موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الإهلال بالحج والعمرة - شرح المنتقى (الجزء الخامس)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الخامس) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الخامس)
 كتاب المناسك
 المواقيت
 ما يجوز للمحرم وما يحرم عليه
 الشرط في الحج
 الإهلال بالحج والعمرة
 الهدي وأحكامه
 تلبية النبي بالحج والعمرة معًا
 التلبية ورفع الصوت بها
 أكل المحرم لصيد البر
 الفواسق الخمس وقتلهم في الحرم
 غسل المحرم رأسه
 احتجام رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو محرم
 التداوي والنكاح في الحج
 صاحب الجبة
 حلق شعر لأذى في الرأس
 إمساك النبي عن التلبية في العمرة إذا استلم الحجر
 استلام الحجر وتقبيله
 الطواف
 تتمة الطواف
 الوقوف بمزدلفة والوقوف بعرفة وحديث جابر بن عبد الله
 تتمة حديث جابر بن عبد الله
 الوقوف بعرفة وتقدم الضعفة إلى المزدلفة
 رمي الجمرات
 تتمة رمي الجمرات
 الأضحية وأحكامها
 حلق الرأس وطواف الإفاضة
 افعل ولا حرج
 ليالي منى
 أيام التشريق
 طواف الوداع
 الحج عن الغير قادر وعن الميت
 الحج عن من نذر الحج ومات قبل أن يحج
 الحج المبرور ليس له جزاء إلّا الجنّة، وعمرة في رمضان تعدل حجة
 خروج النبي زمن الحديبية
 حديث: «فإنه يبعث يوم القيامة يلبي»
 حرمة مكة
 أسئلة
شرح المنتقى (الجزء الخامس) - الإهلال بالحج والعمرة

حدثنا الحسن بن أحمد بن سليمان، قال: قال محمد بن يحيى: حديث عبد الرزاق عندنا محفوظ في قصة ضُباعة؛ مُحتج به لمن أراد الشرط في الحج.

حدثنا ابن المقرئ، قال: حدثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت: أهلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج وأهلّ به ناس، وأهل ناس بالحج والعمرة وكنت ممن أهلّ بالعمرة.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً».


الحمد لله رب العالمين والصّلاة والسّلام على نبيّنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين

قال الإمام ابن الجارود رحمه الله: حدثنا ابن المقرئ، حدثنا سفيان عن الزهري، وهذا الإسناد تكرر وتقدم كثيرا، عن عروة هو ابن الزبير العوام رحمه الله، تابعي جليل توفي سَنَة ثلاث وتسعين أو سَنَة أربع وتسعين، وولد على المشهور في خلافة عمر رضي الله عنه سَنَة ثلاث وعشرين فيكون له عند وفاته إمّا سبعون أو واحد وسبعون سَنَة رحمه الله، وكان من علماء الصحابة ومن الفقهاء السبعة الذين قيل فيهم: إذا قيل مَن في الفقه سبعة أبحر؛ روايتهم ليست عن العلم خارجة، فقل: هم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجة، سليمان هو ابن يسار وسعيد هو ابن المسيب وأبو بكر هو محمد بن عمرو بن حزم وعبيد الله هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود، هؤلاء هم الفقهاء السبعة، وعروة رحمه الله إمام كبير روى علما كثيرا وروى عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها علما كثيرا وهو ابن أختها وله خصوصية بها رضي الله عنهم جميعا وله بنون من أهل العلم والفضل منهم عبد الله وهو من التابعين ومنهم عثمان بن عروة وهو أيضا من التابعين هو عثمان بن عروة وهو إمام من طبقة التابعين أو من طبقة كبار أتباع التابعين ومنهم يحيى بن عروة بن الزبير، وهؤلاء كلهم رووا عن عروة أبيهم روايتهم في الصحيحين؛ عبد الله وعثمان ويحيى وكذلك محمد ومحمد هذا توفي وهو شاب صغير وهو من الطبقة الرابعة من متوسطي التابعين روى عن أبيه وروايته عند الترمذي رحمة الله عليهم.

