موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مسائل في القدر - شرح اعتقاد حرب الكرماني
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح اعتقاد حرب الكرماني لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح اعتقاد حرب الكرماني
 مقدمة
 إجماع السلف في الاعتقاد
 مسائل في الإيمان/ المسألة الأولى حقيقة الإيمان
 المسألة الثانية الإيمان يزيد وينقص
 المسألة الثالثة الاستثناء في الإيمان
 الرد على بعض مقولات المرجئة
 الإيمان بالقدر
 مسائل في القدر
 ما يتعلق بأهل القبلة
 الخلافة في قريش
 ولاة الأمور
 التعامل مع الفتن
 كف الشر عن أهل الإسلام
 البدع
 المسيح الدجال
 عذاب القبر
 أمور متعلقة بيوم القيامة
 الشفاعة
 أسئلة
 الجنة والنار
 بعض ما يتعلق بمسائل الخلق
 جملة مِن الأمور المتعلقة بالرب
 صفة الكلام
 أسئلة
 الرؤى
 الصحابة رضي الله عنهم
 العرب
 المكاسب والتجارات وطلب المال
 مصادر تلقي الدين
 أصحاب البدع
 القدرية والمعتزلة والبكرية
 الجهمية والواقفة واللفظية
 الرافضة والمنصورية والسبئية
 الخوارج
 الخاتمة
شرح اعتقاد حرب الكرماني - مسائل في القدر

بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين وجميع المسلمين

ومَن زعم أنّ الزنا ليس بقَدَرٍ‍! قيل له: أرأيتَ هذه المرأة حملتْ مِن الزنا وجاءت بولد؛ هل شاء الله عزّ وجلّ أنْ يخلقَ هذا الولد؟ وهل مضى في سابق عِلْمِه؟ فإنْ قال: لا، فقد زعم أنّ مع الله خالقاً! وهذا قول يضارع الشرك بل هو الشرك.

ومَن زعم أنّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقَدَرٍ! فقد زعم أنّ هذا الإنسان قادرٌ على أنْ يأكل رزقَ غيره! وهذا القول يضارع قول المجوسية والنصرانية، بل أَكَل رزقه الذي قضى اللُه أنْ يأكله مِن الوجه الذي أَكَله.

ومَن زعم أنّ قتْل النفس ليس بقَدَرٍ مِن الله عزّ وجلّ؛ فقد زعم أنّ المقتول مات بغير أجله وأيّ كفرٍ أوضح من هذا؟؟

بل ذلك كله بقضاء مِن الله عزّ وجلّ وقَدَرٍ، وكل ذلك بمشيئته في خلْقِه وتدبيره فيهم، وما جرى مِن سابق علْمِه لهم، وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد.

ومَن أقرّ بالعلم؛ لزمَه الإقرارُ بالقَدَر والمشيئة على الصَّغَرِ والقماءة.

والله الضار النافع، المضلّ الهادي، فتبارك الله أحسنُ الخالقين.


الحمد لله، وصلّى الله وسلّم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين

تقدم الكلام على موضوع القَدَر؛ وعلى الذي يضبط للمؤمن هذا الباب العظيم مِن أبواب الإيمان؛ وأنَّ أهل السُّنَّة والجماعة سَلِموا ولله الحمد مِن أي خلل وخلْط وقع فيه الغلاة أو الجفاة في موضوع القَدَر على التقسيم السابق الذي قلناه بالأمس في أنَّ إثبات ما يتعلق بالرب لا يتعارض في إثبات ما يتعلق بالعبد؛ وأنَّ البلاء إنما يأتي الإنسان إذا جاء بنص يتعلق بالرب وعارض به نصًا يتعلق بالعبد، وتقدم أنَّ العبد يعي ويعلم أنَّ ثمة أفعالًا اختيارية في حياته؛ وأنَّ ثمة أفعالًا غير اختيارية، ولهذا تعلمون أيها الإخوة في القتل، القتل قسمه الفقهاء إلى ثلاثة أنواع: قتل خطأ، وقتل عمْد، وشبه عمْد، المهم عندنا قتْل الخطأ وقتْل العمد، قتْل الخطأ لم يتعمد القاتل أنْ يقتل القتيل هذا، مثاله: لو أطلق الرصاص يريد صيدًا، في أثناء إطلاقه للرصاص مرت سيارة فأصابت الرصاصة مَن في السيارة، هل تعمد قتله؟ لم يتعمد قتله، هل يهدر دمُه؟ لا يُهدرُ دمُه، ماذا يسمى هذا؟ قتْل خطأ، لم يُرِدْ قتْله، هذا النوع ما الذي يلزم القاتل فيه؟ يلزم القاتل شيء واحد؛ لا شيئين، شيء واحد، يلزمه الكفارة، ولا تلزمه هو الدية في ماله! بل تلزم العاقلة، فعاقلة القاتل هي التي تدفع الدية، لأنه مخطأ، لكن لأنّ قتّل النفس عظيم ولو خطًا أُلزم بكفارة القتل وهي اعتاق رقبة أو صيام شهرين، قتْل العمد أنْ يعمدَ إلى إنسان ليقتله ويسعى في ذلك حتى يزهق نفسه، الدية على مَن؟ عليه هو دون العاقلة لأنه متعمد، وقبل الدية ورثة الدم يستطيعون أنْ يقتلوه إلّا أنْ يعفوا عنه، والعفو إما يكون عفوًا إلى دية بأنْ يقبلوا الدية أو عفوًا إلى غير دية مجانًا لوجه الله تعالى، ما الذي جعل الأحكام تتفاوت؟ هو ما قلناه مِن وجود أفعال اختيارية وأفعال غير اختيارية، فالقاتل هنا متعمد في الصورة الأخيرة، والقاتل في الصورة الأخيرة غير متعمد لهذا اختلفت الأحكام، فاختلفت الأحكام في الدنيا وفي الآخرة بالنسبة له، وذلك أنَّ قتْل الخطأ غير اختياري، لم يتعمده، ولهذا لو أنَّ إنسانًا قتَل خطًا، قتَل ألفَ إنسان، كأنْ يكون قائدًا لقطار على سبيل المثال وعددٌ مِن مقطورات القطار تضررت وهلك مَن فيها، وهذا قد يقتل ألفَ إنسان وقد ينجو هل يُقتل؟ قد يُقتل؟ لو يَقتل ألفًا أو ألفين أو عشرة آلاف خطًا لا يقتل، معلوم، السبب واضح، أنَّ هذا قتل خطأ وذاك قتْل عمد، لو اجتمع الورثة لهؤلاء الآلاف وقالوا: لا نريد دية نريد أنْ يقتل، قالوا: لو قتل آلاف الآلاف لا يُقتل لأنه مخطأ، إذن كل عاقل يعي الفِرَق بين الفعل الاختياري والفعل الغير اختياري، الفعل الغير اختياري لم يبدر منك، قد يسقط منك ولدك وأنت حامل له، صغير قد يسقط منك يتكسر أو يهلك، هذا غير اختياري، بناء عليه نعلم أنَّ الله تعالى إنما يؤاخذ العباد بأفعالهم الاختيارية، وهذا أمر واضح، فالطريقان الباطلان طريق الجبرية وطريق القَدَريّة، الجبرية ركزوا على القسم الأول المتعلق بالرب وألغوا أيّ اختيار للعبد، وكذبوا، لأنهم يعلمون هم في حياتهم أنَّ ثمة أفعالًا اختيارية هم يزاولونها، فألغوا العبد تمامًا وزعموا أنه بمثابة الريشة في مهب الريح تقلبها الريح يمنة ويسرة، قلنا: إنَّ هذا كذب يدركه كل واحد في حياته؛ أنَّ ثمة فرقًا كبيرًا بين الفعل الاختياري والفعل الغير اختياري، عكسهم المعتزلة ركزوا على القسم الثاني المتعلق بالعبد وألغوا ما يتعلق بالرب ولا سيما أمْر الخلْق والمشيئة، فقالوا: العبد هو الذي يشاء الفعل دون الله، بل قالوا - نسأل الله العافية - العبد هو الذي يخلق الفعل! هو الذي يخلق فعله دون الله؛ والله لا يخلق أفعاله! ولا يشاء للعبد أمرًا يتعلق بأفعاله! فالعبد مستقل؛ استقلاله تام! يفعل الأمر والله لا يريده أنْ يفعله! وتقع مشيئته والله قد شاء منه غير ذلك؛ فتقع مشيئة العبد ولا تقع مشيئة الرب! وهذا الحقيقة أنَّ هذا قول خطير جدًّا، وفيه كما قال أهل العلم فيه شرك في الربوبية، الشرك في الربوبية بشع جدًّا، لأنَّ معنى ذلك إنّ هذا العبد صار خالقًا في هذا الكون ويشاء الأمر! وليس هذا فقط، يشاء الأمرَ ويوقعه واللهُ لم يشأه الله! لهذا جاءت الآثار بأنَّ القَدَريّة مجوسُ هذه الأمة، لم سُموا بالمجوس؟ لأنّ المجوس يقولون: إنَّ هناك خالقين، خالقًا يفعل الخير وخالقًا يفعل الشَّرّ! فجاء وصفهم بأنَّ «القَدَريّة مجوسُ هذه الأمة، إنْ ماتوا فلا تشهدوهم، وإنْ مرضوا فلا تعودوهم»(1)، لأنَّ المجوس أثبتوا خالقًا واحدًا؛ قال أهل العلم: والمعتزلة أثبتوا خالقِين وليس خالقَين! فقالوا: إنَّ العبدَ مستقلٌّ بفعله.

