موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - تتمة الطواف - شرح المنتقى (الجزء الخامس)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الخامس) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الخامس)
 كتاب المناسك
 المواقيت
 ما يجوز للمحرم وما يحرم عليه
 الشرط في الحج
 الإهلال بالحج والعمرة
 الهدي وأحكامه
 تلبية النبي بالحج والعمرة معًا
 التلبية ورفع الصوت بها
 أكل المحرم لصيد البر
 الفواسق الخمس وقتلهم في الحرم
 غسل المحرم رأسه
 احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم
 التداوي والنكاح في الحج
 صاحب الجبة
 حلق شعر لأذى في الرأس
 إمساك النبي عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر
 استلام الحجر وتقبيله
 الطواف
 تتمة الطواف
 الوقوف بمزدلفة والوقوف بعرفة وحديث جابر بن عبد الله
 تتمة حديث جابر بن عبد الله
 الوقوف بعرفة وتقدم الضعفة إلى المزدلفة
 رمي الجمرات
 تتمة رمي الجمرات
 الأضحية وأحكامها
 حلق الرأس وطواف الإفاضة
 افعل ولا حرج
 ليالي منى
 أيام التشريق
 طواف الوداع
 الحج عن الغير قادر وعن الميت
 الحج عن من نذر الحج ومات قبل أن يحج
 الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة، وعمرة في رمضان تعدل حجة
 خروج النبي زمن الحديبية
 حديث: «فإنه يبعث يوم القيامة يلبي»
 حرمة مكة
 أسئلة
شرح المنتقى (الجزء الخامس) - تتمة الطواف

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا النُّفيلي، قال: حدثنا موسى ح، قال: وحدثنا سعيد بن منصور، قال: حدثنا فضيل بن عياض، عن عطاء بن السائب، عن طاووس، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحلّ لكم فيه النطق فمن نطق، فلا ينطق إلّا بخير».

حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أنها قدمت وهي مريضة فذكرت ذلك للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة».

قالت: وسمعت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو عند الكعبة وهو يقرأ بالطور.

حدثنا محمد بن عبد الحكم، أن ابن وهب أخبرهم، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طاف في حجة الوداع على بعير؛ يستلم الركن بمحجن.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي سكن الري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن معروف، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطوف على راحلته يستلم الركن بمحجنه، ويُقَبِّلُ طرف المحجن، ثم خرج إلى الصفا فطاف سبعا على راحلته.

حدثنا عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا جعفر قال: حدثني أبي، قال: أتينا جابر بن عبد الله رضي الله عنه - وهو في بني سلمة - فسألناه عن حجة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فحدثنا: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أُذِّن في الناس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاجٌّ هذا العام، فنزل بالمدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويفعل ما يفعل، فخرج النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة نَفِسَت أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسأله: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، ثم استثفري بثوب، ثم أهلِّي»، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك» ولبّى الناس، والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسمع فلا يقول لهم شيئا، فنظرت مدّ بصري بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمن راكب وماش ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابر: ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرنا - عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله -، فما عمل به من شيء عملنا. فخرجنا لا ننوي إلّا الحج، حتى إذا أتينا الكعبة استلم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الحجرَ الأسود ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم فصلّى خلفه ركعتين، ثم قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(18)، قال أبي: فقرأ فيه بـ "التوحيد" و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الكَافِرُونَ(19) ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصفا، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ(20)، ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به» فرقي على الصفا، حتى إذا نظر إلى البيت كبّر ثم قال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلّا الله أنجز وعده ونصر عبده، وهزم - أو غلب الأحزاب - وحده»، ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى، حتى إذا أتى المروة فرقى عليها، حتى إذا نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند المروة قال: «يا أيها الناس! إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة»، قال: فحلّ الناس كلهم، فقال سراقة بن جعشم وهو في أسفل المروة: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم إلى الأبد؟ قال: فشبك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصابعه فقال: «للأبد» -ثلاث مرات - ثم قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، قال: وقدم عليٌّ رضي الله عنه من اليمن، فقدم بهدي، وساق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه من المدينة هديا، فإذا فاطمة رضي الله عنها قد حلّت ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك علي رضي الله عنه عليها؛ فقالت: أمرني به أبي، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه بالكوفة - قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر رضي الله عنه - فذهبت مُحرّشا أستفتي رسول الله رضي الله عنه في الذي ذكرت فاطمة، قلت: إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت، وقالت: أمرني به أبي، فقال «صدقت صدقت، أنا أمرتُهَا به»، قال جابر: وقال لعلي رضي الله عنه «بم أهللت؟» قال: قلت: اللهم! إني أُهل بما أهلّ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: ومعي الهدي، قال: «فلا تحل»، قال: وكان جماعة الهدي الذي أتى به علي رضي الله عنه من اليمن والذي أتى به النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مئة، فنحر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده ثلاثا وستين، وأعطى عليا رضي الله عنه فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «قد نحرتُ ههنا، ومنى كلها منحر»، ووقف بعرفة وقال: «قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف»، ووقف بالمزدلفة فقال: «قد وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف».

حدثنا ابن المقرئ، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا لا ننوي إلّا الحج فلما كن بسَرِف حضت، فدخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا أبكي فقال: «أحضت؟» قلت: نعم، فقال: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقض ما يقضي المحرم، غير أن لا تطوفي بالبيت».


حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا النُّفيلي؛ سيأتي وله حديث، وهو أبو جعفر النُّفيلي؛ عبد الله بن محمد بن علي بن نُفيل النُّفيلي إمام كبير رحمة الله عليه حافظ توفي سَنَة أربع وثلاثين ومئتين، قال: حدثنا موسى هو ابن أعين الجزري أبو سعيد ثقة رحمه الله ثقة عابد روى له البخاري ومسلم، ح - تعني حوّل من سند إلى سند - قال: وحدثنا سعيد بن منصور؛ وهو ابن شعبة الخراساني الإمام الكبير توفي سَنَة سبع وعشرين ومئتين، قال: حدثنا فضيل بن عياض؛ الإمام العابد الكبير رحمه الله توفي سَنَة ثلاث وثمانين ومئة، عن عطاء بن السائب؛ عطاء بن السائب رحمه الله حصل له اختلاط ولذلك أهل العلم لا يعتمدون إلّا رواية من روى عنه قبل الاختلاط كالسفيانين - سفيان بن سعيد الثوري وسفيان بن عُيَيْنَة - وزهير بن معاوية وزائدة بن قدامة وشعبة والأعمش وجماعة نحو عشرة رووا عنه قبل الاختلاط رحمه الله ومن ذلك أيضا الدستوائي، فهؤلاء هم الذي روايتهم ممن روى عنه قبل الاختلاط، وكذلك حماد بن زيد وحماد بن سلمة عند الجمهور، عن طاووس بن كيسان اليماني، عن ابن عباس رضي الله عنهما، عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «الطواف بالبيت صلاة، ولكن الله أحل لكم فيه النطق فمن نطق، فلا ينطق إلّا بخير»، - على أن لا ناهية - من نطق فلا ينطق إلّا بخير، وهذا الحديث من هذا الطريق ضعيف لأنه من رواية عطاء بن السائب، وقد رواه الحاكم من رواية سفيان الثوري عن عطاء، وسفيان كما تقدم قد روى عنه قبل الاختلاط، وقد رواه النسائي من رواية الحسن بن مسلم عن طاووس عن رجل أدرك النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «الطواف بالبيت صلاة فأقلّوا فيه من الكلام»(1) وفيه عن رجل أدرك النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ويحتمل أن الرجل هو ابن عباس، وطاووس أخذ عن ابن عباس علما كثيرا رحمة الله عليهم جميعا، ورواه النسائي بإسناد صحيح من رواية ابن عمر، فالحديث ثابت صحيح على التحقيق كما تقدم، واستدل به الجمهور على أنه الطهارة شرط للطواف وأن الطواف لا يصح إلّا بطهارة لأنه شبهه بالصلاة تشبيها بليغا، الطواف بالبيت صلاة لم يقل: صلاة، حذف أداة التشبيه فكأنه يعني صلاة، لكن المراد في ذلك في بعض أمورها وليس في كل أمورها، وهذا محل اتفاق من أهل العلم أنه لا يجوز الأكل والشرب ولا الكلام إلّا ما كان من المشروع فيها؛ أما الطواف فيجوز فيها بلا خلاف، والشيء قد يُشبّه بالشيء وإن كان مخالفا له في أمور كثيرة وهذا واقع في اللغة والشرع، ويقول النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام: «إن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو في صلاة»(2) وهذا أبلغ من التشبيه يعني كأنه داخل في الصلاة وذلك أنه عليه أن يمشي بسكينة ووقار وأن يكون مطمئنا وأن يراعي ما قصد إليه ولهذا قال: «فهو في صلاة» هذا عند مسلم، واستدل الجمهور أيضا بأدلة أخرى من أظهرها وأشهرها ما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها أن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم توضأ وطاف(3)، وثبت في صحيح مسلم أنه قال: «لتأخذوا عن مناسككم»(4) فقالوا: إن هذا من النسك الذي فعله النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام وأمرنا أن نأخذه، وهذا كما تقدم هو أظهر أدلتهم، وذهب بعض أهل العلم أنه ليس بشرط وهو قول الأحناف واستدلوا أيضا بما يأتي من حديث عائشة رضي الله عنها أنه عليه الصّلاة والسّلام قال: «اصنعي ما يصنع الحاج غير أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»(5) لكن هذا ورد في الطهارة من الحيض لكن قد يقال: لأن قوله «حتى تطهري» يشمل كل الطهارة ويدخل فيه الطهارة الصغرى والطهارة الكبرى، وكما تقدم ذهب بعضهم إلى أن الوضوء ليس بشرط للطواف، وهذا ذهب إليه الأحناف ومن أهل العلم من قال: إن الطهارة من الحيض ليس بشرط لأن النهي عن طوافها بالبيت ليس لأن الطواف ينافي الحيض لكن لأنه لا يجوز لها أن تمكث في الحرم أو في البيت كالمسجد لا يجوز لها أن تمكث في المسجد كالجنب وهو على حدث الجنابة ﴿وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ(6) ولذا اختلفوا في المرور بلا مكث أو كذلك في المكث هل يجوز أو لا يجوز، ومنهم من قال: إنه يجوز حتى المكث عند الحاجة ولو لم يكن هنالك أمرا تضطر إليه؛ ولو حتى احتاجت إلى المكث إلى المسجد أو في الحرم، والمسألة فيها خلاف كثير وشيخ الإسلام رحمه الله له في هذا كلام طويل في الفتاوى في المجلد السادس والعشرين وبسط الكلام في هذا وقرر أن الطهارة ليست بشرط وهذا الحديث ضعّفه لكن الصحيح أن الحديث ثابت ولا دلالة فيه كما تقدم على اشتراط الطهارة لأن غاية ما فيه أن الطهارة صلاة، وهناك أمور لا تجوز في الصلاة بالإجماع وتجوز في الطواف بالإجماع وقال رحمه الله ومن وافقه: إن الطهارة شأن عظيم ومعرفة حكم الطهارة في الطواف من الأمور المهمة والنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام يبين للناس المناسك وحج معه أمم عظيمة وكثير منهم لتوه أسلم فلا يعلمون أحكاما أعظم من هذا والنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام لم ينقل عنه ولا حرف واحد أنه أمر بالطهارة للطواف وهذا أمر مما يخفى ويحتاج إليه فكونه عليه الصّلاة والسّلام لم يبين هذا وسكت عنه يدل على أنه ليس بشرط وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز، وقد فصل وبيّن عليه الصّلاة والسّلام أحكام الحج ومعلوم ما يترتب على ترك الطهارة في الحج ومن الإحرام بالعمرة بالحج بعد ذلك على عمرة لم تثبت؟ تترتب أحكام عظيمة ولو كانت الطهارة شرطا لبَيَّنَها النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، وهذا ما يتعلق من جهة الحكم العام، أما من جهة حال الحاجة والضرورة فهذه مسألة أخرى، لأن اشتراط الطهارة من شقين: من جهة الحكم العام وهو الطهارة الصغرى هذه مسألة، ومن جهة الطهارة الكبرى هذه مسألة أخرى، ومن جهة أخرى حين تضطر المرأة للطواف ولا تستطيع الرجوع أيضا هذه مسألة، وكلها تكلم عليها شيخ الإسلام رحمه الله، أمّا ما يتعلق بالمسألة الاولى وهي الطهارة من الحدث الأصغر فكما تقدم أن الجمهور يقولون: إنها شرط ومن طاف بغير وضوء فطوافه لا يصح ولو أحدث في آخر خطوة من آخر شوط بطل طوافه وعليه أن يعيده كما لو أحدث في صلاته قبل أن يُسَلِّم بلحظة منها - على خلاف في مسألة ما إذا سبق الحدث -، منهم من يرى أنه يذهب ويتوضأ وهو لا يتكلم ويرجع ويكمل صلاته لأنه ما مضى من صلاته صحيح لكن لا بد من الوضوء وهذا بلا خلاف في إكمال (جملة غير مفهومة) وهل تبطل؟ على خلاف، على حديث «إذا فسا أحدكم في صلاته فليذهب وليتوضأ -وهو في ذلك لا يتكلم- ثم ليرجع وليبنِ على صلاته» حديث طلق بن علي الحنفي لكنه حديث ضعيف لأنه من طريق مسلم بن سلّام وهو ضعيف أو مجهول فالحديث ضعيف(7)، فالصواب أن الصلاة لا تصح وهي باطلة لقوله عليه الصّلاة والسّلام «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ»(8) وهذا يشمل الحدث قبل الدخول فيها ويشمل الحدث بعد الدخول فيها وهو شامل، ولو كان هناك تفصيل في المسالة لبيّنه عليه الصّلاة والسّلام والحديث كما تقدم لا يثبت مع أنه جاء حديث يخالف حديث عائشة عند ابن ماجه أنه عليه أن يعيد صلاته وأن يستأنف ولا يَبْنِ(9)، وحديث أيضا عائشة عند ابن ماجه حديث ضعيف من رواية اسماعيل بن عياش عن ابن جريج وهو ضعيف في احتجاجه، المقصود أن هذه المسالة كما تقدم - مسألة اشتراط الطهارة عند الجمهور – قالوا: ولو أحدث في آخر جزء منها، وتقدم دليلهم، واستدلوا أيضا بحديث عائشة رضي الله عنها في أنه توضأ عليه الصّلاة والسّلام لكن حديث عائشة لا دلالة فيه لأن هذا مجرد فعل، والنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام كان يتوضأ سواء أراد أن يصلي أو يطوف كلما أحدث توضأ عليه الصّلاة والسّلام وهذا هو المشروع، وكان النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يقول: «إني كرهت أن أذكر الله إلّا على طهر»(10) من حديث المهاجر بن قنفذ، فكان إذا أراد أن يَرُدَّ السَّلام توضأ فلا يردّ السّلام إلّا على وضوء، فإن لم يتيسر له الوضوء تيمم عليه الصّلاة والسّلام وهذا وقع في روايات معروفة أنه تيمم عليه الصّلاة والسّلام إذا كان الماء بعيدا أو خشي أنه يفوت رد السلام فيشرع للإنسان أن يكون على طهارة، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يجتهد في أحواله كلها، بل إذا كان على جنابة من جماع وشق عليه أن يتوضأ ضرب يده بالحائط ويتيمم - والماء موجود - وهذا يبين أن الطهارة للأمر المشروع الذي ليس بواجب لا بأس بالتيمم - وإن كان الماء قريبا - كما تيمم النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام لردّ السّلام وتيمم للنوم كما في حديث عائشة كان إذا جامع فكسل أن يتوضأ ضرب بيده على الحائط وهذا الحديث ذكره صاحب مجمع الزوائد وإسناده لا بأس به(11)، وعزاه - فيما أظن - إلى بعض معاجم الطبراني الأوسط أو غيره، المهم هو في مجمع الزوائد، إذا كسل ضرب بيده الحائط وهذا فيما يُخشى فوتُه، ولهذا بالغ بعضهم؛ فالأحناف - واختاره شيخ الإسلام رحمه الله - إلى أنه يجوز بل يشرع التيمم لصلاة الجنازة، يعني لو أن إنسانا حضرته الجنازة الآن ولو ذهب يتوضأ لفاتت الجنازة ولم يمكنه أن يصلي معهم، قالوا: إنه يتيمم ويصلي معهم، والجمهور على أنه لا يصح هذا، هذا قول الجمهور وهذا هو القاعدة وهذا هو الأصل وليس عندنا دليل بيّن في هذه المسألة - مسألة مشروعية التيمم لصلاة الجنازة - لكن هذا قول من الأقوال في هذه المسألة ولهم دليلهم، ومما استدلوا به أنه كان النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يتيمم خشية أن يفوته ردّ السّلام، وكذلك التيمم للنوم إذا كسل أن يقوم فيتوضأ عليه الصّلاة والسّلام - وأمته تأتسي به في ذلك - فحق أخيه الميت الذي نفعه حاصل بدعائه لأخيه فكذلك كونه يبادر إلى الصلاة بالتيمم أولى وقد لا يتيسر له أن يصلي فيمكن أن يقال بهذا التفصيل إنه إن أمكن أن يتبعها ويصلي عليها في المقبرة قبل أن تدفن أو بعدما تدفن ففي هذه الحالة لا يتيمم ثم يصلي، وإن خشي أن تفوت ولا يمكنه الوضوء فإنه يتيمم، يمكن لو قيل بهذا لكان قولا له وجهه في هذه المسالة، المقصود أن الجمهور رحمة الله عليهم استدلوا بهذه الأدلة ومن خالفهم قال: تلك الأدلة لا دلالة فيها وذاك مجرد فعل والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم كان يتوضأ لهذا وغيره، ومعلوم أن الفعل بمجرده لا يدل إلّا على مجرد الاستحباب في هذا الفعل الذي فُعل في أمر هو عبادة كهذا الأمر، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما - كما تقدم - ليس فيه دلالة مع أنه صحيح ولكن لا دلالة فيه، وإنما استدلوا بما دلت عليه سيرته وهديه في الحج وأنه لم ينقل عنه ولا حرف واحد أنه أمر بذلك عليه الصّلاة والسّلام ولا شك أنه قول قوي، والقول باشتراط الطهارة موضع نظر في الحقيقة - وأن الطهارة شرط للطواف - هذا موضع نظر في الحقيقة والطواف مجرد ذكر وتسبيح ودعاء ويجري على القاعدة في أنه ليس بشرط، وتلاوة القرآن أعظم ومع ذلك ليس بشرط، إنما الشّرط في ذلك مسّه، هذا أعظم وأجلّ، ويدلك على ذلك أن الحائض تقرأ القرآن لأن فوات قراءة القرآن أمر شديد، فمن عظمة كتاب الله سبحانه وتعالى ولتحصيل الخير مُنِعَ الجنبُ الذي طهارته في يده وجاز للحائض أن تقرأ القرآن لأن الأمر دائر بين مفسدة قراءتها وهي حائض وبين مفسدة التي تترتب على عدم القراءة، والشرع جاء بتحصيل المصالح وإن حصلت مفاسد - مادامت المفاسد منغمرة -، ولذا إذا رأيت مصحفا ساقطا على الأرض فإنك تأخذه وتبادر ولا تقول: أتوضأ ثم أحمله إذا لم يكن في يدك شيء، فتبادر إلى إكرامه خشية أن يُهان وأن يوطأ، فلو وجدته ملقى في مكان فيه قذر أو أذى فإنك تبادر بحمله ولو كنت على غير وضوء ولا تقول: أذهب وأتوضأ! فإن الأمر دائر بين بقائه في هذا المكان الذي لا يليق وهو القذر -ولا شك أنه هذه مفسدة عظيمة- وبين مفسدة إنسان يحمل المصحف وأنت على غير وضوء والمفسدة هذه أقل، الشريعة جاءت بمثل هذه الأمور وهي الترجيح بين المفاسد وارتكاب أدنى المفسدتين (جملة غير مفهومة) أعلاهما في مثل أخذ المصحف من المكان القذر مثلا الذي يخشى أن يقذره ولا يجوز بقاؤه فيه، كذلك أيضا ما يتعلق بقراءتها للقرآن، وفي الحقيقة فيه تحقيق مصلحة عظيمة ودفع مفسدة، ومفسدة قراءتها مفسدة يسيرة بجانب ما يحصل من دفع مفسدة وتحصيل مصلحة عظيمة، ولهذا كانت قراءة القرآن أعظم وأجلّ، ولهذا الحائض تقرأ القرآن كما تقدم، والجنب لا يقرأه لهذا المعنى، وإذا تأمّلت هذا تبين لك أن اشتراط الطهارة لا دليل عليه لأن الطواف بالبيت كما تقدم مشتمل على ذكر الله عزّ وجلّ بتسبيحه وتهليله، وتلاوة كلامه سبحانه أعظم وأجلّ ومع ذلك جاز على غير وضوء، فالطواف قد يقال: من باب أولى؛ وإن كان الأولى هو أن يكون على وضوء وهذا بلا خلاف، كما أن الأولى أن يقرأ القرآن على وضوء لأنه أولى وأفضل، بل سائر الذكر من غير القرآن، وإن كان الإنسان توضأ ثم سبقه الحدث فمن باب أولى أن يتم طوافه ولا يعيد، ولكن لو احتاط الإنسان فالاحتياط مشروع والاحتياط ليس بواجب وليس بمحرم، يختلف، ومثل هذه المسائل يشرع فيها الاحتياط لقوة الخلاف فيها، فإذا احتاط الإنسان وأمكن أن يتوضأ ابتداء أو أنه يعيد الطواف إذا سبقه الحدث هذا أحسن إذا كان لا مشقة عليه، وإن كان عليه مشقة فلا يعيد، ونعلم أحيانا أن المشقة تكون عظيمة في بعض المواسم في رمضان وفي أيام الحج يكون الأمر أعظم وأشد خاصة إذا كان مع الإنسان أهله وأولاده أو معه رفقة فالأمر يكون شديدا عليه، ولهذا لا يؤمر بذلك، وأيضا مسألة طواف الحائض داخلة ضمن هذه المسائل، هل تطوف أم لا تطوف؟ الجمهور على أنه يجب عليها من باب أولى لأنه يشترط الطهارة من الحدث الأكبر فمن باب أولى ولحديث «أن لا تطوفي بالبيت حتى تطهري»(12) وهذا الحديث إن كان دليلا على اشتراط الطهارة الكبرى للطواف؛ فإنه واجب، والواجب يسقط عند الضرر والمشقة وهذا واقع في الصلاة وواقع في الصوم وواقع في الحج، وقد أفتى شيخ الإسلام رحمه الله وجمْع من أهل العلم أن المرأة الحائض التي لا يمكنها أن ترجع فإنها تتحفظ وتطوف فإن أمكنها أن ترجع وكانت قريبة ويمكن أن تعود بعد أيام أو أكثر -؛ أيام يسيرة أسبوع أو بعد شهر أو نحو ذلك ففي هذه الحالة فعليها أن تذهب وترجع مادام ليس عليها ضرر، وإن كانت تقول: أنا لا أثق ولا أدري؛ فلا نبقيها هكذا معلقة ولم تتحلل التحلل الكامل ويترتب عليها ضررا عظيما؛ وذكر ابن القيم رحمه الله طرقا كثيرة فيها وبيّن - وكذلك شيخه قبله - أن الواجب عليها في هذه الحال أن تحتاط وتستثفر وأن تتحفظ وأن تطوف مادام أنه لا يمكنها أن ترجع خاصة وإن كانت من بلاد بعيدة، والأظهر والله أعلم أنه ليس المدار على البعد والقرب فقد تكون بعض النساء قريبة من مكة لكن لا يمكنها أهلها وأوليائها من المجيء وقد تكون بعيدة فيمكنوها من المجيء، فالأمر دائر على تمكنها من المجيء من عدمه، وهذا هو الأظهر والله أعلم في المسألة لأن الشريعة في هذه الأمور تُعَلِّق الحكم بالاستطاعة والقدرة، فالاستطاعة تختلف فقد يكون الإنسان قريبا من مكة لا يقدر، ولهذا قد يكون إنسان قريبا من مكة ليس بينه وبين المشاعر إلّا مسافة قليلة ولكن لا يستطيع الحج، وقد يكون الإنسان بينه وبين مكة آلاف من المسافات ويقدر على المجيء؛ فيجب عليه ذلك، فليس على بعد المسافة ولا قربها إنما على تيسر المجيء إلى مكة والطواف، فإذا كان متيسرا فعليها ذلك وإلا فتستعين بالله وتطوف على حالها وتطوف بذلك، وغاية الأمر أن يكون واجبا؛ ولا واجب مع العجز ولا حرام مع الضرورة.

حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدَّورقي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن مالك بن أنس، عن أبي الأسود، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة أنها قدمت وهي مريضة فذكرت ذلك للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة».

قالت: وسمعت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو عند الكعبة وهو يقرأ بالطور.


حدثنا يعقوب بن إبراهيم؛ هذا أبو يوسف الدَّورقي حافظ رحمه الله من رجال الجماعة وله أخ اسمه أحمد بن إبراهيم وهو من أوائل المترجمين في التقريب، وهو ثقة حافظ لكن روى له مسلم ولم يرو له البخاري، قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي؛ هو الإمام المشهور عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري الإمام المشهور توفي سَنَة سبع وتسعين ومئة، وتقدم الإشارة إلى هذه الطبقة أنها طبقة أئمة كبار جمعَهم عصرٌ واحد ووفاتهم متقاربة؛ سفيان بن عُيَيْنَة ويحيى بن سعيد وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع الجراح بن مليح الرؤاسي؛ كلهم رحمة الله عليهم توفوا سَنَة مئة وثمانية وتسعين ومنهم من هو قبل بسَنَة؛ مئة وسبعة وتسعين للهجرة، عن مالك بن أنس؛ الإمام المشهور بن أبي عامر الأصبحي إمام دار الهجرة توفي تسع وسبعين ومئة رحمه الله، أخذ عن نافع علما كثيرا ونافع هو مولى ابن عمر، عن أبي الأسود؛ هو محمد بن عبد الرحمن الملقب بيتيم عروة، عن عروة؛ هو ابن الزبير وتقدم وهو تابعي جليل رحمه الله له بنون رووا علما كثيرا عنه وعن غيره، عن زينب بنت أم سلمة، عن أم سلمة رضي الله عنها وهي هند بنت أبي أمية وهي آخر أزواج النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وفاة، توفيت سُنَّة اثنين وستين للهجرة على المرجح، أنها قدمت وهي مريضة - يعني للحج - وأزواج النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام كلهن لم يكن معهن هدي فلهذا أمرهن عليه الصّلاة والسّلام بأن يحللن إلّا أن عائشة رضي الله عنها لم تتمكن من إتمام العمرة فأمرها عليه الصّلاة والسّلام أن تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة، أنها قدمت وهي مريضة، فيه دلالة على حرصهم على الخير، ولهذا حجّت رضي الله عنها وهي مريضة، وفيه أيضا دلالة على أن الإنسان المريض يؤدي المناسك والمشاعر بنفسه مادام مستطيعا، وهناك من المناسك ما لا يؤديه عنه غيره كالوقوف والمبيت ونحو ذلك هذا لا يؤديه عنه غيره، وفيه ما يمكن أن يوكل فيه وهو الرمي، فذكرت ذلك للنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام فقال: «طوفي من وراء الناس وأنت راكبة»، دلالة على أن الطواف في الأصل أن يكون ماشيا، ولمّا ذكرتْ له حالَها أمرها أن تكون راكبة حتى يكون أعون لها - وأنت راكبة - يعني والحال وأنت راكبة، قالت: وسمعت النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو عند الكعبة وهو يقرأ بالطور، وفيه دلالة على أن صلاة المغرب كان يطيل فيها عليه الصّلاة والسّلام فإذا كان قرأ بالطور وهو مسافر وهو يؤم الناس عليه الصّلاة والسّلام وهو مع هذا الجمع العظيم؛ فكيف إذا كان مستقرا عليه الصّلاة والسّلام؟ ولهذا قرأ أيضا بالأعراف، وجاء أيضا في حديث جبير بن مطعم أنه قرأ بالطور عليه الصّلاة والسّلام في الصحيحين في صلاة المغرب(13)، وجاء أنه قرأ بالمرسلات في آخر حياته من حديث أم الفضل لمّا دخل ابن عباس عندها وقرأ عندها فقالت: لقد أذكرتني بقراءتك هذه قراءة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ أنها لآخر ما سمعت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يقرأ بها في صلاة المغرب(14)، فإذا كان قرأ المرسلات في آخر حياته عند مرضه؛ ففي حال الصحة كان يقرأ ما هو أطول خلافا لما ذكره أبو داود رحمه الله في قوله أن هذا منسوخ وذكر أثرا عن عروة أنه كان النَّبيّ يقرأ بالقصار وقال: إن هذا يدل على أنه منسوخ، لكن وجه الدلالة ليس بظاهر مما ذكره رحمه الله، والدليل لا يقوى على النسخ بهذا، لكن كأنه هناك نسخ آخر، وليس هناك ناسخ، ولكن جاءت أدلة أخرى تدل على أنه عليه الصّلاة والسّلام يقرأ بالقصار؛ حديث سليمان بن يسار أنه كان - في حديث أبي هريرة - لمّا كان يصلي بهم ويقرأ بهم قراءة النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام وأنه كان يقرأ في الظهر بالطوال وبالعصر والعشاء بوسط المفصّل، والمغرب بقصار المفصّل، وفي الصبح بالطوال، وأنه هكذا كان يفعل عليه الصّلاة والسّلام، كذلك ما صح عن عمر رضي الله عنه أنه قرأ ببعض قصار المفصّل، في بعضها قرأ آية وفي بعضها قرأ (قل هو الله أحد) وأيضا حديث رافع بن خديج في الصحيحين أنه كنا نصلي مع النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم المغرب ثم نخرج فنرمي نبلنا ونرى مواقع النبل، فإذا كانوا بعد صلاة المغرب يخرجون ثم يرمون النبل ومعلوم أنه يذهب بعيدا وهذا بعد غروب الشمس وبعد صلاة المغرب فلا شك أن رؤيتهم لمواقع نبلهم يدل على أن الضوء قوي وأن هذا فيه مبادرة ودلالة على أنه لا يطيل في صلاة المغرب وأنه لو أطال لحصل معه شيء من الظلمة لا يمكن معها رؤية ما يرمى ولو كان قريبا فكيف إذا كان رمي النبل - مع ما عُلِم من الصحابة من قوة وأن أحدهم يرمي لمسافة بعيدة - فهذا دليل من جهة اللازم والحديث لم يسقه رافع بن خديج رضي الله عنه - وهو الظاهر - لم يسقه للدلالة على مسافة (كلمة غير مفهومة) إنما ساقه أنه كانوا يلازمون أمور الحرب والاستعداد حتى في مثل هذا الوقت، ويمكن أنه أشار لمثل هذا المعنى والله أعلم، لكن استنبط منه أهل العلم هذه الفائدة وهي ظاهرة، قالت: ذكرت ذلك للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم فقال لها: «طوفي من وراء الناس» جاء في رواية عند الاسماعيلي «إذا صلّى الناس فطوفي من وراء الناس وهم يصلون» وفيه دلالة على أن من كان معذورا فلا بأس أن يفعل مثل هذا ولو كان الناس يصلون، إذا أمكن ذلك مع قلة الناس ففعل هذا وقت الصلاة فهو معذور، ويمكن القول أن المرأة ولو حضرت الجماعة فإنه لا يلزمها لأنه في الأصل لا يجب عليها - وإن كانت القاعدة والأصل أن من حضر الجماعة وجبت عليه الجماعة – هذه هي القاعدة وهذا هو الأصل كالمريض الذي يحضر الجمعة فإنه تجب عليه، وكالمجاهد إذا حضر الصف فإنه لا يجوز له الفرار - وإن كان في الأصل فرضا كفائيا – لكن إذا حضر الصف فإنه لا يجوز له الفرار بعد ذلك ولا أن يرجع لأنه تعين عليه في تلك الحال.

حدثنا محمد بن عبد الحكم، أن ابن وهب أخبرهم، قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طاف في حجة الوداع على بعير؛ يستلم الركن بمحجن.


