موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - أصحاب البدع - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - أصحاب البدع

بسم الله الرحمِن الرحيم، الحمد لله ربّ العالمين، والصّلاة والسّلام على أشرفِ الأنبياءِ والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين وجميع المسلمين

قال المؤلفُ رحمهُ الله تعالى:

ولأصحاب البدع وألقاب وأسماء لا تشبه أسماء الصالحين ولا الأئمة ولا العلماء مِن أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، فمِن أسمائهم:

المرجئة: وهم الذين يزعمون أنّ الإيمان قول بلا عمل، وأنّ الأيمان قول؛ والأعمال شرائع، وأنّ الإيمان مجرد، وأنّ الناس لا يتفاضلون فِي الإيمان، وأنّ إيمانَهم وإيمانَ الملائكة والأنبياء واحد، وأنّ الإيمانَ لا يزيد ولا ينقص، وأنّ الإيمان ليس فيه استثناء، وأنّ مَن آمن بلسانه ولم يعمل؛ فهو مؤمن حقًا، وأنهم مؤمنون عند الله بلا استثناء، هذا كله قول المرجئة، وهو أخبثُ الأقاويل وأضلُّه وأبعدُه مِن الهدى.


الحمد لله وصلّى الله وسلّم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين أما بعد

يقول رحمه الله تعالى: "ولأصحاب البدع نبذ وألقاب" سنتكلم بإذن الله عزّ وجلّ بشيء مِن التفصيل عن الفِرَق ونشأتها وأسباب ظهورها وموقف الصحابة رضي الله تعالى عنهم والسلف منهم حين خرجوا، نظرًا للأهمية البالغة لهذا الأمر ولِيربط المتأخرون بالمتقدمين؛ فالمتأخرون مِن أهل الضلال والبدع اليوم هو كما تقول العرب: "لكل قوم وارث" هم امتداد لأناس ممن قبلهم، يأتي بحول الله عزّ وجلّ التفصيل لهذه الفِرَق، فأول ما نبدأ به حديث الافتراق، جاء عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن غير وجه أنه قال: «ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فِرْقَة» (1) وفي بعض الألفاظ: «على ثلاث وسبعين مِلّة، كلها في النار إلّا واحدة»(2) فدلَّ على أنّ الذي وقع فيمن قبلنا مِن الأمم سيقع فينا لأنه صلّى الله عليه وسلّم قال: «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فِرْقَة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فِرْقَة، وستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فِرْقة، كلها في النار إلّا واحدة»(3)، سُئِلَ عليه الصّلاة والسّلام عن هذه الواحدة فقال: «هي الجماعة»(4) وفي بعض الألفاظ أنه قال: «مَن كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي»(5)، مِن فقه الصحابة رضي الله عنهم وعِلْمِهم ودِقَّة فهمهم أنهم ما سألوا عن الثنتين وسبعين، وإنما سألوا عن الناجية، أما الهلكى كثر ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ(6)، ﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(7)، ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ(8)، فلا تنظر أنت إلى مجرد الكثرة، انظر إلى الحق والصواب، الحق والصواب لا يمكن أنْ يعدو النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ومَن كان على هديه، فمَن كان على طريقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فهو الذي على الحق وإنْ كانت أعدادُ المخالفين كثرة كاثرة، والعبرة بالحق الأول ولهذا قال ابن مسعود رضي الله عنه: «إنكم ستُحْدِثُون ويُحْدَثُ لكم؛ فعليكم بالأمر العتيق»(9) يعني القديم، إذا جاءت هذه البدع والإحداثات فعليكم بالقديم الأول السابق الذي كنتم عليه والذي عرفتم عليه سلفكم الصالح، أمّا ما يحدث وهو كثير جدًا، العالم الآن يموج بأنواع مِن الضلالات، يعجب العاقل - سبحان الله العظيم - يعجب غاية العجب كيف يوجد أنصار لأصحاب هذه الفكرة، فكرة لا تجري إلّا على أشباه المجانين، وتجد لها مِن الأنصار ما يصل إلى الملايين! فالعبرة لمّا قلنا: إنَّ الصحابة رضي الله عنهم مِن فقههم أنهم لم يسألوا عن الهلكى، الهلكى كُثُر، وإنّما سألوا عن الفرقة التي تنجو حتى تُعلم وتتحدد، فمن كان على خلاف هذه الفرقة فهو مِن الهالكين، فلمّا قيل: مَن هي يا رسول الله؟ مَن الناجية؟ قال: «الجماعة» والجماعة هي الجماعة الأولى جماعة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، طبعًا هي الناجية، عند الجميع لا أحد يستطيع أنْ يقول: إنّ الجماعة التي كانت زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هالكة، فيُقال: كل مَن مضى على منوال تلك الجماعة فهو قطعًا ناجٍ، ومَن خالف تلك الجماعة وأتى بالإحداث والبدع فهو مِن ضمِن الفِرَق الضالَّة.

هذا في أول ما ينبغي التفطن له حديث الافتراق له أهمية، لأنّه أخبر أنّ الضلال سيفشو وينتشر ويكثر أتباعه حتى يكونوا بهذه الأعداد الغفيرة في الأمة، أمّا مَن ينجو فهو الذي يلزم طريقة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأصحابه رضي الله تعالى عنهم ويسلك عليه حتى يلقى الله تعالى ثابتًا ولا يكترث ولا ينظر، ولهذا قال السلف: "عليك باتباع مَن سلف ولا تستوحش مِن قلة السالكين" لا يستوحش الإنسان أنّ العدد قليل، ما ذكرناه مِن الآيات والنصوص الدالة على أنّ الكثرة هالكة - نسأل الله العافية -، وقال الله عزّ وجلّ: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ(10) وقال: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(11) فعلى طالب العلم وعلى مَن أراد النجاة لنفسه بعد أنْ عَلِمَ أنّ النجاة فيمن كان على مثل ما عليه النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ يحرص على التعلّم والتزوّد حتى يكون على بصيرة، لأنّ جميعَ الفِرَق الضالّة - كل هذه الفِرَق الضالّة - تدّعي كل فرقة أنّها هي الناجية وأنّ مَن سواهم هم الهالكون، وهذا أمر سهل أنْ يُدَّعى، لكنّ العبرة بأنْ يكون هذا الأمر عن علم وبصيرة، أمّا الدعوة فقط؟ طبعًا هو لم يجمع أحدًا حوله ويدّعي أنّه على صواب وعلى هدى إلّا وهو يزعم أنّه الناجي وأنّ مَن سواه هالك، هذا فيما يتعلق بالمقدمة الأولى.