تقدم في آخر الدرس أنَّ كل أحد يدرك أنَّ الذي يقع فعلًا هو مشيئة الله عزّ وجلّ، وضربنا المثال بالمسافر الذي قرَّر السفر وتأهب وأعدّ جميعَ الأسباب، ثم أصبحتَ تراه في البلد! ما بالك يا فلان؟ والله قد شئتُ السفر وأعددت كل أمْر وتهيأ كلُّ سبيل وكل سبب لكن مشيئة الله تعالى هي التي تغلب المشيئات كلها، إذا لم يشأ أنْ تسافر لا تسافر، إذا لم يشأ الله عزّ وجلّ أنْ يقع الأمرَ الذي أردتَه لا يقع، ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ(2).

القَدَريّة أيها الإخوة نوعان: القَدَريّة الأوائل وهم الغلاة، وهؤلاء - نسأل الله العافية والسلامة - نفوا جميع مراتب القَدَر الأربعة، نفوا أنْ يكون الله يعلم الشيء؛ أو أنْ يكون كتبه، أو أنْ يكون شاءه، أو أنْ يكون خالقًا للأفعال، هؤلاء أدركهم الصحابة رضي الله عنهم، وفيهم أول حديث في صحيح مسلم لَمّا ذَكَر ابنُ يَعْمَر أنه وجدَ ابنَ عمر رضي الله عنهما وسأله قال: إنَّ قومًا قِبَلَنا في البصرة يتقفرون العلم - يعني أنه عندهم نوع من التكلف والتعمق والمبالغة الزائدة عن الحدّ - وإنهم يقولون: أنْ لا قَدَر والأمر أنف! يقول: ينفون القَدَر ويقولون الأمر مستأنف! لم يمض به قدرٌ سابق مِن الله تعالى عَلِمَه وكَتَبَه! فقال ابن عمر رضي الله عنهما - الحديث هو أول حديث في صحيح مسلم بعد المقدمة - فإذا لقيتَ أولئك فأخبرهم أني بريء منهم وأنهم برآء مني، والذي نفسي بيده لو أنَّ احدهم أنفق مثل أُحُدٍ ذهبًا ما قَبِلَه اللهُ منه حتى يؤمن بالقَدَر، ثم ذكر حديث عمر رضي الله عنه الطويل وفيه سؤال جبريلَ النَّبيَّ عليهما الصلاة والسلام عن الإيمان، فقال: «الإيمان أنْ تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقَدَر خيره وشرّه»(3).

هذه المقدمة الآن نضعها حتى نضبط الكلام الآتي في ردّه رحمه الله تعالى على المعتزلة، قلنا: هذا القسم الأول، وهم يقولون بنفي جميع مراتب القَدَر، هؤلاء أجمع أهل السُّنَّة على كُفْرِهم، اتفق أهلُ السُّنَّةِ على أنهم كفار كما سيأتي عند كلامه في العلم، لأنهم يقولون: إنَّ الأمور تقع والله لا يعلمها! وهذا كفرٌ بواح، لهذا هذا المذهب اضمحل، وهذا مِن بركة الصحابة رضي الله عنهم، لأنَّ الصحابة لَمّا أدركوا أوائل القَدَرية اشتدوا عليهم جدًا.