حدثنا محمد بن عبد الحكم؛ هذا نسبه إلى جده وهو محمد بن عبد الله بن الحكم تقدم وهو ثقة رحمه الله فقيه روى له المصنف هنا وأبو داود والنسائي، أن ابن وهب؛ أخبرهم، قال: أخبرني يونس بن يزيد؛ وهو الأيلي وهو ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وهناك عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور -لعلي وهمت- في هذا المجلس أو مجلس آخر فقلت: إن عبيد الله هذا هو عبد الله بن عبيد الله لكن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور هذا روى عن ابن عباس لكن روايته نادرة أو قليلة ولم يرو عنه إلّا شيئاً يسيراً ربما لم يرو عنه حديثا واحدا، عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور مثل هذا (جملة غير مفهومة) سمي عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، وعبيد الله بن عبد الله أجلّ رحمه الله وأوثق وأعلم؛ لكن هناك آخر عبد الله بن عبيد الله بن أبي مُليكة، هذا آخر وهو ثقة من رجال الجماعة، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم طاف في حجة الوداع على بعير؛ يستلم الركن بمحجن، اختلفوا في طوافه على البعير فقالوا: لأجل أن يشرف على الناس وليسألوه عليه الصّلاة والسّلام ويكون بارزا لهم؛ كما كان عليه الصّلاة والسّلام يبرز للناس في المدينة لمّا قال له أصحابه: لو وضعنا لك مكانا حتى تجلس عليه فيراك الغريب فلم يرد عليهم عليه الصّلاة والسّلام لِمَا رأى من تطييب خواطرهم في ذلك؛ ولما في ذلك من المصلحة لأنه كان يجلس بينهم كالواحد بينهم فيأتي الغريب فلا يعرفه من لم يره قبل ذلك والجمع حوله كثير، فكان من المصلحة أن يكون مثلا بينهم عليه الصّلاة والسّلام على مكان مرتفع حتى يكون أعون لمن يأتي لسؤاله عليه الصّلاة والسّلام، قوله: على بعير، جاء في رواية عند أبي داود أنه عليه الصّلاة والسّلام اشتكى فطاف على بعير(15) لكن هذه الرواية ضعيفة فهي من رواية يزيد بن أبي زياد الهاشمي مولاهم وهو ضعيف، والرواية الأخر الصحيحة «وليشرف للناس وليسألوه»(16) فإن الناس غشوه - أي اجتمعوا عليه - فقد يحصل له أيضا تضييق وأيضا ربما يمنع بعضهم بعضا ويضر بعضهم بعضا، كلهم يحرص أن يكون قريبا منه ويبادر بالسؤال ولا شك أنه عندما يكون على بعير فإنه يراهم جميعا ويقدم من حقه التقديم في السؤال ولا يحصل تلك المضرة لهم في أن يزحم بعضهم بعضا، وأيضا يسْلَم عليه الصّلاة والسّلام من أن يحصل له منهم أذى غير مقصود منهم مع الازدحام عليه عليه الصّلاة والسّلام، يستلم الركن بمحجن والمحجن هي تلك العصا المحنية وتقدمت هذه الأخبار، والمصنف رحمه الله فرّق بين بعض الأخبار، وهذا الخبر لو أنه ذكره مع الأخبار المتقدمة كحديث ابن عمر وحديث ابن عمر الثاني أيضا وحديث جابر لكن أولى لأنها أحاديث واحدة، ووقع للمصنف أنها فرق وسيأتي من حديث جابر الطويل ذَكَرَه أيضا مفرقا رحمه الله، ويحتمل والله أعلم أنه يكتب أو يُملي بحسب ما يسنح في خاطره رحمه الله ولهذا ربما ذكر الأخبار المتوافقة في باب واحد وربما فرّق الأخبار المتوافقة لأجل هذا.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي سكن الري، قال: حدثنا أبو عاصم، عن معروف، عن أبي الطفيل رضي الله عنه، قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطوف على راحلته يستلم الركن بمحجنه، ويُقَبِّلُ طرف المحجن، ثم خرج إلى الصفا فطاف سبعا على راحلته.


الإسناد الذي تقدم صحيح وهو متفق عليه -حديث ابن عباس الذي قبل ذلك-.

حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي؛ قال ابن أبي حاتم: صدوق وقد كتبت عنه، سكن الري، قال: حدثنا أبو عاصم؛ هو الضحاك بن مخلد، عن معروف؛ هو معروف بن خرّبوذ ثقة له أثر رواه عن أبي الطفيل عن علي كما هنا في البخاري موقوفا عليه «حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله»(17)، عن أبي الطفيل رضي الله عنه؛ هو عامر بن واثلة؛ صحابي جليل آخر من مات من الصحابة على رجحه الحافظ رحمه الله توفي سَنَة مئة وعشرة للهجرة وولد عام أُحُد العام الثالث، وعليه مات وله سَنَة مئة سَنَة وسبع سنين رحمه الله ورضي عنه، قال: رأيت رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يطوف على راحلته يستلم الركن بمحجن - كما قال ابن عباس - ويُقَبِّلُ المحجن، ثم خرج إلى الصفا فطاف سبعا على راحلته، ويمكن أن المصنف رحمه الله أنه ذكر هذه الأخبار في هذا الباب من جهة الطواف وأنه الآن شرع في أحاديث الطواف ولا يريد أن يكرر الأخبار في موضعين على خلاف طريقة البخاري رحمه الله، وإلّا لو ذكر هذا الخبر فيما تقدم وذكر هنا لكان مناسبا لكن اكتفى بالأخبار التي جاءت في الباب في مسألة استلام الحجر وذكر الأخبار الأخرى التي فيها زيادة في الباب المناسب في باب آخر ولم يؤثر أن يكرر رحمه الله حتى يُخفف على القارئ والمُطَّلع، والحديث إسناده صحيح وقد رواه مسلم، وكما تقدم أن الطائف يُقَبِّل الحجر ويستلمه؛ فإن لم يمكنه أن يقبله ويستلمه فإنه يُقَبِّل؛ فإن لم يمكن أن يُقَبِّل فإنه يستلمه بيده ويُقَبِّل يده؛ فإن لم يمكن أن يستلمه بيده فيستلم بعصا ونحو ذلك ويُقَبِّل العصا؛ فإن لم يمكنه هذا – وهذا هي المرحلة الخامسة - فإنه يشير على قول الجمهور لكن بيد واحدة، وقيل يكبر بلا إشارة.