المقدمة الثانية: ما أول الفِرَق ظهورًا؟ أول ما نشأ في الأمة مِن البدع فرقتان متقابلتان، نشأت فرقة الخوارج الأوائل وهم المسمون بـ "المُحَكِّمَة الأولى" وكان خروجهم على عليّ رضي الله عنه وأرضاه وقتالهم له واضح، لكنّ الحقيقة أنّ الخوارج قتلوا عثمان رضي الله عنه وأرضاه؛ فكانت البذرة الثانية لهم في زمن عثمان حين دهموا المدينة وحاصروا بيت عثمان رضي الله عنه وأرضاه، وعرضوا مطالب معينة، منها أنْ يتنازل عن الخلافة، وأخبره عليه الصّلاة والسّلام أنّ هذا حاصل له ونهاه عن أنْ يتنازل عن الخلافة وقال: «إِنِ اللهُ قمّصك قميصًا فأرادك المنافقون على خلْعِه فلا تخلعه»(12) وهذا هو السبب في إصرار عثمان على أنْ لا يتنازل عن الخلافة، بخلاف ما يقوله الجهلة الذين بلغ بهم الأمر أنْ يقولوا: إنّ عثمان ما كان ينبغي أنْ يُصرّ على منصب الخلافة! ولمّا وصلت الأمور إلى ما وصلت إليه كان ينبغي أنْ يتنحّى! يظنون المسألة ألعوبة! المسألة فيها نص نبوي، فيها نهي نبوي لعثمان رضي الله عنه أنْ لا يتنازل، وفيه حكمة كبيرة جدًا، إذا كانت المسألة ستكون عند الرعاع وأهل الفوضى والهمج كلما غضبوا على وليّ الأمر دهموا بيته وقالوا: له تنازل، فإذا تنازل ماذا يحدث؟ لا يكون في الأمة حاكم، مَن يمكن أنْ يحكم، هذا المُعَبّر عنه في عُرْفِ السياسيين بالفراغ السياسي، يحصل هناك فراغ، ماذا يمكن أنْ يحدث؟ يمكن أنْ يحدث كل شيء، يمكن أنْ يتفرّق البلد إلى عدّة بلدان، يمكن أنْ تدبّ فوضى عارمة وهائلة لا يُدرى متى تنتهي، قد تكون لسنين متطاولة، ويُهلك الناسُ بعضُهم بعضًا، ويأكل قويهم الضعيف كما كان في الجاهلية، فأصرّ عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه على هذا لنهي النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم له عن أنْ يتنازل، وسمى النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم هذا المنصب سماه بالقميص الذي قمّصه اللهُ تعالى عثمانَ، وهو منصب في وِلاية الأمر لا يصلح أنْ يكون ألعوبة يتلاعب به الرعاع والهمج! كلما أراد أحد أنْ يسقط حاكمًا دهم بيتَه وحاصره وقال: تنازل وإلّا قتلناك! ولهذا قال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: "أتريدون أنْ تكونوا مثل فارس والروم؟ كلما غضبوا على ملك قتلوه!"(13) يعني هذه سُنَّةُ الكفّار، إذا غضبوا على ملوكهم وعلى ولاة أمرهم قتلوهم وحاصروهم وداهموهم، أما أهل الاسلام فتقدم بالتفصيل ما الواجب في حال وجود شيء مِن مظالم ولاة الأمور، هذا أمر يتعلق بهذه الفِرَق، وبه يُعلم أنّ السبب في موقف عثمان رضي الله عنه في إيذائه حتى قُتل رضي الله عنه وأرضاه أنّه كان قد ذاد عن أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، وكان ذلك على حساب فوات نفسه وقتله شهيدًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فلمّا خرج الخوارج - في أول ما خرجوا - بداياتهم هو دهمهم المدينة وقتلهم لعثمان رضي الله عنه، ثمّ إنّهم مِن شرهم وفسادهم العظيم انضمّوا وأظهروا الانضمام إلى جيش عليّ رضي الله عنه وأرضاه، ثمّ تمنّعوا على عليّ رضي الله عنه وكفّروه كما كفّروا عثمان قبله، وانحازوا إلى بلد يسمى حَروراء - كما سيأتي إنْ شاء الله في الكلام عن الخوارج - إلى أنْ قاتلهم عليّ رضي الله عنه في آخر الأمر وأباد خضراءهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ثمّ إنّهم - وهذه مسألة في الخوارج يظنون أنّ الحل لأوضاع الأمة هي في الاغتيالات - اتّفق ثلاثة منهم على أنْ يغتالوا ثلاثة رؤوس مِن المسلمين معاوية وعليًا وعمرو بن العاص، فالذي أراد اغتيال معاوية ضربه ضربةً غير ماضية - وكلهم اتفقوا أنْ يقتلوهم في صلاة الفجر - لأنّ صلاة الفجر فيها كما تعلم اختلاط الظلمة، فأرادوا أنْ يكون قتل هؤلاء الثلاثة، واتفقوا على أنْ يكون قتْلُهم في يوم واحد، لأنّهم يرون أنّ قتل الحُكَّام وقتل ولاة الأمور هو الذي يزيح مشاكل الأمة، وإلى الآن وهذا هو فكر الخوارج، لاحظ أنّهم حين يُعَبِّرون أنهم يقولون: الحُكَّام هم السبب في الإشكال؛ فلو أزيل الحُكَّام زالت مشاكل الأمة! ولا يعلمون أنّ الأمر كما قال شيخ الإسلام أنّ الأمر في تولية ربّ العالمين للحكّام هو بحسب ما في الرعيّة، فبحسب النقص الذي في الرعيّة يكون حالُ حكّامها؛ وأنّ النقص ناشئ مِن الرعيّة والحُكَّام على حدٍّ سواء وأنّ الله تعالى يسلّط الحُكَّام إذا سلّطهم لنقص في الرعيّة أنفسِهم، حتى قال شيخ الإسلام واستدلّ بقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا(14) ذكر هذه الآية في هذا الموضع، قال: إنَّ تسليط الحُكَّام هو لفسادٍ في الرعيّة، وهذا أمر لا يحب كثيرٌ مِن الناس أنْ يقال، وهذه هي الحقيقة والسُّنَّة الإلهية أنّ الله تبارك وتعالى إنّما يسلط هؤلاء لفسادٍ في الرعيّة، وإذا صار في الحُكَّام نقصٌ فلنقصٍ في الرعيّة، وإذا صَلُح حالُ الرعيّة أصلح اللهُ تعالى حالَ الحُكَّام، لأنّ الحُكَّام والمحكومين هم قطبا الجماعة كما قلنا، فتأثر أيّ طرف سلبًا أو إيجابًا ينعكس على الجماعة عمومًا، لأنّ الجماعة لا يمكن أنْ يقال: نحن الجماعة والحُكَّام لا شأن لنا! مستحيل هذا الكلام، لذا قال عمر رضي الله تعالى عنه: "إنّه لا جماعة إلّا بإمارة" لا يمكن أنْ توجد جماعة إلّا إذا كان هناك ولاية "ولا إمارة إلّا بطاعة"(15) لا يمكن أنْ يكون هناك إمارة وتستقر الوِلاية إلّا إذا كان هناك طاعة مِن قِبَل الرعيّة، ثمّ إنَّ هؤلاء الخوارج