وعروة كما لا يخفى له سير مشهورة وله سيرة مشهورة - سيرة عروة رضي الله عنه - أو مغازي عروة وهو عروة بن الزبير، ومغازيه التي نقلها هي من أوثق وهي من أصح المغازي رحمه الله، عن عائشة رضي الله عنها أم المؤمنين توفيت سَنَة سبعة وخمسين للهجرة، قال: أهلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج، والإهلال هو التَّلبيَة مع رفع الصوت، وفيه دلالة على مشروعية رفع الصوت بالتَّلبيَة والإهلال بالحج فهو علامة عليه ودخول فيه، والحج يشبه النذر من جهة وليس النذر من جهة ما جاء من الأدلة الدالة على النهي عنه أو أنه مكروه أو مباح، لكن لما فيه من الالتزام فأشبه النذر، ولذا يشرع التَّلبيَة والتلفظ بالتَّلبيَة لأنها عقد للدخول في العبادة وإذا كان يشرع التكبير للدخول في الصلاة ولأن تحريمها التكبير مع النِّيَّة فكذلك الحج تحريمه التَّلبيَة مع النِّيَّة، ولذا شرع الذكر عند الدخول فيه لأنه يحرم بعد التَّلبيَة مع النِّيَّة ما لم يكن حراما عليه قبل من محظورات الإحرام، وليس هذا من التلفظ بالنِّيَّة إنما من الذكر الذي به يتذكر العبد هذا النسك لأنه نسك عظيم والتزامات عظيمة في محظورات الإحرام فشرع مثل هذا حتى لا يدخل إلّا بعدما يكون قد استيقن من نفسه وأنه لا يحتاج إلى شيء قبل الدخول في الإحرام ولهذا يشرع ما يشرع له قبل الدخول إليه من التّنزّه؛ من نظافة البدن ومن التطيب ونحو ذلك من الأمور المشروعة فشأنه شأن عظيم، قالت: أهلّ رسول الله، والإهلال من استهلال الشيء ومنه الهلال لأن الناس يُهلون به ويرفعون أصواتهم حينما يرونه ويهل الهلال، أهلّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بالحج وأهلّ به ناس، أهلّ رسول الله بالحج هذا جاء في عدة أخبار أنه أهلّ بالحج وجاء أنه أهلّ بهما بالحج والعمرة وكلام أهل العلم في هذا معروف في مسألة إهلاله، فمن قال: أهلّ بالحج وهو الصحيح، ومن قال: أهلّ بهما، بالحج والعمرة وهو صحيح، ومن قال: تمتع فهو صحيح، وقال بعضهم: إنه عليه الصّلاة والسّلام أهلّ بالعمرة ثم بعد ذلك أدخل الحج عليها فمن ذكر العمرة ذكر أول الأمر ومن ذكر الحج والعمرة ذكر ما آل إليه وهو أنه أحرم بالحج بعد ذلك وهذا هو جمع الحافظ ابن حجر وعليه جماعة لكن هذا فيه نظر، ثبت في الصحيحين من حديث عمر أنه قال صلّى الله عليه وسلّم: «أتاني آت في هذا الوادي المبارك وقال: صل في هذا الوادي المبارك - وهو ذو الحليفة - وقل: عمرة في حجة»(1) فهو أُمِرَ بها من أول الأمر وأحرم بهما عليه الصّلاة والسّلام والصحابة رضي الله عنه الذين جاء عنهم الإفراد جاء عنهم القران وجاء عنهم التمتع وكله صحيح، فإن القران تمتع في لغتهم، فمن قال: إنه أحرم بالحج فإنه أراد أن عمله لم يزد عن عمل المفرد وأن القارن عمله كعمل المفرد سواء، أما الهدي فأمره واجب على القارن أما ما يتعلق بعمل الحج في المناسك فعملهما واحد ولهذا قالوا: أفرد الحج وهو أن عمله كعمل المفرد سواء بسواء، ومن قال: تمتع فهو صحيح لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم عمل نسكين في سفرة واحدة وهو الحج والعمرة، وعمرة القارن تجزئه عن عمرة الإسلام عند جماهير العلماء وعلى القول الصحيح خلافا للأحناف الذين يقولون: لا بد للقارن من طوافين وسعيين، وهذا قول ضعيف وأدلته التي ذكروها عند الدارقطني أدلة ضعيفة منكرة لا يمكن أن تُقابل بها الأخبار الصحيحة وهديه وسيرته المنقولة عنه عليه الصّلاة والسّلام في حديث جابر العظيم الطويل في صحيح مسلم وغير ذلك من الأخبار، وهذا أحسن ما يقال في هذا الباب في الأخبار التي جاءت مختلفة في الظاهر في صفة حجه عليه الصّلاة والسّلام، ومن تأمّلها كما ذكر أهل العلم وجدها مؤتلفة مختلفة ولكن هذا من سعة اللغة ومن فقه الصحابة رضي الله عنهم ولهذا لم يختلفوا في ذلك إنما حصل خلاف بينهم في بعض المسائل أما في أصولها وصُلبها فلم يختلفوا في ذلك، وأهلّ به ناس: يعني كما أهل عليه الصّلاة والسّلام، وأهل ناس بالحج والعمرة وكنت ممن أهلّ بالعمرة، وذلك أن عائشة رضي الله عنه أهلّت بالعمرة ثم بعد ذلك قصتها معروفة أمرها صلّى الله عليه وسلّم أن تلبي بالحج، وهذا الحديث إسناده صحيح وحديث عائشة متفق عليه وسيأتي أيضا توضيح في الرواية التي بعدها.

