موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - باب الاستنجاء - شرح أصول الأحكام
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح أصول الأحكام لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح أصول الأحكام
 المقدمة
 كتاب الطهارة باب المياه
 حديث هو الطهور ماؤه الحل ميتته
 حديث الماء طهور، لا ينجسه شيء
 حديث إذا بلغ الماء قلتين؛ لم يحمل الخبث
 حديث لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب
 باب الآنية
 حديث أن قدح النبي -صلى الله عليه وسلم- انكسر، فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة
 حديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه توضؤوا من مزادة مشركة
 حديث إذا دبغ الإهاب؛ فقد طهر
 حديث ما قطع من البهيمة وهي حية؛ فهو ميتة
 باب الاستنجاء
 حديث انطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى توارى عني، فقضى حاجته
 حديث إذا تغوط الرجلان؛ فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه
 حديث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل الخلاء؛ وضع خاتمه
 حديث من أتى الغائط؛ فليستتر
 حديث استنزهوا من البول
 حديث لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول
 حديث إذا أتيتم الغائط؛ فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها
 حديث اتقوا اللعانين؛ الذي يتخلى في طريق الناس أو في ظلهم
 حديث أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- الغائط، فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار
 حديث نهانا رسول الله أن نستقبل القبلة بغائط أو بول، أو نستنجي باليمين
 حديث نهى -صلى الله عليه وسلم- أن يستنجى بعظم أو روث
 باب السواك
 حديث لولا أن أشق على أمتي؛ لأمرتهم بالسواك
 حديث كان -صلى الله عليه وسلم- إذا قام من الليل يشوص فاه بالسواك
 حديث كان إذا دخل بيته؛ يبدأ بالسواك
 حديث خمس من الفطرة
 حديث إن اليهود والنصارى لا يصبغون
 باب فروض الوضوء وصفته
 حديث إنما الأعمال بالنيات
 حديث لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه
 حديث إذا استيقظ أحدكم من نومه؛ فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثا
 حديث عثمان -رأيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- توضأ نحو وضوئي هذا
 حديث ومسح -صلى الله عليه وسلم- رأسه بيديه، فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة
 حديث أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ
 حديث أنه -صلى الله عليه وسلم- كان يخلل لحيته في الوضوء
 حديث أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع
 حديث ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
 باب المسح على الخفين
 حديث توضأ ومسح على الجوربين والنعلين
 حديث رأيته يمسح على عمامته وخفيه
 حديث ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر، ويوم وليلة للمقيم
 باب نواقض الوضوء
 حديث وعن علي -رضي الله عنه- في المذي؛ قال «فيه الوضوء
 حديث لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ
 حديث كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينتظرون العشاء الآخرة حتى تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون
 حديث أنه صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ
 حديث احتجم وصلى ولم يتوضأ
 حديث من مس ذكره؛ فليتوضأ
 حديث قبل بعض نسائه، ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ
 حديث نعم؛ توضؤوا من لحوم الإبل
 حديث ذا وجد أحدكم في بطنه شيئا، فأشكل عليه
