موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن
شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن لـ الشيخ عبدالله بن عبدالرحمن آل فريان
 
  
 

شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا وإمامنا وقدوتنا محمد بن عبد الله رسول رب العالمين، ورضي الله عن آله الطيبين وأصحابه الطيبين، والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد، فالسلام عليكم إخواني ورحمة الله وبركاته..

أحيي هذه الوجوه الطيبة بتحية الإسلام، التحية الطيبة المباركة، تحية أهل الجنة، فإن تحيتهم فيها هي السلام، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة، ووالديَّ ووالديكم، وذريتي وذريتكم، وجميع المسلمين، وأن يجعلنا جميعًا من عباده الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، الذين أثنى عليهم المولى في كتابه الكريم، فقال سبحانه وتعالى: ﴿ فَبَشِّرْ عِبَادِ * الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الألْبَابِ( 1 ).

وإنني أيها الأخوة لا أنسى أن أهنئ نفسي وإخواني في الله بحلول وبلوغ هذا الشهر العظيم المبارك، شهر رمضان، شهر الصيام والقيام وتلاوة القرآن، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يوفقنا جميعًا لصيامه وقيامه بإيمان واحتساب، ولسائر الأعمال الصالحة، وأن يجعلنا من عتقائه من النار، ونسأل الله الذي بلغنا إياه أن يتمه علينا وأن يتقبله منا، وأن يثبتنا جميعًا على القول الثابت في الحياة الدنيا والآخرة، وأن يعيده علينا أعوامًا عديدة وأزمنة مديدة والجميع في صحة عافية، واستقامة على دين الله.

هذا شهر رمضان المبارك يا عبد الله، ويا أمة الله فأريا الله من أنفسكما خيرًا، فإن الشقي من حرم خير وأجر هذا الشهر العظيم، هذا شهر رمضان المبارك الذي فرض الله سبحانه وتعالى على عباده صيام نهاره، وسن لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قيام ليله، فمن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه.

هذا شهر رمضان الذي فيه ليلة هي من خير ألف شهر، من قامها إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه، الطاعة والعبادة فيها لمن تقبل الله منه خير من طاعة وعبادة في ألف شهر لا تكون فيها ليلة القدر، وألف شهر أكثر من ثلاث وثمانين سنة، وقليل من يبلغ هذا العمر، فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم: « أعمار أمتي ما بين الستين والسبعين، وقليل من يجوز ذلك»، لكن الله تعالى عوض هذه الأمة في قصر أعمارها بمضاعفة الأعمال الصالحة لفضل الزمان، أو فضل المكان.

ومن فضل الزمان هذه الأيام الفاضلة شهر رمضان المبارك، هذا الشهر العظيم الذي بين عنه المصطفى صلى الله عليه وسلم بأنه فيه تفتح أبواب الجنان، وتغلق أبواب النيران، وتصفد فيه مردة الجن والشياطين فلا يخلصون فيه إلى ما كانوا يخلصون إليه في غير من أذية عباد الله، وهذا شيء مشاهد أنك ترى على غالب الناس الدعة والراحة والسكينة والطمأنينة ؛ لأن الله تعالى كف عنهم أذى أولئك الشياطين من شياطين الجن.

أيها الأخوة وأخبر عنه صلى الله عليه وسلم بأنه ينادي فيه منادي يا باغي الخير أقبل، ويا باغي الشر اقصر، ولله عتقاء من النار، وذلك في كل ليلة.

ولا ننسى أيها الأخوة الأحبة أن هذا الشهر العظيم المبارك قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحبه الكرام يهنئ بعضهم بعضًا بمقدمه وحلوله، ورسول الله صلى الله عليه وسلم كان يخصه بمزيد من العناية والاهتمام، وذلك بما أثر عنه بعمارة نهاره بالصيام، وعمارة ليله بالقيام، وبالإكثار فيه من الصدقات وقراءة القرآن، والدعاء، والاعتكاف، فقد كان صلى الله عليه وسلم حريصًا على ما يقربه إلى الله، وهو الذي قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر.

فقد كان عليه الصلاة والسلام يقول: « من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه».

