موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حديث- - لا إنما هو بضعة منك - - شرح بلوغ المرام (الجزء الأول)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح بلوغ المرام (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
  
 
 شرح بلوغ المرام (الجزء الأول)
 كتاب الطهارة
 مقدمة
 خطبة الكتاب
 باب المياه
 حديث "هو الطهور ماؤه الحل ميتته"
 حديث: "إن الماء الطهور لا ينجسه شيء"
 حديث "إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه وطعمه ولونه"
 حديث: "إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث"
 حديث: "لا يغتسل أحدكم بالماء الدائم وهو جنب"
 حديث: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تغتسل المرأة بفضل الرجل"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة"
 حديث: "طهور إناء أحدكم إذا ولغ فيه الكلب أن يغسله سبع مرات"
 حديث: "إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافين عليكم"
 حديث: "جاء أعرابي فبال في طائفة المسجد"
 حديث: "أحلت لنا ميتتان ودمان"
 حديث: "إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه"
 حديث: "ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميت"
 باب الآنية
 حديث: "لا تشربوا في آنية الذهب والفضة"
 حديث: "الذي يشرب في إناء الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم "
 حديث: " إذا دبغ الإهاب فقد طهر "
 "حديث: " دباغ جلود الميتة طهورها
 حديث: "لو أخذتم إهابها"
 حديث "لا تأكلوا فيها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضئوا من مزادة امرأة مشركة"
 حديث: "أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر"
 باب إزالة النجاسة وبيانها
 حديث: "سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخمر تتخذ خلا"
 حديث: "إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية"
 حديث: "خطبنا النبي صلى الله عليه وسلم بمنى وهو على راحلته"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة"
 حديث: "يغسل من بول الجارية، ويرش من بول الغلام"
 حديث: "قال في دم الحيض يصيب الثوب: تحته ثم تقرصه "
 حديث: " يكفيك الماء، ولا يضرك أثره"
 باب الوضوء
 حديث: "لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك مع كل وضوء"
 صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم
 حديث: "إذا استيقظ أحدكم من نومه فليستنثر ثلاثا"
 حديث: "أسبغ الوضوء وخلل بين الأصابع"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلل لحيته في الوضوء "
 حديث: "إن النبي صلى الله عليه وسلم أتى بثلثي مد فجعل يدلك ذراعيه"
 حديث: "أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم يأخذ لأذنيه ماء"
 حديث: "إن أمتي يأتون يوم القيامة غرا محجلين"
 حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله "
 حديث: " إذا توضأتم فابدءوا بميامنكم "
 حديث: " أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين "
 حديث: "ابدءوا بما بدأ الله به"
 حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه "
 حديث: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفصل بين المضمضة والاستنشاق "
 حديث: "ثم تمضمض صلى الله عليه وسلم واستنثر ثلاثا، "
 حديث: "ارجع فأحسن وضوءك"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد "
 حديث: "ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء "
 باب المسح على الخفين
 حديث: "دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح أعلى الخف وأسفله "
 حديث: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا إذا كنا سفرا"
 حديث: "جعل النبي صلى الله عليه وسلم ثلاثة أيام ولياليهن للمسافر ويوما وليلة للمقيم"
 حديث: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب"
 حديث: "إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما، وليصل فيهما"
 حديث: " أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوما وليلة "
 حديث: "يا رسول الله أمسح على الخفين قال نعم "
 باب نواقض الوضوء
 حديث: "كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على عهده ينتظرون العشاء "
 حديث: " لا إنما ذلك عرق وليس بحيض"
 حديث: "كنت رجلا مذاء فأمرت المقداد أن يسأل النبي صلى الله عليه وسلم "
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة "
 حديث: "إذا وجد أحدكم في بطنه شيئا فأشكل عليه "
 حديث: " لا إنما هو بضعة منك "
 حديث: "من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ "
 حديث: "أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم : أتوضأ من لحوم الغنم؟ "