 حديث أن لا يمس القرآن إلا طاهر
 باب الغسل
 حديث إذا جلس بين شعبها الأربع، ثم جهدها؛ فقد وجب الغسل
 حديث وفي المني الغسل
 حديث نعم، إذا رأت الماء
 حديث قيس بن عاصم أنه أسلم فأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يغتسل بماء وسدر
 حديث كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يغتسل من أربع
 حديث أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أغمي عليه ثم أفاق فاغتسل
 حديث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- لا يحجبه من القرآن شيء ليس الجنابة
 حديث إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب
 صفة الغسل
 حديث يكفيك أن تحثي على رأسك ثلاث حثيات
 حديث إن تحت كل شعرة جنابة
 حديث كان النبي -صلى الله عليه وسلم- يتوضأ بالمد
 حديث إذا اغتسل أحدكم فليستتر
 حديث إذا كان جنبًا فأراد أن يأكل أو ينام؛ توضأ
 حديث إذا أتى أحدكم أهله؛ ثم أراد أن يعود؛ فليتوضأ
 باب التيمم
 حديث أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد من قبلي
 حديث الصعيد الطيب طهور المسلم
 حديث إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة
 حديث وعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه- وكان يتيمم في ليلة بادرة وصلى بأصحابه
 حديث إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا
 حديث أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك
 باب إزالة النجاسة
 حديث جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد
 حديث طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات
 حديث ، ثم تقرصه بالماء، ثم تنضحه، ثم تصلي فيه
 حديث إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه؛ فطهورهما التراب
 حديث ألقوها وما حولها، وكلوه
 حديث إذا وقع الذباب في شراب أحدكم
 حديث كنت أفرك المني من ثوب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيصلي فيه
 حديث إنها ليست بنجس؛ إنما هي من الطوافين عليكم
 باب الحيض
 حديث امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك، ثم اغتسلي
 حديث إنما ذلك عرق وليس بحيض
 حديث إن دم الحيض دم أسود يعرف
 حديث إنما هي ركضة من ركضات الشيطان
 حديث كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا
 حديث اصنعوا كل شيء إلا النكاح
 حديث كانت النفساء تقعد على عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد نفاسها أربعين يوما
 باب الصلاة
 حديث بني الإسلام على خمس
 حديث أخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة
 حديث مروا أبناءكم بالصلاة لسبع
 حديث بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة
 باب الأذان
 حديث ينظر، فإن سمع أذانا؛ كف عنهم، وإن لم يسمع أذانا؛ أغار عليهم
 حديث إذا حضرت الصلاة؛ فليؤذن لكم أحدكم
 حديث أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين
 حديث ثم أذن بلال، فصلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كما كان يصلي كل يوم
 حديث إن المؤذنين أطول الناس أعناقًا يوم القيامة
 حديث اتخذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا
 حديث إنها لرؤيا حق، فألقه على بلال؛ فإنه أندى صوتا منك
 زيادة الصلاة خير من النوم
 حديث أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة
 حديث رَأَيْتُ بِلاَلاً يُؤَذِّنُ وَأَتَتَبَّعُ فَاهُ هَا هُنَا وَهَا هُنَا
 حديث إذا أذنت فترسل، وإذا أقمت؛ فاحدر
 حديث إذا سمعتم النداء؛ فقولوا مثل ما يقول المؤذن
شرح أصول الأحكام - باب الاستنجاء

