موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه - شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب العلم من صحيح البخاري لفضيلة الشيخ عبد العزيز بن محمد السعيد
  
 
 شرح كتاب العلم من صحيح البخاري
 بَابُ فَضْلِ العِلْم إلى بَاب طَرْحِ الإِمَامِ المَسْأَلَةَ عَلَى أَصْحَابِهِ لِيَخْتَبِرَ مَا عِنْدَهُمْ مِنَ العِلْم
 بَابُ مَا جَاءَ فِي العِلْمِ وبَابُ مَا يُذْكَرُ فِي المُنَاوَلَةِ
 بَابُ مَنْ قَعَدَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ المَجْلِس إلى بَاب مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالْمَوْعِظَةِ وَالعِلْمِ
 بَابُ مَنْ جَعَلَ لِأَهْلِ العِلْمِ أَيَّامًا مَعْلُومَة إلى بَاب مَتَى يَصِحُّ سَمَاعُ الصَّغِيرِ؟
 بَابُ الخُرُوجِ فِي طَلَبِ العِلْم إلى بَاب مَنْ أَجَابَ الفُتْيَا بِإِشَارَةِ اليَدِ وَالرَّأْس
 بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه
 بَابُ عِظَةِ الإِمَامِ النِّسَاءَ وَتَعْلِيمِهِنَّ إلى بَاب حِفْظِ العِلْم
 بَابُ الإِنْصَاتِ لِلْعُلَمَاء إلى بَابُ مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَه
شرح كتاب العلم من صحيح البخاري - بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْس إلى بَاب تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَه

بَابُ تَحْرِيضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ

عَلَى أَنْ يَحْفَظُوا الإِيمَانَ وَالعِلْمَ، وَيُخْبِرُوا مَنْ وَرَاءَهُمْ

وقَالَ مَالِكُ بْنُ الحُوَيْرِثِ: قَالَ لَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ارْجِعُوا إِلَى أَهْلِيكُمْ فَعَلِّمُوهُمْ».

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ، قَالَ: كُنْتُ أُتَرْجِمُ بَيْنَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَبَيْنَ النَّاسِ، فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ القَيْسِ أَتَوُا النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «مَنِ الوَفْدُ أَوْ مَنِ القَوْمُ" قَالُوا: رَبِيعَةُ، فَقَالَ: "مَرْحَبًا بِالقَوْمِ أَوْ بِالوَفْدِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلاَ نَدَامَى" قَالُوا: إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرَ، وَلاَ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَكَ إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ، فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا، نَدْخُلُ بِهِ الجَنَّةَ. فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَحْدَهُ، قَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ؟" قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: "شَهَادَةُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاَةِ، وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ، وَصَوْمُ رَمَضَانَ، وَتُعْطُوا الخُمُسَ مِنَ المَغْنَمِ" وَنَهَاهُمْ عَنِ الدُّبَّاءِ وَالحَنْتَمِ وَالمُزَفَّتِ" قَالَ شُعْبَةُ: رُبَّمَا قَالَ: "النَّقِيرِ" وَرُبَّمَا قَالَ: "المُقَيَّرِ" قَالَ: "احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوهُ مَنْ وَرَاءَكُمْ».


قوله "باب تحريض النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وفدَ عبد القيس على أنْ يحفظوا العلم والإيمان ويخبروا مَن وراءهم التحريض هو الحثّ، لكن يقول العلماء: التحريض فيه معنى زائد على الحثّ لأنّ التحريض هو الحثّ على الشيء بكثرة، فهو أبلغ مِن الحثّ، وعندنا في هذا الباب تحريض النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم على أنْ يحفظوا الإيمان، ومقصود البخاريّ مِن هذا الباب أنّ العالم يحثّ على حفظ ما علَّمه غيرَه، والثانية: أنه يأمر مَن علَّمَه بتبليغ ما عَلِمُوه لغيرهم، سبق "باب فضل مَن علِم وعلَّم" وهنا العالم هو الذي يحرض مَن تعلّم على حفظ العلم والإيمان وعلى تعليمه لغيره، وهنا أَمَرَ النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وفدَ عبد القيس، لأنهم لمّا وفدوا عليه أمرهم النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك وقال لهم في آخره: "احفظوه" وهو موضع الشاهد "وأخبروه مَن وراءكم" وهذا الأمر مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم يدلُّ على مشروعية تبليغ العلم لِمَن لا يعلمه وحفظِ هذا العلم، وهو على مراتب، تارة يكون على الكفاية إذا وُجِدَ مَن يقوم به، وتارة يكون على الأعيان إذا تَعَيّن على الشخص، إذا كان الإنسان مثلًا في قرية أو في مكان لا يوجد فيها إلّا هو وقد حفظ العلم؛ وجبَ عليه أنْ يبلغ، لكن إذا كانت هذه القرية مأهولة وفيها مَن يُعَلّم وقائم بالفرض؛ صار هذا الحكم ليس متعيّنًا عليه، وهذا مثل قول الله عل وعلا: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ(1)  وهذا الحديث سبق في أكثر مِن موضع.

