موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فصل- القَضَاءُ وَالقَدَرُ - شرح لمعة الاعتقاد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح لمعة الاعتقاد لفضيلة الشيخ فهد المقرن
  
 
 شرح لمعة الاعتقاد
 مقدمة
 مقدمة المصنف
 تلقي السلف صفات الرحمن بالتسليم والقبول
 قول الإمام أحمد والإمام الشافعي
 أسئلة
 منهج السلف في الاتباع وعدم الابتداع
 صفات الله عز وجل
 أسئلة
 فصل: مِنْ صِفَاتِ اَللَّهِ تَعَالَى اَلْكَلَامُ
 فصل: اَلْقُرْآنُ كَلَامُ اَللَّه
 فصل: رُؤْيَةُ اَلْمُؤْمِنِينَ لِرَبِّهُم يَوْمَ القِيَامَةِ
 أسئلة
 فصل: القَضَاءُ وَالقَدَرُ
 الاحتجاج بالقدر في ترك الأوامر والنواهي
 فصل: اَلْإِيمَان قَوْلٌ وَفِعْلٌ
 أسئلة
 فصل
 أسئلة
 مسائل: الشفاعة، والجنة والنار، الموت
 فصل: نبوة النبي صلى الله عليه وسلم، فضل الصحابة، حكم سب الصحابة.....
 ومن السنة: تولي الصحابة والترضي عليهم، السمع والطاعة لأئمة المسلمين، هجران أهل البدع
 أسئلة
شرح لمعة الاعتقاد - فصل: القَضَاءُ وَالقَدَرُ

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين، وأشهد أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمّداً عبده ورسوله، وصفيّه من خلقه صلّى الله عليه وعلى آله وصحبه، وسلّم تسليماً كثيراً وبعد

فَصْلٌ

القَضَاءُ وَالقَدَرُ

وَمِنْ صِفَاتِ اَللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ اَلْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ، لَا يَكُونُ شَيْءٌ إِلَّا بِإِرَادَتِهِ، وَلَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ مَشِيئَتِهِ، وَلَيْسَ فِي اَلْعَالَمِ شَيْءٌ يَخْرُجُ عَنْ تَقْدِيرِهِ، وَلَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ تَدْبِيرِهِ، وَلَا مَحِيْدَ عَنْ اَلْقَدَرِ اَلْمَقْدُورِ، وَلَا يَتَجَاوَزُ مَا خُطَّ فِي اَللَّوْحِ اَلْمَسْطُورِ، أَرَادَ مَا اَلْعَالَمُ فَاعِلُوهُ، وَلَوْ عَصَمَهُمْ لَمَا خَالَفُوهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يُطِيعُوهُ جَمِيعًا لَأَطَاعُوهُ، خَلَقَ اَلْخَلْقَ وَأَفْعَالَهُمْ، وَقَدَّرَ أَرْزَاقَهُمْ وَآجَالَهُمْ، يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ بِرَحْمَتِهِ، وَيَضِلُّ مَنْ يَشَاءُ بِحِكْمَتِهِ، قَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(1)، وَقَالَ اَللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(2)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(3)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا(4)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً(5).

رَوَى اِبْنُ عُمَرَ أَنَّ جِبْرِيلَ عليه السلام قَالَ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «مَا اَلْإِيمَانُ؟ قَالَ: أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ، وَمَلَائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَالْيَوْمِ اَلْآخِرِ، وَبِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ" فَقَالَ جِبْرِيلُ: صَدَقْتَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ(6)، وَقَالَ اَلنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: «آمَنْتُ بِالْقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ، وَحُلْوِهِ وَمُرِّهِ»(7)، وَمِنْ دُعَاءِ اَلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم اَلَّذِي عَلَّمَهُ اَلْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ يَدْعُو بِهِ فِي قُنُوتِ اَلْوِتْرِ «وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْتَ»(8)، وَلَا نَجْعَلُ قَضَاءَ اَللَّهِ وَقَدَرَهُ حُجَّةً لَنَا فِي تَرْكِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيه.


الموفق ابن قدامة رحمه الله تعالى شرع في هذا الفصل في بيان الركن السادس من أركان الإيمان بالله عزّ وجلّ؛ وهو الإيمان بالقدر خيره وشرّه حلوه ومرّه، ولهذا تحت هذا الفصل يأتي معنا مسائل، المسألة الأولى هل بين القضاء والقدر فرقٌ، طائفة من أهل العلم جعلوا القضاء والقدر بمعنى واحد ولم يفرّقوا بين القضاء والقدر، من هؤلاء ابن قيّم الجوزية رحمه الله تعالى، وطائفة أخرى قالوا: القدر ما يسبق المقدّر أو ما يسبق القضاء، فإذا وقع القدر سُمّي قضاءً، يعني القدر هو ما هو كائن في علم الله عزّ وجلّ، أمّا إذا وقع فإنه يُسمى قضاء، ولا مشاحة بالاصطلاح سواء فرّقنا بينهم أم لم نفرّق بينهم، ولكن من باب تقريب العلم أن تذكر مثل هذه المسائل، وقبل أن نخوض في مباحث القضاء والقدر وما يتعلّق بمسائله لا بدّ من بيان قواعد وضوابط في بحث مسائل القضاء والقدر، لأنه إذا لم ينتبه الإنسان إلى هذه القواعد والضوابط ضلّ في باب القضاء والقدر، ولهذا من أعظم أسباب الضلال هو الخوض في باب القضاء والقدر، وهو مدخل من مداخل الشيطان على العبد، فإنه إذا لم ينضبط بالقواعد الشرعية في بحث هذه المسائل وقع في الخلط العظيم.

