موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تتمة رمي الجمرات - شرح المنتقى (الجزء الخامس)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الخامس) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الخامس)
 كتاب المناسك
 المواقيت
 ما يجوز للمحرم وما يحرم عليه
 الشرط في الحج
 الإهلال بالحج والعمرة
 الهدي وأحكامه
 تلبية النبي بالحج والعمرة معًا
 التلبية ورفع الصوت بها
 أكل المحرم لصيد البر
 الفواسق الخمس وقتلهم في الحرم
 غسل المحرم رأسه
 احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم
 التداوي والنكاح في الحج
 صاحب الجبة
 حلق شعر لأذى في الرأس
 إمساك النبي عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر
 استلام الحجر وتقبيله
 الطواف
 تتمة الطواف
 الوقوف بمزدلفة والوقوف بعرفة وحديث جابر بن عبد الله
 تتمة حديث جابر بن عبد الله
 الوقوف بعرفة وتقدم الضعفة إلى المزدلفة
 رمي الجمرات
 تتمة رمي الجمرات
 الأضحية وأحكامها
 حلق الرأس وطواف الإفاضة
 افعل ولا حرج
 ليالي منى
 أيام التشريق
 طواف الوداع
 الحج عن الغير قادر وعن الميت
 الحج عن من نذر الحج ومات قبل أن يحج
 الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة، وعمرة في رمضان تعدل حجة
 خروج النبي زمن الحديبية
 حديث: «فإنه يبعث يوم القيامة يلبي»
 حرمة مكة
 أسئلة
شرح المنتقى (الجزء الخامس) - تتمة رمي الجمرات

حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي، عن شعبة، عن الحكم ومنصور، عن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن يزيد، قال: رمى عبد الله بالجمرة بسبع حصيات وجعل البيت عن يساره ومنى(1) عن يمينه، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة.

حدثنا علي بن خشرم، قال: إنا عيسى، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني ابن عباس، أن الفضل أخبره أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.

حدثنا محمود بن آدم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي بكر سمع أباه يحدث، عن أبي البَدَّاح، عن أبيه رضي الله عنه، أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رخّص للرّعاء أن يرموا يوما، ويدعوا يوما.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مالك، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البَدَّاح بن عاصم، عن أبيه قال: رخّص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما.

قال مالك: ظننت أنه قال في الأول منهما: ثم يرمون يوم النفر.


حدثنا الحسن بن محمد الزعفراني؛ تقدم وهو وإمام حافظ رحمه الله، تقدم أن هذا الإمام ابن الجارود رحمه الله له انتقاء في المشايخ فهو يروي عن الأئمة الكبار ويكثر عنهم رحمة الله عليه، وإذا روى عن بعض المشايخ غير المشهورين فإنه ينتقي منهم الثقات، وهذه الطريقة قد عُرفت للإمام النسائي رحمه الله تجد أنه انفرد بمشايخ حُفَّاظ روى لهم وانفرد عنهم رحمه الله، تقدم وهذا محمد بن سعيد العطار ثقة إمام وليس مشهورا كشهرة الأئمة المعروفين مثل الشيخ محمد بن يحيى الذهلي رحمه الله وكذلك محمد بن عبد الله بن يزيد الذي روى عنه كثيرا، فكان ينتقي رحمه الله لرواياته خاصة المشايخ، وكذلك أسانيده نظيفة، وقال الذهبي رحمه الله: إنه على شرط الحسن ولا ينزل عنه غالبا وأسانيده كثيرا ما تأتي بسلاسل معروفة وروايات وتراجم أئمة معروفين في الصحيحين وغيرهما رحمه الله تعالى، قال: حدثنا محمد بن أبي عدي؛ محمد بن إبراهيم بن أبي عدي ينسب إلى جده كثيرا رحمه الله، عن شعبة بن الحجاج مولاهم العتكي؛ أبو بسطام الواسطي رحمه الله الإمام المشهور توفي سَنَة ستين ومئة للهجرة، عن الحكم؛ هو ابن عُتيبة، ومنصور بن المعتمر، عن إبراهيم بن يزيد النخعي، عن عبد الرحمن بن