موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - المسألة الحادية والأربعون - المسألة الخامسة والأربعون - شرح مسائل الجاهلية
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح مسائل الجاهلية لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح مسائل الجاهلية
 مقدمة
 أهل الجاهلية نوعان
 المسألة الأولى
 المسألة الثانية
 المسألة الثالثة
 أسئلة
 المسألة الرابعة
 المسألة الخامسة
 المسألة السادسة والسابعة
 المسألة الثامنة والتاسعة
 المسألة العاشرة - الخامسة عشرة
 المسألة السادسة عشرة - العشرون
 أسئلة
 المسألة الحادية والعشرون - المسألة الخامسة والعشرون
 المسألة السادسة والعشرون - المسألة التاسعة والعشرون
 المسألة الثلاثون - المسألة الرابعة والثلاثون
 المسألة الخامسة والثلاثون - المسألة الأربعون
 أسئلة
 المسألة الحادية والأربعون - المسألة الخامسة والأربعون
 المسألة السادسة والأربعون - المسألة الخمسون
 المسألة الحادية والخمسون - المسألة الخامسة والخمسون
 المسألة السادسة والخمسون - المسألة السابعة والستون
 أسئلة
 المسألة الثامنة والستون - المسألة السبعون
 المسألة الحادية والسبعون - المسألة الخامسة والسبعون
 المسألة السادسة والسبعون - المسألة الثمانون
 المسألة الحادية والثمانون - المسألة الخامسة والثمانون
 المسألة السادسة والثمانون - المسألة الخامسة والتسعون
 أسئلة
 المسألة السادسة والتسعون - المسألة المئة
 المسألة الحادية بعد المئة - المسألة التاسعة بعد المئة
 المسألة العاشرة بعد المائة - المسألة الثالثة عشرة بعد المئة
 المسألة الرابعة عشرة بعد المئة - المسألة السادسة عشرة بعد المئة
 المسألة السابعة عشرة بعد المئة - المسألة العشرون بعد المئة
 أسئلة
شرح مسائل الجاهلية - المسألة الحادية والأربعون - المسألة الخامسة والأربعون

المسألة الحادية والأربعون: نسبة النقائص إليه سبحانه كالولد والحاجة والتعب مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك.

المسألة الثانية والأربعون: الشرك في الملك؛ كقول المجوس.

المسألة الثالثة والأربعون: جحود القدر.

المسألة الرابعة والأربعون: الاحتجاج على الله به.

المسألة الخامسة والأربعون: معارضة شرع الله بقدره.


تقدم أنَّ الإلحاد في الأسماء والصفات أنواع منها نفي ما أثبت الله كما تقدم بيانه، ومنها أنْ يُثبت لله عزَّ وجلَّ ما نفاه عن نفسه، فهذا من الإلحاد لأنا قلنا: إنَّ الإلحاد هو الميل عن الطريق المستقيم في مثل هذه الأسماء والصفات، من ذلك أنْ أثبتوا لله عزَّ وجلَّ ما يجب أنْ يُنفى عنه عزَّ اسمه كهذه المذكورات بالنسبة للولد لله عزَّ وجلَّ، وأهل الجاهلية الذين نسبوا لله تعالى الولد هم: اليهود وقالوا عزير ابن الله، والنصارى قالوا: المسيح ابن الله، ومشركو العرب قالوا: الملائكة بنات الله، وهذه قطعا من النقائص والله تعالى يتنزه عنها، قال تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ(1) ، وقال سبحانه وتعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ(2)  والولد لاشك أنه شبيه لأبيه، والله تعالى لا مثل له، فمن طرائق الجاهلية - كما تقدم - أنهم يلحدون في هذا الباب فيُثبتون ما نفى الله وينفون ما أثبت سبحانه وتعالى.