وقد أخبر بأن للصائم فيه دعوة لا ترد، وذلك عند فطره، وكان يخصه عليه الصلاة والسلام بتدارس القرآن فيه مع جبريل عليه السلام، فقد كان يعارضه القرآن مرة في رمضان، وفي العام الذي توفي فيه صلى الله عليه وسلم عارضه فيه مرتين.

تقول عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان، فقد كان جوادًا كريمًا صلوات الله وسلامه عليه.

وكان يخص رمضان بكثرة الجود، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن، فلرسول الله صلى الله عليه وسلم حين يلقاه جبريل فيدارسه القرآن أجود بالخير من الريح المرسلة.

وقد اعتكف عليه الصلاة والسلام في العشر الأولى من رمضان، ثم في العشر الوسطى من رمضان تحريًا لليلة القدر، ثم جاءه جبريل عليه السلام، فقال له: يا محمد إن الذي تطلبه أمامك. يعني ليلة القدر، يعني في العشر الأواخر، فأرشد من كان اعتكف معه في العشر الوسطى من رمضان أن يعتكف معه في العشر الأواخر من رمضان، تحريًا لليلة القدر، فهذا من هديه صلى الله عليه وسلم .

خصوصية رمضان، وذلك لما فيه من هذه الأعمال الآنفة الذكر، من صيام النهار وقيام الليل، وكذلك أيضًا بكثرة الجود والإحسان، وكذلك بتدارس القرآن، وكذلك أيضًا بكثرة الدعاء فيه، وكذلك بالاعتكاف، وذلك من هديه صلى الله عليه وسلم .

ولا بد للإنسان المسلم أن يعلم أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو قدوة المسلمين، وهو أسوتهم كما قال الله تعالى عنه في كتابه الكريم: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَنْ كَانَ يَرْجُو اللهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللهَ كَثِيرًا( 2 ).

أيها الأخوة الأحبة في الله، وربنا سبحانه وتعالى أخبر بأن هذا الشيء العظيم المبارك قد أنزل فيه القرآن ﴿ شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ( 3 )، أنزل الله تعالى فيه القرآن في ليلة، وهي ليلة القدر من اللوح المحفوظ إلى السماء الدنيا القريبة من الأرض، ثم نزل على الرسول صلى الله عليه وسلم منجمًا وموزعًا ومفرقًا على حسب الحوادث والوقائع والأحوال.

شهر رمضان، والشهر ما هو مشهور، يقال أشهر فلان سيفه، يعني أخرجه من غمده، فالشهر ما يكون مشهورًا، وهذه الأشهر معلومة مشهورة، ومنها هذا الشهر العظيم المبارك، شهر رمضان، وقد سمي رمضان، قيل وذلك لأنه أول ما شُرع كان في الشهر الذي يكون فيه شدة الحر.

وكذلك أيضًا لأن الشهر هو ما بين الهلالين، ليس بما يكون من عد وحساب، وإنما بما يكون بين الهلالين، وذلك في هذا الشهر ما بين شعبان، وما بين شوال، ما بين شعبان وشوال فإنه شهر رمضان.

والعمدة في صيامه، هي في رؤيته هلاله، كما قال الله تعالى في كتابه الكريم: ﴿ فَمَن شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ( 4 )، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأقدروا له»، وفي رواية: « فأكملوا عدة شعبان ثلاثين يومًا»، فلا يلتفت إلى علم أهل الحساب والفلكيين، ما دام أن ربنا سبحانه قد أمر عباده بصيامه برؤية هلاله، وكذلك الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولكن لا يمنع أن يُستأنس بذلك العلم، لكن لا يقدم على الرؤية، فإن العبرة في الشرع في الصيام والإفطار، هي برؤية الهلال، كما بين ذلك ربنا تعالى في كتابه الكريم، وكما بينه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهذا أيضًا مما يحفز المسلمين على تحري رؤية الهلال لما يتعلق به من عبادة الصيام، صيام رمضان، وكذلك أيضًا أشهر الحج لما يتعلق بها من أنواع الحج من حج إلى بيت الله الحرام.

أيها الأخوة الأحبة في الله، وحري بالمسلمين أن يتغانموا هذه الأيام والليالي الفاضلة، التي لا يدري الإنسان أيطول به العمر حتى يدركها في عامه القادم أم لا، بل ولا يضمن لنفسه ولا يدري لما أدرك أول الشهر، هل يدرك أخره، والله المستعان.