 حديث: "من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ "
 حديث: "ألا يمس القرآن إلا طاهر"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم احتجم وصلى ولم يتوضأ"
 حديث: "العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء "
 حديث: "يأتي أحدكم الشيطان في صلاته "
 باب آداب قضاء الحاجة
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل الخلاء وضع خاتمه "
 حديث: "اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث "
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل الخلاء"
 حديث: "خذ الإداوة فانطلق حتى توارى عني فقضى حاجته "
 حديث: "اتقوا اللاعنين الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم "
 حديث: "النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة "
 حديث: " إذا تغوط الرجلان فليتوار كل واحد منهما عن صاحبه"
 حديث: "لا يمسن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول ولا يتمسح من الخلاء بيمينه "
 حديث: "نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول "
 حديث: " مَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ"
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خرج من الغائط قال: غفرانك"
 حديث: "أتى النبي صلى الله عليه وسلم الغائط "
 حديث: " إن رسول صلى الله عليه وسلم نهى أن يستنجى بعظم أو روث "
 حديث: "علمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخلاء أن نقعد على اليسرى "
 حديث: "إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات "
 حديث: "أن النبي صلى الله عليه وسلم سأل أهل قباء "
 باب الغسل وحكم الجنب
 حديث: " لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه"
 حديث: "استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه "
 حديث: "الماء من الماء "
 حديث: "إذا جلس أحدكم بين شعبها الأربع"
 حديث: "في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال تغتسل "
 حديث: "في المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل قال: تغتسل"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل من أربع"
 حديث: "في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم، وأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل "
 حديث: " غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم "
 حديث: "من توضأ يوم الجمعة فبها، ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرئنا القرآن ما لم يكن جنبا "
 حديث: "إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ بينهما وضوءا"
 حديث: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اغتسل من الجنابة"
 حديث: "قلت: يا رسول الله، إني امرأة أشد شعر رأسي"
 حديث: "كنت أغتسل أنا ورسول الله صلى الله عليه وسلم من إناء واحد"
 حديث: "إني لا أحل المسجد لحائض ولا جنب"
 حديث: "إن تحت كل شعرة جنابة"
 باب التيمم
 حديث "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي"
 حديث: "بعثني النبي صلى الله عليه وسلم في حاجة فأجنبت فلم أجد الماء"
 حديث: "التيمم ضربتان ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين "
 حديث: "الصعيد وضوء المسلم"
 حديث: "أصبت السنة وأجزأتك صلاتك وقال للآخر لك الأجر مرتين"
 حديث: "إذا كانت بالرجل الجراحة في سبيل الله والقروح فيجنب"
 حديث: " انكسرت إحدى زندي فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرني أن أمسح على الجبائر"
 حديث: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه خرقة"
 حديث: "من السنة ألا يصلي الرجل بالتيمم إلا صلاة واحدة"
 باب الحيض
 تعريف الحيض
 حديث: "ولتجلس في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل"
 حديث: "إنما هي ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة "
 حديث: "امكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي فكانت تغتسل لكل صلاة"
 حديث: "كنا لا نعد الكدرة والصفرة بعد الطهر شيئا "
 حديث: " اصنعوا كل شيء إلا النكاح"
 حديث: " كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرني فأئتزر فيباشرني وأنا حائض"
 حديث: "يتصدق بدينار أو بنصف دينار"
 حديث: "أليس إذا حاضت المرأة لم تصل ولم تصم ؟"
 حديث: "افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت"
 حديث: "ما يحل للرجل من امرأته وهي حائض"
 حديث: "كانت النفساء تقعد على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد نفاسها أربعين يوما"
شرح بلوغ المرام (الجزء الأول) - حديث: " لا إنما هو بضعة منك "