بَابُ الرِّحْلَةِ فِي المَسْأَلَةِ النَّازِلَةِ، وَتَعْلِيمِ أَهْلِهِ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ أَبُو الحَسَنِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ، قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ؛ أَنَّهُ تَزَوَّجَ ابْنَةً لِأَبِي إِهَابِ بْنِ عُزَيْزٍ، فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ أَرْضَعْتُ عُقْبَةَ وَالَّتِي تَزَوَّجَ، فَقَالَ لَهَا عُقْبَةُ: مَا أَعْلَمُ أَنَّكِ أَرْضَعْتِنِي، وَلاَ أَخْبَرْتِنِي، فَرَكِبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ فَسَأَلَهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَيْفَ؛ وَقَدْ قِيلَ» فَفَارَقَهَا عُقْبَةُ، وَنَكَحَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ.


"باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله" هذا الباب أخصُّ مِن الباب السابق "الخروج في العلم" هذا مخصوص بالمسألة النازلة وهي المسألة الحادثة التي تطرأ على الإنسان؛ فيحتاج إلى معرفة الحكم فيها، فإنه قد يحتاج إلى الرحلة فيها فيرحل فيها، والشاهد عليه ما ذكره في هذه القصة - قصة عقبة بن الحارث - لأنه قال فيها: فركب إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالمدينة، قال: "وتعليم أهله" يعني باب الرحلة في المسألة النازلة وباب تعليم أهله، مِن أين نأخذ تعليم أهله؟ مِن أين في الحديث؟ لأنه لمّا عاد أعلَمَهم بالحكم فنكحت زوجًا غيره، إذن هل تعليم أهله بخصوص المسألة المنازلة هنا أم في العموم؟ هو محتمل، محتمل باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله يعني في المسألة النازلة، ومحتمل أنْ يكون باب الرحلة في المسألة النازلة وباب تعليم أهله، يعني تعليم أهله محتمل أنْ تكون معطوفة على الرحلة ومحتمل أنْ تكون معطوفة، إما معطوفة باب الرحلة في المسألة النازلة وباب تعليم أهله، وإما انْ يكون باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله حكمَ هذه المسألة النازلة، وهذا الحديث مما تفرد به الإمام البخاريّ عن الإمام مسلم فلم يخرجه مسلم.

وإسناد هذا الحديث محمد بن مقاتل بن الحسن وهو المروزي وقد تقدم، وعبد الله هو ابن المبارك، والمروزي يروي كثيرًا عن عبد الله بن المبارك، وهو راوية عبد الله بن المبارك، قال: أخبرنا عمر بن سعيد بن أبي الحسين وهو النوفلي المكيّ حديثُه مُخَرَّج له في الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا عبد الله بن أبي مليكة التيمي القرشي وقد سبق.