حدثنا عبد الله بن هاشم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا جعفر قال: حدثني أبي، قال: أتينا جابر بن عبد الله رضي الله عنه - وهو في بني سلمة - فسألناه عن حجة النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم؛ فحدثنا: أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مكث بالمدينة تسع سنين لم يحج، ثم أُذِّن في الناس أن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حاجٌّ هذا العام، فنزل بالمدينة بشر كثير كلهم يلتمس أن يأتم برسول الله صلّى الله عليه وسلّم ويفعل ما يفعل، فخرج النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لخمس بقين من ذي القعدة وخرجنا معه، حتى إذا أتى ذا الحليفة نَفِسَت أسماء بنت عميس بمحمد بن أبي بكر، فأرسلت إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم تسأله: كيف أصنع؟ قال: «اغتسلي، ثم استثفري بثوب، ثم أهلِّي»، فخرج رسول الله صلّى الله عليه وسلّم حتى إذا استوت به ناقته على البيداء أهلّ بالتوحيد «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك، والملك، لا شريك لك» ولبّى الناس، والناس يزيدون: ذا المعارج ونحوه، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم يسمع فلا يقول لهم شيئا، فنظرت مدّ بصري بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فمن راكب وماش ومن خلفه مثل ذلك، وعن يمينه مثل ذلك، وعن شماله مثل ذلك، قال جابر: ورسول الله صلّى الله عليه وسلّم بين أظهرنا - عليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله -، فما عمل به من شيء عملنا. فخرجنا لا ننوي إلّا الحج، حتى إذا أتينا الكعبة استلم النبيُّ صلّى الله عليه وسلّم الحجرَ الأسود ثم رمل ثلاثة ومشى أربعة، حتى إذا فرغ عمد إلى مقام إبراهيم صلّى الله عليه وسلّم فصلّى خلفه ركعتين، ثم قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى(18)، قال أبي: فقرأ فيه بـ "التوحيد" و ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الكَافِرُونَ(19) ثم استلم الحجر، وخرج إلى الصفا، ثم قرأ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَائِرِ اللَّهِ(20)، ثم قال: «نبدأ بما بدأ الله به» فرقي على الصفا، حتى إذا نظر إلى البيت كبّر ثم قال: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلّا الله أنجز وعده ونصر عبده، وهزم - أو غلب الأحزاب - وحده»، ثم دعا، ثم رجع إلى هذا الكلام، ثم نزل حتى إذا انصبت قدماه في الوادي رمل، حتى إذا صعد مشى، حتى إذا أتى المروة فرقى عليها، حتى إذا نظر إلى البيت فقال عليها كما قال على الصفا، فلما كان السابع عند المروة قال: «يا أيها الناس! إني لو استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة، فمن لم يكن معه هدي فليحل، وليجعلها عمرة»، قال: فحلّ الناس كلهم، فقال سراقة بن جعشم وهو في أسفل المروة: يا رسول الله! ألعامنا هذا أم إلى الأبد؟ قال: فشبك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أصابعه فقال: «للأبد» -ثلاث مرات - ثم قال: «دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة»، قال: وقدم عليٌّ رضي الله عنه من اليمن، فقدم بهدي، وساق رسول الله صلّى الله عليه وسلّم معه من المدينة هديا، فإذا فاطمة رضي الله عنها قد حلّت ولبست ثيابا صبيغا، واكتحلت، فأنكر ذلك علي رضي الله عنه عليها؛ فقالت: أمرني به أبي، قال: قال عليٌّ رضي الله عنه بالكوفة - قال أبي: هذا الحرف لم يذكره جابر رضي الله عنه - فذهبت مُحرّشا أستفتي رسول الله رضي الله عنه في الذي ذكرت فاطمة، قلت: إن فاطمة لبست ثيابا صبيغا واكتحلت، وقالت: أمرني به أبي، فقال «صدقت صدقت، أنا أمرتُهَا به»، قال جابر: وقال لعلي رضي الله عنه «بم أهللت؟» قال: قلت: اللهم! إني أُهل بما أهلّ به رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، قال: ومعي الهدي، قال: «فلا تحل»، قال: وكان جماعة الهدي الذي أتى به علي رضي الله عنه من اليمن والذي أتى به النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم مئة، فنحر رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بيده ثلاثا وستين، وأعطى عليا رضي الله عنه فنحر ما غبر، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة، فجعلت في قدر فأكلا من لحمها وشربا من مرقها، ثم قال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم «قد نحرتُ ههنا، ومنى كلها منحر»، ووقف بعرفة وقال: «قد وقفت هاهنا، وعرفة كلها موقف»، ووقف بالمزدلفة فقال: «قد وقفت هاهنا، والمزدلفة كلها موقف».


الحديث سيأتي إن شاء الله بأطول من هذا وسنتكلم عليه في الرواية الثانية وهذا الحديث إسناده صحيح بل الإسناد هذا أقوى من الإسناد الآتي، وهذا الإسناد ينُظر لأنه في الحقيقة حتى هذا الإسناد إن لم يكن عند مسلم فهو أقوى من إسناد مسلم - ما أدري عن أسانيد مسلم - سيأتيني الإسناد الثاني وهو من أسانيد مسلم لكن هل هو عنده بأكثر من إسناد؟ يراجع لأنه من طريق حاتم بن إسماعي سيأتي، وهنا من رواية يحيى بن سعيد قال: حدثنا جعفر، ورواية مسلم المشهور من رواية حاتم بن إسماعيل وقد ذكره المصنف كما سيأتي من رواية حاتم بن أسماعيل، وهنا حاتم بن إسماعيل عن جعفر، وهنا يحيى بن سعيد القطان عن جعفر، لكن من الفوائد أنه هنا قال: فقرأ فيه بالتوحيد ثم ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، ثم استلم، فصلّى خلفه ركعتين ثم قرأ ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً(21) هنا جزم بالصلاة ولم يذكر فيها شيئا من التردد وأنه صلّى وقرأ فيها بالتوحيد و﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ(22) وسيأتينا من رواية الأخرى - رواية حاتم بن إسماعيل - أنه قال: لا أحسبه كذا أحسبه كذا، حاتم بن إسماعيل ليس مبرزا بالعدالة والثبت رحمه الله وإن كان لا بأس به، ويحيى ابن سعيد لم يحصل منه التردد، وهذا يبين أنها ثابتة وأنها معروفة - رواية يحيى بن سعيد عن جعفر بن محمد - كما سيأتي، وسيأتي إن شاء الكلام عليه في الرواية الثانية وفي الرواية الثانية سنقف عليه جملة جملة ويكون الكلام بحسب ما تيسر إن شاء الله والإسناد صحيح هنا وقد رواه مسلم كما تقدم.

حدثنا ابن المقرئ، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا لا ننوي إلّا الحج فلما كن بسَرِف حضت، فدخل علي رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا أبكي فقال: «أحضت؟» قلت: نعم، فقال: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقض ما يقضي المحرم، غير أن لا تطوفي بالبيت».