بَابُ الاسْتِنْجَاءِ

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- إِذَا دَخَلَ الْخَلاَءَ؛ قَالَ: «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»، مُتَّفَقٌ عَلَيْه(1).

وَلِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ كَانَ يَقُولُ: «بِاسْمِ اللهِ»(2).

وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- إِذَا خَرَجَ؛ قَالَ: «غُفْرَانَكَ»، رَوَاهُ الْخَمْسَةُ(3)، زَادَ ابْنُ مَاجَه عَنْ أَنَسٍ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنِّي الأَذَى وَعَافَانِي»(4)).


باب الاستنجاء، ويُسمى في بعض الكتب والمصنفات في الفقه والحديث باب الاستطابة، ومنهم من سماه باب آداب قضاء الحاجة، وبعضهم سماه باب الاستنجاء والاستجمار، والمعنى واحد، والاستنجاء من النجو وهو القطع؛ لأنه يقطع الأذى عنه.

والاستجمار من الجمار؛ لأنه يستعمل فيه الجمار، والاستطابة؛ لأنه يُطَيِّبُ المحل، ومنهم من يسميه باب آداب قضاء الحاجة، والمعنى واحد.

حديث أنس بن مالك الصحابي الجليل، تقدم مرارًا -رضي الله عنه-، ورواياته كثيرة وله مناقب، وقد دعا له النبي -عليه الصلاة والسلام- بالبركة في أهله وماله، وقد رأى ذلك -رضي الله عنه. وجاء عند البخاري في الأدب المفرد، قال: «وَأَطِلْ حَيَاتَهُ»(5)، وعُمِّرَ -رضي الله عنه-، وجاوز تسعًا وتسعين، وأقل ما قيل في سنّه له تسع وتسعون، وأكثر ما قيل مئة وأربع سنوات -رضي الله عنه.

ومما ذكروا -أيضًا- أنه كان له بستان يشم منه الريحان من بعيد، وكان يثمر في السنة مرتين، قد روى ابن سعد(6)(7)بسند جيد من رواية جعفر بن سليمان الضُّبَعِيّ(8) عن ثابت(9) عن أنس؛ أنه -رضي الله عنه- جاءه عامله على البستان، وشكا له قلة الماء، وأن الماء قليل، فجمع من عنده ثم استسقى -رضي الله عنه-، فمطرت السماء في الحال، اجتمع السحاب ومطرت في الحال -رضي الله عنه-، ثم أمر بعض من عنده أن ينظر أين امتد المطر، فنظروا فلم يجاوز بستانه -رضي الله عنه-، وله مناقب كثيرة.

حديثه هذا كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا دخل، وعند البخاري مُعلقًا مجزومً«إذا أراد أن يدخل»(10)، وهو المعنى، قوله إذا دخل، يعني إذا أراد، من قوله -تعالى- ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ(11)؛ يعني إذا أردت أن تقرأ القرآن، هذا هو الصواب وقول الجمهور، وإن كان بعضهم حمله على ظاهره، وأنه يتعوذ بالله بعد الفراغ من قراءة القرآن، لكن السنة بَيَّنَتْ أيضًا أن المراد عند ابتداء القراءة، وكذلك أيضًا وهذا الأسلوب عربي صحيح، يعني يستعمله العرب، والقرآن نزل بلغة العرب، والرواية الأخرى لهذا الحديث تُبين هذا.

عند البخاري أيضًا في رواية معلقة أيضًا «إذا أتى الخلاء»(12)، وقوله «إذا دخل»، هذا في المكان الْمُعدّ، المكان غير المعد، أيضا يُشرع؛ لعموم قوله «إذا أتى الخلاء»، والإتيان يكون للمكان المعد، والمكان غير المعد.

وإذا كان المكان معدا؛ فإنه يشرع التسمية قبل الدخول، وإن كان المكان غير معد، مثل يكون الإنسان في بر، يريد أن يقضي حاجته في أصل شجرة، أو في أصل تل، أو كثيب من تراب ونحو ذلك، يقوله إذا أراد تشمير ثيابه.

«إذا دخل الخلاء، قال: اللهم إني أعوذ»، أعوذ ألتجئ وأعتصم، وهذه المادة تدل على هذا المعنى الالتجاء والاعتصام به -سبحانه وتعالى.

«بك» يعني وحدك دون غيرك.

(الخبث والخبائث) الخُبث، قيل جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة، يعني المعنى أعوذ بك من ذُكران الشياطين وإناثها.

وقيل الْخُبث الشر، والخبائث، أهل الشر، وهذا أشمل وأحسن؛ لأن الأول يكون خاصا بالشياطين، ذكرانهم وإناثهم، والثاني أعم، يشمل الشياطين وغيرهم؛ لأنهم قد يكونوا؛ لأن الخلاء أيضًا ربما يكون موضع للهوام أو غير ذلك، والشياطين تقرب منها الهوام وتساكنها وتأنس إليها، فقد تأتي إلى هذه المواطن، أو غير ذلك مما يصيبها.

