موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تفسير سورة الإخلاص
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / تفسير سورة الإخلاص
تفسير سورة الإخلاص لـ د.عبد العزيز بن محمد السدحان
 
  
 

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على رسول الله، أما بعد..

أيها المصلون الأكارم والمصليات الكريمات، يقول الله تعالى: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا(1)، ويقول: ﴿ أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(2) .

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: قبيح بقوم أوتوا كتابًا من كتب الطب فلم يستشرحوه – يعني يفهموا معانيه – ذكر هذا الكلام في مقدمة أصول التفسير، ليبين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يُعنى بتعليم الصحابة رضي الله عنهم معاني الآيات، كما يُعنى بتعليمهم ألفاظ القرآن الكريم.

وأستميحكم عذرًا بأن بعضنا، بل بأن كثيرًا من الناس يقرأ سورًا من القرآن الكريم، قبل أن يجري عليه قلم التكليف، يحفظ ألفاظها، بل قد يجوز تلاوتها، ويحكم أحكام التجويد فيها، بل قد يعرف القراءة المتواترة والشاذة فيها، لكن لو سألته عن معنى هذا الكلام أو معنى تلك الكلمات لوقف حائرًا.

ومن باب المثال لتقريب المقال، أضرب، أو أذكر شيئًا، كلنا يحفظ سورة التكوير، ونسمع فيها في ضمن آياتها: ﴿ فَلاَ أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ(3) ، ربما أن بعضنا لا يفهم معنى الخنس، ومعنى الجواري الكنس، ولو أنه راجع التفسير وقرأ معنى الآية أو الكلمة والكلمات، ثم سمعها من تلاوة الإمام، أو في المذياع، أو تلاها هو، لتلذذ بسماع الآية إذا فهم معناها.

في سورة النازعات: ﴿ فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ * فَإِذَا هُم بِالسَّاهِرَةِ(4) ، ما معنى الساهرة؟ سورة قريش: ﴿ لإِيلاَفِ(5) ، قد يقال إيلاف هنا، هل هي اسم أو فعل؟ قل مثل هذا في المدثر: ﴿ فَرَّتْ مِن قَسْوَرَةٍ(6) ، والآيات من هذا القبيل كثيرة، وأنا أنصح نفسي والإخوان بتفسير الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي، فإنه قد أجاد وأفاد في بيان معاني الألفاظ والفوائد العقدية والسلوكية.

بعد هذا حتى لا أطيل، الكلام، عنوان الكلمة التي أُخبرت عنها: وقفات يسيرة مع سورة الإخلاص.

الوقفة الأولى:

هذه السورة مكية النزول، وقيل بأنها مدنية، وجمع بعض المفسرين بين القولين، فقالوا لا يمنع أن تنزل السورة مرتين.

الوقفة الثانية:

سبب نزول هذه السورة: جاء قوم من المشركين، وقالوا: يا محمد انسب لنا ربك، فأنزل الله تعالى هذه السورة: ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ * اللهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ(7) .

المسألة الثالثة:

فضل هذه السورة: ينقل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى عن الإمام الدارقطني، يقول: لم يأت فضل في سورة من سور القرآن الكريم كما جاء في فضل سورة ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾.

ومن فضائلها أنها تعدل ثلث القرآن، قال ابن سويد الشافعي: القرآن أقسام ثلاثة، قسم إخبار عن أسماء الله وصفاته، وقسم قصص عن الأنبياء والمرسلين، وقسم أحكام، وهذه السورة هي الثلث الأول، وهي إخبار عن أسماء الله وصفاته.

ومن فضائلها قوله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ قل هو الله أحد عشر مرات بنى الله له بيتًا في الجنة».

المسألة الرابعة:

من مواضع قراءة هذه السورة: هذه السورة تقرأ في أذكار الصباح، وفي أذكار المساء، وتقرأ عند النوم، وتقرأ على قول في الأذكار في أدبار الصلوات، وتقرأ في ركعة الفجر السنة في الركعة الثانية، وفي الركعة الثانية من سنة الطواف، وفي الركعة الثانية من سنة المغرب البعدية، وفي ركعة الوتر.

المسألة الخامسة:

من الكلمات الغامضة في هذه السورة، كلمة الصمد، قيل: الصمد هو الذي لا جوف له، وقيل هو السيد الكامل السيادة، والكلمة الأخرى: كفوًا، الكفو هو الشبيه، والنظير، والمثيل، والله تعالى ليس له شبيهٌ ولا مثيلٌ، ولا نظير، لا في ذاته، ولا في أسمائه، ولا في صفاته.

المسألة السادسة:

هذه السورة لها أسماء كثيرة، تسمى سورة الإخلاص، وسورة الأثاث، وسورة المعرفة، وسورة التوحيد، وسورة الإيمان، وسورة الإحسان، وقد يقول قائل هذه الأسماء هل لها دليل؟ ذكر علماء علوم القرآن أن تسمية السور تارة تكون بالوحي، وتارة تكون من الصحابة، وتارة تكون من التابعين ومن بعدهم.

ولا مشاحة في ذلك، فتارة تسمى السورة باسم نبي، أو باسم حدث فيها، أو باسم جماد، كما سورة الكهف، وكما تسمى بعض السور باسمين أو ثلاثة، سورة غافر، سورة مؤمن، سورة الإسراء، سورة بني إسرائيل، وهلم جرا والأمر في ذلك هين.

