير من الناس يا إخواني يقرأ تحريم الله سبحانه وتعالى للظلم ﴿ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ(17)، ﴿ وَلاَ يَغْتَب بَّعْضُكُم بَعْضًا(18) فيغتاب، قال سفيان: والله ما اغتبت أحدًا، منذ علمت الغيبة محرمة.

يقرأ: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ(19) فيمر بالمنكرات كأنها لا تعنيه، وكأن الأمر خارج عن نطاقه، ولا يبالي إلا بنفسه، بحاجة نحن إلى أن نعمل، وإلى أن نطبق أيها الأخوة الكرام.

كذلك هجر التحاكم، بعض الناس لا يتحاكم إلا كتاب الله سبحانه وتعالى، لكن يتحاكم إلى المحامين، أو ما عند سلوم القبائل، والأعراف الجاهلية وما شاكل ذلك، هذا كله خطر عظيم، الله سبحانه وتعالى نبه عليه في مواطن كثيرة من كتابه، كما قال جل وعلا: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِن قَبْلِكَ(20) قال: ﴿ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلاَلاً بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا(21) ﴿ فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(22).

الهجر كذلك لكلام الله سبحانه وتعالى، الذي نزل في هذا الشهر المبارك، هجر كذلك التداوي بكلام الله، كثير من الناس أصبح عنده اعتقاد أنه لا شفاء إلا في المستشفى وعند الأطباء، التداوي مطلوب: « تداووا عباد الله ولا تدووا بحرام»، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: « ما أنزل الله داءً إلا أنزل له دواءً، علمه من علمه وجهله من جهله»، واحتجم عليه الصلاة والسلام، وأعطى الحجام أجرة، وهذا من التداوي. لكن يا إخوان كتاب الله فيه الشفاء، وفيه الخير لمن كان عنده اليقين الكامل، ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان يعوذ الحسن والحسين، يقول: « أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطان وهامة ومن كل عين لامة»، قال: فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما وترك ما سواهما.

حديث عقبة بن عامر: « ألم تر آيات أنزلت عليَّ الليلة لم يرى مثلهن»، وذكرها عليه الصلاة والسلام، إذن كتاب الله فيه الشفاء، كما قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا(23)، وقال تعالى: ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ(24).

من المنن، والكلام في هذا الباب يطول، ويطول جدًا، لكن أيضًا أيها الأخوة الكرام من المنن في هذا الشهر المبارك، غزوة بدر الكبرى، التي غيرت مسار التاريخ، بإذن الله سبحانه وتعالى.

جماعة في قلة من الصحابة يخرجون لا يريدون قتالاً ولا يريدون مواجهة، وإنما يريدون عيرًا، فيجمع الله سبحانه وتعالى بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، فيكون فيهم ما ذكره الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم.

من المنن كذلك في الشهر المبارك: فتح مكة المكرمة، أُخرج النبي صلى الله عليه وسلم مخرجًا مكرهًا، ولذلك لما بلغ الحذورة التفت إلى مكة، وقال: « والله إنك لأحب أرض الله إلي، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت».

والله جل وعلا يقول: ﴿ وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِّن قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ(25)، أخرج عليه الصلاة والسلام، لكن يدور الزمان دورته، بعد أن كان لمن يأتي برأسه حيًا أو ميتًا مائة من الإبل، إذ به عليه الصلاة والسلام يعود إلى مكة، وبيدي مفاتيح آمال أهل مكة، قلده الله إياها، فإذ به يدخل الكعبة ويكسر الأصنام، وتهوي وتهوي معها مظاهر الشرك والجاهلية، الآن يقبل على أهل مكة: ما تظنون يا أهل مكة أني فاعل بكم؟ أمس الذي يجيب رأسه حي ولا ميت له مائة من الإبل، واليوم: أخ كريم وابن أخ كريم، ماذا قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: « اذهبوا فأنتم الطلقاء».

كم هي كلمة عظيمة، عفا عنهم ومنَّ عليهم بعد أن قدر عليهم، وهذا أعظم ما يكون من المن أيها الأخوة الكرام.

هذا يذكرنا أيضًا أن هذا الشهر هو شهر الصفح والتجاوز، وتصفية النفوس أيها الأخوة الكرام، إن هذه الأحداث العظام أيها الأخوة الكرام، إن هذه الأحداث العظام أيها الأخوة الكرام: غزوة بدر، فتح مكة، لم يجعل لها أهل الإسلام عيدًا، فضلاً عما سواها، لذلك لا يقال عيد وطني، اليوم الوطني، أو عيد مولد النبي صلى الله عليه وسلم، أو عيد الإسراء والمعراج، أو عيد النصف من شعبان، كل هذه من البدع والمحدثات.