بَابُ التَّنَاوُبِ فِي العِلْمِ

- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، ح قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ عُمَرَ، قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَجَارٌ لِي مِنَ الأَنْصَارِ فِي بَنِي أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدٍ وَهِيَ مِنْ عَوَالِي المَدِينَةِ وَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَنْزِلُ يَوْمًا وَأَنْزِلُ يَوْمًا، فَإِذَا نَزَلْتُ جِئْتُهُ بِخَبَرِ ذَلِكَ اليَوْمِ مِنَ الوَحْيِ وَغَيْرِهِ، وَإِذَا نَزَلَ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ، فَنَزَلَ صَاحِبِي الأَنْصَارِيُّ يَوْمَ نَوْبَتِهِ، فَضَرَبَ بَابِي ضَرْبًا شَدِيدًا، فَقَالَ: أَثَمَّ هُوَ؟ فَفَزِعْتُ فَخَرَجْتُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: قَدْ حَدَثَ أَمْرٌ عَظِيمٌ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَى حَفْصَةَ فَإِذَا هِيَ تَبْكِي، فَقُلْتُ: طَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؟ قَالَتْ: لاَ أَدْرِي، ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْتُ وَأَنَا قَائِمٌ: أَطَلَّقْتَ نِسَاءَكَ؟ قَالَ: "لاَ" فَقُلْتُ: اللَّهُ أَكْبَرُ.


"باب التناوب في العلم" يعني باب مشروعية التناوب في العلم لفعل عمر رضي الله تعالى عنه كما في هذا الحديث؛ وإقراره على ذلك، والتناوب في العلم دليل على الحرص عليه، لأنّ المتناوبين كلّ منهما يبلغ الآخر ما سمعه في غير نوبته، وهذا الحديث أخرجه أيضًا الإمام مسلم في صحيحه.

وقوله: حدثنا أبو اليمان وهو الحكم بن نافع، أخبرني شعيب وهو ابن أبي حمزة عن الزهري محمد بن مسلم ح وقال: ابن وهب، وقال عبد الله بن وهب، وعبد الله بن وهب متقدم لم يسمع منه البخاريّ، لأنه لما توفي، توفي سَنَة "197" يعني وللبخاري نحوًا مِن سنتين أو ثلاثة، والبخاريّ لا يروي عنه إلّا بواسطة، فرواية البخاريّ عنه رواية معلقة وقد وصل هذا التعليق ابن حبان في صحيحه.

قال: أخبرنا يونس هو ابن يزيد عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور القرشي، وقد خَرَّجَ حديثَه أصحابُ الكتب السِّتَّة، وابن أبي ثور هذا ليس له عن عبد الله بن عباس إلّا هذا الحديث.

بَابُ الغَضَبِ فِي المَوْعِظَةِ وَالتَّعْلِيمِ، إِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنِ ابْنِ أَبِي خَالِدٍ، عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ، لاَ أَكَادُ أُدْرِكُ الصَّلاَةَ مِمَّا يُطَوِّلُ بِنَا فُلاَنٌ، فَمَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْعِظَةٍ أَشَدَّ غَضَبًا مِنْ يَوْمِئِذٍ، فَقَالَ: «أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّكُمْ مُنَفِّرُونَ، فَمَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ، فَإِنَّ فِيهِمُ المَرِيضَ، وَالضَّعِيفَ، وَذَا الحَاجَةِ».

- حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ المَلِكِ بْنُ عَمْرٍو العَقَدِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلاَلٍ المَدِينِيُّ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ يَزِيدَ مَوْلَى المُنْبَعِثِ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ؛ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَنِ اللُّقَطَةِ، فَقَالَ: «اعْرِفْ وِكَاءَهَا، أَوْ قَالَ وِعَاءَهَا، وَعِفَاصَهَا، ثُمَّ عَرِّفْهَا سَنَةً، ثُمَّ اسْتَمْتِعْ بِهَا، فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا فَأَدِّهَا إِلَيْهِ»، قَالَ: فَضَالَّةُ الإِبِلِ؟ فَغَضِبَ حَتَّى احْمَرَّتْ وَجْنَتَاهُ، أَوْ قَالَ: احْمَرَّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «وَمَا لَكَ وَلَهَا، مَعَهَا سِقَاؤُهَا وَحِذَاؤُهَا، تَرِدُ المَاءَ وَتَرْعَى الشَّجَرَ، فَذَرْهَا حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا» قَالَ: فَضَالَّةُ الغَنَمِ؟ قَالَ: «لَكَ، أَوْ لِأَخِيكَ، أَوْ لِلذِّئْبِ».

- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ العَلاَءِ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ بُرَيْدٍ، عَنْ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي مُوسَى، قَالَ: سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا، فَلَمَّا أُكْثِرَ عَلَيْهِ غَضِبَ، ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ: «سَلُونِي عَمَّا شِئْتُمْ» قَالَ رَجُلٌ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ: مَنْ أَبِي يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ»، فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِهِ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا نَتُوبُ إِلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.


"باب الغضب في الموعظة والتعليم إذا رأى ما يكره" فقيّد الغضب بقوله "إذا رأى ما يكره" يعني مِن المتعلِّم أو مِن السائل أو مِن الفاعل، ذكر الحديث الأول، قال: حدثنا محمد بن كثير وهو العبدي البصري خرَّجَ له البخاريّ ومسلم، قال: أخبرنا سفيان وهو الثوري، عن ابن ابي خالد وهو البجلي الذي تقدم، عن قيس بن أبي حازم وهو مِن المخضرمين - كوفي مخضرم -، عن أبي مسعود الأنصاري وهو عقبة بن عمرو، وهذا الحديث خرَّجَه مسلم، والشاهد فيه قوله في الحديث "فما رأيتُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم في موعظة أشدَّ غضبًا مَن يومئذ" لأنه رأى مِن معاذ بن جبل رضي الله عنه ما يكره، لأنّ معاذ أوقع صلاتَه حيث أطال على خلاف السُّنَّةِ، لأنّ سُنَّةِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ما كان يطيل في صلاة العشاء، إنما أطال في صلاة الفجر، وصلاة العشاء يقرأ قراءة متوسطة والمغرب يُقصر، هذا في الغالب، فيمكن معاذ رضي الله عنه كان يطيل بهم حتى إنَّ هذا الرجل كان يتأخر في حضور الصلاة، ففعل معاذ رضي الله عنه ترتب عليه مفسدة وهو تأخر بعض المصلين عن الصلاة مما لحق بهم مِن الضرر، فغضب النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم مِن ذلك، وهذا الحديث نُنَبّه عليه في مسألة - وإن كانت خارجة - لكن بعض الناس الآن يصلي صلاة طويلة؛ فالإمام يصلي صلاة طويلة، يأتي إنسان يقول: هذا فلان صلى رمضان الليل كله، كل ليلة في رمضان يصلي صلاة الليل إلى الفجر وقت السحور، هذا غلط، ليس بسُنّة، هذا خلاف السُّنَّة ولا يمدح به، يُمدح بالسُّنَّة، لا يُمدح به، هذا يُطوى ويُنصح، وبعض الناس إذا أمَّ الناس في صلاة مثلًا المغرب أو صلاة العشاء يطيل، الناس تطيل في المغرب والعشاء وتقصر وفي الفجر! ثم لو لاحظ فلان الذي يقرأ السجدة والإنسان هذا يعتبر مِن النادر الآن! صلاة الفجر آيتين وثلاث! صلاة المغرب والعشاء يطيل جدًا، هذا يا إخوان ليس مِن السُّنَّة! ففعل الناس يجب أنْ يُقاس بالسُّنَّة، معاذ لمّا خالف غضب النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم، ومعاذ مَن هو؟ وما منزلته هو عند رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؟ دلَّ هذا على أنّه إذا فعل الإنسان فعلًا مخالفًا للسُّنَّة ينبغي للإنسان أنْ يكره هذا الفعل؛ وأنْ ينصح لمن فعله؛ وألّا يجعل ذلك ممدحة له! ولا يَمدح مَن فعل ذلك إلّا جاهلٌ، أما العالم الذي يعرف السُّنَّة لا يمدح مثل هؤلاء.

قال: حدثنا عبد الله بن محمد وهو المسندي شيخ البخاريّ، قال: حدثنا أبو عامر وهو العقدي، وكلهم تقدموا، قال: حدثنا سليمان بن بلال المديني، المديني نسبة إلى المدينة، والمعروف عند العلماء والمشهور أنه ينسب إلى المدينة بالمدني تمييزًا لها عن مدينة المنصور في العراق لأنه يقال له: المديني، والذي ينسب إلى المدائن يقال: له مدائني، لكن بعض العلماء يقول تفصيل: مَن سكن المدينة ولم يفارقها يقال: له المديني، يعني يُزاد له الياء، ومَن سكن المدينة ففارقها يقال له: المدني، وهذا لا وجه له وليس بمعروف عند العلماء.

عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن تقدم، عن يزيد مولى المنبعث وهو أيضًا مدني خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة.

في هذا الحديث لمّا سأل الرجلُ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: فضَالَّةُ الإبل؟ فغضب حتى احمرت وجنتاه، فالنَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم غضب في التعليم لأنّ هذا الرجل، قد يقول قائل: كيف يغضب عليه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وهو سائل؟ أولًا يا إخوان الغضب مثل ما هنا أنتم لابُدّ أنْ تعرفوا أنّ الأحداث التي تقع قد يكون شيء منها مطويًا وليس بمروي، لأنّ الحدث وصورة الحدث هذا قد لا يكون ظاهر أحيانًا في الرواية، هذا الراوي إما انْ يكون النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قد سبق له بيانُ هذه المسألة وكان يعرفها؛ فلمّا سأل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم غضب عليه الصّلاة والسّلام في ذلك، أو قد يكون النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم رأى أنَّ السؤال في غير موضعه، لأنّ الإبل معروف عند العرب أنها قائمة بنفسها بخلاف مثلًا اللقطة - هي الأشياء مِن المتاع ونحوه - لا تقوم بنفسها، هذه قد تحترق وقد تصيبها مصيبة وقد تُسرق، كذلك الغنم قد تُسرق وقد تتلف، لأنّ إذا جاعت، أما الإبل معلوم أنها تتحمل الجوع والعطش وتسير المسير الطويل، فيمكن أنّ النَّبيَّ غضب؛ لأنّ هذا كان ينبغي على أنْ لا يفوت على مثل هذا السائل لأنّ هذه الإبل قائمة بنفسها؛ فلا تحتاج إلى غيرها، فلعل النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم فعل أو غضب مِن أجل هذا، الشاهد أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم غضب في التعليم، وهذا الحديث أيضًا خرَّجَه مسلم في صحيحه.

الحديث الثالث: قال: حدثنا محمد بن العلاء وهو أبو كريب، وقد سبقوا، قال: حدثنا أبو أسامة وهو حماد بن أسامة وقد سبق، عن بريد وهو بريد بن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري، وأبو بردة هو ابن أبي موسى الأشعري، كل هؤلاء تقدموا.

قال: سُئل النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم عن أشياء كرهها، النَّبيُّ سئل عن أشياء فكرهها يعني كره عليه الصّلاة والسّلام أنْ يجيب عليها، إما لأنها قد تُفضي إلى تحريم أشياء في وقت الوحي، وإما أنْ يكون جوابها مسيئًا للسائل، وإما أنْ يكون يعني فيها معنى مِن المعاني التي أثارت أو التي كان عليه الصّلاة والسّلام يكرهها؛ فلمّا أُكْثِرَ عليه غضب، يعني لم يُكتفى بالسؤال، ولكنه أُكْثِرَ عليه مِن الأسئلة التي فيها شيء يكرهه النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم فغضب صلّى الله عليه وسلّم من هذه الأسئلة؛ فغضب عليه الصّلاة والسّلام في هذه الموعظة.

بَابُ مَنْ بَرَكَ عَلَى رُكْبَتَيْهِ عِنْدَ الإِمَامِ أَوِ المُحَدِّثِ

- حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُذَافَةَ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ فَقَالَ: «أَبُوكَ حُذَافَةُ» ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: «سَلُونِي» فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلاَمِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبِيًّا فَسَكَتَ.


هذا الحديث خرَّجَه أيضًا مسلم في صحيحه وإسناده تقدم، والحديث ظاهر الدلالة على كما ترجم له المؤلف، لكن بروك عمر رضي الله عنه كان بعد سماعه الحديث، ومِن المعلوم أنّ جبريل عليه السلام لمّا جاء إلى النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وضع ركبتيه بركبتيه، لكنّ البروك غير وضع الركبة في الركبة، البروك هو السقوط على الركبتين أو النزول على الركبتين، وإنما فعل ذلك عمرُ رضي الله عنه لأنّ الموقفَ اقتضى ذلك، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم حدَّثَهم بحديث طويل فسألوه، قال: «سلوني» وسألوه عليه الصّلاة والسّلام وأكثروا مِن السؤال وألحّوا عليه مِن الأسئلة ومنها مقالة عبد الله بن حذافة؛ فرأى عمر ما في وجه النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فبرك على ركبتيه تصديقًا لِمَا أخبر به النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى قيام الساعة.