كَمَنوا لهؤلاء الثلاثة رضي الله عنهم، أمّا الذي كَمَن لعليّ فهو عبد الرحمن بن ملجم، وجاء فيه الحديث أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعليّ رضي الله عنه: «أشقاها يا عليّ الذي يضربك على هذا - يشير النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى رأسه - فيسيل الدم على هذه - يعني لحيته»(16) وكذلك كان، فإنه ضربه – قاتله الله - ضربه على رأسه فسال الدم على لحيته؛ فلم يمكث إلّا ثلاثة أيام ثمّ لقي الله شهيدًا رضي الله تعالى عنه وأرضاه، الذي أراد اغتيال معاوية في نفس اليوم ضربه ضربةً لكنّها غير ماضية، ضربه على أسفل ظهره فانقطع منه النسل لكن لم يمت منها، الذي أراد معاوية في الشام وعليًّا في العراق وعمرو بن العاص في مصر؛ الذي أراد قتْل عمرو في نفس اليوم اتجه إلى الإمام الذي يصلي وقتله، وكتب الله أنّ عمرًو غاب عن صلاة الفجر ذلك اليوم وصلى خارجة، فقال الخارجيُّ: "أردتُ عمرًا وأراد الله خارجةً" فصارت مثلًا في العرب، يعني يقول: أنا أردتُ أن أقتل عمرو بن العاص؛ وقدّر الله أنّ عمرًو لا يصلي بهم الفجر في ذلك اليوم، تظنّ الخوارج أنّ هذه الاغتيالات هي السبيل والطريق السليم لإنهاء مشاكل الأمة، وهي التي تُفاقم في الواقع، تفاقم الأمور على عكس ما يظنّون، لكن مَن قال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فيهم: «سفهاء الأحلام وحدثاء الأسنان»(17) لا يُستغرب منهم هذا، الخوارج لمّا بالغت في شأن عليٍّ رضي الله عنه بالذّم والقدح قابلتهم الرافضةُ، وكانت بداياتهم بداياتُ مَن يريد تعظيم عليّ رضي الله عنه وذبَّ عن مقامه؛ وأنّ عليًا رضي الله عنه ليس كما تقول الخوارج في تكفيره والإساءة إليه ونحو ذلك، لكن زاد الأمر عند الشيعة حتى وصلوا إلى حدود تأليهه من دون الله - كما سيأتي بإذن الله تعالى شرحُه -، خرج بعد ذلك القَدَرِيّة، القَدَرِيّة هم نفاة القَدَر والمقصود بهم نفاة القَدَر الأوائل – معبد الجهني وغيلان كما ذكرنا - وهؤلاء أبادهم بنو أمية، بعد ذلك خرجت بدعة إنكار الصفات، وأول مَن أنكر الصفات الجعد بن درهم، وكان له أتباع يسمون الجعدية، ومنهم الجهم الذي تعلّى على شيخه وصار أشهر منه، وصار زعيم الجهمية، هؤلاء يقوم مذهبهم على إنكار الصفات، ولهذا قُتل الجعد بن درهم يوم عيد الأضحى، تعمّدوا أنْ يقتلوه يوم عيد الأضحى، وقال القسريُّ: "ضحّوا تقبّل الله ضحاياكم؛ فإني مضحٍ بالجعد بن درهم، إنّه زعم أنّ الله لم يكلم موسى تكليمًا؛ ولم يتّخذ ابراهيم خليلًا!!"(18) تعالى الله عمّا يقول الجعد علوًّا كبيرًا، لأنه كان ينفي صفة الخلّة - يعني المحبّة - وينفي صفة تكليم الله تعالى لموسى، وهكذا كان يقول بالمقولة الخبيثة التي قالت بها الجهمية لاحقًا والمعتزلة في القرآن، فقُتل ولم يُمهل، كان قتْلُه بفتوى أهل العلم، لأنّ مقولته مقولة يستحق عليها القتل وكذلك كان، ثمّ تلوّنت البدع وتداخلت، وهذه مسألة ينتبه لها طالب العلم، تداخلت كثير مِن الفِرَق في بعضها – كما سيأتي الكلام إنْ شاء الله على الفِرَق لاحقًا -، تداخلت الكثير مِن الفِرَق في بعضها، وذلك أنّ الفِرَق ليس لها منهج علمي ثابت، فليست قائمة على أساس علمي مِن القرآن السُّنَّة وعلى فهمٍ سليم فهمه السلف! وإنّما هذه الفِرَق تنشأ ويؤثّر فيها تيار أو شخص معيّن ثمّ يأتي تيار أو شخص أشهر مِن السابق فيؤثر فيها؛ فيأخذ آراءً مِن هنا وهذا يأخذ آراءً مِن هنا، ولهذا تجد الفِرْقة الواجدة لا تثبت على قول، تجد أنّ الأقوال تتلوّن - كما سيأتي إنْ شاء الله التمثيل عليه في بعضها -، معظم هذه الفِرَق تنسب إلى شخص، فالجهمية منسوبة إلى الجهم بن صفوان، الجعدية منسوبة إلى الجعد بن درهم، والأزارقة منسوبة إلى نافع بن أزرق، النجدات منسوبة إلى نجدة الحَروري، الإباضية منسوبة إلى عبد الله بن إباض، وهكذا، فإمّا أنْ يُنسبوا إلى أشخاص - وهم الذين أتَوا بالبدعة -؛ وإمّا أنْ يُنسبوا إلى بدعتهم نفسها، كأنْ يُنسب الخوارج - هذه النسبة - لأنهم يرون الخروج على ولاة الأمور بالسيف، وكأنْ يسمى المعتزلة بالمعتزلة لاعتزالهم - كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى - حلْقَة الحسن وبدايات الضلال مِن طريق واصل وعمرو بن عبيد فيما بعد وهكذا، فإمّا أنْ يُنسبوا إلى شخص وإمّا أنْ يُنسبوا إلى نفس المقالة التي يقولون بها، وذلك أنّ أئمّة الضلال - كما قال شيخ الإسلام كلمة عظيمة جدًا – يقول: أئمّة السُّنَّة ليسوا كأئمّة البدعة، فأئمّة السُّنَّة تُنسب إليهم السُّنَّة لأنّهم مظاهر ظهرت فيهم السُّنَّة، وأئمّة البدعة تُنسب إليهم البدعة لأنّهم مصادر صدرت عنهم البدعة، فَرْقٌ كبير، يعني أحمد بن حنبل يُقال: إمام أهل السُّنَّة، لِمَ؟ هل لأنّه اخترع السُّنَّة؟ لا، لكن لأنّه ظهرت فيه السُّنَّة وصار إمامًا كما قال الله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا(19)، وصار إمامًا في زمنه لأهل السُّنَّة، الشافعيُّ إمام لأهل السُّنَّة، مالك إمام لأهل السُّنَّة، البخاري إمام لأهل السُّنَّة وهكذا، لأنهم يستمسكون بالسُّنَّة فيكونون أئمّةً فيها، فهم مظاهر ظهرت فيهم السُّنَّة، في كل أمورهم، سواء في عباداتهم أو في اعتقادهم أو في معاملاتهم، هم على السُّنَّة، يقول: أمّا أهل البدع فمصادر صدرت عنهم البدعة، هم الذين اخترعوا البدعة، فبدعة الاعتزال صدرت عن واصل، بدعة التجهّم صدرت عن الجهم وهكذا، فهم أئمّة فيها لأنّهم صدرت هذه المقالات عنهم وبئست الإمامة.