وأيضًا مِن محاسن دولة بني أمية، هذه الدول أيها الإخوة لها محاسن ولها مساوئ، فتجد فيها أمورًا حسنة وأمورًا سيئة، كما قال شيخ الإسلام: هؤلاء الحكام لهم حسنات كبار وسيئات كبار، والعدل والإنصاف يقتضي أنْ يُذكر ما كان عند هؤلاء القوم مِن حسن ومِن سيء - يعني بني أمية -، فكان مِن الأمور السيئة عندهم تعرُّضهم لعلي رضي الله عنه وتأخيرهم الصلاة، لكن في الجملة كانوا لا يتركون المبتدعة، وتتبعوا أهل البدع مِن القَدَريّة والجهمية والجعدية وأضرابهم، تتبعوهم، وهذه مِن محاسنهم، فكانت البدعة في وقتهم - بدع القَدَريّة وغيرهم - لا تكاد تبدأ حتى يطفئوها، فمِن محاسنهم أنَّ معبدًا الجهني وهو الذي تصدر لهذه المقولة - مقولة الأولى نفي والعياذ بالله مراتب القَدَر الأربع - قد قتلوه، ثم أخذ هذه المقالة عنه غيلان الدمشقي وقتلوه، كما قتلوا الجعد بن درهم، وقتلوا الجهم بن صفوان، فكانت هذه مِن محاسنهم، هذه المقالة أولُ مَن قال بها رجل يدعى سوسن النصراني، ادعى الإسلام ثم تنصّر ثانية، وقال بها أيضًا مجوسي يدعى سيسويه، لم تنتشر كما روى ابن بطة، قال: لمّا قال بها هذا لم يتبعه على هذه المقالة إلّا ملّاحون ممن يعملون في السفن، ما تبعه أحد، حتى تبنى هذه المقالة عدو الله معبد الجهني، وهذه خطورة الأقوال أيها الإخوة، ولا يزال إلى الآن المقالات الضالّة الآتية إلى الأمة مِن كفرة الشرق أو الغرب، لا تنجح ولا تنتشر إلّا إذا تبناها أحد مِن أبناء الأمة اسمه اسمك ومِن جلدتك ممن يتكلم بلسانك، هذا هو الذي ينشر هذه المقالات، أما مقالة يقولها نصراني يدعى سوسن أو مجوسي يدعى سيسويه أو سنسويه - على خلاف في اسمه - هذه لا تنتشر في أحد، حتى جاء معبد الجهني فقال بهذه المقالة، فلما كان رجلًا مِن هذه الأمة انتشرت هذه المقالة، فاشتد عليه بنو أمية فقتلوه، ثم أخذ هذه المقالة رجل يدعى غيلان الدمشقي، استدعاه عمر بن عبد العزيز رحمه الله تعالى وناظره وأمرَه أنْ يقرأ صدرَ سورة يس، قال: ما تقول؟ قال: أقول: كنتُ أعمى فبصّرتني وميتًا فأحييتني، يعني أظهر أنه تاب، قال: اللهم إنْ كان كاذبًا فأذقه حرَّ السلاح، إنْ كان يكذب عليّ الآن فيما يدعيه مِن التوبة: اللهم لا يمت ميتة حتى يذوق حرّ السلاح، ثم توفي عمر بن عبد العزيز، تولى الخليفة بعده مِن أبناء عبد الملك ولم يرفع رأسًا لهذه المقالات حتى أتى هشام بن عبد الملك؛ أظهر غيلان مقولته، لمّا أظهر غيلان مقولته استدعاه هشام، قال له: ألم تكن تعهدتَ لعمر بن عبد العزيز أنْ لا تنشر هذه المقالة؟ قال: الآن أَتُوب، قال: لا، فقطع يده ورجله وأمرَ بصلبه، فأجاب الله دعوة عمر بأنْ يذيقه الله حرّ السلاح وأنْ لا يموت موتًا، فكان هؤلاء سواء مِن الزنادقة أو ممن ادعوا مِن أصحاب الفكر الباطني مِن غلاة علي رضي الله عنه أو أمثال هؤلاء كانوا لا يُتركون، فانطفأت مقالة القَدَريّة الأوائل، جاءت المعتزلة، وأكثر ما تقوّت المعتزلة في زمن بني العباس، وزمن بني العباس - كما قال شيخ الإسلام - يختلف كثيرًا عن زمن بني أمية، فزمن بني أمية كما قرّر شيخ الإسلام وغيره مِن العلماء أفضل بكثير مِن زمن بني العباس، انتشرت جملة مِن المقالات ومِن ضمنها مقولة المعتزلة، وكان المعتزلة بعضهم في البصرة لهم مدرسة في البصرة وبعضهم في بغداد، انتشرت هذه المقولة حتى تمكنوا مِن الوصول إلى التأثير على ولاة الأمور؛ فأثّروا على المأمون والواثق والمعتصم، ونشروا هذه المقالات، فتصدى لهم علماء السُّنَّة، ما الفَرْقُ بين مقولة المعتزلة والقَدَرية؟ المعتزلة لمّا رأوا فظاعة وبشاعة مقولة القَدَريّة الأوائل وما وقف لهم المسلمون؛ أرادوا أنْ يتوسطوا فأثبتوا مِن مراتب القَدَر العلمَ والكتابةَ، لكن نفوا مشيئة الله تعالى لأفعال العباد ونفوا الخَلْق، فصار كلامهم مضطربًا لا هو بقول القَدَريّة الأوائل ولا هو بقول أهل السُّنَّة، فمِن هنا قالوا: إنَّ العبد يستقل بفعله عن الله تعالى تمامًا؛ فيريد الله تعالى مِن العبد أمرًا ويريد العبد أمرًا؛ فيقع مرادُ العبد دون مراد الله، وهذا أمر موحش جدًا، معنى ذلك أنه يقع في ملكوت الله تعالى ما لا يريد، ويريد الله في ملكوته ما لا يكون، وكفى بهذا عياذًا بالله سوء أدب مع رب العالمين، والمعتزلة أيها الإخوة مِن أشدّ الفِرَق قلة أدب مع الله، كتبهم موحشة، نحذر دائمًا مِن قراءة مثل هذه إلّا لِمَن تخصّص ودرس العقيدة وتشبّع منها ثم يقرأ هذه الكتب لاحقًا للردّ عليها، أما أنْ يقرأها الإنسان ستجد فيها أشياء يشيب منها الرأس مِن قلة أدب هؤلاء القوم وجرأتهم العظيمة مع مقام رب العالمين، ولهذا ماذا تلاحظ؟ تلاحظ الليبراليين والعلمانيين يركّزون دائمًا على مقولات المعتزلة، مع أننا نقول إنصافًا وتقوىً لله: إنَّ الفِرَق كبير جدًا بين المعتزلة وبين الليبراليين، الفِرَق هائل، الليبرالي والعلماني يُمِدّه الفكر الفلسفي الغربي، مختلف تمامًا، وإنْ كانت المعتزلة قد تأثرت بالفلسفة، لكن أنْ نقول: إنَّ المعتزلة مثل الليبرالية والعلمانية! معاذ الله ما نقول هذا، لكن نقول: لا شك أنهم اتَّكَؤُوا على مثل هذه المقولات لأنَّ المعتزلة جريئون جدًا على النصوص الشرعية، يرُدُّون النصوص الشرعية ويدّعون أنّ ما يسمونه عقلًا وهو الهوى المحض يقولون: إنه دلّ على مقولتنا؛ فيتجرؤون جرأة شديدة على نصوص الشرع، والليبرالي والعلماني كما تعلم يروق له مثل هذا الفكر العفن، هنا نصل إلى النقطة التي ذكرها الإمام حرب رحمه الله تعالى، لَمّا كانت المعتزلة تزعم أنَّ الأمور يوقعها العبد وضرب عليه المثال هذا بالزنى، قالوا: إنَّ العبد هو الذي يشاء الزنى دون مشيئة الله؛ والله لا يريد منه أنْ يزني لا يريده قدرًا لكن شرعًا، لأنَّ الإرادة نوعان: إرادة قدَريّة وإرادة شرعية، الإرادة الشرعية هي الأوامر والأحكام الشرعية، فالله تعالى يُحرّم هذا ولا يريده شرعًا، أما قدرًا؛ فقلنا: إنه لا يقع تحريكة ولا تسكينة إلّا بإذن الله عزّ وجلّ مما يتعلق بأفعال العباد أو غيرهم، لمّا جاءت مسألة – والعياذ بالله - الزنى قالوا: إنَّ العبد يزني والله لم يُقَدِّر الزنى! بل العبد يُقَدّره مستقلًا عن الله؛ والله لا يريد منه ذلك! وهو يوقعه رغمًا عن الله عزّ وجلّ! فسأل هذا السؤال فقال رحمه الله: "ومَن زعم أنَّ الزنى ليس بقدر! قيل له: أرأيتَ هذه المرأة التي حملت مِن الزنى وجاءت بولد هل شاء الله أنْ يخلق هذا الولد؟ وهل مضى هذا في سابق عِلْمِ الله؟" لابُدّ أنْ يقول أحد أمرين، إما أنْ يقول: نعم، فإذا قال: نعم؛ فانتقض عليه قوله، وإما أنْ يقول: لا، الله تعالى لم يشأ أنْ تقع هذه المعصية مِن العبد، فيقال: هذا الابن الذي مَن خلقه؟ مَن شاء أنْ يوجد؟ مَن شاء لهذا الابن هذا مِن الزنى أنْ يوجد؟ بل مَن خلقه؟ أنت تقول: الله عزّ وجلّ ما قدّره أصلًا! وبالتالي مَن خلق هذا الابن؟ الزاني هو الذي خلقَ ابنه؟؟ قطعًا لا يقول هذا إنسان، لو يقول هذا إنسان هذا الكلام يكفر، لو قال أحد: إنَّ الإنسان يخلق إنسانًا! يكفر، وهذا هو المراد الآن في المناظرة، المراد بالمناظرة أيها الإخوة يكون فيها مخانق يُوصَل إليها المناظر حتى يصل لأحد أمرين؛ إما أنْ يقرّ بهذا الأمر الذي ينقض عليه قولَه، فقل: أرأيتَ؟ قولك الباطل لمّا ضُيّق عليك الخناق رجعت ونقضته، وهذا هو المراد أصلًا، المراد هذا حتى يعلم بطلان قوله، وإما أنْ يقول بإمضاء قوله الأول فيلزم منه مقولة موحشة، اللازم للباطل يدل على ماذا؟ يدل على بطلان أصل القول، إذا كان هناك لازم - وهو الذي يترتب عليه القول - باطل؛ هذا يدل على أنَّ القول في أصله باطل، فقال رحمه الله تعالى: "هذا الولد هل شاء الله أنْ يخلق؟ وهل مضى في سابق عِلْم الله عزّ وجلّ أنْ يوجد هذا؟ أو لم يعلمه الله؟" قلنا: المعتزلة تقرّ بالعلم، فإنْ قال: لا، فقد زعم أنَّ مع الله خالقًا؛ وأنَّ الزاني خَلَق ابنَ الزنى منه، قال: "وهذا قول مضارع للشرك بل هو الشرك"، الحقيقة المعتزلة لا تقوله لكن هو يريد أنْ يُضيّق عليهم الخناق، لكن ما جواب المعتزلة؟ لا جواب، هذا هو، لا يستطيعون أنْ يجيبوا، لأنهم إْن قالوا: إنَّ الله هو الذي قَدّر وجود هذا العبد مِن الزنى وخَلَقَ ابنَ الزنى هذا - سبحانه وتعالى - كما خلَقَ سائر عبيده، قلنا: معنى ذلك أنّ الله عَلِم في سابق عِلْمِه ذلك وقد شاء - سبحانه وبحمده - شاء هذه المعصية التي نشأ منها ابنُ الزنى، فهذا مِن المخانق التي لا يستطيعون الجواب عنها.