حديث: " لا إنما هو بضعة منك "

وعن طلق بن علي -رضي الله عنه- أنه قال: « قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: لا إنما هو بضعة منك »(1) أخرجه الخمسة، وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة. نعم. . اقرأ حديث بسرة:

وعن بسرة بنت صفوان -رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « من مس ذكره فليتوضأ »(2) أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان، وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب.


قال -رحمه الله-: عن طلق بن علي -رضي الله تعالى عنه- قال: « قال رجل: مسست ذكري، أو قال: الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: لا إنما هو بضعة منك »(1) أخرجه الخمسة، وصححه ابن حبان، وقال ابن المديني: هو أحسن من حديث بسرة.

وعن بسرة بنت صفوان -رضي الله تعالى عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: « من مس ذكره فليتوضأ »(2) أخرجه الخمسة، وصححه الترمذي، وابن حبان، وقال البخاري: هو أصح شيء في هذا الباب.

معنى الحديثين:

أن النبي -عليه الصلاة والسلام- سأله رجل ذات مرة عن الرجل يمس ذكره في الصلاة، يعني هل تنتقض بذلك الطهارة أم لا؟ ما الحكم؟ فقال له النبي -عليه الصلاة والسلام-: « إنما هو -يعني الذكر- بضعة منك »(3) يعني جزء من أجزاء بدنك.

فمعنى ذلك أنه كاليد وكالرجل وكالبطن، يعني إذا مسستها فهل عليك وضوء؟ فكذلك هو -يعني الذكر- إذا مسسته في الصلاة فليس عليك وضوء.

ومعنى حديث بسرة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- أطلق القول فقال: « من مس ذكره فليتوضأ »(2) يعني في أي حالة كان إذا مس الرجل ذكره فإنه يجب عليه الوضوء، وهذا يعني أن مس الذكر ناقض للوضوء.

لغة الحديث أو لغة الحديثين:

قوله: مسست ذكرى « قال رجل: مسست ذكري »(1) مسست: المس هو الإفضاء باليد إلى الشيء، فيقال: مسست رجلي إذا أفضيت بيدي إليها، مسست ذكري -إذا يعني يقال: مسست أو تقول: مسست ذكري- إذا أفضيت بيدك إليه، وهكذا مسست الكتاب مسسته إذا أفضيت باليد إليه، فإذن لفظ المس خاص باليد في اللغة.

قوله: "ذكري": الذكر هو معروف: فرج الرجل.

قوله: "بضعة منك": البضعة هي القطعة من الشيء، فالشيء يقسم إلى أبضاع يعني إلى أجزاء، فالبضعة واحدة الأبضاع، يعني واحدة الأجزاء.

فقوله: « إنما هو بضعة منك »(4) يعني جزء منك، والبضعة يصدق على القطعة أيضا من اللحم، فقوله: "بضعة" يعني: قطعة منك، أو لحم من لحم بدنك، ونحو ذلك.

درجة الحديثين:

هذان الحديثان من الأحاديث التي اختلفت فيها أنظار العلماء من المتقدمين والمتأخرين، بين مصحح ومضعف.

والحافظ ابن حجر أشار إليه، أشار لك بالخلاف، فذكر حديث طلق أن ابن المديني -وهو من أئمة الجرح والتعديل، ومن أئمة علل الحديث، ومعرفة الحديث- قال في حديث طلق: هو أحسن من حديث بسرة.

والبخاري رحمه الله -تلميذ ابن المديني لأن علي ابن المديني شيخ البخاري- تلميذ ابن المديني قال في حديث بسرة: هو أصح شيء في هذا الباب.

فأشار الحافظ ابن حجر إلى أن أئمة الجرح والتعديل وأئمة علل الحديث المتقدين قد اختلفوا في هذين الحديثين أيّ هذين الحديثين يُرجح؟

ولهذا نفهم من هذه الإشارة أن الدخول في هذين الحديثين بالبحث المستفيض أنه لا بد أن يتنوع إلى أحد هذين القولين.

فإما أن يكون المُخَرِّج ينصر -مهما جمع من الطرق ومهما علل ومهما أضعف القول الثاني- ينصر قول ابن المديني في أن الترجيح لحديث طلق، أو ينصر قول البخاري في أن أصح شيء في الباب حديث بسرة.

ولهذا نطوي القول عن الترجيح بين القولين، ونقول: كل واحد من هذين الحديثين فيه علة، وهو علة بأشياء، فيحتمل تصحيحه، ويحتمل تضعيفه، ولا ندخل في الترجيح ما بين اختيار ابن المديني وحكمه، وما بين اختيار البخاري وحكمه.