من القواعد التي لا بدّ من بيانها أن يُقال: إن الله سبحانه وتعالى حكم عدل ﴿وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً(9)، لا بدّ أن يعقد العبدُ قلبَه على هذا، يعقد العبدُ قلبَه على أن الله سبحانه وتعالى عادل وحكم عدل، وأن الله سبحانه وتعالى لا يظلم خلقه بأي حال من الأحوال، فهو قد حرّم على نفسه الظلم وجعله بين الخلق محرّماً، هذه عقيدة عند المسلم، لا بدّ أن يعقد قلبه عليها، فإذا خاض في بحث هذه المسائل كان قلبه منعقدا على هذه المسألة؛ فعلم أن ما لا يتصوره من المسائل فإن الله سبحانه وتعالى منزّه عن الظلم، ولهذا لمّا خاضت القدرية والجبرية في مثل هذه المسائل؛ جملة منهم أو دوافعهم في الظاهر أنها تنزيه الله عزّ وجلّ عن الظلم، فهم أرادوا تنزيه الله عزّ وجل ّعن الظلم؛ فأخطأوا في هذه المسائل وضلّوا، لأنهم لم يستمسكوا بالصراط المستقيم، ولم يسلكوا مسلك من كان قبلهم من أهل العلم من علماء السّلف، هذه قاعدة مهمّة.

من القواعد المهمّة في بحث مسائل القضاء والقدر أن لا يتعمّق الإنسان في بحث هذه المسائل وسوسةً وفكراً، فإن التعمّق في بحث هذه المسائل ذريعة للضلال والخسران - أعاذنا الله وإياكم من ذلك - فمسائل كثيرة يتعمّق الإنسان فيها ولم فعل كذا؟ ولم كذا؟ فإذا تعمّق ولم يستمسك بالنصوص زلّت قدمه في هذا الباب، ولهذا نسأل الله الثبات لنا ولكم على الإسلام حتّى نلقاه، من بعض الشخصيات من المعاصرين ومن المتقدّمين لمّا خاضوا في مثل هذه المسائل وأوغلوا وقادهم الشيطان انحرفوا - والعياذ بالله - حصل من بعضهم الردّة عن سبيل الله وعن الإسلام بسبب هذه المسائل، ولهذا الطوائف لا أذكر الشخصيات ولكن من بعض الشخصيات المشهورة لهذا الزمان الذي كان له مؤلفات وله سبق في نشر الدين والعقيدة ولكنه انحرف؛ مثل شخصية مشهورة في هذا الزمان عبد الله القصيمي صاحب كتاب مشهور بعدما- والعياذ بالله انحرف - له كتاب (هذه هي الأغلال) قبل ذلك له (الصراع بين الإسلام والوثنية) في تقرير منهج السّلف و(البروق النجديّة) في الردّ على بعض علماء الأزهر الذين شككوا في عقيدة السّلف، ثم بعد ذلك ألّف هذه الأغلال و(العالم ليس عقلاً انحرف)، مما ذُكر من أسباب انحرافه أنه كان يتخوّض في هذه المسائل، وعنده وساوس شيطانية في هذا الباب - والعياذ بالله - اعتدّ بعقله، ثمّ دخل هذا الباب ولم ينته به إلّا وقد زلّت قدمه - نسأل الله السلامة والعافية - وهذه آيات قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ(10) فينبغي للإنسان أن يعرف مثل هذه الأمور.

من القواعد المهمّة في بحث مسائل القضاء والقدر؛ أن بحث هذه المسائل لا بدّ أن يكون وُفق ما جاءت به النصوص، ما جاءت به النصوص يبحثه طالبُ العلم ويُقرِّرُه وُفق ما جاءت به النصوص، فلا يتعمّق ولا يبحث مسائل لم ترد في النصوص، دائماً يكون الإنسان في بحث هذه المسائل وفق ما جاءت به النصوص الشرعية من كلام الله ومن كلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

من القواعد المهمّة التي تُذكر في هذا الباب أن الله سبحانه وتعالى - وأشار إليها الموفق - أن الله تعالى ﴿لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(11) ماذا تفيدك هذه القاعدة؟ أن أفعال الله عزّ وجلّ لا يُقال فيها لم؟ هذا من وساوس الشيطان على العبد، يقول له: لماذا هذا غني؟ لماذا هذا فقير؟ لماذا هذا مُبتلى؟ ولماذا هذا معافى؟ ولهذا أسأل الله لنا ولكم العافية، الإنسان إذا ابتُلي بشيء يأتي إليه الشيطان فيوسوس له، ومن وساوسه لماذا أنت ابتُليت دون غيرك؟ لماذا هذا معافى وأنت مُبتلى؟ هذه من وساوس الشيطان، فالله عزّ وجلّ لا يُسأل عمّا يفعل، لا يُقال له لمَ فعل كذا؟ ولمَ أغنى فلاناً وأفقر فلاناً؟ هذه ممّا لا يُسأل الرب سبحانه وتعالى، والخلق خلقه سبحانه وتعالى وهو يتصرّف بهم سبحانه وتعالى وفق حكمته وإرادته، فلا يُقال لأفعاله لمَ؟