ثم قال: "مَن زعم أنَّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقَدَر مِن الله عزّ وجلّ" نحن نعلم أنَّ الرزق نوعان، رزق حلال ورزق حرام، الرزق الحلال هو المعروف الذي يأتي إليك بإرث أو بهبة أو بكسب مباح؛ هذا رزق حلال، السرقة إذا سرق العبد وأخذ مالَ غيره لا شك أنَّ هذا محرم ولا يجوز، قَدّر الله عزّ وجلّ أنْ يسرقَ هذا العبد وأَخَذَ هذا المال وأكله مِن كسب باطل، وقَدّر الله عزّ وجلّ الكسبَ المباح والكسبَ الغير مباح، الكسب الغير مباح يقال لصاحبه: تُبْ إلى الله تعالى وأرجع المسروق وعُدْ مِن الذنب الذي أنت فيه؛ فأنت في زمن المهلة، مَن قَدّره؟ قَدّره الله تبارك وتعالى بلا شك، فالله تعالى هو الذي قَدّره، يقول: "مَن زعم أنَّ السرقة وشرب الخمر وأكل المال الحرام ليس بقضاء وقَدَر! فقد زعم أنَّ هذا العبد قادر أنْ يأكل رزقَ غيره!" يعني: كأنَّ الله تعالى جعل هذا المال الذي سُرق جعلَه مقدرًا لفلان بن فلان وكتبه تعالى عنده؛ فهذا السارق أتى وأخذ رزق غيره ولم يتحقق ما قدّره الله مِن أنَّ هذا الرزق لصاحب هذا المال! هذا هو مراده، معنى ذلك أنَّ الله تعالى يُقدّر الرزق فلا يقع الرزق! والحق أنَّ السرقة والزنى وسائر هذه الأمور قد قدّرها الله تبارك وتعالى، والأمر فيها كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: وقوع هذه المعاصي مِن العبد؛ لولا أنَّ العبد هان على الله عزّ وجلّ لَمَا وقع في هذه المعاصي، لأنَّ الله تعالى لو كان لهذا العبد قَدْرٌ عنده لَمَنّ عليه وأكرمه، لكن لأنه هان على الله عزّ وجلّ وقع بهذه الدنايا، فعليه أنْ يراجع نفسه وأنْ يتعرف على الأسباب التي جعلتْهُ يصل إلى مثل هذه المراحل حتى يعود إلى ربه تعالى، هذا فيما يتعلق بأمر المال، المال قدَّرَه الله تبارك وتعالى وأنت تعرف أنَّ هذا السارق حين أَخَذَ هذا المال قد اغتذى به واغتنى به وبنى به بيتًا مثلًا واشترى به طعامًا وتقلب في حياته من آثار هذا المال فهو رزق لكنه رزق حرام، لأنّ الإنسان يستطيع أنْ يأخذ مال غيره؛ فيكون هذا الذي يأكله ويتغذى به لا شك أنه مِن عند الله عزّ وجلّ لكنه رزق حرام، فيقول: إذا قلتَ: إنَّ هذا الرزق ما قَدّره الله، معنى ذلك أنَّ العبد تمكن مِن أنْ يأخذ رزق غيره وأنْ لا يقع ما قَدّره الله تعالى مِن تقسيم الأرزاق! هذه المقولة مثل المقولة السابقة في إلزام المعتزلة ولهذا قال: هذا القول يضارع قول المجوسية والنصرانية.