قال: «اللهم! إني»، يعني يا الله، «أعوذ بك من الخبث والخبائث»، وهذا التجاء عظيم، وحصن حصين للعبد، لأنه في مكان محتضَر، كما عند أبي داود من حديث زيد بن أرقم بإسناد لا بأس به أنه -عليه الصلاة والسلام- قال: «إِنَّ هَذِهِ الْحُشُوشَ مُحْتَضَرَةٌ، فَإِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ الْخَلاَءَ؛ فَلْيَقُلْ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»(13).

وعند الترمذي من حديث عليّ: «سَتْرُ مَا بَيْنَ عَوْرَاتِ الْجِنِّ وَالإِنْسِ إِذَا دَخَلَ أَنْ يَقُولَ: بِاسْمِ اللهِ»(14)، «اللَّهُمَّ! إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخُبُثِ وَالْخَبَائِثِ»(15)، ذكر البسملة، وجاءت في هذا المعنى أخبار عنه -عليه الصلاة والسلام- تدل على مشروعية هذا القول.

الرواية الثانية التي ذكرها المصنف -رحمه الله- (ولسعيد بن منصور كان يقول: «باسم الله»)، هذا من قوله عند سعيد بن منصور، لم أطلع على سند هذه الرواية، لكن تتأيد بما ذكره الحافظ -رحمه الله- وعزاه إلى الْمَعْمَرِيّ(16) في عمل اليوم والليلة، وهذا كتاب في عمل اليوم والليلة، مثل عمل اليوم والليلة للنسائي، وعمل اليوم والليلة لابن السّنّي، ولا أعرف هذا الكتاب، ولا رأيته مطبوعًا هذا الكتاب لابن السني(17) -رحمه الله-، وفيه أنه -عليه الصلاة والسلام- أمر بذلك؛ أن يُقال: «باسم الله» يعني بالقول، وقال الحافظ: إنه على شرط مسلم، فاجتمع في هذه الكلمة، وهي البسملة، القول والفعل، الفعل من رواية سعيد، والقول كما رواية المعمري.

وجاء عند الطبراني في كتاب الدعاء(18) أيضًا شواهد لها تدل على مشروعية أن يقول: «باسم الله»، فهذا هو المشروع عند الدخول، البسملة مع هذا الذكر.

وعند الخروج حديث عائشة -رضي الله عنها- «غفرانك» أنه كان يقول: «غفرانك»، وهذا رواه الخمسة، بعضهم استثنى النسائي، لكن رواه النسائي على الصحيح، رواه في الكبرى وفي عمل اليوم والليلة، وعمل اليوم والليلة جزء من الكبرى(19)، ومن طريق يوسف بن أبي بردة(20) عن أبيه أبي بردة(21) عن عائشة -رضي الله عنها-، وقد صححه أبو حاتم ابن حبان، والحاكم، وابن خزيمة، وابن الجارود(22)، وهذا تقوية منهم له، والحكم بصحة الحديث دَليلٌ للتوثيق، بعض أهل العلم يستدل أن الإمام إذا صحح حديثًا؛ فهو توثيق لرجاله، ويوسف بن أبي بردة وإن كان ليس بذاك الثقة فيمن ذكر أهل العلم، وأنه لم يوثقه معتبر، لكن تصحيح أبي حاتم له نوعُ توثيقٍ له؛ إذ التصحيح فرْع التوثيق، بل إن تصحيح الحديث عند جمع من أهل العلم يَلزم من صحة السند، ولا يلزم من صحة السند صحة الحديث. فإذا حكم إمام بأن الحديث صحيح؛ فيلزم منه صحة السند، ولا يلزم من حكمه بصحة السند أن يكون الحديث صحيحًا؛ لجواز الشذوذ عليه. فلهذا كان تصحيح أبي حاتم له يدل على ثقة رجاله، ومنهم يوسف هذا -رحمه الله.