يزيد؛ هو ابن قيس النخعي، وعلقمة بن قيس عمه، ويروي عن عمه علقمة بن قيس وهو مخضرم توفي سَنَة سبعين، وهذا عبد الرحمن بن يزيد وهو ابن أخي علقمة بن قيس، قال: رمى عبد الله؛ وهو ابن مسعود رضي الله عنه بن غافل الصحابي الجليل توفي سَنَة ثنتين وثلاثين للهجرة، رمى عبد الله رضي الله عنه الجمرة أي جمرة العقبة بسبع حصيات، كما رماها عليه الصّلاة والسّلام، وجعل البيت عن يساره ومِنَى عن يمينه، وهذا هو الأولى إذا تيسر على أن ترمى من أي جهة، لكن الشأن أن يقع الرمي في الحوض، جاء في رواية عند الترمذي أنه استقبل القبلة(2) من طريق المسعودي وهي رواية ضعيفة أو منكرة لضعفها ولمخالفتها لمَا في الصحيحين لأنه في الصحيح جعل البيت عن يساره، ولأن الراوي إذا كان ضعيفا وروى ما يخالف غيره فإنه يكون منكرا، والثقة إذا روى ما يخلف غيره - من هو أوثق منه أو خالف الثقات - فهذا يكون شاذا من جهة القاعدة وقد يكون منكرا، وتقدم أن المتقدمين من الأئمة الكبار ليس عندهم ذاك التفريق وذاك الاصطلاح الموجود عند المتأخرين في التفريق بين الشاذ والمنكر، وقال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، إشارة إلى بعض الأحكام التي جاءت في سورة البقرة، وأيضا جاء عن عبد الله بن عمر - ثبت عنه بإسناد صحيح - أنه كان يقف عند الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى مقدار سورة البقرة(3)، ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر عن النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أنه كان إذا رمى الجمرة الصغرى أخذ ذات اليمين فوقف ودعا طويلا ورفع يديه، وكذلك عند الجمرة الوسطى، وكذلك لم يقف عليه الصّلاة والسّلام عند جمرة العقبة(4)، وذلك أن الدعاء يكون في صلب العبادة، فالإنسان إذا كان يصلي فإنه يدعو في ركوعه ويدعو في سجوده ويدعو أيضا ويجتهد في الدعاء ويبالغ ويختار من المسألة ما يحب ويختار من المسألة ما شاء كما ثبت في الصحيحين من حديث ابن مسعود رضي الله عنه ثم يتخير من المسألة ما شاء فيدعو به(5)، وهذا قبل السلام فإذا فرغ من السلام فإنه بعد ذلك يقول الأذكار المشروعة، وهكذا الحاج فإنه في سائر أحواله يذكر الله سبحانه وتعالى ويهلله ويلبي وذلك قبل الشروع في الرمي أو قبل الفراغ من الرمي، أما بعد الفراغ من الرمي فإنه يدخل في نوع آخر من الذكر وكذلك أيضا في الرمي؛ إذا هو يرمي فإنه في صلب العبادة، وقاعدة: أنه من كان في صلب العبادة فإنه يدعو فإذا فرغ فالمناسب بعد ذلك هو الذكر بمعنى الثناء، ولمّا كان الفراغ من جمرة العقبة بمثابة التسليم من الصلاة فإن الدعاء يكون قبل ذلك عند الجمرة الصغرى والجمرة الوسطى، وبعد ذلك يكون الذكر، وهكذا كان يفعل النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وذكر ذلك بعض العلماء من باب التنظير لصلاة الفريضة، ولهذا لا يشرع الدعاء ورفع اليدين بمعنى دعاء المسألة لكن الدعاء بمعنى الذكر فهذا مشروع لذلك كان النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام يستغفر ويقول: «اللّهم أنت السّلام ومنك السّلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام» واللفظ الآخر عند مسلم «يا ذا الجلال والإكرام»(6) وهذا في حديث ثوبان وعائشة عند مسلم، قال: هذا مقام الذي أنزلت عليه سورة البقرة، وفيه دلالة أنه لا بأس أن يقال: سورة البقرة أو سورة آل عمران؛ خلافا لمن قال: يقال السورة التي يُذكر فيه البقرة، السورة التي يُذكر فيها آل عمران وورد في ذلك حديث لا يصح(7)، والصواب ما جاءت به الأخبار كما في هذا الخبر، والإسناد صحيح والحديث متفق عليه، ويروى أن هذا القول - سورة التي يُذكر فيها البقرة، والسورة التي يُذكر فيها آل عمران - أنه قول يقوله الحجّاج(8) وهو ليس بأهل أن يُؤخذ عنه وليس بأهل أن يُحكى قولُه في مثل هذه المسائل.

