موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بابُ ما نُهِيَ عنْهُ منَ البيوعِ - شرح عمدة الأحكام (الجزء الثاني)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح عمدة الأحكام (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبد الله بن عبد المحسن التويجري
  
 
 شرح عمدة الأحكام (الجزء الثاني)
 كتاب الحج
 بابُ المواقيتِ
 ما يلبس المُحْرِمُ من الثيابِ
 بابُ الفِدْيَةِ
 بابُ حرمة مكةَ
 بابُ ما يجوزُ قتلُهُ
 بابُ دخولِ مكةَ وغيرِهِ
 بابُ التَّمتُّعِ
 بابُ الهَدْي
 بابُ الغُسْلِ للمُحْرِمِ
 بابُ فَسْخِ الحجِّ إِلى العُمْرَةِ
 بابُ المُحْرِمِ يأْكلُ من صيدِ الحلالِ
 أسئلة
 كتابُ البيوعِ
 بابُ ما نُهِيَ عنْهُ منَ البيوعِ
 بابُ العَرايا وغير ذلكَ
 بابُ السَّلَمِ
 بابُ الشُّروطِ في البيعِ
 بابُ الرِّبا والصَّرْفِ
 بابُ الرَّهْنِ وغيرِهِ
 أسئلة
 بابُ اللُّقَطَةِ
 بابُ الوصايا
 بابُ الفَرَائِضِ
 كتابُ النِّكاحِ
 بابُ الصَّدَاقِ
 أسئلة
 كتابُ الطَّلاقِ
 بابُ العِدَّةِ
 كتابُ اللِّعانِ
 كتابُ الرَّضاعِ
 كتابُ القِصاصِ
 أسئلة
 كتابُ الحُدودِ
 بابُ حَدِّ السَّرِقةِ
 بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ
 كِتَابُ الأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ
 بَابُ النَّذْرِ
 بَابُ الْقَضَاءِ
 أسئلة
 كِتَابُ الأَطْعِمَةِ
 بَابُ الصَّيْدِ
 بَابُ الأَضَاحِيّ
 كِتَابُ الأَشْرِبَةِ
 كِتَابُ اللِّبَاسِ
 كتابُ الجِهادِ
 كِتَابُ الْعِتْقِ
 بابُ بيعِ المُدَبَّرِ
شرح عمدة الأحكام (الجزء الثاني) - بابُ ما نُهِيَ عنْهُ منَ البيوعِ

بابُ ما نُهِيَ عنْهُ منَ البيوعِ

255 - عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ الْمُنَابَذَةِ - وَهِيَ طَرْحُ الرَّجُلِ ثَوْبَهُ بِالْبَيْعِ إلَى الرَّجُلِ قَبْلَ أَنْ يُقَلِّبَهُ، أَوْ يَنْظُرَ إلَيْهِ - وَنَهَى عَنْ الْمُلامَسَةِ. وَالْمُلامَسَةُ: لَمْسُ الثَّوْبِ وَلا يُنْظَرُ إلَيْهِ».(1)

256 - عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «لا تَلَقَّوْا الرُّكْبَانَ، وَلا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ. وَلا تَنَاجَشُوا. وَلا يَبِعْ حَاضِرٌ لِبَادٍ. وَلا تُصرُّوا الْغَنَمَ. وَمَنْ ابْتَاعَهَا فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ، بَعْدَ أَنْ يَحْلُبَهَا. وَإِنْ رَضِيَهَا أَمْسَكَهَا، وَإِنْ سَخِطَهَا رَدَّهَا وَصَاعاً مِنْ تَمْرٍ».(2)

وَفِي لَفْظٍ: « هُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَاً».(3)

257 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ حَبَلِ الْحَبَلَةِ. وَكَانَ بَيْعاً يَتَبَايَعُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ، وَكَانَ الرَّجُلُ يَبْتَاعُ الْجَزُورَ إلَى أَنْ تُنْتَجَ النَّاقَةُ. ثُمَّ تُنْتَجَ الَّتِي فِي بَطْنِهَا.(4)

قِيلَ: إنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الشَّارِفَ - وَهِيَ الْكَبِيرَةُ الْمُسِنَّةُ - بِنِتَاجِ الْجَنِينِ الَّذِي فِي بَطْنِ نَاقَتِهِ».