القاعدة الخامسة: أن حكمة الله عزّ وجلّ في خلقه لا تحيط بها عقول الخلق، عقول الخلق قاصرة عن أن تحيط بحكمة الله عزّ وجلّ ومُراد الله عزّ وجلّ، لماذا جعل هذا غنياً وهذا فقيراً وهذا مؤمنا وهذا كافرا؟ لا تستطيع أن تصل إلى هذه الحكمة لأن عقلك قاصر عن ذلك، ولهذا قدّمنا لكم في المسائل السابقة أن الإنسان لا بدّ أن يعرف أن عقله قاصر ومحدود، فمن لم يؤمن بقصور العقل البشري خاض في مسائل وبحث مسائل القضاء والقدر واستقلّ بعقله وقع في الضلال - نسأل الله السّلامة والعافية - لأن عقله قاصر، الله سبحانه وتعالى حكمته لا تحيط بها عقولُ الخلق، لا يمكن للإنسان أن يعرف، لهذا الله عزّ وجلّ يبتليه لحكمة ويعافيه لحكمة، وسبحانه وتعالى لا يُقال له لم فعل كذا؟

من القواعد المهمّة في بحث مسائل القضاء والقدر: أنه لا عذر لأحد على الله سبحانه وتعالى، ليس ثمّ أعذار للخلق لترك الأوامر وفعل المناهي لا عذر لهم، فالله تعالى أقام الحجج على خلقه ببعثة الرسل وإنزال الكتب وما أقامه الله عزّ وجلّ من الحجج من الفطرة السويّة ومن دلالتهم على طريق الخير وطريق الشر ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(12) فلا حجّة لأحد على الله سبحانه وتعالى ولا عذر لأحد، والله عزّ وجلّ قطع هذه الأعذار، ولا يمكن للإنسان أن يحتجّ على الله عزّ وجلّ في مثل هذه المسائل.

القاعدة السابعة التي يمكن أن تُذكر: أن القدر والقضاء لا يمكن أن يكون حجّة في ترك العمل، وهذه سوف نبحثها إن شاء الله بشيء من التفصيل في كلام الموفق رحمه الله تعالى، لا يمكن - القضاء والقدر - أن يكون حجّة في ترك العمل، ولهذا قلنا فيما سبق: إن الإنسان في بحث هذه المسائل يكون وفق النصوص، والله عزّ وجلّ بيّن قواعد القضاء والقدر في كتابه وفي سُنَّة رسوله صلّى الله عليه وسلّم.