قوله «غفرانك»، قيل إنه مصدر، مفعول مطلق؛ أي اغفر غفرانك، وقيل أسألك غفرانك مفعول به، وهذا يُشرع عند الخروج، والمغفرة هو مَحْوُ الذنب وإزالة أثره، ليس مجرد الستر، لا، محو الذنب وإزالة أثره، خلافًا لما يُقال: إن المغفرة هي الستر؛ لأنّ المغفرة مأخوذة من الْمِغْفَرِ، والمغفر يستر ويَقِي، ولهذا يلبسه المقاتل، المغفر يكون من حديد يقي من سلاح الأعداء، فإذا وقع عليه لا يضر. بخلاف الساتر الذي يلبسه ولا يكون مغفر من حديد مثلاً، فإنه يستر لكنه لا يقي، ولذا هو سأل الله المغفرة، وهو محو الذنب وإزالة أثره، ولهذا قال في الحديث: «أَنَا سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ»، حديث ابن عمر لما قال: «إِنَّ اللهَ يُدْنِي الْعَبْدَ حَتَّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، فَيَقُولُ: أَنَا سَتَرْتُهَا عَلَيْكَ فِي الدُّنْيِا، وَأَنَا أَغْفِرُهَا لَكَ الْيَوْمَ»(23)، وهذا هو تمام النعمة، ستر الله عليه في الدنيا بأن لم يُفضح بها، ثم من تمام رحمته، وجُودِه وكرمه، في موطنٍ اشتدت ضرورة العبد إلى المغفرة والرحمة، قال: «وأنا أغفرها لك»، ثم يقول الله له ذلك، وهذا -لا شك- أعظم في المنة والنعمة، وما يقع في قلبه من الأنس والسرور بأن يقول له ربه ذلك -سبحانه وتعالى.

نعم، «يقول: غفرانك»، رواية «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» رواية ضعيفة، رواها ابن ماجه -رحمه الله-، كما ذكر المصنف -رحمه الله- من طريق رجل يقال له إسماعيل بن موسى المكي وهو ضعيف، والأحسن أن يقول: «غفرانك»، يعني يقتصر على هذه الكلمة، وهذا هو الذي ثبت، «باسم الله» في أوله، مع قوله «أعوذ بك من الخبث والخبائث»، مع قوله «غفرانك».

الجمع بينهما موضع نظر؛ لأنه موطن ذكْر في موطن خاصّ، والقاعدة أن الأذكار الموقتة أحكام، والقاعدة أن الأحاديث الضعيفة لا يُحتج بها في الأحكام، وهو محلّ إجماع من أهل العلم، إذا جاءنا ذكْر مقيد في موطنٍ؛ فهو حكْم شرعي، والحكم الشرعي يُشترط أن يكون فيه الحديث ثابتا، صحيحا ليس ضعيفا، إنما في باب فضائل الأعمال بحث معروف أما في الأحكام؛ فلا، ولهذا نقول الأظهر أنه لا يُشرع إذا كان الحديث ضعيفًا وليس له شاهد.

إذا اقتصر؟ نعم، هو الثابت، ثم هو الأبلغ في الحقيقة، لأنه إذا قال الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني، مجرد حمدٍ لله -سبحانه وتعالى- على نِعمة دُنيوية «الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» يعني مِن أذاه، لكن حينما يقول: «غفرانك» سؤال الله -سبحانه وتعالى- نعمة دينية، فهي أبلغ في التذلل، وأبلغ في السؤال، ثم أيضًا في قوله «غفرانك» توسّل بالمغفرة، والمغفرة صفة من صفات الله -عز وجل-، ومن أسمائه الغفور والغفار -سبحانه وتعالى-، فلهذا فيها توسل بأسمائه -سبحانه وتعالى-، وفيها أيضًا ذكْر لحال العبد أنه محل الذنوب والتقصير، وهذا أبلغ في التذلل، وأبلغ في السؤال، وكلما كانت حال العبد أبلغ في التذلل؛ كان أقرب إلى الإجابة، خاصة في مثل هذه الحال، حينما يدخل الخلاء، ويكون في مثل هذه الحالة من الضعف والاستكانة، ويعلم أنه مهما ذهب، ومهما حَصَلَ له؛ فإن مآله إلى مثل هذا الموضع، فيتذكر، ثم أيضًا إذا دخل الخلاء، يكون يحمل الأذى، ربما أذاه، فقد يتذكر الأهوال والشدائد العظيمة، إذا كانت هذه الأمور اليسيرة التي تُؤذيه، والتخلص منها نعمة عظيمة، وهو يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى، وَسَوَّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا»(24)، يقول: «أَطْعَمْتَ وَأسَقَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأحَيَيْتَ، وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ، فَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ»(25) أطعم -سبحانه وتعالى-، جعل له مدخلاً يطيب به الطعام، ومخرجًا يخرج منه الأذى، نِعَمٌ عظيمة، ثم يتذكر أهوال القيامة، وشدة القيامة، حينما يكون في مثل هذا الحال، فيدعوه إلى الاستكانة، وسؤال الله المغفرة؛ لأنّه نعمة عظيمة قَصَّرَ في شكرها، وقصر في أداء حق الله -سبحانه وتعالى-، نعم عظيمة، فهذا كأنه -والله أعلم- هو الأنسب وهو الأصح كما تقدم.