بَابُ مَنْ أَعَادَ الحَدِيثَ ثَلاَثًا لِيُفْهَمَ عَنْهُ

فَقَالَ: "أَلاَ وَقَوْلُ الزُّورِ" فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا، وَقَالَ: ابْنُ عُمَرَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلْ بَلَّغْتُ ثَلاَثًا؟».

- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلاَثًا، وَإِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا».

- حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُثَنَّى، قَالَ: حَدَّثَنَا ثُمَامَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ «إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلاَثًا حَتَّى تُفْهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ؛ سَلَّمَ عَلَيْهِمْ ثَلاَثًا».

- حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ، عَنْ يُوسُفَ بْنِ مَاهَكَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ: تَخَلَّفَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ سَافَرْنَاهُ، فَأَدْرَكَنَا وَقَدْ أَرْهَقْنَا الصَّلاَةَ صَلاَةَ العَصْرِ، وَنَحْنُ نَتَوَضَّأُ، فَجَعَلْنَا نَمْسَحُ عَلَى أَرْجُلِنَا فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ «وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا».


"باب مَن أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهم عنه" أي ليُفهم عنه ما حَدَّث به، وفي بعض النسخ قال: "باب مِن أعاد الحديث ثلاثًا ليُفهِم" وليس فيه لفظة عن والمعنى واحد، ذكر فيه حديثين معلقين وصلهما المؤلف في مواضع أخرى مِن صحيحه، فيه قوله "ألا وقول الزور" كررها صلّى الله عليه وسلّم ثلاثًا، وهو حديث أبي بكرة المشهور، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم أعادها ثلاثًا، أعادها النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ثلاثًا مع أنَّه لم يُعد ما معها، دلَّ ذلك على أنَّه إذا كان هناك حديثٌ يُحتاج إلى فهمه أو التنبيه عليه أنَّه يُعاد ويكرر، وكذلك في حديث ابن عمر في حجة الوداع، قال لهم لمّا خطب: "ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟ ألا هل بلغت؟" كل مرة يقولون: نعم، قال: "اللهم فاشهد" إذن فهذا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم قالها ليبيّن لهم أنَّه بلغ البلاغ المبين ويستشهدهم على ذلك؛ فكرر ذلك عليه الصّلاة والسّلام، وحديث أنس رضي الله عنه الذي يليه يدل على انَّه عليه الصّلاة والسّلام كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا، ولعل حديث أنس رضي الله عنه إما أنْ يكون محمولًا على الكثرة حتى يتوافق مع الأحاديث الأخرى؛ لأنَّه لو كان يعيد كل شيء ثلاثًا؛ كل ما تكلم به أعاده ثلاثًا؛ لم يصح أنْ يقال عنه أنَّه قال: "هل بلغت؟ هل بلغت؟ هل بلغت؟" ثلاثًا والبقية لم يذكرها عليه الصّلاة والسّلام! دل ذلك على أنَّ كلام أنس رضي الله عنه قد يكون يتعلق بفعل النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بذلك كثيراً.

قوله: حدثنا عبدة هو ابن عبد الله الصفّار سيأتي في الإسناد بعده، وهو قد خَرَّجَ له البخاريّ ولم يُخَرِّج له مسلم، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وهذا قد تقدم، خَرَّجَ له أصحاب الكتب السِّتَّة، والحديث الذي يليه هو حديث أنس رضي الله عنه، وجاء به المؤلف لأنه يتطابق مع الباب "كان إذا تكلم بكلمة أعادها ثلاثًا حتى تُفهَم عنه" وفيها تعليل إعادة النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم للكلام، فيحتمل بهذه الرواية أنّ كلام أنس رضي الله عنه أنه في الأشياء التي يحتاج النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم إلى بيانها أو التنبيه عليها أنه صلّى الله عليه وسلّم يكرر ذلك لأنّ الغاية وهي أنْ تفهم عنه، أما إذا فُهمت ابتداءً ولم يحتج إلى ذلك فإنه لا يكررها، لأنّ الصحابة لمّا نصوا على أنه كرر بعض الكلام في بعض المواضع دل َّ على أنه لا يكرر الكلام في كل موضع.