"بل أكل رزقه وقضى الله له أنْ يأكله مِن الوجه الذي أكله" يعني مِن هذا الوجه المحرم، وبالتالي ما الفائدة؟ الفائدة: ارجع إلى الله تعالى وتُبْ إليه لأنك أكلتَ مِن المال الحرام، ولا تحتج بالقَدَر! ولهذا رفع لعمر رضي الله عنه سارقٌ فلمّا رفعه قال: يا أمير المؤمنين؛ أنا قد قَدّر الله تعالى عليّ أنْ أسرق! فقال عمر رضي الله عنه: وأنا قَدَّر الله تعالى أنْ أقطع يدك(4)، يعني لا تأتي إلى القَدَر لتستدل به على باطلك! ولتجعل القَدَر حجة في أنْ تفعل الباطل! نعم الله تعالى قَدّر هذا الأمر وعليك أنْ تتوب منه، لكن أيضًا الله تعالى أمرني أنْ أقيم الحدود؛ فسأقطع يدك قَدَرًا كما سرقتَ أنت قَدَرًا، ثم جاء أمْرُ قتلِ النفس، المعتزلة - قبحهم الله - لهم مقولة موحشة جدًا في الأجل، يقولون: الأجل يُقَدّره الله تعالى؛ فمثلًا يُقَدّر الله أنْ يعيش العبد ثمانين سَنَة؛ فإذا قتله أحدٌ يقولون القاتل - نسأل الله العافية والسلامة، كلمة موحشة جدًا - قطع أجلَه، قال: القاتلُ قطعَ أجلَه، لو لم يقتله لعاش ثمانين سَنَة، فلما قتله عاش ستين سَنَة، فالقاتل قطع الأجل الذي قَدّره الله، ولولا لم  يقتله لاستمر حتى يصل إلى أجله، ما الذي يترتب على هذا الكلام الموحش؟ أنَّ الذي تحقق هو مشيئة العبد دون مشيئة الله! فالله شاء له ثمانين سَنَة - بزعمهم - لكن القاتل تمكّن مِن أنْ يُنهي أجلًا قَدّره الله تعالى وأنْ لا يصل هذا الإنسان إلى ما قد قَدّره الله تعالى؛ بل قطعه القاتل على الله عزّ وجلّ، وهذا أمرٌ موحش جدًا في الحقيقة، يعني لولا الضرورة ولولا أنَّ حربًا رحمه الله تعالى تطرق لها لَمَا تطرقنا له، لأنَّ مثل هذه المقولات لا نقولها حقيقة أثناء الشروح العامة، لكنْ لمّا تطرق لها رحمه الله تعالى وأراد الردّ فلابُدّ من الرَّدّ الذي يُبيّن أصل المقولة، لأنَّ مقولة المعتزلة في هذه الفظاعة - نسأل الله العافية والسلامة -، وبناء عليه يلزمهم أنَّ الله تعالى يُقَدّر الآجال لكنّ العباد يقطعونها، فيشاء الله الأمور ولا تقع! فالقاتل - بزعمهم - قتَل هذا بزعمهم فقطع على هذا المقتول أجله؛ فتحقق مراد العبد دون مراد الله! وهذا في الحقيقة فيه تغليب لمشيئة العبد على مشيئة الله، بل هذا فيه تعجيز لرب العالمين سبحانه وتعالى.