 


(1) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء (142، 6322)، مسلم كتاب الحيض، باب ما يقول إذا أراد دخول الخلاء (375).

(2) أخرجهابن عبد الهادي في شرح عللابن أبي حاتم (46) عن سعيد بن منصور به.

(3) صحيح: أخرجهأحمد في المسند (25220)، أبو داود كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا خرج من الخلاء (30)، الترمذي كتاب الطهارة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء (7)، قال الترمذي: حسن غريب، ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء (300)، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.
قلت: لم أقف عليه في النسائي المجتبى، وأخرجه النسائي في الكبرى كتاب عمل اليوم والليلة، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء (9907) من حديث عائشة.

(4) ضعيف: أخرجه ابن ماجه كتاب الطهارة وسننها، باب ما يقول إذا خرج من الخلاء (301)، قال الألباني في صحيح ابن ماجه: ضعيف.

 

 (5) صحيح: أخرجه البخاري في الأدب المفرد (653)، قال الألباني في صحيح الأدب المفرد: صحيح.

(6) محمد بن سعد بن منيع أبو عبد الله البغدادي، كاتبالواقدي. طلب العلم في صباه، ولحق الكبار، وكان من أوعية العلم. ولد بعد الستين ومئة، توفيببغداد سنة ثلاثين ومئتين، وهو ابن اثنتين وستين سنة. له "الطبقات الكبير"، "الطبقات الصغير"، وغير ذلك. انظر: سير أعلام النبلاء (10/ 664 – ترجمة 242)، وفيات الأعيان (4/ 351 – ترجمة 645).

(7) حسن: أخرجهابن سعد في الطبقات الكبرى (7/21) بنحوه، من طريق جعفر بن سليمان.

(8) جعفر بن سليمان، أبو سليمان الضبعي، البصري. الشيخ العالم الزاهد، محدث الشيعة. كان ينزل في بني ضبيعة، فنسب إليهم. أكثر عن ثابت البناني، وكتب عنه مراسيل، فيها مناكير. سنة ثمان وسبعين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (5/ 43 – ترجمة 943)، سير أعلام النبلاء (8/ 197 – ترجمة 36).

(9) ثابت بن أسلم، أبو محمد البناني، مولاهم البصري. الإمام القدوة شيخ الإسلام. وبنانة هم بنو سعد بن لؤي بن غالب، ويقال همبنو سعد بن ضبيعة بن نزار. ولد في خلافة معاوية. انظر: تهذيب الكمال (4/ 342 – ترجمة 811)، وسير أعلام النبلاء (5/ 220 – ترجمة 91).

(10) ذكره البخاري كتاب الوضوء، باب ما يقول عند الخلاء معلقا.

(11) النحل: 98.

(12) سبق تخريجه.

(13) صحيح: أخرجه أبو داود كتاب الطهارة، باب ما يقول الرجل إذا دخل الخلاء (6)، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح.