إلا أن أكثر -من جهة الكثرة- أكثر أئمة الحديث على متابعة البخاري، والأخذ بقوله في ترجيح حديث بسرة على حديث طلق بن علي، فإذا اعتبرت الكثرة هنا في التصحيح فإن المصححين لحديث بسرة أكثر ممن صحح حديث طلق بن علي.

من أحكام الحديث:

 

الحديثان -كما ترى- متعارضان ظاهرا؛ فحديث طلق بن علي يقول: إن من مس ذكره فلا يتوضأ، فقال في مس الذكر، والرجل يمس ذكره: « إنما هو بضعة منك »(4) يعني ليس فيه الوضوء.

وحديث بسرة قال: « من مس ذكره فليتوضأ »(2) فهما حديثان متعارضان في اللفظ، فالعلماء اختلفوا في الجمع ما بين هذين الحديثين؛ ولهذا نقدم اختلاف العلماء ثم نذكر بعض قواعد الحديثين:

القول الأول في المسألة: هو أن مس الذكر ليس بناقض مطلقا، يعني سواء أكان مسا في الصلاة أو خارج الصلاة، أكان مسا بشهوة أم بغير شهوة، أكان مسا بحائل أو بلا حائل.

فالقول الأول أن مس الذكر لا ينقض الطهارة مطلقا، وهذا القول مصير من أصحابه إلى الاستدلال بحديث طلق بن علي: « إنما هو بضعة منك »(4) .

قالوا: وإن كان الحديث مورده سؤال عن المس في الصلاة، والذي يصلي يمس من غير شهوة؛ لأنه في عبادة، ويمس أيضا بحائل.

إلا أن حصر النبي -عليه الصلاة والسلام- بقوله: « لا إنما هو بضعة منك »(4) هذا الحصر في قوله: « إنما هو بضعة منك »(4) يقتضي أن هذا الإيراد الذي أورده السائل لا وجه له، يعني من جهة تقييد بعض الصور، فقال: لا، يعني لا تتوضأ، ليس عليه وضوء « إنما هو بضعة منك »(4) .

فقوله: « إنما هو بضعة منك »(4) دل على عدم الوضوء من مس الذكر مطلقا.

والقول الثاني: أن مس الذكر ينقض الوضوء مطلقا، سواء أمسّه بشهوة أم بغير شهوة، لكن لا بد من أن يكون مسيسا بالإفضاء باليد، أما إذا لم يفض بيده بل مسه بحائل فإنه لا يدخل في ذلك، فإذا أفضى بيده إلى ذكره على أي صفة -يعني بباطن كفه- إلى ذكره فإنه ينقض الطهارة.

واستدلوا بحديث بسرة: « من مس ذكره فليتوضأ »(2) ووجه الاستدلال من حديث بسرة أن النبي -عليه الصلاة والسلام- شرط فقال: « من مس »(5) و"من" اسم شرط؛ ولهذا وقعت الفاء في جواب الشرط، و"مس" فعل الشرط، فجعل جواب الشرط مرتبا على فعل الشرط، يعني جعل إيجاب الوضوء والأمر به مرتبا على مس الذكر.

قوله: « من مس ذكره »(2) "مس" هنا فعل ماض، وهو نكرة لأن الفعل يشتمل على حدث وزمان، أي فعل يشتمل على حدث وعلى زمان، الزمان يكون زمانا ماضيا في الفعل الماضي، ويكون زمانا حاضرا في الفعل المضارع أو مستقبلا، ويكون زمانا مستقبلا في فعل الأمر، ويشتمل على حدث، والحدث هو المصدر، والمصدر في الفعل نكرة.

والنكرة في سياق الشرط تعم، يعني من مس بأي نوع من أنواع المس، يعم صور المس، ويمس لشهوة، ويمس لغير شهوة؛ لأنها نكرة في سياق الشرط.

لهذا إذا رأيت في أوجه الاستدلال عند بعض العلماء أنه قال هنا فيه العموم، من أين جاء العموم؟ "مس" هذه نكرة -وإن كانت فعلا- فالفعل مستكن فيه الحدث، الحدث هو المصدر، والمصدر نكرة، إذا كان في سياق الشرط فإنه يعم.