حدثنا علي بن خشرم، قال: إنا عيسى، عن ابن جريج، قال: أخبرني عطاء، قال: أخبرني ابن عباس، أن الفضل أخبره أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة.


حدثنا علي بن خشرم؛ تقدم كثيرا وهذا أيضا من المشايخ الثقات الذين روى عنهم أحاديث كثيرة، قال: حدثنا عيسى بن يونس، عن ابن جريج؛ هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج فقيه مكي رحمه الله، قال: أخبرني عطاء؛ هو ابن أبي رباح، قال: فأخبرني ابن عباس، تقدم أن ابن جريج يروي عن عطاء وعمرة بن دينار يروي عن عطاء وتقدم لنا رواية أيضا - ما سبق لنا التنبيه عن عطاء؛ من رواية عمرو عن عطاء - في حديث ابن عباس قال: كنت ممن قدّم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم من المزدلفة مع ضعفة أهله، وهذا عمرو عن عمرو عن عطاء بن أبي رباح، لأن عمرو يروي عن عطاء بن أبي رباح ويروي أيضا عن عطاء بن يسار، لكن روايته عن عطاء بن أبي رباح في الصحيحين لكن روايته عن عطاء بن يسار في صحيح مسلم، قال: أخبرني عطاء فأخبرني ابن عباس؛ هو عبد الله بن عباس رضي الله عنه؛ أن الفضل أخو ابن عباس أخبره أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وهذا إسناد صحيح وهو متفق عليه، وذلك أن النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أردف الفضل من المزدلفة إلى مِنَى كما أنه أردف أسامة من عرفة إلى المزدلفة، فلذا نقل ابن عباس ذلك عنه وجاء عن ابن عباس أيضا هذا، وهذا الخبر تقدم الإشارة إليه وهو أنه عليه الصّلاة والسّلام لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، وحتى للغاية، وحتى هذه هل يدخل ما بعد الغاية فيما قبلها أو لا يدخل؟ أو يختلف إن كان ما بعدها من جنس ما قبلها دخل وإن كان من غير جنسه لم يدخل؟ والأصل أن ما بعد الغاية لا يدخل في ما قبلها، هذا هو الأصل وكذلك أيضا هذا في الشرع وفي اللغة ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ(9) فلا يدخل، هذا هو الأصل وهذا هو القاعدة إلّا بدليل، وقيل: يدخل إذا كان ما بعدها من جنس ما قبلها ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ(10) وكذلك إلى؛ فإنه إلى المرفق يعني ما بعده من اليد داخل في اليد لأن اليد عند الإطلاق من رؤوس الأصابع إلى الكتف، وقيل: إنه يدخل، والأظهر أنه لا يدخل إلّا بدليل أو قرينة وأن منتهى الغاية ينتهي عندها إلّا إذا دل الدليل عليه، وفي غسل المرافق دلّت السُّنَّة أنه صلّى الله عليه وسلّم كان يغسل الكعبين وكان يغسل المرفقين، وثبت في حديث مسلم من حديث أبي هريرة أنه عليه الصّلاة والسّلام غسل يديه حتى أشرع في العضدين وغسل رجليه حتى أشرع في الساقين، أما الحديث الذي رواه الدارقطني أنه أدار الماء على مرفقيه(11) هو حديث ضعيف من طريق متروك والعمدة على الأخبار الصحيحة بأنه أدخل المرفقين والكعبين في غسل القدمين، ففعله عليه الصّلاة والسّلام بيان لمَا في الكتاب والقاعدة أن المُبيِّن حكمه حكم المُبيَّن، فلما كان المبيَّن مأمورا به ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ(12) الآية، فكذلك المبيِّن لأنه متفرع عنه وبيان له، وكذلك أيضا في هذه المسألة حتى رمى جمرة العقبة، اختلف أهل العلم هل التَّلبيَة تمتد إلى أن يفرغ من الرمي أو تنتهي عند أول حصاة يرميها؟ الجمهور قالوا: يقطع التَّلبيَة عند أول حصاة لهذا الحديث، وذهب آخرون من أهل العلم إلى أنه تمتد التَّلبيَة إلى آخر حصاة، وذكر ابن خزيمة رحمه الله رواية وظاهر إسنادها الصحة وأنه لم يزل يلبي حتى قطع التَّلبيَة مع آخر حصاة، قال ابن خزيمة رحمه الله: هذا خبر صحيح مفسر لمَا أُبهم في سائر الروايات، فجعل هذا الخبر وهذه الزيادة التي ذكرها مبينة للروايات، ففيه دليل على أنه لم يزل يلبي حتى فرغ من آخر رمية، فإن ثبتت هذه الرواية دل على أنه يجمع بين التَّلبيَة والتكبير، لكن قد يقال: إنه حينما يُكبّر فإنه يتواصل إلّا أن يقال مثلا: إنه يكبر إذا رمى والتَّلبيَة تكون مع التكبير ثم بعد ذلك يلبي فإذا أخذ الحصاة وأراد أن يرمي فإنه يُكبّر وعلى هذا يكون بين كل حصاة وحصاة زمن يسير يسع لهما على هذه الرواية التي بَيَّن أنه لم يزل يلبي حتى قطع التَّلبيَة مع آخر حصاة، وهذا الإسناد كما تقدم إسناد صحيح وابن جريج صرح بالتحديث، وتقدم أن ابن جريج روايته عن عطاء متصلة ولو لم يصرح، وهو مدلس وتدليسه قليل، لكن شدّد بعض العلماء كالدارقطني وقال: إنه قبيح التدليس وهذا موضع يحتاج إلى نظر وجاء عنه رحمه الله أنه يُبيّن فإنه روى عن نافع وسمع منه، ويأتي في روايات بذكر الواسطة بينه وبين نافع، ثم هو صرح وقال: إذا قلت: قال عطاء فإني قد سمعت منه، كل هذا قد يشير إلى أن تدليسه قليل وأيضا ليس بالشديد كما قال بعض أهل العلم، والحديث كما تقدم في الصحيحين.

حدثنا محمود بن آدم، قال: حدثنا سفيان، عن ابن أبي بكر سمع أباه يحدث، عن أبي البَدَّاح، عن أبيه رضي الله عنه، أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رخّص للرّعاء أن يرموا يوما، ويدعوا يوما.


حدثنا محمود بن آدم؛ محمود بن آدم هذا هو المروزي وهو ثقة وقد روى عنه جملة من الأخبار، قال: حدثنا سفيان؛ محمود بن آدم عن سفيان هو ابن عُيَيْنَة، عن ابن أبي بكر؛ هو عبد الله بن أبي بكر محمد بن عمرو بن حزم، أن أباه حدثه، وعبد الله ثقة من رجال الجماعة وأبوه كذلك ثقة وهو أشهر من أبيه، أبوه أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم هو أشهر، وهو من الفقهاء السبعة الذين نظم الشاعر فيهم: (إذا قيل من في الفقه سبعة أبحر روايتهم ليست عن العلم خارجة فقل هم: عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة)، أبو بكر هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم رحمة الله عليهم، سمع أباه وهو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وهو ثقة يعد من رجال الجماعة، يحدث عن أبي البَدَّاح؛ أبو البَدَّاح البَلَوي ثقة روى له أصحاب السُّنن عن أبيه، أبوه هو عاصم بن عدي الأنصاري وهو الذي له قصة اللِّعان، قصة معروفة، وعُمِّرَ رضي الله عنه حتى جاوز المئة، وهذا جملة من الصحابة رضي الله عنهم جاوزوا المئة ذكرهم جمع من أهل العلم ومنهم من بلغ مئة والعشرين؛ منهم حكيم بن حزام رضي الله عنه - ستون في الإسلام وستون في الجاهلية - وقيل غير ذلك، وهو ممن ولد في الكعبة على المشهور، وحسان بن ثابت رضي الله عنه شاعر النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، كذلك حويطب بن عبد العزى كذلك جاوز مئة وبلغ مئة وعشرين، وجماعة أخرون بلغوا هذه السِّنَّ، ومنهم من جاوز المئة وهم أكثر، ومنهم من جاوز المئة والعشرين وهم الأقل، أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رخّص للرّعاء؛ يعني الرُّعاة جمع راع؛ أن يرموا يوما، ويدعوا يوما، أو للرِّعاة جمع راع، ويمكن أن تضم الرُّعاة - وهم الذين يقومون على مواشيهم - فرخص لهم عليه الصّلاة والسّلام، وهذا الحديث إسناده صحيح وقد أخرجه أصحاب السنن أبو داود وابن ماجه وتقدم أن إسناده صحيح.