من القواعد التي أخبرنا بها النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: أن عِلْمَ الله سابق فيما هو كائن، لهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حدّث أصحابه وقال: «ما من نفس منفوسة إلّا وقد كتب الله مقعدها من الجنة أو من النار» حدّث من؟ الصحابة رضوان الله عليهم، فقالوا: يا رسول الله؛ إذا كان الأمر فيما أُمر منه فلمَ العمل؟ أفندعُ العمل؟ فقال النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم -قاعدة محكمة في هذا الباب-: «اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خُلق له»(13)، ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم أوتي جوامع الكلم قال: اعملوا، لاحظ، «اعملوا فكلٌّ ميسّر لما خلق له» يعني كلّ سييسر لما خلقه الله عزّ وجلّ له إمّا طريق الجنة وإمّا طريق النار، ولم يكتفي النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بهذا؛ بل ربط هذه القاعدة بدلالة شرعية وبقاعدة أو بآية من كتاب الله عزّ وجلّ، ثم تلا قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(14) اجمع بين قول النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وبين الآية يزول عندك كثير من الإشكال، «اعملوا فكلٌّ ميسر لِمَا خُلِقَ له» يعني كلٌّ سييسر الى ما خلقه الله عزّ وجلّ ولمَا قضاه الله عزّ وجلّ في الأزل؛ أنّ هذا سيكون من أهل السعادة وذاك من أهل الشقاوة، وهذا القدر الذي عَلِمَهُ الله عزّ وجلّ، الإنسان من أسبابه يتعاطى الأسباب، ولهذا تلا قول الله عزّ وجلّ: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى﴾ من الذي أعطى؟ العبد، ﴿واتَّقَى﴾ من الذي اتقى؟ العبد، ﴿وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ من الذي صدّق؟ العبد، ثمّ قال الله عزّ وجلّ ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾، ييسره الله عزّ وجلّ لطريق الخير، فالمطلوب من العبد أن يعمل بعمل أهل الخير وبطريق أهل الخير وأن يسلك هذا الطريق، فإنّه سييسر إلى الجنّة، وليس معنى ذلك أنّ الإنسان يتكل على ما كتبه الله عزّ وجلّ! فهذا عجزٌ وقصورٌ في الفهم، ودلالات النّصوص - والنّصوص يجمع بينها ولا يفرق - تفهم مجموعة لا يستقلّ بفهم نصّ، ولهذا «اعملوا فكلٌ ميسر لما خلق له» يفهم وفق قوله عزّ وجلّ: ﴿فَأَمّا مَنْ أَعْطَى﴾ ولهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال هذا الكلام ثم تلا ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالحُسْنَى﴾ فإذاً عليك يا عبد الله أن تعمل بطريق أهل الخير حتّى تُيسّر لعمل أهل الخير، وأنت تعمل بهذا الطريق تسأل الله الثبات، تخشى ممّا كتبه الله عزّ وجلّ في اللوح المحفوظ وتعلم أن ربّك سبحانه وتعالى لا يظلم، وأنه سبحانه وتعالى يعطي على القليل الكثير، وأنّه إذا عَلِمَ من قلب عبده الخير يسّره إلى الخير، فلا بدّ؛ لأن الأعمال لها تعلّقات، يعني العمل له تعّلقات، ومن تعلّقات العمل الظاهر فيما يبدو للناس ومن تعلّقات العمل الباطن، وهذا لا يتطلع عليه إلّا الله، ولهذا في الحديث الآخر «إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة - في رواية - فيما يبدو للناس»(15) فدلّ على أن العمل له تعلّقات؛ تعلّق بظاهره وتعلّق بباطنه، والله سبحانه وتعالى هو علّام الغيوب، ولهذا الإنسان يخشى ممّا في قلبه، أن يقع في قلبه أشياء تكون سبب - والعياذ بالله - للضلال، فالإنسان لا بدّ أن يصلح ظاهره ويصلح الباطن، والأعمال لها تعلّقات كما ذكرت لك، فلهذا «فيما يبدو للناس» و«إن الرجل ليعمل بعمل أهل النار فيما يبدو للناس» فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة، إذاً هذه الملاحق وهذه الأشياء مهمّة جدّاً في فهم مسائل القضاء والقدر، من لم يفهم هذه القواعد وقع بالزلل، فإذاً وساوس الشيطان وأسئلة عوام الناس - لأنه يكثر السؤال عن هذه المسائل -، إذا جمعت هذه القواعد ورتبتها تبيّن لك كثير ممّا يسأل عليه الناس، فإن الناس يسألون - عوام الناس - لمَ كذا؟ ولمَ كذا؟ فتخبرهم بهذه القواعد حتّى يستقيم لهم سلوكُ هذا السبيل الذي سلكه الصحابة والتابعون، فالصحابة رضوان الله عليهم لمّا أُخبروا بالقضاء والقدر أجابهم النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يتعدّوا في ذلك، فما قالوا: يا رسول الله لمَ ولمَ وكذا وكذا؟ ولكن عملوا بما أخبرهم النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم.

المسألة التي تلي هذه المسألة: أنّه لا يتم الإيمان بالقضاء والقدر حتّى تؤمن بأربعة أمور أو ما يسمّيه بعض أهل العلم (مراتب الإيمان بالقضاء والقدر).

المرتبة الأولى: أن الله سبحانه وتعالى عَلِمَ ما يكون جملةً وتفصيلاً على وجه التفصيل وعلى وجه الأجمال، وأحاط الرب سبحانه وتعالى بكلّ شيء علماً، ولا يخفى عليه شيء، وهو عالم بما هو كائن إلى يوم القيامة، وعِلْمُ الله تعالى محيط، ولا تحيط به عقول الخلق ولهذا قال الله عزّ وجلّ: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ(16) ما يكون في السماء والأرض ولهذا ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلا رَطْبٍ وَلا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ(17) فعِلْمُ الله عزّ وجلّ لا يمكن أن تحيط العقول بعلمه سبحانه وتعالى، علِم الله عزّ وجلّ ما كان وما لم يكن لو كان كيف يكون؟ فعلمه محيط، المرتبة الأولى هذه مرتبة العلم.

المرتبة الثانية: أن الله كتب في اللوح المحفوظ مقاديرَ كلّ شيء، كل شيء كائن قد كتبه الله عزّ وجلّ في اللوح المحفوظ، ولهذا يقول الله عزّ وجلّ: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ(18)، إذاً كلّ شيء قد كتبه الله تعالى في اللوح المحفوظ، وهذا اللوح المحفوظ عند الرب سبحانه وتعالى كلّ شيء قد كُتب فيه؛ مقادير الخلائق؛ أحوال الخلق؛ مصيرهم؛ كلّ شيء مكتوب في اللوح المحفوظ.

المرتبة الثالثة: أنّه لا يكون شيء في هذا العالم إلّا بإرادته ومشيئته، أنّه لا يكون شيء في هذا العالم إلّا بإرادة الرب سبحانه وتعالى ومشيئته سبحانه وتعالى، فإرادة الله عزّ وجلّ ومشيئته سبحانه شاملة لكلّ شيء، وهذه الإرادة والمشيئة دائرة بين الرحمة والحكمة، يهدي من يشاء ويضلّ من يشاء، ولا يُسأل عمّا يفعل سبحانه وتعالى وهم يُسألون، قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ(19)، ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً(20)، فمشيئة الله عزّ وجلّ وإرادته شاملة لكلّ شيء هذه المرتبة الثالثة.