لهذا قالوا بتعميم الأحوال، فإذا مس ذكره فصدق عليه اسم المس بإفضاء اليد إلى الذكر، فإنه ينقض الطهارة مطلقا.

القول الثالث: أن هذه المسألة لما تعارض فيها الدليلان وجب الجمع بينهما، وجب الجمع ما بين حديث طلق وما بين حديث بسرة، وأقرب أوجه الجمع في ذلك أن يقال، وهو قول أصحاب القول الثالث هذا: إنه من مس ذكره بشهوة فليتوضأ.

وسبب هذا الجمع أن الحديث الأول قال: « إنما هو بضعة منك »(4) وهذا جعله كأي قطعة من قطع الجسم أو أجزاء البدن، والثاني فيه إيجاب الوضوء، فلما تعارضا نظرنا في القواعد، ووجدنا أن مس الذكر يكون سببا لخروج المذي إذا كان مسا بشهوة.

فلهذا طبقوا عليه القاعدة التي ذكرت لك أن المظنة تقوم مقام المئنة، وهي قاعدة مستعملة؛ فلذلك فإن مس الذكر إذا كان بشهوة فإن معناه يعني عند غالب الناس -عند غالب الرجال- أنه يكون معه خروج المذي؛ لأن غالب الرجال أنه إذا حصل عنده نوع شهوة فإنه يخرج منه المذي، أو يكون المذي مترددا في جوف إحليله.

لهذا قالوا: إن مس الذكر إذا كان لشهوة فهو مظنة الحدث، وإلا فإن مجرد المس كمس أي جزء من أجزاء البدن، فالتعليل المعقول، والحكمة المدركة تقضي بأن يكون ذلك مقيدا بالشهوة دون غيرها؛ لأجل ألا يلغى قول النبي -عليه الصلاة والسلام-: « إنما هو بضعة منك »(4) .

وهذا مصير منهم إلى اعتبار الحديثين، أو إلى إلغاء الحديثين، مصير من أصحاب هذا القول إلى اعتبار الحديثين فنجمع بينها، أو إلى إسقاط اعتبار الحديثين لأجل أن كل طائفة ضعفت الحديث الآخر، فنرجع إلى القاعدة التي تحكم هذه المسألة.

فلهذا قالوا: يجمع بين الحديثين بهذا الجمع، فيكون أولى على اعتبار أن الدليلين يصلحان للاستدلال.

ثانيا: -يعني بعد الخلاف- أفاد الحديث الأول -وهو حديث طلق بن علي- أن الحركة اليسيرة في الصلاة لا تبطلها؛ لأنه قال: « الرجل يمس ذكره في الصلاة »(1) .

فهي حركة يسيرة قد يحتاج الرجل أن يمس بعض أجزاء بدنه لغرض من الأغراض، لحاجة من الحاجات عنده، وهذه حركة يسيرة، الحركة اليسيرة في الصلاة مأذون بها، كما سيأتي في موضعه في كتاب الصلاة إن شاء الله.

ثالثا: في حديث بسرة -رضي الله عنها- دليل على أن المرأة لها أن تتكلم في شأن الرجال؛ لأن بسرة امرأة، هي بسرة بنت صفوان، وروت حديثا يتصل بحكم يختص بالرجال « من مس ذكره فليتوضأ »(2) .

وهذا لأجل أن المرأة تحتاج إلى معرفة أحكام تختص بالرجال؛ لأنها ربما ترشد زوجها، وربما ترشد ابنها إذا راهق، وربما.. إلى آخره.

فنقل المرأة لأحكام الرجال إذا كان على وجه العلم، وعدم الخنا والضحك في مثل نقل هذه الأحكام، فإن هذا من المحمود في الشريعة، والصحابيات -رضوان الله عليهن- نقلن كثيرا من الأحكام.

وكثير من الأحكام الشرعية للرجال نقلتها عائشة -رضي الله عنها-، واستفاد منها الصحابة فيما ذكرَت من أحكام؛ لأنها عاشرت النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكانت قريبة منه -عليه الصلاة والسلام-.