وهذا اختلف العلماء في تفسيره في قوله: أن يرموا يوما ويدعوا يوما، فهم يرمون يوم النحر ثم هل يرموا اليوم العاشر ويدعوا الحادي عشر ويرمون الثاني عشر ليومين؟ قيل: إنهم يدَعون اليوم الحادي عشر ويرمون الثاني عشر للحادي عشر والثاني عشر، وقيل: يرمون الحادي عشر ويدَعون الثاني عشر فيرمون اليوم الثالث عشر ليومين للثاني عشر والثالث عشر، وقد يقال - والله أعلم -: إنه إذا كانت الرخصة لهم في ترك المبيت؛ فإنهم قد يستعجلون وينفرون في اليوم الأول؛ فيرمون يوم العاشر ويدعون الحادي عشر ويرمونه في الثاني عشر، فيرمون يوم الثاني عشر فيبدؤون بالحادي عشر ثم الثاني عشر ثم ينفرون ولا شك أن هذا هو الأيسر لهم، وإذا رموا الحادي عشر وتركوا الثاني عشر فإنهم يلزمهم أن يرموا الثالث عشر لأجل أن يقضوا يوم الثاني عشر، فجلوسهم للثالث عشر لأجل قضاء الثاني عشر ورمي يوم الثالث عشر الذي أدركهم، أما إذا تركوا اليوم الحادي عشر فإنهم يجمعون الحادي عشر والثاني عشر في اليوم الثاني عشر؛ فيبدؤون بالرمي في اليوم الحادي عشر على قول الجمهور - يرتبون - وهذا هو الظاهر من سُنَّة النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، وهذا الحديث فيه فوائد، أولا: يُسر هذه الشريعة وأن المشقة تجلب التيسير، وفيه سعتها ورحمتها وأنه يُسِّر على الإنسان فيما لا ضرر عليه بالغ، ليس عليه ضرر بالغ، لكن ربما يحصل له مشقة ونوع من الضرر في القيام على بهائمه، ويمكن أن يُوَكِّلَ من يقوم على بهائمه، وخاصة أنه يوم أو يومان ومع ذلك لم يؤمر بأن يُوَكِّل لأن هذا قد يدعو إلى المِنَّة والشريعة تريد من الإنسان أن لا يذل بل يخلص وجهه وقلبه لله، ولذا في حديث ابن عمر في قصة العباس التي ستأتي أن النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام رخّص له في البيتوتة من أجل السقاية مع أن له عشرة من الولد يكفونها المؤونة ولم يأمره عليه الصّلاة والسّلام أن يُوَكِّلَ من يقوم به لأن هذا يتعلق بالسقاية وهو أمر كان يعملونه في الجاهلية فأراد أن يقوم عليه ولا يحب أن يُوَكِّل أحد، ويمكن أن يُوَكِّل من يقوم وهم تحت خدمته من أولاده وغيره ومع ذلك رخص له عليه الصّلاة والسّلام لأجل هذا المعنى، وكذلك في ما هو أشد والضرر عليه أكثر وهو ما يحصل عليه أو لبهائمه رُخِّص فيه، يُسْرُ هذه الشريعة وفيه إشارة إلى القاعدة الفقهية المشهورة وهي أن المشقة تجلب التيسير، والمشقة تارة تكون يسيرة جدا فهذه لا تلتفت إليها الشريعة ولا يُسقط لأجلها عبادة؛ لأنه لا تخلو عبادة من مشقة، ومشقة بالغة فهذه تدخل في قاعدة لا ضرر ولا ضرار، قد تخرج من قاعدة المشقة وتدخل في قاعدة لا ضرر ولا ضرار، وقاعدة المشقة تجلب التيسير؛ وقاعدة لا ضرر ولا ضرار أو الضرر يزال قاعدتان متقاربتان متداخلتان في كثير من فروعهما، لكن قاعدة المشقة تجلب