وهذا الأمر كما قلنا يدركه حتى عوام المسلمين أنه مِن الأقوال الباطلة، فنعطي نموذجًا عليه يُعلم به أنَّ عامة المسلمين يعلمون بطلان هذا القول، روى اللالكائي رحمه الله تعالى عن مرحوم العطار أنَّ رجلًا مِن أهل السُّنَّةِ طَلَبَ إليه أنْ يذهب معه إلى أحد المعتزلة ليشتري منه جارية، يقول مرحوم: فدخلنا عليه، فلما دخلنا عليه قال: لا يأتيكم بطعامكم أو بكذا إلّا التي أردتم أنْ تشتروها - يقصد الجارية - ثم أَمَرَ أنْ تحضر لهما ماءً - الجارية هذه - فأحضرت الماء، لمّا أحضرت الماء وضع المعتزلي القدحَ على يده، المعتزلي يزعم أنَّ الأمور إليه دون الله؛ وأنَّ الذي يتحقق مشيئة العبد دون مشيئة الرب! فوضع القدح على يده وقال - يُعَرِّض لأهل السُّنَّة - يقولون: إنني لا استطيع أنْ أشرب هذا الكأس!! ثم قال: هي - يقصد الجارية - حرةٌ لوجه الله إنْ لم أشربه؛ أترى مانعًا؟ يعني هل مِن أحد يمنعني مِن أنْ أشرب هذا؟ هذا فعلي وعملي والأمر إليّ، فكأسٌ على يدي وماءٌ أريد أنْ أشربه؛ هل يستطيع أحد أنْ يمنعني؟ إنْ لم أشربه فهي حرةٌ لوجه الله، يقول الراوي: فضربتِ الجارية القدحَ بطرف ثوبها ووقع القدح وتحققت مشيئةُ رب العالمين، هو يقول: إنْ لم أشربه فهي حرةٌ لوجه الله، يقول مرحوم العطار رحمه الله: فخرجتْ معنا متقنعة – يعني تغطت - لأنها صارت حرة، ماذا سُميتَ؟ ما الذي اعتقَها؟ سُميت مولاة السُّنَّةِ، الذي أعتقها السُّنَّةُ، الذي اعتقها اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة، وخضع المعتزلي وتحررت رُغم أنفه، ووقع ما قدّره الله تعالى، وقوله: هل ترى مانعًا؟ هناك أحدٌ يمنعني مِن أنْ أشرب الماء؟ ثم قال: هي حرة لوجه الله تعالى إنْ لم أشربه، فكان الله تعالى قد قَدَّر أنْ تضربَ الجارية على – هي على السُّنَّةِ - أنْ تضرب القدح فسقط، وقد علَّق عتْقَها بكونه لا يشرب الماء؛ فلم يشرب الماء، فتقنعت، لأنَّ الجواري يكشفن عن وجوههن؛ فإذا تحرَّرْن فإنَّه يلزمهنّ تغطية الوجه، فخرجت متقنعة، يعني أنها غطت وجهها بالقناع وسُميت مولاة السُّنَّةِ(5)، لأنَّ كل أحد يعلم أنَّ الأمور إلى مشيئة الله سبحانه وتعالى، وليست الأمور إلى العبد استقلالًا! بحيث يستقل بالأمر كما يزعمون، والقاتل والمقتول لا شك أنَّ الله تعالى قد قَدّر أنْ يُقتل في الوقت الفلاني وفي الساعة الفلانية وفي الوقت المحدد؛ وأنَّ قَتْلَه بحقٍ أو بباطل؛ وأنَّ قَتْلَه يقع على يد مجاهدٍ في سبيل الله يقتله فيموت ذاك على الكفر؛ أو يقع على يد ظالمٍ تَعَدّى عليه فقتله، الله عزّ وجلّ هو الذي قَدّر هذا، المعتزلة لا تريد أنْ تقول هذا، وإنما تقول أنَّ هذا أمرٌ إلى العبد، قطع الأجل الذي قَدَّرَه الله! نسأل الله العافية والسلامة.

ثم قال رحمه الله تعالى: "بل ذلك كله - يعني ما تقدم مِن أفعال العباد - بقضاءٍ مِن الله وقَدَر، وكل ذلك بمشيئته في خلْقِه وتدبيره فيه سبحانه وتعالى، وما جرى في سابق عِلْمِه لهم" ثم قال: "وهو العدل الحق الذي يفعل ما يريد سبحانه وبحمده".