حدثنا محمد بن يحيى، قال: حدثنا بشر بن عمر، قال: حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: «من كان معه هدي، فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً».


حدثنا محمد بن يحيى هذا محمد بن يحيى كما تقدم هو الذهلي؛ محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس الذهلي الإمام المشهور توفي سَنَة ثمان وخمسين ومئتين للهجرة، حدثنا بشر بن عمر؛ أبو الحكم الزهراني من رجال الشيخين رحمه الله ثقة، حدثنا مالك بن أنس عن ابن شهاب، ومالك من أجلِّ أصحاب ابن شهاب وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة رضي الله عنها، وهذا الحديث هو نفس الطريق لكن ساقه رحمه والذي قبل من رواية سفيان بن عيينة وهذه من رواية مالك، وهذا يبين لك أن هذه الأخبار يتفق عليها الأئمة الحفاظ الكبار وأنك إذا جمعت بينها وجدتها يكمل بعضها بعضا، قالت: خرجنا مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال صلّى الله عليه وسلّم: «من كان معه هدي» والذين أهلوا؛ منهم من أهل بعمرة - وهي تحكي فعلها رضي الله عنها - ومن أهلّ بعمرة ممن أحرم بالعمرة وحدها، ومنهم من أهلّ بالحج كما في الصحيحين أن النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام خيّرهم حينما كانوا في الميقات فقال: من شاء أهلّ بعمرة ومن شاء أهلّ بالحج ومن شاء أهلّ بهما جميعا، ومن أهلّ بالعمرة فإنه يكون متمتعا وعائشة رضي الله عنها استمرت على ذلك حتى حصل ما حصل ونزل بها الدم ثم أمرها النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أن تدخل الحج على العمرة وتكون قارنة، وقال صلّى الله عليه وسلّم: «من كان معه هدي فليهلّ بالحج مع العمرة ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعاً» وفي هذا دلالة على أن من ساق الهدي فإنه يجب عليه أن يبقى على نسكه، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قد ساق هديه لقوله تعالى ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ(2) فمن ساق الهدي وجب عليه أن يبقى مطلقا، وهذا حكم مستقر عام في وجوب البقاء على النسك، والنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام خيّرهم كما تقدم ثم بعد ذلك نزل عليه الوحي وبيّن لهم عليه الصّلاة والسّلام أمرا آخر وقال: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة»(3) ثم أمرهم عليه الصّلاة والسّلام بالتحلل لمن لم يسق الهدي، فقال عليه الصّلاة والسّلام: «من كان معه هدي فليحل بالحج» يعني ممن كان معتمرا، فهذا خطاب لمن كان معه هدي ممن لبّى بالعمرة، أنا الذي لبّى بهما جميعا فهذا أمره واضح؛ فإنه قد لبّى بالحج والعمرة فهو في هذه الحالة في نسك وهو سائق للهدي باقي، لكن من كان معه هدي فليهلّ بالحج، يجب عليه أن يهلّ بالحج وأن يدخل الحج على العمرة لأن من كان معه هدي فلا يحل له كما قال عليه الصّلاة والسّلام لما قالت له حفصة: ما شأن الناس قد أحلوا ولم تحلّ؟ قال: «إني سقت الهدي ولا يحل مني حرام حتى يبلغ الهدي محله»(4) وهو في يوم النحر، وليس المراد ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ أي حتى يذبح! بل المراد حتى يكون يوم النحر، ولهذا قال: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ﴾ ولم يقل: حتى تذبحوا وإنما ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وإذا بلغ الحرم وكان يوم النحر فقد بلغ محله، وإلّا فالنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام رمى عليه الصّلاة والسّلام ثم وقع خلاف هل تحلل بمجرد الرمي أو لا بد؟ وذلك لأن الهدي لا علاقة له بالتحلل، إنما إذا رمى هل يجب أن يفعل شيئا ثانيا مع الرمي؟ على خلاف في هذه المسألة، والرسول عليه الصّلاة والسّلام أمرهم كما تقدم أن يبقوا - من كان ساق الهدي - فإنه يبقى على إحرامه، وهم قلة من أصحاب النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام ومنهم علي رضي الله عنه، ولهذا لما قال: لبيك كإهلال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم قال: «أمكث حراما»(5)، لأنه ساق معه الهدي وجاء معه ببدن من اليمن، ولهذا لمّا قال أبو موسى: لبيك كإهلال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ أمره صلّى الله عليه وسلّم بالتحلل لأنه لم يسق الهدي وكان التحلل في ذلك العام مُتعينا، ولهذا من طاف للعمرة وسعى فالسُّنَّة في حقه أن يتحلل وهل يجب أو لا يجب؟ فالمسألة فيها خلاف، وذهب ابن القيم رحمه الله إلى وجوب التحلل وهو قول ابن عباس رحمه الله وقال ابن القيم رحمه الله: إننا ندين الله بهذا وحتى لا نعصي أمره عليه الصّلاة والسّلام ولا نقع في غضبه لأن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم غضب حينما قال: كيف آمر بالأمر فلا يسمع ولا يطاع! كما جاء في حديث عائشة ووقع قريب من هذه القصة في الحديبية مع أم سلمة، الشأن أنه عليه الصّلاة والسّلام أمر من لم يسق الهدي بالتحلل وقد ورد في هذا ما يقارب ثمانية عشرة حديثا منها حديث جابر بن عبد الله في الصحيحين وحديث عبد الله بن عباس في الصحيحين أنه عليه الصّلاة والسّلام أمرهم أن يتحللوا في عمرة وكذلك حديث عائشة وحديث أبي سعيد وحديث أسماء في صحيح مسلم، وحديث ابن عمر في الصحيحين أيضا ، أحاديث كثيرة، بل من نظر فيها تبين له تواترها وأنه يشرع التحلل لمن لبى بحج أو حج وعمرة، كل من كان قارنا أو مفردا فالسُّنَّة في حقه أن يتحلل، هذا هو المشروع، ولهذا قال سَلمة بن شَبيب وهو من شيوخ مسلم قال للإمام أحمد رحمه الله: يا أبا عبد الله كل أمرك عندي حسن إلّا خصلة واحدة، قال: ما هي؟ قال: تقول بفسخ الحج إلى العمرة، قال الإمام أحمد رحمه الله: كان يبلغني عنك وكنت أدفع عنك وكنت أظن لك عقلا والآن بان لي أمرك، عندي ثمانية عشر حديثا جيادا عن النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أتركها لقولك! لا يمكن هذا، فالمعنى أنه يشرع التحلل، وهذه المسألة فيها أقوال ثلاثة، فقيل: يجب التحلل كما تقدم، وقيل: يستحب وهو مذهب أهل الحديث وهو اختيار شيخ الإسلام رحمه، وقيل: يستحب وهو مذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والأحناف، وهذه المسألة في الحقيقة لا يمكن فيه الاحتياط لأنه إذا قيل: بفسخ الحج خالف قول من قال: يحرم، وقع في المحذور، ومن قال: لا يتحلل ولا يفسخ وهو قول الجمهور خالف قول من قال: يجب أو من قال: يستحب، فهو مخالف قولهم، ولهذا نقول: لا احتياط في هذا، ولهذا ابن القيم قال: الاحتياط إنما يكون بالخروج من خلاف العلماء أو احتياط للعمل بالسُّنَّة، إذا كان الاحتياط بالعمل بالخروج من اختلاف العلماء؛ فهذا أمر حسن ولا بأس به، إنسان مثلا يعمل بقول يجمع الأقوال؛ فيتوضأ من لحوم الإبل إذا كان يرى أنه لا ينقض، ويتوضأ من مسّ الذكر إذا كان يرى أن مسّ الذكر لا ينقض لكن يقول: أتوضأ احتياطا على هذا القول، ويتوضأ من لحوم الإبل احتياطا، أو يرى أن الدم مثلا لا ينقض مثلا الوضوء، وقال: أتوضأ في مثل هذا احتياطا، لكن نقول هذه المسائل على قسمين:

قسم يكون الخلاف فيه قوي فيلزم الاحتياط، وقسم يكون فيه الخلاف ضعيف مثل خروج الدم ليس عليه دليل، لكن بعض المسائل عليها دليل والخلاف قوي فنقول: يشرع الاحتياط للخروج من الخلاف إذا كان الخلاف قويا، لكن إن كان الخلاف ضعيفا ففي هذه الحالة لا احتياط بل العمل بالسُّنَّة ولا ينظر إلى خلاف من خالف سواء كان محرما أو واجبا أو مكروها فلا ننظر إليه ولا نحتاط لهذا القول بالعمل به إذا قال الوجوب أو بالاحتياط بالعمل به إذا قال: استحباب أو بالاحتياط به إذا قال: محرم، أو الاحتياط به إذا قال: مكروه، لأن الخلاف ضعيف إنما نحتاط إذا كان الخلاف قويا وفي الغالب أنه إذا كان الخلاف قويا فالأدلة ظاهرة من الجانبين، وفي الغالب أنه يمكن في هذه الحالة أن نعمل بالاحتياط، ولا يقال في مسألة يكون الخلاف فيها قوي: ولا احتياط فيها، مثل ما قال الشوكاني في مسألة دخول المسجد وقت النهي أنه من المضايق إن جلس ولم يصل أو صلّى في هذا الوقت لأن الدليل واضح في مسألة تخصيص عموم النهي بهذه الاوقات وأنه يشرع الصّلاة في هذا الوقت إذا لتحية المسجد، فهذه المسألة كما تقدم فقول الجمهور ضعيف وما ذكروه من التعليل ضعيف ولا يصح، ولهذا كان صواب القول بالفسخ لكن لا نقول: واجب وإنما نقول مستحب، وهذه هو قول جمهور المحدثين وفقهاء المحدثين، والأدلة التي قد يشم منها الوجوب قد تحمل على الصحابة في ذلك الوقت كما في صحيح مسلم من حديث أبي ذر أنه كان لنا خاصة(6) – في مسألة فسخ الحج -، وهذا من اجتهاده لكن هذا يحمل على أنه خاص بهم وهو وجوب الفسخ، أما غيرهم فمستحب والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لم يقل خاص بكم، أما حديث الحارث بن بلال بن الحارث الذي فيه لنا خاصة فهو حديث منكر(7) لجهالة الحارث بن بلال الراوي عن أبيه بلال بن الحارث ولمخالفة الأخبار الصحيحة المتواترة عن النَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام، وعلى هذا يقال: إنه يشرع التحلل، وإذا قلنا: يشرع التحلل لكل من ورد البيت، لو أن إنسانا أخذ عمرة قبل الحج في رمضان أو في شوال ثم رجع ثم أراد الحج نقول: التمتع مشروع مطلقا للأدلة الدالة في هذا وأنه أفضل على كل حال وأن كونه يتمتع أفضل من كونه يكون قارنا أو مفردا، ما جاء عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقول: أفردوا الحج من العمرة فإنه أتم لنسككم وهذا ثبت عنه رضي الله عنه، وما قاله شيخ الإسلام رحمه الله أن إذا أفرد العمرة