المرتبة الرابعة: أن كلّ شيء في السماوات والأرض مخلوق لله عزّ وجلّ لا خالق غيره سبحانه وتعالى، كلّ شيء مخلوق لله عزّ وجلّ في هذا العالم ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً(21)، كل شيء مخلوق، ولهذا أفعال العباد مخلوقة لله عزّ وجلّ، قال تعالى عزّ وجلّ: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(22) ما هنا سواء قيل: إنها مصدرية أو قيل: إنها صلة موصول بمعنى (الذي) فمعناها واحد - وإن كان الأوجه والأقرب أن يُقال: إنها صلة موصول بمعنى (الذي) -، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ فإذاً هذه الآية مما يستدلّ به السّلف على أن أفعال العباد مخلوقة لله عزّ وجلّ، إذاً كل هذا العالم هو من خلق الله عزّ وجلّ، هذه هي المراتب، إذا انتهينا إلى هذا نأتي إلى مسألة أخرى وهي مهمّة في مسائل بحث الخلاف في القضاء والقدر أو الطوائف التي خالفت منهج أهل السُّنَّة، نسمّي هذه المسألة (التسلسل التاريخي لمسألة المخالفة في باب القضاء والقدر)، أول ما ظهر التكذيب بالقدر - بدعة القدرية - ظهرت على يد شخصيتين، أمّا الشخصية الأولى فيسمّى معبد الجُهنيّ -وكان يقيم بالبصرة-، الشخصية الثانية يسمى غيلان الدمشقي وهو في ظاهر اسمه يقيم في دمشق، ولهذا يقول أهل العلم: إن مَعْبَدًا تلقّف القول ببدعة القدر من ماذا؟ من المجوس - باعتبار أن البصرة أقرب البلدان إلى بلاد الفرس، والفرس جنس الفرس يدينون بدين المجوس -، وأمّا غيلان فتلقف هذه البدعة في باب القضاء والقدر من النصارى، كلا الطائفتين - أو كلا الديانتين - المجوس والنصارى لهم انحراف بباب القضاء والقدر.

هذه البدعة لمّا ظهرت بدعة القدرية والتكذيب بالقدر؛ عاصر بعض الصحابة هذه البدعة، ممّن نُقل عنه من الأقوال التي تدلّ على أنه كان معاصراً لهذه البدعة - التكذيب بالقدر - عبد الله بن عمر رضي الله عنهما وعبد الله بن عبّاس وتبرّأ رضوان الله عليهما من هذه البدعة، كانت هذه البدعة تقوم على نفي القدر - التكذيب بالقدر -، صورة هذه البدعة أن الله تعالى لا يعلم الشيء حتّى يقع، ما الذي حملهم على ذلك؟ لمّا خاضوا في مسائل القضاء والقدر - بزعمهم تنزيه الله تعالى عن الظلم – قالوا: إن الله تعالى لا يعلم الشيء حتّى يقع، وهؤلاء في أول ظهورهم أنكروا مرتبة من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر وهي مرتبة العلم، ولهذا إنكار هذه المرتبة كُفْرٌ؛ أن الله لا يعلم الشيء حتى يقع! لا يعلم طاعة المطيع ومعصية العاصي حتّى يقع من هذا! هذا يتضمن نسبة الجهل إلى الله عزّ وجلّ، هم أرادوا التنزيه فوقعوا فيما هو - والعياذ بالله - أشر ممّا فرّوا منه، فنسبوا الجهل إلى الله سبحانه وتعالى، ولهذا أول ظهور لهذه الطائفة تبرّأ منهم الصحابة وكفّروهم، لهذا نُقل عن بعض السّلف أنهم قالوا: ناظروهم بالعلم، فإن أقرّوا به - علم الله عزّ وجلّ – خُصِمُوا؛ وإن أنكروه كفروا.