هل لهذه الفِرَق وجود الآن أو هذا تاريخ قديم لا حاجة إلى أنْ يذكر ولا سيما هو تاريخ سيء - تاريخ الفِرَق الضالّة تاريخ سيء - لماذا يُذكر؟ هذا ما يثيره بعضُهم، وهو دالّ على عدم الإلمام وعدم الفهم - لا لواقع الأمة مِن جهة؛ ولا لواقع المقالات -، لأنّ الناس في بعض الأحيان يستمع الواحد منهم كلمة فلا تحرك فيه ساكنًا ولا يدري أنّ هذه الكلمة أصلها مِن الخوارج، يستمع كلمة فلا تحرك فيه ساكنًا ولا يدري أنّها مِن مقالات المرجئة، نعطيك مثالًا، كثير مِن الناس إذا قيل له: اتّقِ الله، اترك عنك المعاملات المحرّمة، حافظ على الصلوات، اترك عنك الغفلة وهذه الإضاعة، يقول: الله غفورٌ رحيم، لا تشدّد، اتركونا مِن هذا التشديد وهذه المبالغة، أهمّ شيء الإيمان، انظر العبارة، إذا وُجِدَ الإيمان فالله غفورٌ رحيم، تدري أنّ هذه مقالة المرجئة؟ لكن لا يدري هذا العامّي، لأنّ المرجئة تقول: الإيمان لا يضرّ معه معصية! فهذه المقالة تسربت إلى الناس وهم لا يشعرون، فتجد واحدًا مِن عوام أهل السُّنَّة لكنه يقول مقالات لا يشعر بها، عبارات أخرى تجد أصلها مِن الخوارج، في المبالغة في النظر إلى العاصي والقول بأنّ بعض المعاصي لا يفعلها إلّا كافر! كأنْ نسمع مثلًا أنّ رجلًا قتل أباه - نسأل الله العفو - وهذ منكر عظيم، يقول: هذا ليس بمسلم! هذا لا يمكن أنْ يكون مسلمًا أبدًا! هذا كافر! ماذا فعل هذا؟ كفّر بالذنب كما أنّ الأول قال بمقولة المرجئة، بعض الناس إذا ذُكر عمرو بن العاص أو معاوية رضي الله عنهما نال منهما دون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي، هذه مقالة شيعية رافضية، وهكذا فيتسرب إلى الناس إما مِن خلال التقاء الناس بهذه الفِرَق الضالة أو مِن خلال القراءة مِن قِبَل مَن لا يحسن ولا يفهم في كتب ومواقع أو النظر إلى هذه المناظرات التي يقوم بها أهل الضلال، وبعض الناس عنده فضول يحب أنْ يطّلع يقول: أريد أنْ أطّلع ما الذي عند الرافضة؟ ما الذي عند الملاحدة؟ ما الذي عند النصارى؟ فيؤدي هذا به إلى أنْ تتسرب إليه جملة مِن الشُبَه يعجز عن حلّها؛ وتبقى هذه الرواسب عنده مؤثّرة في اعتقاده - سواء صرّح بها أو لم يُصرّح -، الحاصل أنّ هذه الفِرَق موجودة، وبعضها لا يزال باسمه موجودًا، وبعض الفِرَق إنْ اندثر الاسم - ولا سيما المعتزلة - فإنّ مقالتها كما سيأتي إنْ شاء الله تعالى قد أخذتها جملة مِن الطوائف، ولهذا الجهم بن صفوان هل هناك شخص الآن ينتمي إلى الجهم بن صفوان؟ لا يوجد شخص الآن يقول: أنا أنتمي إلى الجهم بن صفوان، الجهم بن صفوان مقالاته انتشرت في الفِرَق، ولم يَسْلَم مِن مقالات الجهم بن صفوان - وهو مِن العجائب - لم تسلم مِن مقالاته أي فِرْقَة ضالّة، يقول ابن القيّم رحمه الله تعالى في مقالات الجهم بن صفوان بعد أنْ ذكرها واستفحالها وانتشارها فقال: "ولذا تقاسمت الطوائف قوله ... وتوارثوه إرث ذي السهمان، لم ينج مِن أقواله طرًا سوى ... أهل الحديث وشيعة القرآن"(20) يعني ما نجا منه إلّا أهل السُّنَّة، أمّا البقية فإنك تجد مقالات الجهم بن صفوان عند المعتزلة مع أنّ المعتزلة عادَوا الجهم بن صفوان، تجد مقالات الجهم بن صفوان عند الماتريدية وعند الأشاعرة، تجدها عند بلدان الخوارج مِن الإباضية في عُمَان وغيرها، تجدها لا تزال موجودة عند طائفة كبيرة مِن الصوفيّة في أصل مقالة الجهم بن صفوان في ربّ العالمين سبحانه وتعالى وهكذا، فتوارثوها إرث ذي سهمان، فلا يدري بعضهم أنّ هذه المقالة أصلًا مِن الجهم بن صفوان، لكنَّ مقالاته انتشرت، العبرة يا إخوة ليست بالاسم! العبرة بالاعتقاد الفاسد، وهو موجود في هذه الفِرَق الضالّة - نسأل الله العفو والعافية -، ولهذا التنبيه على خطر الفِرَق وتوضيح مقالاتها والردّ عليها في غاية الأهمية، وما يظنّه بعضهم مِن أنّ هذه الفِرَق الآن تاريخ قديم وليس له وجود! هذا مِن قلّة بصيرتك ومِن قلّة درايتك، ما سيأتي إنْ شاء الله عند ربط هذه الفِرَق ببعضها.