من ذلك نسبتهم لله عزَّ وجلَّ - والعياذ بالله - الحاجة، ومعلوم أنَّ المحتاج مفتقر إلى ما يزيل ويرفع حاجته، والله سبحانه وتعالى هو الذي إليه تُرفع الحوائج لكمال غناه وكمال قدرته سبحانه وتعالى، فإذا نُسبت له الحاجة - والعياذ بالله - فمعنى ذلك أنه نُسب إليه النقص، ولهذا سمَّى الشيخ رحمه الله هذه المذكورات بالنقائص، من ذلك أيضا أنْ نسبوا لله تعالى التعب ومعلوم انَّ التعب دال على النقص أيضا وعلى أنَّ القوة غير كاملة، فإنَّ المخلوق إنما يتعب وينصب لأنَّ له مدى ولقدرته مدى، والله سبحانه وبحمده نفى عن نفسه هذه المقولة التي أصلها من اليهود - أخزاهم الله - حيث قالوا: إنَّ الله تعالى خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استراح يوم السبت، قال الله تعالى ردا عليهم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ(3)  أي مِنْ إعياء ولا تعب ولا نصب، كما قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(4) ، يقول رحمه الله: من عجائب هؤلاء أنهم ينسبون إلى الله النقائص مع تنزيه رهبانهم عن بعض ذلك، ما مراده؟ مراده أنَّ النصارى يتنزه رهبانُهم عن أنْ يتزوجوا وعن أنْ يُوَلَدَ لهم قطعا، لأنهم إذا لم يتزوجوا فإنه لا يولد لهم، ومع ذلك ينسبون لله تعالى الصاحبة والولد، فنزهوا أنفسهم عما نسبوه لله، وهذا يدل على مبلغ جاهليتهم؛ إذ نسبوا لله تعالى ما يرونه منقصة، ولهذا كان بعض علماء الشافعية يُناظر بعضَ النصارى، فلما دخل عليهم - وكان يعلم أنهم لا يتزوجون - قال لرهبانهم: كيف الزوجة وكيف الأولاد؟ فأظهروا الغضب، كيف تقول هذا لهؤلاء الذين يتنزهون عنها؟ هؤلاء لا يصلح أنْ يتزوجوا ولا يصلح أنْ يأتيهم ولد، قَسُس ذوو قدر رفيع قال: سبحان الله العظيم؛ تنسبون لله ولد وتنزهون أنفسكم عن مثل هذا، فكان ذلك مدعاة للسخرية بهم، كيف تنسبون لله الولد وتتنزهون أنتم عنه، تعدونه في حقكم منقصة ومع ذلك تنسبونه لله تعالى؛ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا.

المسألة الثانية والأربعون: الشرك في الملك؛ كقول المجوس.


هذه المسألة تبين لك أنَّ المصنف رحمه الله تعالى يتكلم عن خصال أهل الجاهلية بعموم، تارة يكون أهل الجاهلية من اليهود والنصارى – كما تقدم في الخصلة السابقة - وتارة يكونون من المجوس وعباد الأوثان وتارة يمكن أن تقع حتى من المسلم كما بيَّنا.