كما أسلفت؛ البيع في الإسلام قائم على الوضوح، والوضوح ضده الغرر، الجهل، عدم الوضوح، جاء في هذه الأحاديث أنواع من البيع التي كانوا يتبايعون فيها في ذلك الوقت وفي صدر الإسلام، وربما لا تكون موجودة في عصرنا الحاضر مثل بيع المنابذة والملامسة وحبل الحبلة، لكن القاسم المشترك الذي يجمع بينها هو عدم الوضوح، عدم البيان، لا يوجد تبيين لأحد العوضين في البيع، المنابذة يرمي إليه الثوب دون أن يتأكد من سلامته وجودته ويتبايعان عليه، الملامسة مجرد وضع يده على هذه البضاعة أو الثوب ويتم البيع، طيب أنا ما تأكدت من سلامته ومن جودته، وأيضًا حبل الحبل، والذي يحصل فيه بيع شيء لم يتأكد من وجوده، لا يبيع الذي في بطن الناقة؛ بل حتى يحمل هذا الجنين الذي في بطنها ثم يلد، فكلها بيوع قائمة على الغرر والجهل وعدم الوضوح، فأي بيع لم يتصف بالوضوح والسّلامة من الجهل والغرر فهو بيع غير شرعي، بيع باطل، وستأتي أيضًا ضوابط وردت في الأحاديث من أجل حماية البيع من الجهل والغرر، إلا ما تمس إليه الحاجة فقد يخفف عن الناس لأجل أن لا يلحقهم مشقة في التدقيق حتى في أمور معاشهم كما سيأتي إن شاء الله في الأحاديث القادمة، أيضًا ورد في حديث أبي هريرة رضي الله عنه «لا تلقوا الركبان»(5) يعني استغلال جهل الناس لا يجوز، مثلما أسلفت الشريعة قائمة والكتاب والسُّنَّة قائمين على حماية حقوق الناس، فلا يجوز أن تتلقى القادم إلى المدن الذي يجهل الأسعار كم هي، نفرض أنه قادم بخضار أو طعام أو لباس وقد تكون الأسعار في المدينة مرتفعة – وهذا عهده بالأسعار -، مثلما يحصل أحيانًا في أسعار بعض الأطعمة ترتفع فجأة عشرين أو ثلاثين بالمئة، فيأتي بعض التجار أو السماسرة فيتلقوهم خارج المدن فيقول: تبيع البضاعة فيقول: نعم أبيع، ربما باع بالسعر الذي كان يعهده أو أغراه بزيادة يسيرة، فهذا المسكين لا يعرف أن الأسعار ربما تكون ضعف هذا السعر والقيمة أو الثمن الذي دفعه هذا الذي تلقاه.

قال: «ولا يبع بعضكم على بيع بعض» لا يجوز أن يأتي هذا المستغل المحتال إلى رجل يريد أن يبيع سلعة على مشتري، بكم تبيعها؟ قال: أبيعها بعشرة، قال: أنا أشتريها منك بأحد عشر حتى يفسخ البيع، والعكس كذلك، لو كان هذا المشتري يريد أن يشتري هذه السلعة بعشرة ولا يزال في حال تفاوض ومفاهمة مع البائع قال: بكم تشتري السلعة قال: بعشرة، قال: أنا أبيعها بتسعة، هذا لا يجوز لأن هناك إفساد لما تم التراضي عليه بين الطرفين، ويلحق بذلك النجش وهو الإثارة، وهو أن يأتي فيزيد في السلعة وهو لا يريد شراؤها، لكن يريد أن يرفع سلعة البيع، قال: ولا يبع حاضر لباد، الحاضر أهل المدن، والباد أهل البادية، لأن هناك جهل لدى الطرف الذي لا يعرف الأسعار التي في الحواضر والمدن، وأمر آخر فسره به ابن عباس قال: أن لا يكون الحاضر سمسارًا لصاحب البادية الذي هو خارج المدن، وبالطبع يؤيد هذا التفسير من ابن عباس رضي الله عنه قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم: «دعوا الناس يرزق الله بعضهم من بعض»(6) يعني لا تأتوا فتتحكموا في حركة التجارة، دعوا الناس يرزق بعضهم من بعض، طبعًا هذا في حال ثمّ الاستغلال والاحتيال، أما إن كان من يعيش خارج المدن يريد من يكون وكيلًا له يحفظ له تجارته وبضاعته ويقوم بتسويقها بشكل سليم فهذا جائز لا بأس به، أما أن يُستغل جهل هذا الذي هو خارج المدن، وأيضًا يمكن هذا الذي جاء من خارج المدينة يعرض بضاعته بثمن مناسب لعامة الناس فيأتي هذا السمسار الذي يريد أن يتحكم ويستغل حاجات الناس ولا يعطيهم الفرصة أن يستفيدوا من هذا العرض المناسب الذي عرضه هذا البائع من خارج المدن، مادام أنه دخل السوق فليس هناك غرر، هب أنه لا يريد، يعني السمسار قد يكون له استعداد أن يخزن البضاعة يوم أو يومين حتى يرتفع سعرها، بينما هذا القادم من خارج المدن يريد أن يبيع بضاعته ويقبض ثمنها ولا ينتظر؛ وحينئذ يكون العرض بسعر أنسب مما لو انتظرت البضاعة يوم ويومين وثلاثة أيام، ومع ذلك النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم حفظ حقوق هؤلاء الذين استُغِلوا، وقبل ذلك قال: «ولا تصروا الغنم» يعني لا يحبس الحليب في الدابة سواء كانت من الغنم أو البقر أو الإبل حتى يجتمع؛ فإذا جاء المشتري وحلب وجد ما شاء الله حليبًا وافرًا؛ فيظن أن هذه حال هذه الدابة، بينما إذا مر يوم أو يومان أو ثلاثة أيام رجعت إلى حالتها الطبيعية ويكون الحليب ربما نصف أو ربع ذلك الحليب الذي كانت فيه مصراة هذه الدابة، ومع ذلك حمى النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم حق هذا المشتري فقال: «فمن ابتاعها» واتضح له أن هذا المقدار من الحليب ليس هو الحالة العامة «قال: فهو بخير النظرين» أيضًا له الخيار، وهذا ما يسمى بالعيب عند الفقهاء، قال: فهو بخير النظرين، بعد أن يحلبها، إن رضيها أمسكها وإن سخطها ردها، وأيضًا حفظ حق البائع، ما دمت استفدت من حليبها تردها وصاعًا من تمر مقابل الانتفاع الذي حصل.