هذه مقدمّة نحب أنْ نذكرها بين يدي الكلام على الفِرَق الضالّة لأنّ هذه الفِرَق صارت لها ألقاب ونبذٌ تُنبذ به، تُعرف بهذا اللقب الذي تلقّب به وبهذه التسمية التي تسمى بها.

"لا تشبه أسماء الصالحين" أسماء الصالحين التي ذكرها الله تعالى أسماء الإيمان وأسماء الإسلام وأسماء السُّنَّة ونحوها لا تجد هذه الأسماء فيهم، لا تشبه أسماء الصالحين ولا الأئمّة ولا العلماء مِن أمة محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، وهنا ننبّه كلَّ مَن يتّقي ربّ العالمين مِن أهل السُّنَّة ولا سيما في أوقاتنا هذه ليتّقِ الله عزّ وجلّ أنْ يسميَّ سُنيًّا بغير السُّنَّة، أنت الآن تسمع الكلام الخطير في موضوع الفِرَق، انتبهوا يا إخوة لهذه التصنيفات الفاسدة التي أضلّ بها الشيطانُ كثيرًا مِن الناس، الآن هذا التنابذ الموجود بين الكثير مِن شباب السُّنَّة لا يدرون بخطورته، لأنّ النبذ لا يكون للسُّنِّيّ، السُّنِّيّ لا ينبذ لأنّ السُّنِّيّ سُنِّيّ، فإنْ أخطأ يقال: هو أخطأ في كذا، يحدد، لكن إذا نبذته باسم كأنْ تقول: إنه جهمي، إنه مرجئ، إنه خارجي، أنت الآن أخرجته مِن السُّنَّة، ذكرنا في بعض الدروس القريبة الآن، الخارجي شرعًا إذا ثبت عند القاضي أنّه خارجي ما حكمه؟ واضح في الشرع، الخارجي يقتل؟ والنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أَمَرَ بقتلهم بقوله: «اقتلوهم أينما لقيتموهم»(21)، «لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد»(22) فأنت إذا قلت لشخص أنه خارجي فأنت تشيط بدمه، تقول: يستحق القتل! كما أنّه الخارجي إذا قال: إنَّ هذا ارتد وكفر يشيط بدمه! يعني أنّه مرتد يستحق القتل، فلا تتساهلوا في الإطلاق، وهذه التسميات الجديدة الآن التي صار يتقاذف بها الشباب فيما بينهم، وللأسف الشديد، الشباب ما تقاذفوا إلّا بعد ما تقاذف الدعاة، يعني هذا التقاذف الذي صار بين الشباب ما أتى مِن أنفسهم، وإنّما صار لمّا الدعاة يتقاذفون بها، والعجيب أنّ بعضهم يطلق ألفاظًا خطرة جدًا فيقرن بين لفظ مِن ألفاظ المذاهب الحديثة مثل العلماني والليبرالي ويدخله في هذه الألفاظ الجديدة، صار يتّهم هذا بأنّه ليبرالي وأنّه علماني وهو يعرف أنّ العلمانية والليبرالية مِن هذه المذاهب الفظيعة الخطيرة التي أتت مِن مذاهب أهل الإلحاد، فصار يستسهل كثير مِن الناس مثل هذه الإطلاقات فلا يدرون، يقول الإمام مالك رحمه الله تعالى لمّا سُئِل مَن أهل السُّنَّة؟ قال: "الذين ليس لهم لقب يُعرفون به، هؤلاء هم أهل السُّنَّة"(23) قيل له: ما السُّنَّة؟ قال: "ما ليس له اسم إلّا السُّنَّة"(24)، السُّنَّة ما لها اسم إلّا السُّنَّة، طيب مَن هم أهل السُّنَّة؟ قال: السُّنَّة لا نحتاج أنْ نعرّفهم! لأنّ أهل السُّنَّة الذين ليس لهم لقب يعرفون به لا رافضي ولا جهمي ولا غيره، فإذا صار أهل السُّنَّة فيما بينهم يلقب بعضُهم بعضًا بفِرَق الضلال هذه؛ معنى ذلك أنّ الإحداث دخل بين نفس أهل السُّنَّة، فإنْ قلتَ: هو يقول مقالة خاطئة! نقول: لا تسكت على المقالة الخاطئة، لكن يوجد فَرْق كبير جدًا بين أنْ تقول هو أخطأ في كذا وبين أنْ تخرجه مِن السُّنَّة، أو أنْ تلقّبه بلقب تُشعر بأنّه ليس مِن أهل السُّنَّة، لأنّ معلوم أنّ أهل السُّنَّة لا يُسمون بهذه الأسماء الجديدة، إذا نبذ بعضُهم بعضًا بهذه الإطلاقات يشعر كل أحد أنّه ليس مِن أهل السُّنَّة، لأنه لو كان مِن أهل السُّنَّة لمّا سُمي باسم جديد مِن هذه الأسماء، فانتبهوا وتفطّنوا لأنّ الله تعالى سائلٌ العباد عمّا قالوا، والقدح في العقيدة والدِّين أخطر مِن قدحك مثلًا في أمانته وكونه أمينًا على المال أو نحوه، أنت تقدح في اعتقاده الآن! فتفطّنوا ولا تغتروا، وأقولها بكل وضوح وصراحة ليهتم الإنسان بمقامه بين يدي الله ولا يغتر بالداعية فلان أو غيره ممن دخلوا في هذه الأمة، أناس نعم شابتْ لحاهم؛ عجز عنهم أهل العلم، انطلقوا في هذه المقالات وزيّنها الشيطان لهم حتى إنّهم غفلوا عن الدعوة إلى الله! وغفلوا عن تعلم العلم! أنت لا تكترث بمثل هذا، إذا كان عنده علم تعلّم منه، وخُذْ منه العلم الذي عنده، لكن لا تكن إمّعة، ثم إنّ الله عزّ وجلّ خلقك لتكون تابعًا لرسول الله صلّى الله عليه وسلّم لا أنْ تكون تابعًا لفلان أو لفلان حتى لو كان صالح العمل، حتى لو كان ذا جهدٍ في الدعوة إلى الله، ما أحدثه هؤلاء – للأسف - الذين كَبُرَتْ أسنانهم وأبوا إلّا الاستمرار في هذه الفتنة التي فرّقت بين شباب السُّنَّة؛ نقول: تعلّم العلم، خُذْ أصول الفقه، خُذِ الحديث، خُذِ التفسير، خُذِ النحو، وتبقى لك شخصيتك، لا تَذُبْ في أحد، عندك علماء كبار فطاحلة تأمل هل هم يقولون هذه المقالات؟ هناك مِن العلماء يتجنبون مثل هذه التسميات، لأنه يا إخوة دائمًا مَن أراد أنْ يتسمى باسم وينتسب إليه إذا تسمى به وقال: أنا مِن جماعة معيّنة وسمّى نفسه باسم هذا سمّى نفسه الآن، انتهى وضعه الآن، هو رضي لنفسه بالتسمية، لكن مَن لا يتسمّى باسم ويُراد أنْ يُقحم في اسم ويُنبذ بنبذ ثم إذا نُبذ هو ومَن معه اتجهوا إلى مَن نبذوهم فنبذوهم بنبذ وصارت المسألة هذه الحاصلة الآن كأنها عراك وخصمة أطفال، أنت تعلّم العلم واحرص عليه ودَعْ عنك ما يسمى بالزغل، الزغل هذه الأمور السيئة التي تكمن وتقع بين مَن ينتسب بعضهم إلى العلم للأسف الشديد، أنت تَعَلَّم منهم واستفد منهم واحفظ أعمالك، احفظ أعمالك، مِن أعظم الأعمال التي تتقرب بها إلى الله عزّ وجلّ العلم، الآن تجلس تبذر هذه الصالحات فتصلي في الليل وتصوم في النهار وتتعلم العلم وتدعو إلى الله وتأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر ثم تلتفت إلى رجل مِن أهل السُّنَّة طالب علم مِن أمثالك وتدخل معه في خصمة وتسميه ويسميك وتظهرون على الساحة يتفرج عليكم الرافضي والعلماني واستخبارات الأرض كلها ويستفيدون مِن مثل هذه الأمور ويبثونها بين أهل السُّنَّة، يعني تكون بهذا المستوى مِن العقل! تعلّم العلم واستفد ممن لديه علم ولكن احرص على أعمالك، أهل السُّنَّة أهل سُّنَّة كما قال مالك، أهل السُّنَّة الذين ليس لهم لقب، لا يلقب أهل السُّنَّة بعضهم بعضًا، وإذا وُجد الخلل والخطأ مِن سنّي يقال: هذا الموضع أخطأ فيه، لكن هو سني؟ سني لا يمكن أن تخرجه مِن السُّنَّة إلّا إذا قال بمثل هذه المقالات، قال بقول المرجئة، قال بقول الخوارج، هذا انتقل مِن السُّنَّة، لكن أنْ يكون مِن أهل السُّنَّة ثم يقع هذا! حتى للأسف الشديد المساجد التي قال عليه الصّلاة والسّلام: «أحبّ البلاد إلى الله مساجدها»(25) انظر مِن صغر العقول وقلة الفهوم صارت المساجد تُنبذ، مساجد أهل السُّنَّة، هذا مسجد كذا! وهذا يسمى مسجد كذا! إلى متى هذا التصرف؟ مساجد بُنيت على السُّنَّة وتقام فيها الصلاة على السُّنَّة، هل يا مَن سَميتَ أخاك بهذه التسمية؛ هل تقول: إنّه لا يُصلى خلفه؟ لا تستطيع أنْ تقول: لا يصلى خلفه، لأنك إذا أردت أنْ تقول لا يُصلى خلفه تقدح في دينه أو في أمانته! أحد أمرين، إما أنْ يكون في دينه قدح أو في أمانته وخُلُقِه، في دينه كأنْ يكون عنده هذه البدع والضلالات، أو أنْ يكون في أمانته كأنْ يكون لصًّا أو أنْ يكون محتالًا آكلًا لأموال اليتامى وأمثال ذلك، لا تستطيع، إذا كان بهذه الطريقة لماذا تدخلون المساجد بالخصمة وتسمون المساجد بهذا النبذ، هذا مسجد كذا وهذا مسجد كذا، إذا وقفتَ عند أيّ موضع مِن المواضع وفيها مسجد أما تصلي خلف هذا وهذا؟ بلى تصلي خلفهم لأنهم مِن أهل السُّنَّة، فإنْ لم تصل خلفه لأجل هذه التسميات فهذا ابتداع منك أنت، ولهذا قيل لعليّ بن الحسين رحمه الله تعالى - وهو المعروف بزين العابدين – قيل: إنّ أناسًا يقولون: لا نصلي إلّا خلف مَن يقول بقولنا؛ ولا نزوّج إلّا مَن يقول بقولنا! ماذا قال رحمه الله؟ قال: نصلي خلفهم بالسُّنَّة؛ ونزوجهم بالسُّنَّة، يعني إنْ لم يصلوا خلفنا نحن نصلي خلفهم، لأنّ السُّنَّة تقتضي أنْ تصلي خلفه، فإذا هو لم يصل خلفك وقال: إنّي لا أصلي خلف هذا الإمام؛ أنت تصلي خلفه، بالسُّنَّة وهو الذي خالف السُّنَّة، وهكذا أمور التزويج لا تقدح في أحد، لأنه لا يستحق التزويج إلّا لأمر واضح جليل، حتى لو اختصمت معه.