المجوس هو الذين يقولون: إنَّ للعالم خالقين اثنين - عياذا بالله - النور خلق الخير والظلمة تخلق الشر، فشركهم شنيع جدا لأنه في الربوبية، هؤلاء المجوس من جاهليتهم وقوعُهم في أمر في غاية الوقاحة وهو نكاحهم المحارم، فكان الواحد منهم يتزوج أمه - عياذا بالله - أو بنته أو أخته أو عمته - ولا يرون في ذلك بأسا - لما فتح الله بلادهم وهي بلاد فارس التي فيها الروافض الآن - في إيران وغيرها - وجد المسلمون هؤلاء على هذا الحال؛ يعبدون النار وفيهم هذه الخصال القبيحة من نكاح المحارم فكتب عمر رضي الله عنه وأرضاه أنْ فرِّقوا بين كل ذي رحم من المجوس(5)، لا يُمكنون حتى لو كانوا كفارا، يقول: لا يُسكت على مجوسي يقول - والعياذ بالله - هذه أمي وهي زوجتي، لا يُسكت على هذا نهائيا وإنْ كانوا كفارا، معلوم أنَّ أهل الكتاب ومن يُلحق بهم - من جهة أخذ الجزية - قد يُقَرُّون على أمور فيما بينهم كأمور ولاية الأب على بنته التي هي على دينه وأمور طلاقهم وزواجهم هي أمور فيما بينهم فيتركون، لكن لم يرض المسلمون أبدا أنْ يبقى المجوس يتزوجون محارمهم، الذي خلَّصَهُم من هذه الخصة هو الإسلام بشرعه العظيم على يد عمر رضي الله عنه وأرضاه، من فضائل عمر رضي الله عنه وأرضاه أنه لما فتح على أولئك القوم بلادهم دخلوا في الإسلام، دخل كثير جدا في الإسلام وعرفوا السُّنَّة، وما كان الفرس إلَّا سُنَّةً ما كانوا أبدا روافض، ما كان الفرس إلَّا سُنَّة كغيرهم من الأعراق الأخرى كالعرب والترك والبربر وغيرهم يدخل عليهم الصحابة أو التابعون ويفتحون بلادهم فالذي يبقى على دينه ويُعطى العهد على دينه، الذي يدخل في الإسلام لا يعرف إلَّا السُّنَّة فكانوا على السُّنَّة بلا شك، حتى تغيَّر الحالُ ونشأ فيهم مذهب الروافض وزاد الأمر شدة وحِدَّة عدو الله اسماعيلُ الصفوي في الدولة الصفوية قبيل الألف من الهجرة - وإنْ كان التشيع في الحقيقة قبل ذلك - لكنه أجبر أهل إيران إجبارا على التشيع، وإلا إيران كانت كغيرها من البلاد فيها روافض والغلبة فيها للسُّنَّة، وكان السُّنَّة ظاهرين جدا، حتى إنه أخزاه الله لما دخل هراة قتل من علماء الشافعية والمالكية وغيرهم من الذين ليسوا على مذهب الروافض؛ قتل فقط في هراة ثلاثين من علمائها وقضاتها، فأباد الناس إبادة كما هي طريقتهم وطريقة الروافض التي أظهرهم الله تعالى على حقيقتهم، وكان علماء السُّنَّة يصدحون بمثل هذا منذ سنين ويحذرون من الروافض وينبهون من يُسمون بدعاة التخريب - الذين يُسمى بالتقريب - ينبهونهم من خطر الروافض، وأنهم يستكينون حتى يستمكنون، فأظهرهم الله على مخزاتهم في العراق وفي سوريا وفي غيرها على حقيقتهم التي يعرفها العلماء عنهم، وكانوا يحذرون منها، فظهروا على حقيقتهم، فنشأ في هؤلاء الروافض هذه البغضاء الشديدة لعمر رضي الله عنه وأرضاه مع أنه هو الذي أدخل رضي الله عنه الإسلامَ على إيران وهو الذي خلصهم من خصال القذر والدنس من نكاح المحارم وأمثالها، فهذه خصلة من خصال المجوس، يعتقدون - والعياذ بالله – أنَّ مع الله تعالى شريكا في ملكه، ويرون أنَّ هذا الشريك يخلق الشر دون الخير، يقولون الرب يخلق الخير، أما الشر فلا يخلقه، إنما يخلقه رب آخر والعياذ بالله، ولهذا كما سيأتي سمَّى النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم القدرية سماهم بمجوس الأمة، لأنَّ المجوس يعتقدون بوجود خالقين، خالق خلق الخير وخالق خلق الشر، يأتينا إنْ شاء الله تعالى عند الكلام على القدر أنَّ القدرية زلُّوا في باب القدر بطريقة أشبهوا من بعض الوجوه المجوس، والحاصل أنَّ من الجاهليين المجوس القائلين بأنَّ مع الله تعالى شريكا في ملكه - عياذا بالله من حال أهل الضلال والكفر والجحود.

المسألة الثالثة والأربعون: جحود القدر.

المسألة الرابعة والأربعون: الاحتجاج على الله به.

المسألة الخامسة والأربعون: معارضة شرع الله بقدره.


هذه المسائل الثلاث كلها متعلقة بالقدر، ولا بد من وضع مقدمة ولو موجزة عن القدر من خلال النصوص حتى يُعرف الحق فيه بإيجاز ثم تتبين هذه المسائل الجاهلية عند هؤلاء المخالفين، نختصر مسألة القدر في بيان أقسام النصوص الواردة في القدر، أقسام النصوص الواردة في القدر – في الكتاب والسُّنَّة - ثلاثة أقسام:

القسم الأول: النصوص التي تُثبت ما يتعلق بالرب تعالى.

القسم الثاني: النصوص المتعلقة بإثبات ما يتعلق بالعبد، هذا النوع الثاني.

القسم الثالث: النصوص الناهية والمحذرة من النزاع والجدال والخصومة بالباطل التي في القدر.