فكم من نفس صامت رمضان في عام ولم تصمه في العام القادم، وكم من نفس أدركت أول الشهر ولم تدركه أوله، والله المستعان.

لما تصلي في هذه الأزمان، لما تصلي في المساجد التي تكون فيها الصلاة على الجنائز، ترى عددًا غزيرًا من الناس من أولئك الذين رحلوا من هذه الدنيا، والله المستعان، وهذه سنة الله في خلقه ﴿ إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُم مَّيِّتُونَ( 5 )، ﴿ وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِّن قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِن مِّتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ * كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ( 6 )، ولكن من هو السعيد؟ إن السعيد هو من يموت والله راض عنه، فيلاق ربه والله راض عنه، ولهذا سمعنا في الآيات القرآنية التي تلاها الإمام جزاه الله خيرًا ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ( 7 ).

ذلكم هو الفوز الحقيقي بجنة عرضها السموات والأرض، برضوان رب العالمين سبحانه وتعالى، نسال الله تعالى أن يجعلنا وإياكم من الفائزين برضوانه وجناته، وأن يجعلنا وإياكم من الناجين والسالمين من غضبه وعقابه.

يا عبد الله، ويا أمة الله، هذه الأيام الفاضلة مضى الأسبوع الأول منها، هذه الليلة هي ليلة الثامن رمضان والله المستعان، إذن مضى الآن قرابة الربع، والله المستعان، فماذا يا عبد الله أنت فاعل، وماذا أنت فاعلة يا أمة الله.

إن الإنسان يتغانم هذه الأيام والليالي ولا يفوت الفرصة ؛ لعل يتعرض لنفحة من نفحات رحمته، رحمة ربه سبحانه، فيسعد سعادة لا يشقى بعدها أبدًا.

رسول الله صلى الله عليه وسلم لما صعد المنبر وقال: « آمين، آمين، آمين» ثم نزل، سأله الصحابة رضي الله عنهم عن قوله هذا، فقال عليه الصلاة والسلام: « آتاني جبرائيل فقال: يا محمد رغم أنف امرئ أدرك رمضان فلم يغفر له فأبعده الله، قل أمين، فقلت أمين، ثم قال: يا محمد رغم أنف امرئ أدرك أبويه أو أحدهما فلم يدخلاه الجنة فأبعده الله قل أمين، قال: قلت أمين، ثم قال: يا محمد رغم أنف امرئ ذكرت عنده فلم يصل عليك، فأبعده الله، قل أمين، فقلت أمين». اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

فالمقصود أيها الأخوة أن الإنسان لا يفوُّت هذه الفرص، ويحرص على تغانمها، ما دام أنه الآن حي يرزق، ما دام أنه الآن قادر على الصيام والقيام وقراءة القرآن، ما دام أن الروح تخفق في هذا البدن، والقلب يخفق بالدم، وعنده العقل والإدراك والتمييز.

أو لم ترى إلى تلك المقابر، وقد سكنها من سكنها من الأقارب والمعارف والجيران، والخلان والزملاء، ما أتاهم سوف يأتيك ولا محالة، أو ما زرت المستشفيات ورأيت أولئك الجاثمين على تلك الأسرة البيضاء، لا يهنئون بنوم ولا أكل ولا شرب، وأنت في صحة وعافية، الطعام الحلو في فمه المر مع المرض، وأنت تهنأ بالطعام والشراب.

أولم تر إلى أولئك الذين قد قعدوا عن الشمس فلا يستطيعون المشي إلا على عربات، أو على عصي، وأنت تقدر أن تمشي على قدميك بالصحة والعافية، ولديك السمع والبصر والكلام، فاشكر الله على هذه النعم، واستعن بها على طاعتك لمولاك سبحانه وتعالى، وتذكر أن المصلحة، وأن الفائدة لكن فإن الله سبحانه وتعالى في غنية عنك وعن غيرك، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، كما قال سبحانه: ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلاَّمٍ لِّلْعَبِيدِ( 8 )، ﴿ إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا( 9 ).