وإسناد هذا الحديث هو إسناد الحديث السابق، والحديث الأخير الثالث(2)، هو أحيانًا يكون سمعها مرتين البخاريّ مِن شيخه، والحديث الأخير تقدم بمتنه وإسناده، والشاهد منه فنادى بأعلى صوته: "ويلٌ للأعقاب مِن النار" مرتين أو ثلاثًا هذا الشاهد منه، وهو واضح.

بَابُ تَعْلِيْمِ الرَّجُلِ أَمَتَهُ وَأَهْلَهُ

- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ هُوَ ابْنُ سَلاَمٍ، حَدَّثَنَا المُحَارِبِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا صَالِحُ بْنُ حَيَّانَ، قَالَ: قَالَ عَامِرٌ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ثَلاَثَةٌ لَهُمْ أَجْرَانِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ، آمَنَ بِنَبِيِّهِ وَآمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالعَبْدُ المَمْلُوكُ إِذَا أَدَّى حَقَّ اللَّهِ وَحَقَّ مَوَالِيهِ، وَرَجُلٌ كَانَتْ عِنْدَهُ أَمَةٌ فَأَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا، ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا؛ فَلَهُ أَجْرَانِ»، ثُمَّ قَالَ عَامِرٌ: أَعْطَيْنَاكَهَا بِغَيْرِ شَيْءٍ، قَدْ كَانَ يُرْكَبُ فِيمَا دُونَهَا إِلَى المَدِينَةِ.


"باب تعليم الرجل أَمَتَه وأهلَه" سبق "باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله"، بالباب الثاني يقرب أنّ المقصود تعليمُ أهله بحكم المنزلة، وهنا "باب تعليم الرجل أَمَتَه وأهله" الذي في الحديث يتعلق بالأمة، وأما الأهل فلم يذكروا، فإما أنهم لم يُذكروا لأنّ الأمة تعتبر في حكم الأهل لأنّ مولى القوم مِن أنفسهم، ومحتمل أنه إذا كان يُعَلّم أمتَه فمِن باب أولى يعلم أهله، هذا مِن باب قياس الأولى.

"باب تعليم الرجل أمته وأهله" قال: أخبرنا محمد هو ابن سلام، والرواية التي اعتمدها المزِّي، قال: حدثنا محمد، هكذا بدون التفسير، والتفسير هنا مِن بعض رواة صحيح البخاريّ، لأنه لا يمكن للبخاري أنْ يقول: حدثنا محمد هو ابن سلام! لأنها إما أنْ تكون ممن روى عنه وإما ممن دونه، على عدة نسخ، الشاهد النسخ التي فيها، يُحمل هذا على أنه عن الذين رووه عن البخاريّ، ولا يمكن أنْ البخاري يقول هذا، وهذا معروف يقع في الأسانيد كثيرًا، والذي اعتمده المزيّ هو رواية الأصيلي وليس فيها ابن سلام، قال: أخبرنا محمد هكذا، قال: حدثنا المحاربي وهو عبد الرحمن بن محمد المحاربي الكوفي، وخَرَّج له الكتب السِّتَّة، قال: حدثنا صالح بن حيان وهو نُسب إلى جد أبيه وإلّا فهو صالح بن صالح بن مسلم بن حيان، قال: عامر الشعبي حدثني أبو بردة وقد تقدم، الشاهد فيه قوله «ورجل كانت عنده أَمَة؛ فأدّبها فأحسن تأديبها وعَلّمها فأحسن تعليمها» هذا هو الشاهد مِن تعليم الرجل أهله، فترتيب الفضل على تعليم الأهل يدل على استحباب تعليم الأهلِ العلمَ، وهذا الحديث خرَّجَه أيضًا مسلم في صحيحه.


(1) التوبة: 122.
(2) هنا كلام مع أحد الطلبة وفيه كلام غير واضح.