نعود إلى النوع الأول؛ إثبات ما يتعلق بالرب، ما الذي يُثبت للرب في ما يتعلق بالقدر؟ يُثبت للرب أربعة أمور:

1- أنَّ الله تعالى علم كل شيء جملة وتفصيلا.

2- أنَّ الله تعالى كتب ذلك في اللوح المحفوظ.

3- أنه لا يمكن أنْ يقع أمرٌ إلَّا بمشيئة الله عزَّ وجلَّ.

4- أنه ما من شيء إلَّا والله خالقه.

فإذا أثبت العبد هذه الأمور - المراتب الاربعة - العلم والكتابة والمشيئة والخلق؛ فقد أثبت ما يتعلق بالرب، وهو القسم الأول.

القسم الثاني: إثبات ما يتعلق بالعبد، من جهة ماذا؟ من جهة مسؤوليته عن أفعاله الاختيارية، العبد أفعاله نوعان، أفعال اختيارية وهي كثيرة بالملايين في حياته، فأخْذُه الماء ليشرب اختياري، وإعادة الإناء الذي شرب منه اختياري، طرفه ونظرته يمينا وشمالا، وتكلمه بأمر، وإعطاؤه وأخذه، أشياء كثيرة جدا في حياته اختيارية، يحاسب بالأفعال الاختيارية.

النوع الثاني من أفعال العبد: الأفعال غير الاختيارية، وهي التي تقع منه دون اختيار، مثالها: سقوط العبد وزلة قدمه - وربما هلك ومات من سقطته تلك - هو ما تعمد أنْ ينتحر لكن زلت به قدمه من موضع مرتفع فسقط، هذا فعل غير اختياري، وكثيرا ما يُمثَّل على الأفعال غير الاختيارية بحركة المرتعش، المرتعش الذي تتحرك يداه أو جسمه يعجز عن أنْ يتحكم فيها، تستمر يده تتحرك منذ أنْ يُكَبِّر إلى أنْ يُسَلِّم - قبل الصلاة وبعد الصلاة - هو في حركة مستمرة، لو تحرك أحد هذه الحركة عمدا بطلت صلاته، وهو لماذا لا تبطل صلاته؟ لأنَّ الارتعاش فعل غير اختياري بالنسبة له، الله عزَّ وجلَّ إنما يؤاخذ العباد بأفعاهم الاختيارية، أفعال العباد الاختيارية تقع عن مشيئة منهم وعن قدرة، فالعبد يشاء أنْ يأخذ هذا الإناء ولديه القدرة بأنْ يأخذه ويضمه إليه، فهذا فعل اختياري وعلى هذا قس، صلاته؛ زكاته؛ حجُّه؛ أمره بالمعروف؛ نهيه عن المنكر؛ ذِكْرُه؛ من الأفعال الاختيارية الصالحة التي يؤجر عليها، زناه؛ سرقته؛ شربه للخمر؛ فعل اختياري، هو ذهب بنفسه ذهب للموضع القذر وزنى - نسأل الله العافية والسلامة - هو بنفسه وضع الخمر في الإناء ورفعه إلى فمه وشرب - شرب الخمر - وهكذا السرقة هو الذي مَدَّ يده إلى هذا المال الذي لا يحل له أنْ يأخذه، وربما كسر الحرز وأخذه، أفعال اختيارية فيؤاخذه الله بأفعاله الاختيارية، لديه مشيئة وعنده قدرة، هذه المشيئة للعبد لا يمكن أنْ يوقعها في ملكوت الله جبرا على الله، لهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ(6)  فالعبد له مشيئة لكن لا يمكن أن يُنفذ العبد مشيئته جبرا على الله، وإنما تقع أفعال العباد بمشيئة الله تعالى، والله تعالى جعل هذه الدار دار امتحان ويُحاسب عباده في القيامة ولهذا جعل الشرع العقوبات والحدود على هؤلاء الذين يتَعَدَّوْن ما أوجب الله عزَّ وجلَّ ويتَّخَطَّون إلى ما حرم الله عزَّ وجلَّ وذلك لأنهم مؤاخذون ومحاسبون، ثم إنَّ الله تعالى يجعلهم يوم القيامة من المعاقبين فيعاقبون في قبورهم وفي عرصات القيامة وفي النار قد يُدخلون إياها حتى لو كانوا من عصاة المؤمنين، أما الكفار فمردهم إليها، لأنَّ هذه أفعال اختيارية، يعيش في الدنيا رجل مجنون كلامه؛ أفعاله - مهما بلغت في القبح والسوء - لا يؤاخذه الله تعالى بحرف واحد من هذا، لأنه ليس في حكم المكلفين فلا يؤاخذ، إنما يؤاخذ الله تعالى العقلاء الذين يصدر الأمر عن مشيئتهم وعن قدرتهم، ولا يمكنهم أن يُنفذوا هذا الأمر إلَّا بمشيئة الله ولهذا قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.