لا يقال مثل هذا، ولذلك هذه المهازل إذا وجدت، مثل المولد الآن ماذا يحصل فيه؟ من الاختلاط، والبلاوي، والمصائب، والشركيات، التي تتلى، كقول البوصيري في بردته:

يا أكرم الخلق مالي من ألوذ به سواك عند حدوث الحادث العمم

وإن من جودك الدنيا وضرتها، ومن علومك علم اللوح والقلم

نعوذ بالله من ذلك.

كذلك في الأمور الأخرى، بالأمس القريب أيها الأخوة الكرام، حصل من شبابنا ومن بناتنا في الأسواق ما لا تحمد عقباه، وكله باسم الوطنية، جعل الأعلام، لا، هذه ليست مواطنة، وليست وطنية!!

وطنك تنتمي إلى دين الله، وإلى الاعتزاز بكتاب الله الذي هو دستور هذه البلاد، والاستقامة على دين الله سبحانه وتعالى، أما رمي الجنوط، ورجال الهيئة بالمفرقعات، أو بالحجارة، أو بالتسكع في الأسواق، وانتهاك أعراض المسلمين، هذا ليس من المواطنة، وليس لنا أهل الإسلام إلا عيد الأضحى وعيد الفطر المبارك، أضحى وفطر، ما عندنا غير هذا!!

فإذن يا إخوان الكرام، هذه المشاعر الكبار العظيمة، وهذه الأمور التي غيرت مسار التاريخ، ما جعل لها أهل الإسلام شيئًا من الأعياد أو الاحتفالات.

فإذن أيها الأخوة الكرام نقول بأن علينا أن نتقي الله سبحانه وتعالى، ونراقبه.

من المنن في هذا الشهر المبارك: ما قاله النبي صلى الله عليه وسلم: « من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، يا إخوان هذا الحديث الصغار قبل الكبار يعرفونه، لكن هل استشعرنا معنى هذا الحديث العظيم؟

قام رمضان إيمانًا، واحتسابًا، احتساب الأجر والثواب من الله، غُفر له، تستشعر أنك إذا صدقت مع الله قد يُغفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر.

هل استشعرت أن لله عتقاء من النار كل ليلة؟ يمكن تكون في ليلة من الليالي منهم، فيقال: أعتقوا فلان بن فلان، فتسعد سعادة لا تشقى بعدها أبدًا، هل استشعرنا مثل هذه الأمور.

وهذا القيام لو قارنَّاه بقيام النبي صلى الله عليه وسلم، ما فيه مقارنة، لكن هذا القيام الذي نقومه، كما قال عليه الصلاة والسلام : « فإنه من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»، وهذا القيام يتنوع، بتلاوة القرآن وبذكر الله سبحانه وتعالى، وبدعائه، وبالاستغفار والأذكار، وقضاء حوائج المسلمين، كل هذا من القيام، فعلينا أيها الأخوة الكرام أن نحرص على هذا الجانب، وأن لا نفرط في هذه الأيام المباركة.

أيضًا في جانب الدعاء، أنا أوصي نفسي وإخواني اختصار الدعاء، والنبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو بجوامع الكلم، وكان يحب جوامع الدعاء عليه الصلاة والسلام، ولذلك لما رأى من توسع في الدعاء استنكر عليه- عليه الصلاة والسلام- وأنكر عليه ذلك، جاء في صحيح مسلم أنه عليه الصلاة والسلام دخل على رجل مريض، فوجده كالفرخ، قد ضعف، وأصبح صغيرًا في حجمه، فلما رآه النبي عليه الصلاة والسلام قال: « هل دعوت على نفسك بشيء؟»، قال: يا رسول الله قلت: اللهم ما كنت معذبي به في الآخرة فعجله لي في الدنيا»، إيش قال النبي عليه الصلاة والسلام؟ قال: « سبحان الله، وهل تطيقه؟» هل تطيق ذلك، « ألا قلت: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار»، ثم دعا له عليه الصلاة والسلام فشفي.

كذلك لما رأى عبد الله بن مغفل أحد بنيه، وهو يدعو يقول: اللهم إني أسألك القصر الأبيض عن يمين الداخل للجنة. قال له عبد الله، قال: يا بني! ألا سألت الله الجنة، أن يدخلك الجنة، وأن يباعدك عن النار، حين دخلت الجنة ما عليك بأس، قصر أبيض ولا أحمر، ادخل الجنة وابشر خير.