الحاصل أنّ هذا الأمر يحتاج إلى شيء مِن الديانة والعقل، ديانة للوقوف بين يدي الله عزّ وجلّ الذي سيسأل العبدَ عن هذه الإطلاقات وعمّا سببت مِن فُرْقَة بين أهل السُّنَّة، ومِن أعظم الكوارث الحقيقة التي حصلت وسببت إرباكًا حتى لعامّة المسلمين الذين صاروا ينظرون إلى بعض هؤلاء المتدينين نظرة المتعجّب كيف هؤلاء الذين يظهر عليهم السمت والخير والدِّيْن؛ صاروا الآن بهذه المثابة مِن صغر العقل! وصار عندهم هذه الأمور التي لم نكن نتصور! سبب هذا إشكالًا، إذن يُلحظ مثلُ هذا الأمر ويحتاج إلى شيء مِن العقل، جربناها الحقيقة مع أناس يُعظّمون مِن الحمل على فلان الذي أنت تعرفه معرفة تامة – وفي السابق نبّهتُ على هذا -، فلان هذا ما الذي يحملك على أنْ تحذّر منه؟ يبدأ يذكر مما يراه قوادح وأنت طالب علم تعلم أنّه ليس في كلامه قادح واحد! وإنما في التضخيم وزيادات، العجيب المقابل له مِن خصمه عنده نفس الموقف مِن خصمه ذاك وأنت تعرف هذا وتعرف هذا، يُعظّم ويفخّم ويبالغ وأنت تعرف الطرفين أنّ كليهما ليسا بمصيبين فيما قالا، وإنما الأمر كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في العلماء: "إنّ بين العلماء كما بين التيوس في الزِّرَب"(26) يعني بعض أهل العلم - وليس كلهم - يكون عندهم تنافس بعض الأحيان، كما أنّ التيوس تتنافس على المعز يقول: يوجد هذا التنافس بين بعض المنسوبين للعلم، ولا سيما مَن يغفل، لأنّ الإنسان إذا تأمل أَمْرَ العلمِ وأَمْرَ السُّنَّةِ يعلم أنّ أخاه الذي يدعو إلى الله وينشر العلم بمثابة مَن يبني معه بيتًا، فهو فرح أنّه يبني في تلك الجهة وهذا يبني في تلك الجهة حتى يقوم البنيان، أما إذا دخل الشيطان بينهما صارا ينظران إلى بعضهما هذه النظرات إذا كانا مِن أهل السُّنَّة، فلأجل ذلك نحن ننبه على هذا لأنّ النبذ بفِرْقَة مِن الفِرَق والقدح في اعتقاد أحد لابُدّ أنْ يكون محددًا ببدعة معينة، ومِن أكثر ما للأسف الشديد حقيقة سَبَّبَ هذه الألقاب الفاسدة الخلافُ حول مسألة وِلاية الأمر، وقلنا عدّة مرات: إنّ مسألة ولاية الأمر أيسرُ المسائل وأوضحها؛ لكن سبحان الله هذا الخصام حولها جعلها كأنها مِن المسائل العسرة، وهذا أيضًا مِن صِغَرِ العقول؛ أنّ المسائل اليسيرة تُضخّم حتى تكون كأنّها عسيرة، وِلاية الأمر الكلام أصلًا فيها محدود جدًا، وسبق نبّهنا في شرحنا لكتاب الإمارة مِن صحيح مسلم أنّ النصوص فيها على ثلاثة أقسام:

القسم الأول: نصوصٌ آمرةٌ بطاعة الحُكَّام والتصبّر على ما يقع منهم مِن تعدٍّ أو أذى وسؤال الله عزّ وجلّ لهم الهدى والبطانة الصالحة، هذا القسم الأول.

القسم الثاني: أنّ العلماء يجب عليهم الجهر وإيضاح الحق وتبيينه، وتبيين الحق نوع مِن النُصح للحاكم أصلًا وليس نوعًا مِن التعصّب، فالنظر إلى تبيين العالم على أنّه نوع مِن المعاملة للحاكم فيه إساءة ظنّ بالحاكم نفسه؛ كأنّ الحاكم لا يريد الحق! فكون العالم يُظهر الحق ويُبيّن الحق هذا ليس فيه تعصٍ على الحاكم، لكن بالأسلوب المناسب.

القسم الثالث مِن النصوص: النصوص التي بَيَّنت كيف يُنهى الحاكم وكيف يُؤمر بالمعروف وكيف يُحتسب عليه، والنصوص جليّة في أنّ الإنكار على الحاكم يكون سرًّا ولا يكون جهرًا.

هذه ثلاثة أنواع فصّلناها في شرح كتاب الإمارة مِن صحيح مسلم.