القسم الثالث من النصوص: النهي عن النزاع والجدال في القدر، وقد جاء عنه عليه الصلاة والسلام عدد من النصوص في هذا منها قوله صلّى الله عليه وسلّم «أُخِّر النزاع في القدر لشرار أمتي آخر الزمان»(7) فلا يتنازع في القدر ويشوش على الناس فيه إلَّا الأشرار، «لشرار أمتي آخر الزمان» دل على أنه لا يقع في الصحابة رضي الله عنهم وإنما يقع في المتأخرين، كما قال صلّى الله عليه وسلّم: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يأتي أقوام تسبق شهادةُ أحدهم يمينَه ويمينُه شهادتَه، ثم يفشو الكذب»(8)، «بدأ السلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ»(9) فيكثر في المتأخرين، يكثر فيهم المخالفة للشرع، ولهذا كان الصحابة رضي الله عنهم مرات على منهج وعلى عقيدة سليمة، فالذي يريد الحق يعود إلى النبع الصافي الذي كانوا عليه رضي الله عنهم وأرضاهم.

أمر القدر خلط في المخلطون من أكثر من وجه، وذكر الشيخ رحمه الله من تخليطهم أنواعا ثلاثة:

النوع الأول من تخليطهم وهو ما ذكره في المسألة الثالثة والأربعين وهو جحود القدر بالكلية - عياذا بالله - والذين جحدوا القدر من المنسوبين لأهل القبلة نوعان:

النوع الأول: القدرية الأوائل من أتباع معبد الجهني وسوسن النصراني وسيسويه المجوسي، فإن هؤلاء هم أول من أحدث القول بالقدر، معبد الجهني أخذه - والعياذ بالله - عن سوسن النصراني وعن سيسويه المجوسي وهذا يدلك على أنَّ التخليط في القدر أتى من غير المسلمين ووقع على يد معبد هذا وكان من المشهورين بالصلاح في الظاهر بين الناس فلهذا فشا مذهبه، وإلا لما كان سوسن وسيسويه - كما روى ابن بطة - لم يكن معهم إلَّا الملاحون وهم عامة جهال، جمعهم هذا الخبيث وصار يلقي فيهم مثل هذا الكلام، فما تبعه إلَّا أناس من العوام، ما تبعه أحد ممن يُشار إليه حتى تبعه معبد الجهني، لما تبعه معبد الجهني فشت المقالة عن طريق معبد نفسه لأنه منسوب إلى الإسلام ليس مجوسيا وليس نصرانيا ففشت هذه المقالة، القدرية الأوائل ينكرون مراتب القدر الأربع كلها؛ العلم - عياذا بالله – ينكرون العلم والكتابة والمشيئة والخلق، لهذا قال أئمة الإسلام أحمد والشافعي رحمهم الله قالوا: ناظروهم بالعلم - بعلم الله - فإنْ جحدوه كفروه، وإنْ أقرُّوا به خصموا، فإذا جحدوا العلم يكونون كفارا، وإنْ أقروا بالعلم خُصموا، لأنَّ معنى ذلك أنك أقررت أنَّ الله تعالى عَلِمَ أنه سيكون كذا وكذا إذاً فقد شاءه - سبحانه وبحمده - وهكذا نقاش القدرية طويل وكثير، إذاً القسم الأول من نفاة القدر هو القدرية الأوائل وقد قُتل معبد على مقولته الخبيثة هذه، وتبعه غيلان الدمشقي أيضا أخذها عن معبد ثم قُتل غيلان وصُلب عليها، فهؤلاء ينفون مراتب القدر الأربع، خَلَفَهُم المعتزلة، المعتزلة لما رأوا فظاعة مقالة القدرية الأوائل وأنَّ المسلمين لم يمهلوهم أخذوا ببعض مقولة القدرية ولم يأخذوا بها كاملة ...(10)، فأثبتوا مرتبتين: العلم والكتابة، ونفوا المشيئة والخلق، وقالوا: إنَّ العبد هو الذي يشاء وهو الذي يخلق فعله مستقلا عن الله، فيوقع الفعل والله لا يريده، وبذلك قال صلّى الله عليه وسلّم: «القدريَّة مجوس هذه الأمة»(11) لأنَّ المجوس – كما تقدم - هم الذين يقولون: إنَّ الظلمة هي التي توقع الشر دون الله عزَّ وجلَّ، ولهذا قال أهل العلم: إنْ كان المجوس قد أثبتوا خالقَين؛ فقد أثبت القدرية خالقِين، لأنهم يقولون: كل عبد مستقل بفعله، هذا يخلق فعله وهذا يخلق فعله وهذا وهذا بملايين الناس، فإذا كان المجوس مشركين لأنهم أثبتوا خالقَين اثنين؛ خالق للنور خالق للخير، والظلمة خالقة للشر فصاروا بذلك مجوسا؛ فما بالك بمن يثبت لكل الأفعال خالقا مستقلا عن الله؟ فيوقع العبدُ فعله والله لا يشاؤه - نعوذ بالله من قالة السوء - ولهذا جاء الحديث فيهم بأنهم مجوس هذه الأمة.