ولهذا ذكر العلماء وجها حسنا في -يعني هذا الاستطراد- في تعليل زواج النبي -عليه الصلاة والسلام- من عائشة، وهي بنت صغيرة حدثة السن، والنبي -عليه الصلاة والسلام- كان إذ تزوجها نحو الخمسين أو أكثر من الخمسين.

والعلماء ذكروا أوجها: من أحسنها أن الشريعة تكون بالنقل عن النبي -عليه الصلاة والسلام-، ولا بد أن تحفظ الأحكام الشرعية فيما يعانيه المرء في بيته، ومع أهله، ومع نسائه، إلى آخر ذلك.

والمرأة الصغيرة يكون عندها من الاستعداد للحفظ وللفهم، ويكون عندها من الاستعداد لمعرفة الأحكام ما ليس عند المرأة المسنة في ذلك.

والنبي -عليه الصلاة والسلام- لا شك أن له أحوالا كثيرة في بيته -عليه الصلاة والسلام- فيما يتعلق بمعيشته، وما يتعلق بمعاملته لأهله، في العشرة الزوجية، في الجماع، في أحواله، في غسله، في أمور كثيرة، في كلامه مع من يدخل عليه خاصا، في بيته مع النساء، هذا لا بد أن يحفظ عنه -عليه الصلاة والسلام-.

ولهذا العلم المورود عن النبي -صلى الله عليه وسلم- بنقل أمنا عائشة -رضي الله عنها وأرضاها وعن أبيها- علم كثير جدا، إنما حفظ بنقل عائشة -رضي الله عنها-، وسائر أزواج النبي -عليه الصلاة والسلام- كن يحضرن ويسمعن، ولكن لم ينقلن ما نقلت عائشة.

ولهذا استدركت عائشة -رضي الله عنها- على الصحابة مسائل كثيرة، جمعها بعض العلماء في مؤلف مثل: "سهام الإصابة فيما استدركته عائشة على الصحابة" ونحو ذلك من المؤلفات للزركشي وللسيوطي ولغيرهم من أهل العلم.

فاستدركت على الصحابة مسائل كثيرة منقولة، ونقلت من الأحاديث شيئا كثيرا، فأكثر امرأة نُقل عنها الحديث عائشة -رضي الله عنها-، بل نافست في ذلك كبار الصحابة العلماء -رضي الله عنهم أجمعين-.

إذن هذا فيه من الفوائد أن المرأة حدثة السن تتحمل من العلم ما لا يتحمله غيرها.

ولذلك قد يخطئ بعض الآباء وبعض الأمهات أنه من المسائل الشرعية لا يرعون لجانب الأولاد بالا، فيتكتمون عنهم في المسائل، ولا يلقون العلم عليهم بقوة وبوضوح، والعلم وإن لم يكن الصغير يهتم به لكنه يتلقاه.

ولهذا ينبغي للأب وللأخ ألا يحرموا الصغار من العلم؛ فإنهم ربما حفظوا، وربما أدركوا وانتفعوا، ولا يهلك العلم حتى يكون سرا.

فإذن الصحابيات -رضوان الله عليهن- تكلمن في مسائل العلم، وحفظن أشياء مما يتعلق بالرجال، كما دل عليه حديث بسرة -رضي الله عنها- نعم.


(1) الترمذي : الطهارة (85) , والنسائي : الطهارة (165) , وأبو داود : الطهارة (182) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (483) , وأحمد (4/23).
(2) الترمذي : الطهارة (82) , والنسائي : الطهارة (164) , وأبو داود : الطهارة (181) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (479) , وأحمد (6/406) , ومالك : الطهارة (91) , والدارمي : الطهارة (724).
(3) الترمذي : الطهارة (85) , والنسائي : الطهارة (165) , وأبو داود : الطهارة (182) , وأحمد (4/22).
(4) الترمذي : الطهارة (85) , والنسائي : الطهارة (165) , وأبو داود : الطهارة (182) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (483) , وأحمد (4/22).
(5) البخاري : اللباس (5799) , ومسلم : الطهارة (274) , والترمذي : الطهارة (98) , وأبو داود : الطهارة (151) , وابن ماجه : الطهارة وسننها (545) , والدارمي : الطهارة (713).