أما قوله: صدقت صدقت، الظاهر أن رواية مسلم مرتين وليست ثلاثا، لكن هنا النسخة عندي مكررة ثلاثا فتُنظر النسخ، وابن ماجه لم يروه مطولا والذي رواه مطولا هو مسلم وأبو داود، ورواه مجموعة كبيرة لكن ينظر هل هي موجودة أم لا، فينظر هل هي موجودة أم لا، فالذي رواه مطولا مسلم وأبو داود وصاحب المنتقى (جملة غير مفهومة)، ابن ماجه لا أدري عنه أنه رواه مطولا، لكن يراجع، واحتمال هل رواه مختصرا فينظر، الحديث موجود مطول عند أبي داود وهو عند مسلم الظاهر أنها مرتين، والنسخة عندكم مرتين، وهذا يبين اختلاف النسخ، وهذا يحتاج إلى تحرير.

حدثنا ابن المقرئ، قال: حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها، هذا إسناد صحيح، وعبد الرحمن بن القاسم هو عبد الرحمن بن القاسم بن محمد بن أبي بكر الأمام الجليل؛ أخوه عبد الله أيضا له أخ يقال: له عبد الله بن محمد ثقة رحمه الله، وعبد الرحمن هذا ابن القاسم وهو إمام كبير، وأبوه محمد بن أبي بكر هو الذي ولدته أسماء رضي الله عنها لما نَفِسَت وأمرها فقال: استثفري، يقول لها عليه الصّلاة والسّلام، قالت: خرجنا لا ننوي إلّا الحج فلما كن بسَرِف حضت، وهذ مكان قريب من مكة، فدخل عليَّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وأنا أبكي، هذا يُبين أن الحيض قد يتقدم وقد يتأخر وأنه لا دليل على أن المرأة إذا تقدم حيضها أنها لا (جملة غير مفهومة) حتى يتكرر كما هو المعروف في المذهب وأن الصواب قول الجمهور في هذا، فبكت لأنه جاءها في غير الوقت المعتاد، ولهذا بكت رضي الله عنها، ولسنا ننوي إلّا الحج؛ يعني: في هذه الأيام لا نعرف العمرة مع الحج، هذا هو الصحيح، كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور، فعمرة النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام حينما أمرهم بالتحلل واشتد عليهم هذا الأمر ليس لأن العمرة في أشهر الحج كانت عندهم أمرا مستنكرا، لا، لأن النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام قد اعتمر في ذي القعدة مرارا وأصحابه كانوا يعتمرون لكن الصحيح في هذا أن الذي استنكروه رضي الله عنهم هو التحلل قبل الحج، لمن أراد أخذ العمرة كونه يتحلل من حجه لأنهم يقولون: من أراد الحج فإنه لا يمكن أن يتحلل يبقى على إحرامه بخلاف من يريد يأخذ العمرة وهو لا يحج، فهذا معروف ومعتاد، لكن من يريد الحج فإنهم لم يكونوا يعرفون أن العمرة تكون سابقة للحج بمعنى أن يتحلل من حجه لعمرة كما أمر النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ولهذا استنكروا حتى قال جابر رضي الله عنه وقالوا له: يا رسول الله يذهب أحدنا إلى مِنَى وذكره يقطر منيّا؟؟ فقالوا: انظروا ما آمركم به وافعلوه، فهذا هو الذي وقع منهم استنكاره ولم يفعلوه قبل، فدل أنه لا بأس أن يتحلل الحاج من حجه بنسك عمرة، أما العمرة التي لا ارتباط لها بالحج قد بيّنها النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام وهو ليس خافيا عليهم، فقال: «أحضت؟» قلت: نعم، فقال: «إن هذا شيء كتبه الله على بنات آدم، فاقض ما يقضي المُحْرِم، غير أن لا تطوفي بالبيت» كما تقدم، دلالة على أن الحائض تفعل جميع المناسك إلّا الطواف بالبيت كما تقدم، وفيه دلالة لما ذهب إليه مالك رحمه الله – واختاره جمع من أهل العلم - أن الحائض تقرأ القرآن، أما حديث ابن عمر أن الحائض لا تقرأ شيئا من القرآن(23) - الذي رواه الترمذي وابن ماجه - فهو حديث ضعيف من رواية اسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن نافع عن ابن عمر، وإسماعيل عن ابن جريج ضعيف حتى قالوا: بالاتفاق، ولهذا الصواب أنها تقرأ القرآن كما تقدم لكن لا تمسّ، لأن من كان حاله (جملة غير مفهومة) لا يمس من باب أولى، أيضا لا تطوفي حتى تطهري، والحديث صحيح رواه الشيخان.


(1) صحيح. النسائي (2922). انظر حديث الإرواء (121).
(2) صحيح مسلم (602).
(3) صحيح البخاري (1614).
(4) صحيح مسلم (1297).
(5) صحيح البخاري (305).
(6) النساء: 43.
(7) حديث طلق بن حبيب هو بلفظ (إذا فسا أحدكم في الصلاة، فلينصرف فليتوضأ وليعد الصلاة)، وهو ضعيف، رواه أبو داود (205)، وانظر ضعيف الجامع (607).
أما الحديث الذي فيه موضع الشاهد فهو حديث عائشة رضي الله عنها (من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي، فلينصرف، فليتوضأ ثم ليبن على صلاته، وهو في ذلك لا يتكلم) وهو ضعيف أيضا، رواه ابن ماجه (1221)، انظر التعليق على حديث رقم (27) من ضعيف سنن أبي داود الكبير للشيخ الألباني رحمه الله.

(8) صحيح البخاري (6954).
(9) سبق الكلام على الحديث في الحاشية، والظاهر أن الشيخ - حفظه الله - خلط بين الحديثين.
(10) صحيح. أبو داود (17). صحيح الجامع (2472).
(11) صحيح. أورده صاحب مجمع الزوائد (1427) وقال: (رواه الطبراني في الأوسط، وفيه بقية بن الوليد، وهو مدلس). وصححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع (4794).
(12) سبق تخريجه.
(13) صحيح البخاري (765).
(14) صحيح البخاري (763).
(15) رواه أحمد (2772)، وهو ضعيف كما أفاده الشارح حفظه الله.
(16) صحيح مسلم (1273).
(17)صحيح البخاري (127).
(18) البقرة: 125.
(19) الكافرون: 1.
(20) البقرة: 158.
(21) البقرة: 125.
(22) الكافرون:1.
(23) ضعيف. ابن ماجه (595). ضعيف الجامع (6364).