الخصلة الجاهلية الثانية - وهي توجد في كثيرين - وهي الاحتجاج على الله تعالى بالقدر، بعد أن يُثبت القدرُ يحتجون على الله تعالى بالقدر، كقولهم ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا(12)  إلى قوله عزَّ وجلَّ ردا عليهم﴿فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ(13) ، القدر لا يمكن أنْ يُحتج به على الرب سبحانه وبحمده، الله تعالى آتى العبد مشيئة وقدرة يزاول بها الأفعال، فنحن الآن أتينا إلى هذا المسجد جميعنا لم يجبرنا أحد حتى دفعنا دفعا إلى هذا المسجد، نستشعر ونعرف من أنفسنا أننا أتينا إلى هذا المسجد مختارين بمشيئتنا، وأنَّ لنا قدرة زاولنا بها الوصول إلى المسجد حتى وصلنا إليه بأقدامنا أو بسياراتنا فدخلنا إلى المسجد وجلسنا فيه، لنا مشيئة ولنا قدرة على هذا، في نفس الوقت هذا الذي مر علينا في صلاة الفجر؛ هناك من عندهم مشيئة وقدرة لم يدخلوا المسجد ولم يصلوا ولا ينوون الصلاة أصلا، هؤلاء صلوا وأتوا لهذا المسجد باختيارهم، وأولئك تركوا المجيء إلى المسجد باختيارهم، فكيف يحتج على الرب بالقدر؟ لأنَّ للعبد مشيئة وله قدرة، ولهذا قلنا: إنَّ الذي لا يكون له مشيئة كالنائم مثلا مهما قال، المجنون مهما تكلم ومهما فعل فهو في حكم من عُدمت له القدرة والمشيئة لأنَّ الله ما كلفه أصلا، فالمجنون لا يؤاخذ مهما قال ومهما كانت ألفاظه ولا يقام عليه أي حد من حدود الله تعالى، لأنه مسكين قد سُلب عقله، فلما سلب الله تعالى عنه هذه النعمة أسقط عنه ما أوجب على عباده، إذا أخذ ما وهب سقط عن العبد ما وجب، الذي وهب هو العقل، سقط عنه ما وجب؛ سقط عنه الواجب عليه من ملازمة الأحكام الشرعية، فكيف يُحتج بالقدر؟ القدر لا يمكن أنْ يُحتج به على الرب سبحانه تعالى، لأنَّ الله تعالى أعطاك المشيئة والقدرة، لو أنَّ الله يؤاخذ المجانين ومَنْ لا مشيئة لهم لكان ثمة وجها للاحتجاج، لكن الله لا يؤاخذهم لأنه الله أعلم وأحكم سبحانه من أنْ يؤاخذهم وقد عَلِمَ - وهو علام الغيوب - ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ(14)  عَلِمَ أنَّ هؤلاء ليس لهم أي تكليف فلا يؤاخذهم، أما العباد المكلفون الذين عَلَّمَهم الله؛ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ(15)  عَلَّمَهُم سبحانه وتعالى ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ(16)  ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (4) عَلَّمَ الْأِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ(17)  عَلَّمَك وعرفت النجدين ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ(18)  عرفت الطريق الذي يوصل إلى الخير والطريق الذي يوصل إلى الشر، ثم تركب الطريق الذي تعلم أنه يوصل إلى الشر وأنَّ الله تعالى تهدد صاحبه وتوعده بدخول النار ثم تقول: القدر، ليس لك حجة في القدر.