كذلك لما رأى النبي صلى الله عليه وسلم أم حبيبة، وهي رملة بنت أبي سفيان أمنا أم المؤمنين رضي الله عنها، وهي تدعو تقول: اللهم متعني بزوجي رسول الله، وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية. إيش قال عليه الصلاة والسلام؟ قال: « لقد سألت الله الآجال المضروبة»، هذه أمور منتهية، وقد انتهى أمرها، ولذلك الملك في الرحم، رحم الأم لذلك الجنين، يأتي الملك فيؤمر بكتب رزقه وأجله وشقي أو سعيد، إلى آخره، فقال: « لقد سألتي الله الآجال المضروبة، ألا سألتيه أن يدخلك الجنة وأن يباعدك عن النار»، هكذا قال عليه الصلاة والسلام.

فإذن جوامع الكلم مطلب في الدعاء يا إخوان الكرام، لأن الإنسان قد يعتدي في الدعاء، وأخبر عليه الصلاة والسلام، ولذلك إذا قلت مثلاً: اللهم إني أسألك من الخير كله عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، فيه خير ما سألته، فيه شيء من خير بقي عليك؟

اللهم إني عوذ بك من الشر كله، عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم! بقي شيء من الشر ما استعذت بالله منه؟

« اللهم أصلح لي ديني» أدعية النبي عليه الصلاة والسلام « الذي هو عصمة أمري، ودنياي التي فيها معاشي، وآخرتي إليها معادي»، سألت الله جل وعلا الخير كله، والفضل كله، سبحانه وتعالى. فإذن يا إخواني الكرام نحرص على مثل هذه الأمور، والحقيقة إن الكلام في مثل هذه الأمور يطول، لكن من ذلك أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام – من المنن –: « من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، لكن هل استشعرنا كلمة « صام»، إن تصوم الجوارح عن المعاصي، تصوم العين عن النظر الحرام، الأذن عن السماع الحرام، اليد عن الحرام، ترى يا إخواني أيام معدودات، بل الدنيا كلها أيام معدودات!! كم يوم يأتينا نبأ قريب ولا عزيز، ولا صديق، ولا إنسان نعرفه، هل العاقل يستعد للقاء الله، ويتزود بالعمل الصالح.

وكما قال الأول:

تزود للذي لا بد منه           فإن الموت ميقـات العباد

وتب مما جنيت وأنت          حيٌّ وكن متنبهًا قبل الرقاد

ستندم إن رحلت بغير زاد      وتشقى إذ ينـاديك المناد

أترضى أن تكون رفيق قوم     لهم زاد وأنت بغـير زاد

 

أسأل الله بمنه وكرمه أن يجعلنا جميعًا هداة مهتدين، غير ضالين ولا مضلين، اللهم إنا نسألك الفقه في دينك، نسألك اللهم يا ربنا العلم النافع والعمل الصالح، نعوذ بك اللهم من مضلات الفتن ما ظهر منها وما بطن، اللهم ادفع عنا الغلا، اللهم ادفع عنا الغلا، اللهم ادفع عنا الغلا، والوبا، والربا، والزنا، والزلازل والمحن، وسوء الفتن ما ظهر منها وما بطن.

اللهم يا حي يا قوم اجعلنا في هذا الشهر المبارك من عتقائك من النار، اللهم كما بلغتنا أولنا وبعض أوسطه فبلغنا آخره، واجعلنا فيه من المقبولين، ووالدينا وجميع المسلمين، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم وفق من وليته أمرنا من العلماء والحكام، اللهم ارزقهم البطانة الصالحة التي تذكرهم بالحق وتدلهم عليه، اللهم أبعد عنهم بطانة السوء، يا ذا الجلال والإكرام، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آل وصحبه أجمعين.

 


(1) إبراهيم: 7.

(2) الدخان: 3.

(3) القدر: 1، 2.

(4) المدثر: 26.

(5) المدثر: 26-30.

(6) الدخان: 43-49.

(7) المائدة: 118.

(8) طه: 123، 124.

(9) طه: 124.

(10) طه: 124.

(11) الزمر: 9.

(12) ص: 29.

(13) ص: 29.

(14) محمد: 24.

(15) محمد: 24.

(16) النساء: 82.

(17) هود: 18.

(18) الحجرات: 12.

(19) التوبة: 71.

(20) النساء: 60.

(21) النساء: 60.

(22) النساء: 65.

(23) الإسراء: 82.

(24) فصلت: 44.

(25) محمد: 13.