 258 - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا» . نَهَى الْبَائِعَ وَالْمُشْتَرِيَ.(7)

259 - عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ بَيْعِ الثِّمَارِ حَتَّى تُزْهِيَ قِيلَ: وَمَا تُزْهِي؟ قَالَ: حَتَّى تَحْمَرَّ. قَالَ: أَرَأَيْتَ إنْ مَنَعَ اللَّهُ الثَّمَرَةَ، بِمَ يَسْتَحِلُّ أَحَدُكُمْ مَالَ أَخِيهِ؟».(8)


إذًا هنا أيضًا حفظ لحقوق الطرفين إذا كان المبيع ثمرة – الخارج من الأرض –، نهى عن بيع الثمرة حتى يتضح صلاحها، وليس النهي للمشتري ولا حتى للبائع، لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم قال: بِمَ يستحل أحدهم مال أخيه؟ ليس النهي للمشتري وحتى أنت البائع، بأي حق تستغل مال أخيك لو أن هذه الثمرة لم تصلح؟ إذا صلحت انتهى الأمر، الآن يتبايعون على شيء واضح وبيّن، سُئل النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم كيف يبدو صلاحها؟ في حديث أنس: حتى تزهي، في بعض الألفاظ حتى تزهو، ما معنى تزهي أو يبدو صلاحها؟ قال: حتى يحْمَارَّ أو يصْفَارَّ، يعني حتى تأخذ اللون الطبيعي للثمرة، وبالطبع هذا خرج مخرج الغالب لأن بعض الثمار قد لا تكون حمراء ولا صفراء، قد تكون زرقاء وقد تكون سوداء، وقد تكون أي لون آخر، المهم أنه إذا أخذت اللون النهائي لها فحينئذ جاز التبايع والتعاقد عليها.


260- عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنْ تُتَلَقَّى الرُّكْبَانُ، وَأَنْ يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، قَالَ: فَقُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: مَا قَوْلُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لا يَكُونُ لَهُ سِمْسَاراً».(9)

261 – عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُزَابَنَةِ: أَنْ يَبِيعَ ثَمَرَ حَائِطِهِ، إنْ كَانَ نَخْلاً: بِتَمْرٍ كَيْلاً. وَإِنْ كَانَ كَرْماً: أَنْ يَبِيعَهُ بِزَبِيبٍ كَيْلاً، أَوْ كَانَ زَرْعاً: أَنْ يَبِيعَهُ بِكَيْلِ طَعَامٍ. نَهَى عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ».(10)


هنا الله سبحانه وتعالى أحل البيع وحرم الربا، فكل وسيلة للربا تجعل هذا البيع محرمًا، كما هو الحال في بيع العِيْنَة لأنها يُتوصل بها إلى الربا، نفس القضية هنا، هنا جهل، لمَّا يباع الثمر الذي هو التمر الذي على رؤوس النخل بتمر كيلًا، أو يباع العنب الذي على الشجر بالزبيب وهو العنب الذي جف، وكذلك الحال بالنسبة للبرّ والحنطة والشعير وغيرها من أنواع الحبوب، وهذه من الأصناف الربوية كما سيأتي، فلما يباع التمر الذي على رؤوس النخل خرصًا بتمر على الأرض وهو مكيل، نعرف مقداره، لنفترض أنه نقدر خرصًا وظنًا أن التمر الذي على رأس النخل سيكون ثلاثين صاع، يقول: أعطني ثلاثين صاعًا من التمر الموجود عندك جني – المحفوظ عندك في أماكن التخزين -، هذا لا يجوز، لأنه من المحتمل أن يكون هناك تفاضل، لأن الخرص هذا ليس فيه جزم، لذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم أمر – كما سيأتي في الأموال الربوية – أن يتم التأكد من التماثل، ولا يستثنى من ذلك إلا ما يتعلق بحاجة الناس، وسيأتي الحديث المتعلق به، لكن ما سوى ذلك لا بد فيه من التماثل ولا بد فيه من التقابض مثلًا بمثل ويدًا بيد.