الخصلة الثالثة من خصال أهل الجاهلية في أمر القدر: معارضة الشرع بالقدر، الشرع هو الأحكام من واجبات ومحرمات يجب على العبد أنْ يُلاحظ ما جاء به الشرع فيها فيمتثل الأوامر فعلا ويجتنب النواهي تركا، هذه الأوامر من الشرع لا يحل لأحد إذا جاء أمر الله تعالى في مسألة من مسائل الشرع أنْ يحتج عليها بالقدر، فعلى سبيل المثال: إذا حضر وقت الصلاة؛ هذا الوقت فيه أمر من أوامر الله تعالى وهو إقام الصلاة، أقيموا الصلاة، ليس له أنْ يحتج ليُسقط الشرع وليتخلص من أحكام الشرع ليس له أنْ يحتج بالقدر فيقول: قد قدَّر الله عليَّ أن لا أصلي، اتركوني، أنا ممن قدَّر الله عليَّ أنْ لا أصلي!

قال أهل العلم: الرد على المحتج من وجوه: أقوى هذه الوجوه على الإطلاق أنَّ النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه أجاب عن هذا السؤال، لما أخبر عليه الصلاة والسلام أنَّ الأمور مقضية قد كتبت، قال الصحابة رضي الله عنهم: يا رسول الله؛ فيم العمل؟ يعني مادامت الأمور قد قُدِّرت لماذا نعمل؟ فقال: «اعملوا فكل مُيسَّر لما خُلق له، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة، وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة» ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى (5) وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى (6) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى (7) وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى (8) وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى (9) فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى(19)(20)، فهما طريقان، من ركب الطريق الخيِّر فهو بإذن الله ورحمته يصل إلى كرامة الله وإلى الجنة، أعطى واتقى وصدق بالحسنى فيثبت على هذا الحال إلى أنْ يلقى الله تعالى فالله تعالى فضلا منه ورحمة يجعله من أهل دار كرامته، وأما من بخل واستغنى وكذَّب بالحسنى؛ هذا الدرب إلى أين يصل به بصاحبه؟ إلى جهنم وبئس المصير ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ والله تعالى قد أمر العباد في ما يتعلق بالشرع بأوامر، أمر القدر العباد لا يعلمونه، أمر مخفي لا يدري العبد بالوضع الذي كُتب له بالسابق ولا بالمصير الذي سيصل إليه في القيامة، وامتحن اللهُ العبادَ بالحال الذي هم فيه ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً(21)  فيأتي الشيطان إلى الناس فيُشْغِلُهُم عن الذي خلقوا له ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً﴾ فيتحدثون عن المكتوب السابق، ويحتجون بالمكتوب السابق على وضعهم، أنهم ليسوا من أهل الصلاح وليسوا من أهل أداء الأوامر، من قال لك: إنَّ المكتوب لك في السابق هو كذا؟ ومن قال لك: إنَّ مصيرك في الآخرة هو كذا؟ أنت لا تعلم، أنت لست ممن قال الله تعالى فيهم مثل قوم نوح: ﴿أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ(22)  ولست ممن وصل إلى الهلكة وأُعْلِمَ بهلكته في الدنيا ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (3) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ(23)  هذا عرف أنه هالك وهو في الدنيا، لكن أنت - كما قال أهل العلم - وهو الوجه الثاني من وجوه الرد على المحتج بالقدر: هل اطلعت على اللوح المحفوظ وعرفت أنك لن لا تصلي؟ مَنْ قال لك: إنك قد كتبت في اللوح المحفوظ أنك لست من أهل الصلاح؟ ولهذا إذا جاءت الزواجر الشريعة وأُلْزِمَ هؤلاء بأحكام الله صلوا وكفوا عن الزنى وعن الفواحش وعن الفساد وصار ادِّعاؤهم الاحتجاج بالقدر ادِّعاء باطل.