ويتذكر الإنسان وهو يعيش هذه الأيام الفاضلة، وهو يصوم عما أحله الله من الطعام والشراب، والنكاح، ومقدماته ، طاعة لله سبحانه وتعالى، فإنه إذا صام عما أحله الله، وعما أباح الله له من الطعام والشراب والنكاح من طلوع الفجر الثاني حتى تغرب الشمس، فإنه من باب أولى وأحرى، وآكد، وأعظم، وأشد أن يصوم عما حرم الله عليه، فتصوم العينان عن النظر إلى الحرام، وتصوم الأذنان عن الاستماع إلى الحرام، ويصوم اللسان عن الكلام الحرام، وتصوم اليدان عن العمل الحرام، وتصوم القدمان عن المشي إلى الحرام، ويصوم القلب عن الخطرات الحرام.

إذا صمت فليصم سمعك وبصرك ولسانك عما حرم الله عليك، ولا تجعل يوم صومك ويوم فطرك سواء، « من لم يدع قول الزور والعمل فيه فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

أيها الأخوة الأحبة في الله، وهكذا أيضًا ينظم الإنسان وقته، فهناك من الناس ويا للأسف، ونقولها بكل مرارة، ويا للأسف الشديد، يجعلون شهر رمضان نومًا كله، أو جله بالنهار، ويجعلون ليله كله أو جله سهرًا وسمرًا، فيا عبد الله ما هكذا فعل السلف الصالح، ينام الإنسان من النهار بقدر، ولا يضيع الفرائض، ومن أعظمها هذه الصلوات الخمس مع الجماعة، فإن من ينام معظم النهار ربما أنه ينام عن بعض الصلوات المكتوبة في النهار، أو ينام عن كل الصلوات التي في النهار من ظهر وعصر، وربما أيضًا العصر، وهذه مصيبة عظيمة.

وربما أيضًا الفجر، وهذه مصيبة عظيمة، وكذلك أيضًا في سهره وسمره بالليل، ويترك صلاة التراويح مع الجماعة، والرسول صلى الله عليه وسلم قال: « ومن قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: « من قام مع الإمام حتى ينصرف كتب له قيام ليلة»، وفي رواية: « فكأنما أحيا الليل كله».

فتجده يكتفي يصلي المغرب والعشاء، ثم يذهب، تجده يعكف يسهر في الليل ويعكف على القنوات الفضائية، أو في الاستراحات والبراري، والساحات، أو الحدائق، ويضيع الوقت، هل فيما يرضي الله؟ غالبًا فيما لا يرضي الله، هذه مصيبة عظيمة، وربما يتسكع في الأسواق التجارية، والنظر إلى النساء والمعاكسات، نسأل الله تعالى أن يهدينا وإياه سواء السبيل، هذه مصيبة عظيمة.

السلف الصالح كانوا إذا جاء شهر رمضان تركوا أيضًا مجالس العلم، وقالوا: إنما هو قراءة القرآن، أقبلوا على قراءة القرآن وعلى تدارسه، وعلى كثرة الذكر، وصلوات النفل، وكذلك أيضًا بتدارس القرآن كما كان الرسول صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضًا بالجلوس في المساجد، ويقولون: نحفظ صيامنا وأعمالنا من اللغو.

ولا يعني هذا أيها الأخوة أن يضيع الإنسان أعماله التي هو في حاجة إليها، أو مجتمعه وأمته في حاجة إليها، كمن يعمل في وظائف حكومية مدنية أو عسكرية، فإنه إن شاء مأجور ومثاب مع صيامه وجوعه وعطشه وتعبه، وقيامه بهذه الأعمال الوظيفية، وإنهاء معاملات المسلمين، وقضاء حوائجهم، والحرص على المحافظة على حقوق المسلمين، فإنه مأجور ومثاب إن شاء الله.

وكذلك في عمله عند من استعمله في عمل خاص، فإذا أدى الأمانة واحتسب، ولو كان عليه شيء من الكلفة، فإنه مأجور، ولكن ينبغي على أرباب الأعمال أن يستوصوا بمن تحت أيديهم خيرًا في شهر رمضان، وأن يترفقوا بهم، فإنه صلى الله عليه وسلم جاء عنه: « ومن خفف فيه عن مملوكه كان مغفرة لذنوبه، وفكاكًا لرقبته من النار»، لكنني عندما ذكرت هذا الشيء فإنني أنوه بأن الإنسان في أعماله هذه مع الصيام، وقيامه بها، وإحسانه وإخلاصه فيها، فإنه مأجور إن شاء الله ومثاب، ويحرص على ذلك بالنية الصالحة والقصد الحسن، فـ « إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى».