262 - عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما قَالَ: «نَهَى النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - عَنْ الْمُخَابَرَةِ وَالْمُحَاقَلَةِ، وَعَنْ الْمُزَابَنَةِ وَعَنْ بَيْعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى يَبْدُوَ صَلاحُهَا، وَأَنْ لا تُبَاعَ إلاَّ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ، إلاَّ الْعَرَايَا»(11) الْمُحَاقَلَةِ: بيعُ الحِنْطَةِ في سُنْبُلِها بِحِنْطَةِ

263 - عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الأَنْصَارِيِّ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - نَهَى عَنْ ثَمَنِ الْكَلْبِ، وَمَهْرِ الْبَغِيِّ، وَحُلْوَانِ الْكَاهِنِ».(12)

264 - عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ - أَنْ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «ثَمَنُ الْكَلْبِ خَبِيثٌ. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ خَبِيثٌ، وَكَسْبُ الْحَجَّامِ خَبِيثٌ».(13)


عندنا حديث زيد بن ثابت رضي الله عنه هذا متعلق بالعرايا وسيأتي الكلام عليه، لكن بالنسبة لحديث ابن مسعود رضي الله عنه والذي فيه نهي عن أنواع من البيع، فنهى عن مهر البغي وثمن الكلب وحلوان الكاهن، طبعًا الكلب منهي عن اقتنائه، فإذا كان منهي عن اقتنائه فمن باب أولى أن يُنهى عن ثمنه، لأن الله تعالى إذا حرم شيئًا حرم ثمنه، ومهر البغيّ، لأن وسيلة الكسب محرمة، والبغيّ هي التي امتهنت الزنا حتى أصبح مهنة لها، وحلوان الكاهن ما يدفع من المال لمن يمتهن الكهانة، وهي نوع من السحر وادعاء الغيب، والكهنة معروفون، فما كان أصله محرمًا فبيعه أيضًا محرم، فعندنا الكلب نهى النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم عن اقتنائه ولم يستثن إلا ثلاثة أنواع من الكلاب: كلب الحراسة وكلب الصيد وكلب الزرع، وأما ما سواهم فإنه ينقص من أجر الذي يقتني الكلب كل يوم قيراط، وكذلك بالنسبة لمهر البغي وحلوان الكاهن، ويدخل في ذلك كل ما كان محرمًا مثل الميسر والقمار والخمر، كل ما كان محرمًا – نفس عقد البيع – يكون محرمًا، أما في حديث رافع بن خديج فالنَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم يقول: ثمن الكلب خبيث، وهذا يتفق مع حديث أبي مسعود في النهي عن ثمن الكلب، وأيضًا مهر البغي خبيث، لكن الإشكال في كسب الحجام، قال الأئمة: إن وصفه بأن كسبه خبيث يعني دنيء وليس من المكاسب التي فيها سمو وارتفاع وفيه شرف، ولو كان محرمًا ما احتجم النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم وأعطى الحجام أجره، وقد ثبت في أحاديث كثيرة أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسّلم احتجم وحث على الحجامة وأعطى الحجام أجره، ولو كان محرمًا ما أعطاه، فوجه العلماء قوله خبيث بأنه دنيء وليس محرمًا، أما تحريم مهر البغيّ وثمن الكلب فليس بهذا الحديث فقط وإنما بالأحاديث الأخرى، أما ما يتعلق بحديث زيد بن ثابت فهذا سيأتي إن شاء الله الكلام عليه مع الحديث الذي يليه.


(1) صحيح البخاري (2144)، وصحيح مسلم (1512).
(2) صحيح البخاري (2150)، وصحيح مسلم (1515).
(3) صحيح مسلم (1524).
(4) صحيح البخاري (2143)، وصحيح مسلم (1514).
(5) صحيح البخاري (2150).
(6) صحيح مسلم (1522).
(7) صحيح البخاري (2194)، وصحيح مسلم (1534).
(8) صحيح البخاري (2198)، وصحيح مسلم (1555).
(9) صحيح البخاري (2158)، وصحيح مسلم (1521).
(10) صحيح البخاري (2205)، وصحيح مسلم (1542).
(11) صحيح البخاري (2381)، وصحيح مسلم (1536).
(12) صحيح البخاري (2237)، وصحيح مسلم (1567).
(13) صحيح مسلم (1568).