التيسير أوسع وأرفق ويدخل فيها من الفروع ما لا يدخل تحت قاعدة لا ضرر ولا ضرار، ومشقة وسط وهي غالب المسائل والفروع التي تدخل تحتها خاصة في أبواب العبادات والطهارات وفي الصلاة وفي الصوم ونحو ذلك، وتأتي أيضا في أبواب المعاملات وما يباع وفي الأشياء التي يشق تحريرها أو يشق معرفتها ويباع الشيء وإن كان فيه جهالة تابعة أو يسيرة، أو يترتب التكليف بمعرفته ضرر فإنه يلغى ولا يلتفت إليه، المقصود أنه فيه التفات إلى هذه القاعدة أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم رخّص، وقوله رخص يُبيّن أن هناك أمر واجب، رُخِّصَ لمن احتاج، فدل على أن من لم يكن محتاجا فعليه بالعزيمة ولا رخصة له فيها، إنما الرّخصة لمن احتاج إليها، أما من لم يحتج إليها فلا، فالعزيمة عليه لأن ليس محتاجا إليها، ولذا تجد الرخصة في المسافر في قصر الصلاة، وكذلك في الفطر - حينما يكون الفطر في حقه أفضل - فيرخص له الفطر في مثل هذا، وهذا يُبيّن أن المبيت واجب، لأنه من جهة الرخصة ومن جهة التخصيص، والتخصيص يُفهم منه أنه لا يدخل إلّا من خُصِّص ومن سواه يبقى على أصل العموم حتى يشبه ذاك الذي خُصِّص بمعنى ما خُصِّص به أو بما يكون أولى بالحكم منه، فلا بد أن يكون مماثلا له حتى يستوي معه في الحكم، أو أن يكون أولى بالمعنى؛ فيكون أولى بالحكم، كما لو أن إنسانا كان عنده مريض فنقول: العناية به أولى من العناية بالبهائم، فإذا رخص الشارع بالقيام على الماشية والبهائم فمن باب أولى أن يرخص بالقيام على المريض الذي يقوم عليه، أو المرأة التي لها أطفال فيشق عليها أن تبيت بعيدا عنهم ولا يمكن أن يكونوا معها في المشاعر، وهكذا ما أشبه ذلك من الأحكام كالطبيب الذي يعالج المرضى خارج المشاعر ومن يقوم على مصالح المسلمين من الحجاج ويحتاج للمبيت خارج مِنَى وخارج المشاعر ونحو ذلك، فهذه الأحكام تؤخذ من معاني الشريعة، ونعلم أن المعنى إذا عُقِل فإنه يُوسع ولا يتردد في ذلك، والشريعة جاءت بالمعاني العظيمة ويكون ما دل عليه المعنى أولى بالحكم مما نُصّ عليه، وهذا فيه قواعد كثيرة مثلما تقدم معنا في قاعدة تعليق الحكم بالاسم المشتق المناسب يدل أن ما منه الاشتقاق علة للحكم، فقد يكون هذا الاسم المشتق يكون فرع من الفروع أولى بالحكم من الشيء المذكور، خمس فواسق: قد يكون بعض الفواسق التي هي أشد في باب التعدي أولى في الحكم مما نصّ عليه في هذه الأخبار وهكذا في قوله عليه الصّلاة والسّلام «لا يقضي القاضي حين يقضي وهو غضبان»(13)، فهذا نهي أن يحكم القاضي وهو غضبان، وقد يكون بعض المسائل أولى بالنهي من هذا الحكم النصوص عليه لأنه أشد استغلاقا من الغضب وهكذا، رخّص للرعاة أن يرموا يوما ويدعوا يوما كما تقدم على التفسيرين وأن هذا هو الصواب وهو قول الجمهور وأن المبيت واجب، وهل من ترك المبيت لغير عذر هل يجب عليه دم أو يجب عليه أن يطعم؟ على خلاف بين الجمهور، منهم من قال: إن المبيت مستحب والصواب أنه واجب، وقالوا: إن في الليلة مُدًا وفي الليتان مدان وفي الثلاث شاة وأقوال كثيرة في هذا مما يدلك على أنه ليس هناك دليل، وجاء عن مالك رحمه الله وجماعة أنه من ترك نسكا فعليه دما، وقول مالك ومن وافقه أظهر وأقرب لعموم الدليل، وذلك أن هذه التفاصيل التي ذكروها لم يأت دليل على مثلها فالأقرب ما قال مالك رحمه الله إذا لم يكن هناك عذر بترك المبيت.

القاعدة: تعليق الحكم بالاسم المشتق المناسب يدل على أن ما منه الاشتقاق علة للحكم، مثل الفسق، خمس فواسق علّق بالفسق وهو اسم مشتق فيفهم منه أن ما كان من الهوام فاسق لتعديه وأذاه أولى بالحكم من هذه الفواسق المذكورة في حديث ابن عمر وعائشة وحفصة وما في معناها، وهكذا الغضب علقه بالغضب وقد يكون أحيانا غير الغضب أشد أو أولى بالحكم مثل الهمّ الشديد المقلق المزعج أو الجوع الشديد المقلق المزعج؛ قد يكون أولى بالحكم في هذه المسالة من الغضب، والحكم كما نعلم أنه تارة يُوسع أو أن العلة توسع الحكم - هذا هو الأصل - وقد تخصصه لكن لا يجوز أن تبطله، إذا أبطلته أو خصصته تخصيصا ألغى كل أفراده دلّ على أنها علة لا تصح، لأن العلة التي تعود على الحكم بالإبطال باطلة وليست بصحيحة.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا عبد الرزاق، قال: أنبأنا مالك، قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن أبيه، عن أبي البَدَّاح بن عاصم، عن أبيه قال: رخّص رسول الله صلّى الله عليه وسلّم لرعاء الإبل في البيتوتة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين بعد النحر، فيرمونه في أحدهما.

قال مالك: ظننت أنه قال في الأول منهما: ثم يرمون يوم النفر.


وهذا في الحقيقة رواية مفسرة وإسنادها صحيح والحديث كما تقدم رواه أهل السنن، وقوله هنا على الرواية أنه عليه الصّلاة والسّلام رخص لرعاء الإبل وفي الرواية الأخرى للرعاة عموما أن يرموا يوم النحر ثم يجمعوا رمي يومين فيرمونه في أحدهما، والمعنى أنهم ينظرون ما هو الأصلح، فلم يحدد لهم يوم يرمونه، بعد يوم النحر ثلاثة أيام، والأظهر والله أعلم أنه إن كان الأيسر أن يرموا يوم الحادي عشر ثم يتركون الثاني عشر فيرمونه ويؤخرونه للثالث عشر فلا بأس بذلك، وإن شاءوا أن يتركوا اليوم الحادي عشر فيرمونه في الثاني عشر فيجمعون الحادي عشر والثاني عشر فلا بأس، وإن شاءوا أن يؤخروا ثلاثة أيام الحادي عشر والثاني عشر إلى الثالث عشر فلا بأس، لكن قوله هنا «رمي يومين بعد النحر فيرمونه في أحدهما» إشارة أنهم في الغالب يستعجلون لحاجتهم إلى النفر الأول فهم ينظرون النفر الأول، لكن لو أنه أراد أن يتأخر ورأى أن الأيسر في حقه أن يرمي يوم النحر ثم يجمع رمي ثلاثة أيام في اليوم الأخير فلا بأس بذلك إن لم يكن عليه شاق، وإن كان الأغلب أنه يستعجل بمعنى أن يجعل الحادي عشر ويرمي الثاني عشر فيبدأ بالحادي عشر ثم الثاني عشر فالأمر إليه لأنه رخصة، ومادام أنه رُخِّص له بترك المبيت فكذلك رُخِّصَ له في الرمي؛ هل يرمي الثاني عشر؟ يرمي في يومين، أو يرمي الحادي عشر ثم يترك الثاني عشر ويرمي في الثالث عشر فيجمع فيه رمي يومين أو يترك الحادي عشر والثاني عشر فيجمعهم في الثالث عشر، فهذه كلها من الرخصة، وينظر ما هو الأيسر فيه، وهذه قاعدة فيما جاءت فيه الرخصة في التقديم والتأخير حتى في ما هو أعظم حتى الصلاة، يعني المسافر إذا سافر يشرع له الجمع، لكن هل الجمع جمع تأخير أم جمع تقديم؟ الأفضل جمع التأخير ويجوز التقديم، الرمي لا يجوز التقديم لكن يجوز التأخير، لا يجوز أن تقدم الثاني عشر على الحادي عشر لأن كل يوم عبادة مستقلة فلا تقدم الثاني عشر إلى الحادي عشر إنما لك أن تؤخر، وعلى هذا تنظر الأيسر، فكما أنك تنظر الأيسر في باب الجمع مع أن جمع التأخير هو الأفضل وهو الذي جاء فيه أكثر الأخبار وجمع التقديم جاء في بعض الأخبار، فإن كان جمع التقديم أيسر فهو أفضل وإن كان جمع التأخير أيسر كان هو الأفضل من جهة أنه أيسر ومن جهة أنه الموافق لأكثر الأخبار، هذا هو المشروع، كذلك الصوم في السفر، الصحيح أن الصوم تارة يكون أفضل وتارة يكون الفطر أفضل، متى يكون الفطر أفضل؟ عندما يكون هناك مشقة وهذا ظاهر، وتارة يكون الصوم أفضل إذا لم يكن عليه أي مشقة وكان فطره - مع أنه لا مشقة عليه - ربما يُوْرِثُه ضعف وكسل وتأخير، ربما يستثقل الصوم - والإنسان لا ينبغي أن يستثقل العبادة - يقول: أنا لا يشق عليّ الصوم وصومي مع الناس وأنا مسافر أيسر من صومي لوحدي، وأجدُ من المشقة والتعب في القضاء ما لا أجده وأنا مسافر، ولا شك أنه في هذه الحالة أنه كونه يؤدي العبادة بنشاط وخفة ومحبة أولى من كونه نأمره بالفطر فيؤديها بثقل وتعب وعدم نشاط نفس وقد يؤدي (جملة غير مفهومة)، وهذا واقع كثير من الناس - هذا إذا كان الصوم لا يشق عليه - ولذا صام النَّبيّ وأفطر، فإذاً هذا يجري في الصوم والصلاة وما يتعلق بجمع التأخير والتقديم ويجري أيضا في مسألة الجمع وأنه رخص لهم أن يرموا يومين في أحدهما بمعنى أن ينظروا ما هو الأيسر فيجعلونه فيه منهما.


(1) في المتن - عرفة - وقال الشيخ: إن الصواب - مِنَى -.
(2) منكر. الترمذي (901). الضعيفة (4864).
(3) السنن الكبرى للبيهقي (9667).
(4) صحيح البخاري (1751) بنحوه.
(5) صحيح مسلم (402).
(6) صحيح مسلم بنحوه (591).
(7) منكر. الطبراني في الأوسط (5755). الضعيفة (6608).
(8) صحيح البخاري (1750).
(9) البقرة: 187.
(10) المائدة: 6.
(11) حديث إدارة الماء على المرفقين صحيح، رواه البيهقي في الكبرى (256)، وانظر صحيح الجامع (4698).
(12) المائدة: 6.
(13) صحيح البخاري (7158).