وينبغي على الإنسان أيضًا مع أهله في بيته أن يحرصوا على تنظيم الوقت، وذلك لأفراد الأسرة من زوجته وأبنائه وبناته، فلا يكلف زوجته وبناته، أو الخادمة، ما لا يطيقون، ويكلفهم بأعمال الطبخ التي تزيد عن الحاجة، واستغراق معظم الوقت، ولا يجعل لهؤلاء النساء وقتًا يقرؤون فيه القرآن، وإنما يكون هناك الاقتصاد والاعتدال في صنع الطعام، فقد قال صلى الله عليه وسلم: « ما ملأ ابن آدم وعاءً شر من بطنه، بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه، فإن كان لا بد فاعلاً فثلث لطعامه وثلث لشرابه، ولثلث لهوائه».

وآية الطب في القرآن، نصف آية، وهي قوله تعالى: ﴿ وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلاَ تُسْرِفُوا إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ( 10 ).

أيها الأخوة إذن ينبغي أن يكون معك الاقتصاد والاعتدال وعدم الإكثار من الطعام، مما يؤدي إلى التخمة، ويؤدي إلى الكسل والفتور عن العبادات، وإلى كثرة النوم، وإلى الأشر والبطر والعياذ بالله.

وكذلك أيضًا أن يكون هناك التواصي على البر والتقوى، والتعاون على الخير، وفق الله الجميع لما يحب ويرضى، أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا الشهر شاهدًا لي ولكم، لا علي ولا عليكم، وأن يجعلنا جميعًا من الذين يعمرونه بما يرضي الله بسائر الأعمال الصالحة، وأن نكون من الثابتين والمستمرين على ذلك، حتى نلقى ربنا وهو راض عنا، فإن الطاعة والعبادة لله ليست مقصورة على زمان ثم تنتهي، لا شك الصيام المفروض في رمضان فقط، لكن الإنسان لا ينقطع عن الطاعة والعبادة بعدما ينتهي رمضان، فبأس القوم لا يعرفون الله إلا في رمضان، وإن رب رمضان هو رب شعبان وشوال، وهو الذي يقول في كتابه الكريم: ﴿ وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ( 11 )، ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ( 12 ).

وإن أحب العمل إلى الله ما داوم صاحبه علي وإن قل، وفقنا الله وإياكم للعلم النافع والعمل الصالح، والقلب الخاشع، واللسان والذاكر، والرزق الحلال، والذرية الصالحة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يمد في أعمارنا وأعماركم على طاعته، وأن يمتعنا وإياكم متاعًا حسنًا، ونسأله سبحانه أن يجعل هذا الشهر شهر خير وبركة، وعز للإسلام والمسلمين، وأن ينصر دينه، وأن يعلي كلمته، وأن يعز عباده، وأن يذل أعدائه، وأن يوفق ولاة أمورنا والقائمين على أعمالنا في هذه المملكة، وجميع ولاة المسلمين في كل بلد لما يحب ويرضى.

وأن يرزقنا وإياهم البطانة الصالحة الناصحة، يعني المتصفة بهاتين الصفتين، لا تكفي أن تكون صالحة، بل نسأل الله أن يرزقنا وإياهم البطانة الصالحة الناصحة، التي تدل على الخير وتعين عليه، وتبين الشر وتحذر منه، ونسأل الله أن يبعد عنا وعنهم بطائن السوء، ونسأل الله تعالى أن يحفظ لهذه البلاد ما تعيش به من نعمة الإيمان والأمان، والطمأنينة والاستقرار، وأن يكفينا جميعًا شر الأشرار، وكيد الحساد، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وجزاكم الله خيرًا وأثابكم الله وشكر لكم ولأخي الفاضل الإمام الكريم، وأسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم من أهل القرآن، الذين هم أهل الله وخاصته.


(1)الزمر: 17، 18.

(2)الأحزاب: 21.

(3)البقرة:185.

(4)البقرة: 185.

(5)الزمر: 30.

(6)الأنبياء: 34، 35.

(7)آل عمران: 185.

(8)فصلت: 46.

(9)الإسراء: 7.

(10)الأعراف: 31.

(11)الحجر: 99.

(12)آل عمران: 102.