بسفرة والحج بسفرة فإن هذا أفضل عند الأئمة الأربعة، فالمراد به إفراد الحج وإفراد العمرة يعني كونه يأخذ حجة بسفرة وعمرة بسفرة لا شك أنه إذا أخذ نسكين حج مفرد وعمرة مفردة بسفرتين أفضل من تمتع بسفرة واحدة – هذا لا إشكال به - وهذا الذي أراده عمر وهو الذي حكاه شيخ الإسلام رحمه الله عن الأئمة الأربعة، وإلّا فإن الأئمة الأربعة معلوم كلامهم في هذا، فمنهم من فضّل الإفراد مطلقا ومنهم من قال: القران أفضل مطلقا وهو قول مالك ومنهم من قال: الإفراد مطلقا كما هو مذهب الشافعي، ومنهم من قال: التمتع مطلقا كما هو مذهب أحمد رحمه الله، والقران هو قول أبي حنيفة رحمه الله أنه أفضل مطلقا، والشافعي الإفراد، ومالك لعله موافق لمذهب أبي حنيفة أو الشافعي موافق لأحدهما، والشاهد الذي جاء عن عمر رضي الله عنه هو إفراد الحج بسفرة والعمرة بسفرة مقابل تمتع مرة واحدة بأن يأخذ حجا وعمرة متمتعا بسفرة واحدة ولا يسبقه قبل ذلك تمتع، أما لو إنسان أخذ عمرة قبل ذلك ثم حجا فالسُّنَّة في حقه أن يتمتع لأن يكون قد جمع بين ثلاثة أنساك بسفرتين، والنَّبيّ عليه الصّلاة والسّلام أمر الصحابة أن يتمتعوا وأمرهم بالتحلل وكان كثير منهم قد أخذ عمرة قبل ذلك وكانوا يأتون البيت ولم يقل: من كان أخذ عمرة قبل ذلك فليفرد! وهذا واضح، وذلك أنهم كانوا في عهد عمر رضي الله عنه الناس لا يتأتئ لهم أن يأتوا البيت إلّا مرة واحدة وقلما أن يأتي الإنسان البيت مرتين هذا نادر وقليل ففيه مشقة وسفر، فالذي يأتي البيت يأتي مرة واحدة وقد لا يأتيه بعد ذلك، فكان يقول رضي الله عنه ورحمه: لا تجعلوا زيارتكم للبيت مرة في العام تأتون في أيام الحج فتأخذون عمرة في شوال فما بعده ثم تبقون في مكة ثم تحرمون بالحج وتكونون متمتعين، يقول: الأفضل أن تأخذوا عمرة قبل ذلك قبل أشهر الحج في رمضان أو قبل رمضان، وتعمروا البيت قبل أيام الحج ثم تأتون إليه في أيام الحج فهذا أفضل من كونكم تجعلون قصدكم للبيت مرة واحدة بتمتع، وهذا واضح، أما من كان يأتي البيت مرتين أو ثلاث فهذا هو السُّنَّة في حقه وسكت رحمه الله عن تفاصيل الأحكام ليبين لهم أن الأفضل ذلك، وذلك أن الإنسان قد يأتي مثلا حين يأخذ عمرة مفردة ويأخذ الحج أدى الواجب ولا يلزمه التمتع، فالتمتع إما أن يلزمه فيه هدي فربما لا يجد ذلك، أو يكون البدل هو الصيام وقد يشق عليه ذلك فدلّهم على الأيسر والأسهل وهو أن يأخذ عمرة مفردة وحجا مفردا فيه يسر وليس فيه هدي وهو أفضل من كونه يأتي مرة واحدة إلى البيت متمتعا، والمقصود أن الأحاديث متواترة في هذا الباب وفي التحلل من النسك كما تقدم في الحج والعمرة إلّا من كان ساق الهدي فإنه يجب عليه البقاء على نسكه، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقي على نسكه لأنه ساق الهدي، واختلف العلماء أيهما أفضل التمتع أم القران الذي يسوق فيه الهدي؟ على قولين لأهل العلم في هذه المسألة.


(1) صحيح البخاري (1534).
(2) البقرة: 196.
(3) صحيح. أبو داود (1905) وأصله في الصحيحين. صحيح الجامع (5255).
(4) صحيح البخاري (1568).
(5) صحيح البخاري (1557).
(6) صحيح مسلم (1224).
(7) ضعيف. ابن ماجه (2984). الضعيفة (1003).