السمع والطاعة للحُكّام بالمعروف ولا يُسمع لهم ويُطاع في المعصية، فإذا سمعتَ الخصمة الآن الموجودة بين كثير مِن المتخاصمين حول مسألة وِلاية الأمر كأنّ طرفًا يقول: اسمعوا وأطيعوا في المعصية وإنْ أمروكم بالكبائر افعلوها! ولا أحد يقول بهذا مطلقًا!! إنما يقول بهذا - كما قلنا -: النواصب الذين يقولون: إنهم يطاعون في المعصية، والنواصب أصلًا اندثروا إلّا رعاع يسير حثالات لا تساوي شيئًا وليس لهم تأثير أصلًا في الأمة، وأناس يتهمون آخرين خصومهم بأنّهم قوم عندهم مقاصد ويريدون إسقاط الحكم ويريدون التسلق على الحكم وهم مجموعة مِن الخوارج لكنهم يُبطنون هذه الأمة، يقال: إذا ثبت شرعًا هذا وجب شرعًا أنْ يُقصم هؤلاء بالقضاء الشرعي وأنْ يُنزل بهم أعظم العقوبات، لأنّ هؤلاء يُدمّرون الأمة والجماعة، لكن هل هذا مؤكد؟ هل هذا مقطوع به؟ أو ظنون وتخمينات؟ كثير مِن هذه الأمور ظنون، والمقابلون هؤلاء يقولون: أنتم تأمرون بالمعصية، أعطونا واحدًا مِن الناس الآن على وجه الأرض يقول: اسمعوا وأطيعوا بالمعصية؟ لا يوجد ولله الحمد، فيقول: هؤلاء يبالغون في طاعة الحُكَّام، وصار للأسف في هذه الألفاظ السوقيّة "جماعة السمع والطاعة"! نعم أهل السُّنَّة جماعة السمع والطاعة، فليكونوا، أهل السُّنَّة جماعة السمع والطاعة – إذا سميتم مسألة جماعات! -، كما قلت: هذه التسميات ما لها أصل، لكن السمع والطاعة موجودة عند أهل السُّنَّة، يسمعون ويطيعون لكن في المعروف، مَن قال أنّهم يسمعون ويطيعون في غير المعروف؟؟ فهذه الإطلاقات كأنّ السمع والطاعة كأنّه أمرٌ يعني يُعاب به الشخص مع أنّه في صريح النصوص هذا مِن قلة فقه الإنسان وقلة معرفته، يصلح أنك تسخر مِن أحد لأنه يصلي أو يصوم؟ السمع والطاعة دلت عليه النصوص لكن في المعروف، وهكذا إذا أُسيء النظر إلى أناس وقيل: إنّهم مجموعة مِن الخلايا السرية التي تهدف إلى كذا وكذا، هات الدليل والبرهان، أنت في شرع لا يحل بتاتًا أنْ يُتعامل مع الناس إلّا بالظاهر، هو يقول: البيعة لازمة؛ والحكم حق؛ والسمع والطاعة واجب؛ ولا تحل أنواع الإحداثات التي تُربك الجماعة؛ ثم تقول: إنه عنده أشياء سرية! لسنا مكلفين بالأشياء السرية، وما الذي يضمنني أنْ تكون أنت عندك أوهام! إذا اتّضح أنّ عنده مثل هذا الأمر وجب شرعًا أنْ يُحال بينهم، لكن هذه الإساءات للظنّ مِن قِبَلِكَ بهم ومِن قِبَلِهم هم بك هذا الذي أحدث الفوضى، فكثير مِن الأمور هذه أوهام أو مبالغات، وتجد أناسًا مثلًا يزل الواحد منهم ويقول كلمة أو يقف موقفًا خاطئًا ثم يطير خصومُه بهذا الموقف فرحًا! ويبالغون فيه! وهو خطأ ولم يصب؛ لكن لا يستحق هذه الحملة - شئتم أم أبيتم -! والدليل على عدم إنصافكم أنّ مَن تهوونه يخطئ خطأ أكبر منه ولا تحملون هذه الحملة! فلو كنتم منصفين وصادقين لحملتم حملة أكبر على مَن أخطأ هذا الخطأ الذي هو أفدحُ وأشدُّ، والأخطاء تُردّ بالسُّنَّة وتُبيّن ويُوضّح مقدار الخطأ، أما أنْ يُنفخ في هذه الأخطاء نفخًا شديدًا جدًا وتكون هناك أخطاء أكبر منها؛ في بعض الأحيان يُعتَذر عن أهلها! فاعرف أنّ الإنصاف عزيز جدًا، يقول أهل العلم: الإنصاف عزيز، قليل جدًا مَن تجده ينصف، "وتحلّى بالإنصاف أفخر حلة ... زينت بها الأعطاف والكتفان"، الإنصاف قليل جدًا في الناس، الذي ينصف، يا أخي لن تنصف إلّا إذا اتّقيت الله ولم تصنف نفسك على جهة إلّا السُّنَّة، أما أنّك لا تشعر مع فريق ضد فريق فأنت متحزب وأنت لا تشعر، إلّا الفريق الذي على السُّنَّة، أما أنْ تأتِ إلى داخل أهل السُّنَّة وتفرقهم هذا التفريق وتشعر أنّك مع هؤلاء ضد هؤلاء! لا، كُن حكمًا منصفًا واتّق الله عزّ وجلّ في أمرك، أو استرح مِن هذا الأمر وأَحِلْهُ لأهل العلم الذين هم أكبر منك مِن مشايخنا الكرام ولا تدخل في هذه المهاترت.