(14) صحيح: أخرجه الترمذي كتاب أبوا ب السفر، باب ما ذكر في التسمية عند دخول الخلاء (606) بنحوه، قال الترمذي: غريب.. وإسناده ليس بالقوي، قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح.

(15) صحيح: أخرجه الترمذي كتاب الطهارة، باب ما يقول إذا دخل الخلاء (5، 6)، بلفظه، قال الترمذي: حسن صحيح، قال الألباني في صحيح الترمذي: صحيح، من حديث أنس بن مالك.

(16)الحسن بن علي بن شبيب البغدادي، أبو علي المعمري. الإمام، الحافظ، المجود، البارع، محدث العراق. قال الخطيب: كان من أوعية العلم، يذكر بالفهم، ويوصف بالحفظ، وفي حديثه غرائب وأشياء ينفرد بها. وقالالدارقطني: صدوق حافظ. ولد في حدود سنة عشر ومئتين، وتوفي سنة خمس وتسعين ومئتين. انظر: تاريخ بغداد (8/ 359 ترجمة 3845)، وسير أعلام النبلاء (13/ 510 ترجمة 254).

(17)أحمد بن محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن أسباط، أبو بكر الهاشمي الجعفري مولاهم الدينوري، المشهوربابن السني. الإمام الحافظ الثقة الرحال. جمع وصنف كتاب "عمل اليوم والليلة" وهو من المرويات الجيدة. ولد في حدود سنة ثمانين ومئتين، وتوفي في ذي القعدة سنة سبعين وثلاث مئة. انظر: سير أعلام النبلاء (16/ 255 – ترجمة 178)، وطبقات الشافعية الكبرى (3/ 39 – ترجمة 87).

(18) أخرجه الطبراني في الدعاء (356-358، 368)، من طرق عن أنس بن مالك.

 

(19) سبق تخريجه.

(20) يوسف بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، الكوفي، أخوبلال بن أبي بردة. روى عن أبيه أبي بردة بن أبي موسى. ذكره ابن حبان في كتاب "الثقات". قالابن حجر في التقريب: مقبول. انظر: تهذيب الكمال (32/ 413 ترجمة 7128)، والكاشف (2/ 399 ترجمة 6427).

(21)أبو بردة ابن أبي موسى الأشعري، اسمه الحارث، ويقال: عامر بن عبد الله بن قيس، ويقال: اسمه كنيته. تابعي فقيه من أهل الكوفة، وولي القضاء بها، فعزله الحجاج، وولى مكانه أخاه أبا بكر. ذكرهابن حبان في كتاب "الثقات". قالابن حجر في التقريب: ثقة. انظر: تهذيب الكمال (33/ 66 ترجمة 7220) ، والكاشف (2/ 407 ترجمة 6508).

(22) صحيح: أخرجهابن حبان في صحيحه (1444)، الحاكم في المستدرك(1/261)، قالالحاكم: صحيح، قال الذهبي في التلخيص: صحيح،ويوسف ثقة، ابن خزيمة في صحيحه (90)، ابن الجارود في المنتقى(42)، من طريق يوسف بن أبي بردة به.

(23) متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب المظالم، باب قول الله تعالى ﴿أَلاَ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ (2441، 4685، 6070، 7514)، مسلم كتاب التوبة، باب قبول توبة القاتل وإن كثر قتله (2768) بنحوه.

(24) صحيح: أخرجه أبو داود كتاب الأطعمة، باب ما يقول الرجل إذا طعم (3851)، بلفظه، قال الألباني في صحيح أبي داود: صحيح، من حديث أبي أيوب الأنصاري.

 

 (25) صحيح: أخرجه أحمد في المسند (16595، 18970، 23184)، من حديث رجل خدم النبي صلى الله عليه وسلم، قال النووي في الأذكار (681): حسن، وقالابن حجر في فتح الباري (9/581): سنده صحيح.