فإنكار هذه المرتبة كُفْرٌ بالله عزّ وجلّ، وكان طائفة منهم - من القدرية - أول ظهور هذه البدعة طائفة تقول: إن الله تعالى يُقدّر الخير؛ وأمّا الشر فليس من قدر الله عزّ وجلّ، ولهذا لمّا نُقلت هذه البدعة لابن عبّاس نُقل عنه في الآثار أن ابن عبّاس قال: (والذي نفسي بيده لينتهيّن بهم سوءُ رأيهم حتى يُخرجوا اللهَ من أن يُقَدّر الخير كما أخرجوه من أن يُقدّر الشر)(23) وهذا ما صاروا إليه؛ فقالوا: إن الله عزّ وجلّ لم يقدّر الخير ولا الشر، فهذا أول ظهور لبدعة القدرية، ولهذا لمّا خرجوا في وقت السّلف سمّاهم السّلفُ مجوسَ هذه الأمّة، سمّيت القدرية بأنهم مجوس هذه الأمّة، ونقل في ذلك أحاديث وهذه الأحاديث لا تصح على جهة الرفع(24)، ما يصحّ منها شيء لأنه هناك قاعدة - مهمّ أن تعرفها - أنه لم تُسمّ فرقة ولم يصحّ في فرقة بتسميتها إلّا الخوارج، أمّا القدرية فوردت في الأحاديث المسندة ولكن لا تصحّ على وجه الرفع وإنما هي موقوفة على الصحابة - سمّاهم الصحابة مجوسا - هذه الأمّة لماذا سُمّوا مجوس؟ ما وجه الشبه بالمجوس؟ لأن لهم وجه بقول الثّنويّة المجوس، ما معنى الثنوية؟ الذين يقولون بإلهين، الثنوية المجوس يقولون: بأن هذا العالم له خالقين، أحدهما إله النور وهو خالق الخير هكذا يقول المجوس، وإله الظلمة إله الشر وهو خالق الشر، وهما يتصارعان حتّى يغلب إلهُ الخير إلهَ الشر هكذا يقول المجوس، ولهذا هم عبدة النار باعتبار أن النار هي رمز لإله النور، فهؤلاء وجه الشبه؛ شابهوا المجوس، لأنهم يقولون: بأن الله خلق الخير - في أول ظهور لهم - طائفة منهم قالوا: إن الله خلق الخير وأمّا الشر فإن الله لم يخلقه، فأثبتوا خالقا غير الله سبحانه وتعالى، من هذا الوجه أشبهوا المجوس ولهذا سمّاهم السّلف مجوس هذه الأمّة، هذا المذهب تطوّر أو تغيّر، مرّ بمرحلة التغيّر أو هذا الاعتقاد الفاسد يمرّ- يعني- أهل الأهواء كما أخبر النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: «تتجارى بهم الأهواء» أهل تقلّب واضطراب وتناقض، هذا المذهب انقرض - القدرية الأولى - ثمّ ورث مذهبهم المعتزلةُ، ورث مذهبَ القدرية فرقةٌ من الفرق الإسلامية تسمّى المعتزلة - أتباع واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد -، وقالوا: إن الله تعالى لا يخلق فعل العبد؛ بل العبد يخلق فعل نفسه، فأنكروا أن الله عزّ وجلّ خالق أفعال العباد بل العباد يخلقون أفعالهم، ما الذي حملهم على ذلك؟ تنزيه الرب سبحانه وتعالى - فيما يزعمون - عن الظلم، أرادوا التنزيه فقالوا بمثل هذه المقولة، ولهذا في الكتاب في الردّ عليهم من كتب السّلف كتاب البخاري (خلق أفعال العباد)، وهذه الطائفة لمّا ورثت مذهبَ القدرية الأُوَل لم يقولوا بقول القدرية الأُوَل فأثبتوا صفة العلم لله عزّ وجلّ وأثبتوا مرتبة العلم لله عزّ وجلّ وأن الله عزّ وجلّ عَلِمَ ما هو كائن؛ ولكن قالوا: إن العبد يخلق فعل نفسه، وأفعال العباد ليست من خلق الله عزّ وجلّ بل العبد يخلق فعل نفسه، هؤلاء من هم؟ المعتزلة، ورثت المعتزلةُ مذهبَ القدرية الأولى ثمّ طوّرت هذا المذهب إلى قالوا بقولهم في مواضع وخالفوهم في مواضع أخرى فلم ينكروا مرتبة العلم من مراتب الإيمان بالقضاء والقدر، طبعاً كل بدعة يقابلها بدعة، وأهل السُّنَّة هم أهل الوسط، والفضيلة وسط بين رذيلتين، ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً(25)، فقابل هؤلاء طائفةٌ أخرى على مذهب آخر وهم من؟ هم الجبرية الجهميّة، يعني عكس هؤلاء الجبرية الجهمية، هؤلاء قالوا: إن أفعال العباد ليست مخلوقة لله عزّ وجلّ، قابلهم طائفة أخرى وهم الجبرية، من اسمهم - يعني من مسمّى الجبرية - يتّضح لك هذا المذهب، ولكن هذا المذهب يمكن تقسيمه إلى قسمين: أن يُقال الجبرية الغُلاة والجبرية المتوسطة، أمّا الغُلاة من الجبرية فهم الجهميّة، ولهذا من أقوال أو من بدع جهم بن صفوان له بدع مشهور بها؛ من أشهر أقواله البدعية القول بالجبر، القول بالجبر في ماذا؟ في باب القضاء والقدر، ما هذا القول؟ يقولون أن المرء ليس له اختيار؛ بل الله سبحانه وتعالى هو خالق أفعال العباد والعبد في قضاء الله عزّ وجلّ كالريشة في مهبّ الريح، وهو مجبور على فعله، مجبور ليس له أي قدرة أو اختيار، هذا لا تسأله لماذا أطاع؟ وذاك لا تلمه لماذا عصا؟ فهو مجبور، طبعاً هذا المذهب الفاسد يتضمّن تعطيل الشريعة، فلا تقيم الحدود؛ ولا تسأل الزاني لماذا زنا؟ ولا تلوم أحد فيما يفعل، يتضمن تعطيل الشريعة، فهؤلاء جعلوا أن حركة العباد حركة جبرية وأنه ليس للإنسان اختيار، وأن الخلقَ أدواتٌ في يد الخالق كما أنّ القلمَ أداةٌ في يد الكاتب، هكذا يعبّرون كالريشة في مهبّ الريح، ولهذا عندهم يقولون: أفعال العباد جبر وليس لهم اختيار مثل حركة أمعاء بطنك لا تتحكم فيها، كذلك أفعال العباد ليس لهم قدرة ولا اختيار، فهذا مذهب فاسد وكفري- والعياذ بالله - الطائفة الأخرى من الجبرية وهم الأشعرية، ومن هنا يتبيّن لك أن مذهب الأشعرية هو مذهب فاسد - نسأل الله السلامة والعافية - فوافقوا أهل البدع في مواضع كثيرة، ومن ضمن موافقاتهم وافقوا الجبرية، ولهذا نقول: الجبرية الذين ليس لهم غلوّ الجبرية الأوائل، ولهذا الأشعرية في باب القضاء والقدر هم جبرية، وهؤلاء الأشعرية يُعدّون من الجبرية، يقولون: بالجبر بالباطن دون الظاهر، ولهذا ذكرت لك كلامَ ابن قدامة في الحقيقة أن لهم مذهب ظاهر ولهم مذهب باطن - نسأل الله السلامة والعافية -، فيقولون بالجبر بالباطن دون الظاهر، فالظاهر عندهم أن العبد - يصرّحون بذلك - أن العبد مُختار له اختيار لكنه في البطن مجبر، ولهذا قالوا بما يُسمّى عندهم - من الألفاظ المبتدعة - ما يسمى بالكسب الأشعري، يقولون: إن أعمال العباد كسب لهم؛ أفعال العباد كسب لهم وهي خلق الله عزّ وجلّ، ولهذا هذا الكسب الذي ابتدعه الأشعري اختلفوا في معناه إلى اثني عشر قول، معنى هذا الكسب لا يعرفون ما معناه، بدعة وضعوها، ولهذا قال بعض أهل العلم: ثلاث لا حقيقة لها؛ ذُكر منها كسب الأشعري وأحوال أبي هاشم الجُبّائي وطفرة النّظّام، كل هؤلاء من رؤوس أهل البدع جاءوا بمصطلحات لا يعرفون حتى هم معناها، ولهذا فهم يقولون: إن الله تعالى - تبعاً لهذا المذهب الفاسد من باب القضاء والقدر - إن الله يفعل عند الشيء لا به، هكذا عباراتهم يعبّرون بها، فهم في الحقيقة منكرة الأسباب والعلل، لا يوجد أسباب ولا يوجد علل، كيف صورة هذا المذهب الفاسد؟ يقولون: السكين ليست قاطعة إلّا بقدر الله، طيب كيف السكين؟ يقولون: أنت إذا وضعت السكين على اللحمة خلق الله تعالى عند الاقتران القطع، وإلّا السكين ليست قاطعة؛ ولكن عند الاقتران يحدث القطع - هكذا يُعبّرون - فالله تعالى يخلق عند إمرار السكين القطعَ، والنار هل تحرق؟ يقولون: لا النار لا تحرق بذاتها؛ وإنما عند الاقتران يخلق الله تعالى الاحتراق، يعني الآن الكبريت؛ إذا أنت مررت عليه كذا، الاحتراق الشعلة الله تعالى يخلقها عند ذلك، هذا مذهب فاسد عقلاً وشرعاً، ما الذي حملهم على ذلك على هذا المذهب الساقط؟ يزعمون أنهم لو قالوا بأنها تؤثر بذاتها أو أن فيها تأثيرا لأثبتوا التأثير لغير الله، والله تعالى هو المؤثر عندهم ولو نسبوا التأثير لغيره لوقعوا في الشرك هكذا! كل هذا سفسطة عقلية باطلة لأنه كما تعرف أن مذهب أهل السُّنَّة أن الأسباب الله عزّ وجلّ جعل فيها التأثير وهي ليست مؤثرة بذاتها ولكن الله سبحانه وتعالى هو الذي جعل فيها التأثير، عند أهل السُّنَّة السكين قاطعة، والله عزّ وجلّ جعل فيها خاصيّة القطع، وهذه الخاصية هو الله سبحانه وتعالى الذي جعل فيها ذلك فهي سبب في القطع، والنار محرقة والله عزّ وجلّ جعل فيها تأثير الحرق، ولكن هذه الأسباب هي مؤثرة بتقدير الله عزّ وجلّ، والذي يملك سبحانه وتعالى نزعَ تأثير هذه الأسباب، من الذي يملك نزع التأثير؟ الله سبحانه وتعالى فهو مُسبب الأسباب - قاعدة عند أهل السُّنَّة -، ولهذا أنت تتعاطى الأسباب تَعْلَمُ أنّها أسباب في تحصيل المطلوب، وهي مؤثرة بتقدير الله عزّ وجلّ، ومن يملك نزع التأثير؟ هو الله سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى هو القادر وحده أن ينزع تأثير الأسباب؛ فلا تنفع الأسباب، وهو القادر سبحانه وتعالى على أن يجعل الأسباب مؤثرة، وليس في ذلك ما يخالف الشرع ولا العقل بحمد الله، ولهذا النار لا أُلقي إبراهيمُ عليه السلام في النار؛ كانت النار محرقة؛ أليس كذلك؟ لذلك الله عزّ وجلّ قال: ﴿كُونِي بَرْداً وَسَلاماً(26) قال بعض أهل التفسير: إن الله تعالى قال برداً وسلاماً لأنها لو كانت برداً لكانت مضرّة على إبراهيم لكن قال الله عزّ وجلّ: ﴿وَسَلاماً﴾، فما الذي جعل هذه النار التي هي محرقة؟ جعلها الله عزّ وجلّ برداً وسلاماً على إبراهيم ونزع تأثيرها، الله سبحانه وتعالى، فالذي ينزع التأثير من الأسباب هو الله سبحانه وتعالى، ولهذا العبد المؤمن كما سوف نقعّد إن شاء الله بقاعدة تأتي معنا إن شاء الله هو أن الإنسان يتعاطى الأسباب وقلبه معلّق بمُسبب الأسباب سبحانه وتعالى، بمعنى أن هذه أسباب لا تعدو أن تكون أسباباً، فتتعاطى الأسبابَ لأن الله أمرك باتخاذ الأسباب، لهذا النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم إمام المتوكلين ومع ذلك النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم اتخذ الأسباب، فلمّا اجتمعت عليه الأحزاب صنع خندقاً أو عمل خندقاً للحماية، اتخذ سببا، والنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم وهو إمام المتوكلين ظاهر بين درعين في يوم أحد، فعل الأسباب، تعاطي الأسباب لا يخالف هذه الأمور بل هي من التوكل على الله عزّ وجلّ أن تتعاطى الأسباب، ومن التوكل على الله عزّ وجلّ أن تَعْلَمَ أن هذه الأسباب ليست مؤثرة بذاتها ولكن بتقدير الله عزّ وجلّ، وهي لا تعدو أن تكون أسباباً، أن تتعاطى أسباب السلامة وأسباب العافية وأنت تعلم أنّها لا تعدو أن تكون أسباباً؛ وأنّ مسبّب الأسباب هو الله سبحانه وتعالى، هو الذي جعل في هذه الأسباب التأثير، ولو شاء الله عزّ وجلّ لما جعل التأثير، ولهذا أنت تتعاطى الدواء وأنت تعلم أنّ هذا الدواء سبب في حصول العافية، لكن هذا السبب لا يستقلّ بنفسه، لا يستقلّ هذا السبب بنفسه في تحصيل المطلوب، لا بدّ له من شروط، ولا بدّ له من انتفاء موانع، من الذي يملك لك تحققّ الشروط في هذا السبب وانتفاء الموانع؟ هو الله سبحانه وتعالى، لهذا قلبك معلق بمسبّب الأسباب، لهذا تتعاطى الدواء؛ تسأل الله العافية، تسأل الله أن يجعل فيه النّفع لأنّ السبب؛ قد يتعاطى السبّب الدواء نفس الدواء نفس الشخص نفس العمر نفس فصيلة الدّم نفس كل شيء ومع ذلك هذا الدواء ينفع لفلان ولا ينفع لفلان، لماذا؟ لأنّ السبب لا يستقلّ في حصول المطلوب، ولأنّ السبب لا بدّ له من تحقق شروط من أجل أن ينفع، ولا بدّ له من انتفاء موانع من أجل أن يكون فيه النفع، فإذاً أنت على الحقيقة تتعاطى الأسباب وقلبك معلّق بمسبّب الأسباب سبحانه وتعالى، وهذا من أعظم مقامات التّوكل، ولهذا ترك فعل الأسباب ليس من التّوكل في شيء، بل التّوكل على الحقيقة هو أن تفعل الأسباب وأنت لا تلتفت إلى هذه الأسباب بل تعلم أنّها أسباب ولا تعدو أن تكون أسباباً والسبب لا يستقلّ في حصول المطلوب؛ بل لا بدّ له من تحقق شروط وانتفاء موانع وإلّا ما يكون نفع، إذاً قلبك معلقٌ بالله عزّ وجلّ.


(1) الأنبياء:23.
(2) القمر:49.
(3) الفرقان: 2.
(4) الحديد: 22.
(5) الأنعام: 125.
(6) صحيح مسلم (8).
(7) ضعيف جدا. الطبراني في الكبير (69/17). الضعيفة (6488).
(8) صحيح. أبو داود (1425). قيام رمضان للشيخ الألباني رحمه الله (ص 31).
(9) الكهف: 49.
(10) الحجر:75.
(11) الأنبياء:23.
(12) البلد:10.
(13) صحيح البخاري (4947) بنحوه.
(14) الليل: 5-10.
(15) صحيح البخاري (2898).
(16) الحج: 70.
(17) الأنعام:59.
(18) الحديد:22.
(19) القمر:49.
(20) الأنعام: 125.
(21) الفرقان: 2.
(22) الصافات:96.
(23) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة لللالكائي (1116).
(24) حديث (القدرية مجوس هذه الأمة) صحيح، أخرجه أبو داود (4691) عن ابن عمر مرفوعا. صحيح الجامع (4442).
(25) البقرة: 143.
(26) الأنبياء: 69.