المسألة السابعة:

تتعلق ببعض الفوائد العقدية في هذه السورة، هذه السورة فيها رد على أربع طوائف، في آية من آياتها، رد على أربع طوائف، في قوله جل وعلا: ﴿ لَمْ يَلِدْ﴾، رد على اليهود الزاعمين بأن عزير ابن الله، والرد على النصارى الزاعمين بأن المسيح ابن الله، والرد على مشركي العرب الزاعمين بأن الملائكة بنات الله، ورد على الملاحدة الطبائعيين، الذين يحيلون أن يكون شيءٌ أبدي ليس له أول، ويزعمون أن الطبيعة هي الموجودة والخالقة، وهذا إلحاد وزندقة، فالطبيعة مربوبة، والله ربها، والطبيعة مخلوقة، والله خالقها، والطبيعة مبروءة والله بارئها ومنشؤها.

هذه السورة أيضًا، تسمى استقلالاً سورة الإخلاص، وتسمى تبعًا بإحدى القواقل، لأن القواقل أربع، سورة الإخلاص هذه السورة، وسورة الفلق، وسورة الناس، وسورة الكافرون، وزاد بعضهم الجن؛ لأنها مبدءوة بـ ﴿ قُلْ أُوحِيَ(8)  أي: عودًا على فوائد الآيات.

قال أهل العلم هذه السورة العظيمة تضمنت فوائد كثيرة، منها إثبات أنواع التوحيد الثلاثة، توحيد الربوبية، وتوحيد الإلوهية، وتوحيد الأسماء والصفات، فأنت إذا قلت: ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾، إثبات لتوحيد الأسماء والصفات، فالله واحد لا شريك له، وإذا قلت أيضًا: ﴿ اللهُ الصَّمَدُ﴾، فهذا اسم آخر من أسماء الله تعالى، وإذا قلت: ﴿ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، فهذا أيضًا، أو يستلزم توحيد العبادة، كيف ذلك؟ قال أهل العلم لأن الذي ليس له كفو ولا نظير، ولا شبيه، ولا مثيل، هو المستحق للعبادة بحق، لا معبود بحق إلا الله.

أيضًا فيها إثبات الغنى المطلق، في المقابل إثبات افتقار الخلائق إلى الله، على ماذا؟ قالوا على أن الصمد هو الغني، وغنى الله مطلق، ولهذا قال ربنا: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ(9) ، يشمل الملوك، والأمراء، والوزراء، والأثرياء، والوجهاء، وكل أصحاب الأموال ﴿ أَنْتُمْ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللهِ وَاللهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ(10) ، يؤكد هذا أيضًا: ﴿ مَا عِنْدَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِنْدَ اللهِ بَاقٍ(11) ، وأيضًا: ﴿ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ(12) .

أيضًا فيها إثبات القوة المطلقة لله تعالى، قالوا مأخوذ بأن الصمد بمعنى القوي الذي لا يعجزه شيء، وأنت تقرأ في قوله جل وعلا: ﴿ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ(13) ، ﴿ وَهُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ(14) ، قوة المخلوق مهما بلغ من قوة يعتريها الضعف، المرض، الهرم، الموت، أما قوة الله فهي كاملة لا يعتريها نقص، ولا خلل، ولا شطط، لا حسًا ولا معنى.

أيضًا مما يستفاد من هذه السورة العظيمة، تفويض الأمور إلى الله تعالى، الله تعالى هو الصمد الذي تصمد إليه الخلائق، تسأله الحاجات، تستغيث به عند النكبات، تهفو إليه القلوب، فأنت إذا ألمت بك نازلت تأنس برأي صاحب لك، تأنس بقصة تسمعها، ولكن الأنس بالله لا يعدله شيء، ولهذا كان من فقه الأنبياء عليهم الصلاة والسلام إذا نزلت بهم نازلة، أول شكوى، أول الأمر، وأوسطه وآخره، تفويض الأمر إلى الله: ﴿ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ(15) ، ولهذا دل الله نبيه فقال: ﴿ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ(16)  ما الحل؟ ﴿ فَسَبِّحْ﴾ لجوء إلى الله ﴿ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُن مِّنَ السَّاجِدِينَ * وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ(17).

وفوائد هذه السورة عظيمة، أفرد فيها شيخ الإسلام ابن تيمية مصنفًا، سماه جواب أهل العلم والإيمان بما أخبر به رسول رب الرحمن، من أن ﴿ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ تعدل ثلث القرآن.

قبل الختام، أقول أيها الأكارم، هذه الليلة هي نصف شهرنا، وقد طوينا نصفه، فالله نسأل أن يتقبل ما مضى، وأن يعيننا على ما تبقى، وعلى المسلم أن يحرص على تدارك ما فات من أول الشهر، فآخر الشهر أفضل من أوله، ففيه العشر الأواخر، فعلى الإنسان أن يجتهد ويخلص، وأن يرى منه الله إلا ما يسره، شكر الله لكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

 


(1) محمد: 24.

(2) النساء: 82.

(3) التكوير: 15، 16.

(4) النازعات: 13، 14.

(5) قريش: 1.

(6) المدثر: 51.

(7) سورة الإخلاص.

(8) الجن: 1.

(9) فاطر: 15.

(10) فاطر: 15.

(11) النحل: 96.

(12) الحجر: 21.

(13) الذارايات.

(14) الشورى: 19

(15) يوسف: 86.

(16) الحجر: 97.

(17) الحجر: 97 – 99.