حاصلُ الأمر أنّ هذه المقدمة بين يدي هذه الفِرَق أردنا أنْ نُعلِم بها أنّ هذه التسميات ليست سهلة؛ وأنّ النبذ - كما وضّح الإمام حرب رحمه الله – يقول: "ولأصحاب البدع نبذ وألقاب" النبذ واللقب لأصحاب البدع لا لأهل السُّنَّة، كما قال مالك: "أهل السُّنَّة الذين ليس لهم لقب، والسُّنَّة ما لا اسم له إلّا السُّنَّة"(27)، ولهذا لماذا نقول: لا تصلح الجماعات؟ لماذا نقول: لا يصح أنْ توجد جماعة اسمها جماعة الإخوان؟ وجماعة التبليغ؟ لماذا؟؟ لسبب واحد، أنّ أهل السُّنَّة جماعة واحدة، فإذا صار عندي جماعة هنا وجماعة هنا وجماعة هنا وهذا حزب وهذا حزب أفسدنا الجماعة الحقيقة التي هي جماعة أهل السُّنَّة، عندك طاقة وعندك دأب في الدعوة إلى الله كن داخل محيط الجماعة، ولا تجلس مفترقًا، ولهذا الشيخ محمد بن عثيمين رحمه الله يقول: "واجب على هذه الجماعات أنْ تفعل ماذا؟ أنْ تكون جماعة واحدة؛ وأنْ ترجع لأهل العلم؛ وأنْ تعود القوة هذه" لأنّ هذه الجماعات الحقيقة بددت طاقات الأمة، تجد جماعة تبلغ في بعض الأحيان ملايين ولهم دأب ولهم جهود لكن للدعوة للجماعة! هذه مشكلة مِن المشاكل الكبيرة، يقول الشيخ الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب رحمه الله في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ(28)  يقول: فيه التنبيه إلى الإخلاص بالدعوة إلى الله؛ لأنّ بعض الناس يدعو إلى نفسه!! كونك تدعو إلى نفسك أو تدعو إلى جماعتك! ما استفدت، إنما تدعو إلى الله عزّ وجلّ، وإذا كنت تدعو إلى الله؛ وهذا يدعو إلى الله؛ وهذا يدعو إلى الله؛ ما الذي يجعلك تحتاج أنت وهم إلى أنْ تجعلوا جماعات؟ كونوا جميعًا جماعة واحدة داخل جماعة المسلمين، واتركوا عنكم الهمس والسِّرّ والاخفاء، أنتم لستم - ولله الحمد - تتعاملون تعامل أهل المخدرات والفجور حتى تختبئوا! كونوا واضحين داخل الجماعة؛ في نطاق أهل العلم؛ وفي وِلاية شرعية ظاهرة واضحة، فليس عندك شيء تخفيه، ما الذي يجعلك تخفي؟ الذي يُخفي هو الذي عنده إشكال لا يريد أنْ يعرفه الناس، ما دمت في جماعة المسلمين اظهر وبيّن دعوتك ولا تدعُ إلى حزب كذا أو جماعة كذا، ادعُ إلى الله عزّ وجلّ لتكون الأمةُ أمةً واحدة، هكذا كانت الأوضاع زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وزمِن السلف، ولو كان الأمر على هذا - ولو فرضنا - وحاشا الصحابة رضي الله عنهم أنْ يفعلوا هذا: يكون حزب مع عمر وحزب مع أبي بكر وحزب مع علي! لكن هؤلاء أكبر عقلًا وأعظم ديانة وأمتن علمًا مِن أنْ يفعلوا هذا، وإلّا الأصل أنْ لا يوجد جماعة إلّا جماعة واحدة هي جماعة المسلمين، وهذه الطاقات وهذه الجهود تكون واحدة، وتكون تحت نظر أهل العلم، وليس عندنا ما نخفيه، وليس عندنا ما نستحي منه، حتى الإنكار للمنكرات تُنْكَرُ لا تترك ولكن بالأسلوب الشرعي في ضوء الجماعة، كل هذا مما ينبغي أنْ يُعرف، ولا يحتاج الإنسان أنْ يختبئ ويدس رأسه كما تفعل الفِرَق الضالّة، لأنّ الفِرَق الضالّة جزء كبير مِن بداياتها كانت مختفية وما كانوا يجهرون حتى استفحل أمرهم في بعض المواضع فصار لهم ظهور، ولهذا ذكر الهرويُّ رحمه الله تعالى أنّ مجموعة مِن الزنادقة - وهذا الأثر مِن أحسن الآثار - مجموعة مِن الزنادقة سهروا الليل يتكلمون في زندقتهم وإلحادهم مختفين في سرداب، فبينا هم كذا أذّن المؤذن لصلاة الفجر فقال الزنادقة: تريدون دينكم هذا أنْ يفشو وأنتم مختبئون وهذا الحلاج – لأني ما أدري أنّ هذا حلاجًا - وهذا الحلاج يصدح بدينه علنًا! هذا الشخص الآن يؤذّن ويظهر دين الإسلام علنًا، يقول: نحن مختبئون نتناقش في الزندقة في سرداب قد اختفينا! لأنّ هذه طريقة أهل الضلال، أما السُّنِّيُّ ما الذي عنده يخفيه؟ ليس عنده شيء يخفيه، وليس عنده شيء يخجل منه، وليس عنده شيء يخطط له يريد به إظهار الجماعة أو الحكم أو غيره، ما عنده إلّا الوضوح، فلهذا ينبغي أنْ يُعلم هذا، وأنْ يُحرص على تأليف القلوب، وأنْ تُطفأ نار الفتنة، الآن أقارب بل بعضهم إخوة صار بينهم ما بينهم مِن نزاعات وهم مِن أهل السُّنَّة لأجل هذه التسميات الجديدة.

فعلى كل حال إذا لم يتّقِ فلانُ الله عزّ وجلّ فعليك بنفسك أنْ تتق الله عزّ وجلّ في ألفاظك وفي تصرفاتك، واهتم جدًا بأعمالك هذه ألّا تضيع وألّا تتبذر، ولا تكترث إذا نظرت إلى بعض مَن هم داخل في هذه المسائل - سبحان الله - كأنهم يُسبّحون ويهلّلون، كأنه تسبيح وتهليل، ما عندهم إلّا هذا الموضوع! مثل أناس الآن أشقاهم الله عزّ وجلّ لمّا أراد أنْ يُضلهم أشقاهم بالكلام في الشيخ محمد بن عبد الوهاب، واحد منهم عنده في حسابه حوالي ستين ألف أو سبعين ألف مِن هذه المسميات والتغريدات؛ كلها عن ابن عبد الوهاب!! افترض فرضًا أنّ ابن عبد الوهاب على ما تتصوّر؛ ما في الدنيا إلحاد؟ زندقة وشرك وروافض وضلال؟ شقوا بهذا، لأنه كما يقول أهل العلم: مَن ابتُلي بترك الحق ابتلاه الله بالانشغال بالباطل، اشتغل بالباطل - نسأل الله العافية والسلامة –.

فالحاصل أنّه على طالب العلم أنْ يتقي الله تعالى وأنْ يعلم الأمر جليًا وواضحًا، وأنا أحرص يا إخوة على الوضوح وعلى الصراحة في بعض المسائل في المواضع التي يُحتاج بها إلى الصراحة مِن مثل هذه المسائل لابُدّ مِن الوضوح، أمّا التلميحات ما نفعت، ما استفاد الناس، بعض الناس - كنا في السابق - نلمّح ما فهم الناس المقصود! لابدّ مِن التصريح، لابدّ مِن التوضيح، حتى ولو قلت إنه مِن الدعاة مَن فعل هذا عسى الله أنْ يوفقه ويجعله يُهدى ويُسدد، لكن أنت مسئول عن نفسك، أنت عندك علماء كبار، عندنا علماء كبار لو كانوا خارج البلد لتمنيناهم، الزمهم يا أخي واسألهم، أما أنْ تقول: فلان يقول كذا؟ حتى لو كان أستاذًا في الجامعة لا تكترث بهذا وحده مجردًا؛ مادام هناك مَن هم أعلم منه مِن مشايخه وعلمائه فارجع واحرص على أهل العلم.

أمّا كلامه رحمه الله تعالى في المرجئة فلن نتكلم فيه الآن أبدًا لأننا شرحناه في البدايات، هو رحمه الله كرّر كلامَه هنا عن المرجئة بعد أنْ ذكره فصّلناه في أول موضع؛ فلسنا بحاجة إلى التفصيل فيه الآن.


(1) صحيح. ابن ماجه (3993) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (204).
(2) حسن. الترمذي (2641). صحيح الجامع (5343).
(3) سبق تخريجه.
(4) صحيح. ابن ماجه (3993). صحيح الجامع (2042).
(5) المستدرك (444).
(6) المؤمنون: 44.
(7) الروم: 42.
(8) يوسف: 103.
(9) سنن الدارمي (181) بنحوه.
(10) سبأ: 13.
(11) سبأ: 20.
(12) صحيح. الترمذي (3705) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا. صحيح الجامع (3041).
(13) مصنف ابن أبي شيبة (37692).
(14) الأنعام: 129.
(15) رواه الدارمي (257)، وأعَلَّه الشيخ حسين أسد حفظه الله في تحقيقه.
(16) صحيح. رواه البيهقي في السنن الكبرى (16069) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا. الصحيحة (1088).
(17) صحيح البخاري (3611) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(18) السُّنَّة لأبي بكر بن الخلال (5/ 88).
(19) الفرقان: 74.
(20) هنا ذكر الشيخ – حفظه الله - هذه الأبيات بلفظ قريب، وقد أثبتُّ اللفظ من مصدره. الكافية الشافية (ص: 15).
(21) صحيح البخاري (3611) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(22) صحيح البخاري (3344) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(23) الانتقاء لابن عبد البر (ص: 35).
(24) الاعتصام للشاطبي (1/ 77).
(25) صحيح مسلم (671) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(26) جامع بيان العلم وفضله (2/ 1091).
(27) سبق تخريجه.
(28) يوسف: 108.