أتى إلى مسألة تحتاج إلى توضيح وهي مِن عبارات السلف رحمهم الله تعالى جاءت عن الشافعي وغيره يقول رحمه الله: "ومَن أقرّ بالعلم" يعني مَن أقرّ أنَّ الله تعالى عَلِمَ الأشياء كلها والمعتزلة تُقرّ بهذا "لزمه الإقرارُ بالقَدَر والمشيئة على الصَّغَر والقماءة" يعني على الذل، يلزمه ذلك ذليلًا، ما معنى هذا الكلام؟ يقول السلف رحمهم الله في القَدَريّة: ناظروهم بالعلم؛ فإنْ أقرّوا به خُصموا، وإنْ جحدوه كفروا، لو قال أحد: إنَّ الله تعالى لا يعلم الأشياء! يكفر بالإجماع، ولهذا قلنا: إنَّ القَدَريّة الأوائل كفَّرهم السلف بالإجماع لأنَّهم قالوا: إنَّ الله لا يعلم الأمور حتى تقع، وبالتالي لا يكون مُقَدّرًا لها، فيقول السلف: ناظروهم هؤلاء - نفاة القَدَر – بالعلم، ابدأوا معهم بالعلم؛ فإنْ أقرّوا أنَّ الله عَلِمَ الأشياء خُصموا، انتهت حجتُهم، والمعتزلة تُقرّ بالعلم، عند ذلك يُخصمون، وإنْ جحدوه كُفِروا كما كُفِّرَتْ القَدَريّة الأوائل، ولهذا قال: إنَّ منْ أقرّ بالعلم لزمه الإقرار بالقَدَر والمشيئة، ما معنى قولهم "ناظروهم بالعلم؛ فإنْ أقروا به خُصِموا وإنْ جحدوه كفروا"؟ معناه: أنَّ مَن جحد ما يقع مِن العباد مما قد عَلِمَه الله فقد زعم أنَّ الله تعالى جهل ما سيقع! وهذا قلنا: إنَّه كفر بالإجماع، وإنْ قال: لا؛ بل الله عَلِمَ أنَّه سيقع الزنى؛ وعَلِمَ أنَّه سيقع القتل؛ وعَلِمَ كلَّ شيء؛ فإذا أقرّ أنَّ الله تعالى عَلِمَ ما سيعمل العباد لزمه أنَّ الله قَدّرَه، يعني إذا قال: إنَّ الله عَلِمَ أنَّه سيقع هذا مِن العباد فإنَّه يلزمه أنَّ الله تعالى قَدّره لأنَّه عَلِمَه؛ فلما عَلِمَه كتبه وقَدّره، ويقال له - الذي قال: إني أقرّ بالعلم -: إنَّ الله تعالى عَلِمَ الأمر وهو سبحانه وتعالى الذي قَدَّرَه عزّ اسمُه؛ فلا تستطيع أنْ تفصل بين كون الله عَلِمَ الشيء وكون الله تعالى قَدَّرَه، يعني إما أنْ تجحد مراتب القَدَر الأربعة كما فعلت القَدَريّة الأوائل وهم سلف المعتزلة، يعني المعتزلة مِن أين أتتهم هذه المقالة؟ أتتهم مِن القَدَرية الأوائل مِن معبد وأمثاله ومِن سوسن وسيسويه، فنقول: لا تستطيع الفصل، إما أنْ تقرّ بالقَدَر بمراتبه الأربعة، أما أنْ تُقرّ بمرتبة العلم وتجحد أنَّ الله تعالى شاء هذا الأمر لا يتأتى لك هذا! أنت إذا أقررتَ بالعلم لزمك الإقرار بالمشيئة، إذن يُقال لِمَن قال: بل عَلِمَه الله؛ والأمر في خَلْقِ الفعل للعبد يقال له: إذا كان الأمر كذلك تقول: إنَّ الله عَلِمَ مِن العبد أنَّه ستقع منه المعصية والعبد هو الذي خَلَقَ المعصية لنفسه؛ فيقال له: هل يَقْدِرُ العبد ما دام يخلق فعْلَه بزعمك؟ هل يَقْدِرُ أنْ يمتنع عن الفعل فلا يفعله؛ فيغيّر عِلْمَ الله السابق؟ أنت تقول: الله تعالى عَلِمَ مِن العبد أنَّه سيفعل كذا؛ والعبد هو الذي يخْلُقُ فعْلَه! فيقال: هل يَقْدِرُ العبد أنْ يمتنع ويُغيّر ما عَلِمَ ألله أنَّه سيقع أو لا يقدر؟ الجواب واضح، لا يمكن أنْ يقول: إنْ العبد يستطيع أنَّ يُغَيّر ما عَلِمَه الله في السابق، فيقال: أرأيتَ؟ العلم مربوط بالمشيئة، فكما عَلِمَه الله تعالى فقد شاءه، أما لو كان العبد مستقلًا؛ فإنَّه يستطيع أنْ يُغَيِّر ما عَلِمَ ألله مِن العبد أنَّه سيقع! فالأمر تقول: إنَّ العبد هو الذي يخلق فعله؛ وبالتالي فالعبد يتمكن بزعمك مِن أنْ يستقل عن أمرِ الله تعالى؛ إذن يستطيع أنْ يُغَيِّر عِلْمَ الله بأنّ العبد سيفعل كذا! ولهذا الإقرار بالعلم بأنَّ الله عَلِمَ الأشياء يلزم معه أنَّ الله تعالى شاءها، أما إذا قال: إنَّ الله تعالى عَلِمَ الأشياء ولم يشأها؛ بل المشيئة للعبد وهو الذي يخلق فعلَه! ما دمتُ الآن مستقلًا بفعلي ومشيئتي والله تعالى عَلِمَ مني أني أنَّه ستقع مني معصية والأمر إليّ أقول: اليوم سأُغَيِّر عِلْمَ الله، عَلِمَ الله مني أني سأفعل كذا والأمرُ إليّ إذن لن أفعلها، فبالتالي يتغير عِلْمُ الله تعالى، ولو قال هذا أحد كفر، يعني عندنا يا إخوة موضوع العلم بالإجماع - بإجماع المسلمين - مَن قال: إنَّ الله لا يعلم الشيء! هذا بإجماع المسلمين يكفر، فالمعتزلة علمتْ خطورة نفي العلم الذي فعله سلفهم وهم القَدَريّة، قالوا: بل قد عَلِمَه الله، وقالوا عَلِمَ الله الأشياء؛ يقال: بالصَّغَر وبالقماءة يلزمكم إثبات القَدَر، يقولون: كيف؟ ما دام الله تعالى عَلِمَ الأشياء فلابُدّ أنَّه شاءها وقدَّرَها، فإنْ قلتَ: إنَّه عَلِمَها ولم يُقَدّرها وإنما التقدير للعبد؛ فأقول: انتظر اليوم؛ المعصية التي ستقع مِن العباد وقد عَلِمَها الله تعالى؛ يُقرّر العبادُ ألّا يفعلوها! وبالتالي يكون الله تعالى عَلِمَ أمرًا لكنه لم يتحقق! وهذا تجهيل لرب العالمين سبحانه وتعالى، ولهذا مَن أقرّ بالعلم لزمه الإقرارُ ببقية مراتب القَدَر، ومَن ردّ العلم فكما قال السلف: "ناظروهم بالعلم؛ فإنْ أقرّوا به خُصِموا، وإنْ جحدوه كفروا"، أيّ أحدٍ يقرّ أنَّ الله تعالى عَلِمَ الأشياء يلزمه الإقرار بمراتب القَدَر، أما أنْ يقول: إنَّه علمها ولم يشأها وإنما المشيئة إلى العبد - ما دامت المشيئة إليّ - فسأُغير عِلْمَ الله! هذا المعنى، وهذه مزية يا إخوة النقاش مع أهل الضلال مِن قِبَلِ علماء أفذاذ كبار مثل هؤلاء الأئمة رحمهم الله تعالى، فإنهم يُلزمونهم، مثلما نقول الآن للرافضة، الرافضة أيها الإخوة يسقط مذهبهم تمامًا عن طريق مخانق تخنق المذهب الرافضي، الرافضة مثلًا تقول: إنَّ الأئمة معصومون ولا يقع منهم أيّ خطأ! مع أنَّ الرافضة تقول - طائفة منهم - إنَّ الأئمة معصومون والرسل غير معصومين! نسأل الله العافية والسلامة، يقال: دعنا في موضوع عصمة الأئمة، الأئمة معصومون معناه أنَّه لا يقع منهم خطأ؟ يقولون: نعم، نقول: تعال، فإذا جاء عن الإمام قول وجاء عن الإمام الآخر قول بخلافه أو موقف قال به إمام وعارضه فيه إمام آخر؛ الصواب مع مَن؟ مع هذا المعصوم الأول ولا مع المعصوم الثاني؟ ونعطيك عليه مثالًا: الحسن بن علي رضي الله تعالى عنهما قرّر أنْ يتنازل لمعاوية رضي الله تعالى عنه بالخلافة؛ وأنْ يحقن الدماء، فكان رأي الحسين بن علي رضي الله تعالى عنهما أنْ لا يُوقف القتالُ، وقال: إنَّه يرى إمضاء القتال حتى يُحسم الأمر، فغضب الحسن على أخيه الحسين رضي الله عنهما، وفي بعض الروايات أنَّه قال: والله لقد هممتُ أنْ أطين عليه حتى أقضي هذا الأمر، يعني سيحبسه ويطين عليه، فقال: يا أخي، أنت أكبر أولاد عليّ فالأمر إليك، لأنه هو الذي بُويع، الآن تنازلُ الحسن لمعاوية صواب أو خطأ؟ إنْ قالت الرافضة: إنَّه صواب؛ فموقف الحسين خاطئ، وإنْ قالوا: إنَّ الحسين موقفه هو الصواب وكان ينبغي أنْ يحارب؛ فتنازلُ الحسن خاطئ، والحسن عندكم معصوم والحسين معصوم، لابُدّ مِن أحد أمرين، الأمر الآخر أنتم تقولون - قبحكم الله وأخزاكم -: إنَّ معاوية رضي الله عنه كافر، أنتم لا تشعرون ولا تدرون بالذي يترتب على هذا الأمر، معنى ذلك أنَّ الحسن - وهو معصوم عندكم - تنازل لأمر الأمة لرجل تزعمون أنَّه مِن الكفار! وهذا مِن أعظم الخيانة أنْ تُجعل قيادة أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم بيد كافر، فأنتم بين أمرين، إما أنَّ معاوية - ورغم أنوفكم - مِن المؤمنين وهو كذلك، وإما أنْ تقولوا: إنَّ الحسن - وهو معصوم - تنازل بالإمامة لكافر، على الأمرين يسقط المذهب الرافضي، وهكذا مجموعة مِن المخانق لهذه المذاهب الباطلة، ولهذا كان مِن طريف ردود ابن سريج رحمه الله تعالى مع أحد أهل العلم ابن أبي داود - كلاهما مِن أهل السُّنَّة - لمّا أراد مناقشته قال له رحمه لله تعالى: أقطعُك أو أردّ عليك؟ أم أردّ عليك ثم أقطعُك؛ ماذا تريد؟ أنت الآن أدليتَ إليّ بأمر؛ إنْ شئت قطعتُك ثم رددتُ عليك بالتفصيل، وإنْ شئت رددتُ عليك ثم قطعتُك، قال ردّ عليّ ثم اقطعني(6)، رحمهما الله، قطعه مثلًا، أعطيك مثالًا، يعني إذا أتاك إنسان بشبهة وقال: هذا عندي حديث يدل على جواز دعاء غير الله عزّ وجلّ مِن الصالحين، كيف تقطعه؟ أقول: الآن أقطعك أم أردّ عليك؟ أو تريد أنْ أردّ عليك بالتفصيل ثم أُبيّن لك النصوص ثم أقطعك، كيف أقطعه؟ أقول الحديث الذي معك موضوع مكذوب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، انقطع، عرفتُ أنَّه مكذوب بعد ذلك أردّ عليك بالنصوص مِن كتاب الله وسُنّةِ رسوله صلّى الله عليه وسلّم على أنَّه لا يجوز أنْ يُدعى غير الله، الردّ عليه أنْ يُبدأ بتقرير أنَّ الله تعالى بعث الرسل عليهم الصلاة والسلام للدعوة إلى التوحيد، قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا(7) ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا(8)، ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا(9)، ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ(10) كل هؤلاء ماذا قالوا: ﴿يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ(11)، وهكذا قول النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وهكذا مجموعة مِن الأدلة، فنقول: هذا الرَّدّ، ثم بعد ذلك نقول: والحديث الذي معك موضوع مكذوب على رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ فتركتَ الحديث الصحيح والنصوص الصريحة في كتاب الله واستدللت بحديث موضوع، القصد ما هو؟ أنَّ التصدر للرَّدّ على أهل الباطل لا يكون مِن قِبَلِ أيّ أحد، لأنَّ الحق إذا رُدَّ - إذا كان الرادّ ضعيفًا ظهر الحق في مظهرٍ ضعيف -، مع أنَّ هذه الشُّبه - ولله الحمد - ليست بشيء، ولا تُعادل قلامة ظفر، لا شُبَه الملاحدة ولا المُنَصّرين ولا الروافض ولا دعاة الشرك ولا الليبراليين والعلمانيين ولا غيرهم، لكن تحتاج إلى مَن يضبط الرَّدّ، وينطلق مِن قاعدة علمية راسخة، أما أنْ يردّ مَن كان عنده ضعف؛ فإنَّه يَظهر الحقُّ بمظهر ضعيف، ولهذا يحرص دائمًا أهلُ الباطل على أنْ يناظروا الضعفاءَ مِن أهل السُّنَّة، ويفرّون مِن مناظرة مَن لديه رسوخ في العلم، لأنهم يعلمون أنَّ الحق الذي مع أهل السُّنَّةِ لا يمكن أنْ يُردّ؛ فيبحثون عن ضعيف - مثل السلاح الماضي القوي إذا حمله طفلٌ لا يستطيع أنْ يرفع هذا السيف -، فلابُدّ أنْ يكون الأمرُ عند أهله، وأنْ لا يتصدر أحدٌ للرَّدِّ إلّا إذا كان مؤهلًا وقادرًا على الرَّدّ، ولهذا هذه العبارات التي قلناها مِن طريق الردود على المعتزلة وأمثالهم هي في الحقيقة كثيرة جدًا، كثيرة للغاية، ووجوه الردّ عليهم - ولله الحمد - يعني مِن عدة أوجه، وليس فقط مِن هذه الوجوه التي ذكرنا، يعني كلامُهم يبطل مِن أكثر مِن وجه، لكنْ يجب أنْ يتصدر لمثل هذا الأمر مَن هو مؤهل، أما إذا جاء ليناقشهم وليس بمؤهل؛ فإنه يضعف في الرَّدّ ويظهر مِن كلامه الاضطرابُ وعدمُ التدقيق بما يظن الظَّانّ أنَّ الحق ضعيف، والحق لله الحمد ليس بضعيف ولكن الذي حمل هذا الحق كان هو الضعيف، نعم.

هنا قال عبارة قال: "ومَن أقرّ بالعلم لزمه الإقرارُ بالقَدَر والمشيئة على الصِّغَر والقماءة، والله الضار النافع المضل الهادي" هذه الأسماء يُقْرن بينها، فهل الله هو الهادي؟ إي ولله الحمد هو الهادي ونسأله أنْ يهدينا، هل الله هو المضلّ؟ أي والله هو المضل ونعوذ بالله أنْ يضلنا، لكن يُقْرن بينها، فيُقال: النافع الضار، الهادي المضلّ، القابض الباسط، فهذه الأسماء يُقْرن بينها، لأنّ لها معنىً حقًا بلا أدنى شك، فالله هو الهادي بلا ريب، ولكنه تعالى كما أنه هو الهادي فهو المضل، وكما أنَّه تبارك وتعالى هو الضار فهو النافع، فينبغي أنْ تذكر الاسمين مقرونين حتى لا تقول: إنَّ الله هو الضار، نعم هو الضار سبحانه وتعالى؛ ولكن هو النافع، تَذْكُرُ الأمرين معًا لأنه يضر وينفع، ويهدي ويضل سبحانه وتعالى، أما أنْ تتكلم عن كونه سبحانه وتعالى هو الذي يضل والذي يضر مَن شاء سبحانه وتعالى دون أنْ تذكر أنَّه تعالى ينفع ويهدي؛ فهذا إبانة لبعض الحق دون بعض، فمثل هذه الأسماء يُقْرنُ بينها.


(1) صحيح. أبو داود (4691) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (4442).
(2) الإنسان: 30.
(3) صحيح مسلم (8) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(4) يُنظر شرح الطحاوية (ص: 105).
(5) شرح أصول اعتقاد أهل السُّنَّة والجماعة لللالكائي (4/ 802).
(6) ينظر "البرهان في علوم القرآن" للزركشي (2/ 46).
(7) الأعراف: 65.
(8) الأعراف: 73.
(9) الأعراف: 85.
(10) الأعراف: 59.
(11) الأعراف: 59.