الأمر الثالث في الرد على المحتج بالقدر: أنْ يقال: أنت مقر بهذا المنطق أنه منطق صحيح وليس بأعوج؟ فيقال: نحاكمك إلى نفسك، طبق أنت هذا المنطق على أمور الدنيا، أنت تطبق هذا على أمور الدين الآن، طبق هذا المنطق على أمور الدنيا، أنت تقول: إنْ كان الله تعالى كتب لي أن أصلي؛ صليت، وإنْ كان كتب لي أنْ لا أشرب الخمر لن أشرب، فيقال طبق، قل: إنْ كان الله تعالى كتب لي أنْ أُرْزَقَ فسأرزق واقبعْ في بيتك، لا تخرج ولا تبذل سببا، وقل ما هو أسوء من هذا، قل: إنْ كان الله كتب الذرية فستأتيني الذرية بدون أنْ أتزوج، يقول: هذا جنون، وأشد جنونا منه أنْ تعرض نفسك للنار وتركب طريق الهلكة وتقول: إنْ كان الله كتب أنْ أكون من أهل الجنة فسأكون من أهل الجنة، فيقال لك: ابق في بيتك، لماذا أنت أشد كدحا من الدواب في السعي في الرزق، يُمثلون بالقُطرب يقولون هو دابة تستمر؛ كما قال ابن مسعود: (لا يكن أحدكم قطربا - كالقطرب - ينام ليله ويسعى نهاره)(24)، يعني لا يكون له نصيب من الليل، يكون له نصيب، يقول: لا تكونوا كهذه الدابة، لكم رب ولكم نصيب، ليجعل أحدكم من ليله نصيبا يصلي فيه، لا تكونوا كالدابة هذه - القطرب - فيقال: هؤلاء الذي يتكلمون بهذا المنطق ويحتجون بالقدر ليتخلصوا من أحكام الشرع؛ هل يطبقون هذا في أمور الدنيا؟ لا، إنما يطبقونه في مسائل الدين، فإذا قيل لهم: صلوا، قالوا: إنْ كان الله جعلنا من أهل الصلاة سنصلي، فيقال: اجلس في البيت، وقل: إنْ كان الله تعالى كتبنا من أهل الرزق والسعة فسيأتينا رزقنا ونحن في بيوتنا، وابق في بيتك وقل: إنْ كان الله كتب لي الذرية فستأتيني الذرية وأنا في البيت، لا أحد يقول هذا مطلقا، لا من مسلم ولا من كافر، لأنَّ الله تعالى جعل أسبابا ونتائج، جعل تعالى للرزق أسبابا وأمر العباد بالسعي فيها ويَصِلُوْن بإذنه تعالى إلى الرزق، فالذرية لا يمكن أنْ تأتي الذرية إلَّا بزواج، فأمرنا بقوله صلّى الله عليه وسلّم: «تزوجوا؛ فإني مكاثر بكم الأمم يوم القيامة»(25) فلا يمكن أنْ تأتيك الذرية حتى تتزوج، لأنَّ الزواج سبب والذرية نتيجة لهذا السبب، وهكذا العمل الصالح سببٌ نتيجته بعد رحمة الله هي الجنة، والعمل السيء سبب نتيجته بعد عدل الله تعالى هي النار، فليس لأحد بتاتا أنْ يحتج بالقدر لأنه كما يقول أهل العلم: المحتج بالقدر كاذب ويعلم من قرارة نفسه أنه كاذب لأنه لا يطبق هذا إلَّا في أمور الدين، كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (وعند مراد الرب تحتج بالقضاء، وعند مراد النفس تسدي وتلحم)(26)، إذا جاءت أمورك الشخصية والخاصة بأمور الدنيا صرت تسدي وتلحم كالخياط الذي يخيط هنا وهنا، فصار عندك حركة وسعي لأنها مراد النفس، أما عند مراد الرب فتفنى كميت وتسقط وتقول: هذا شيء قدره الله عليّ، أنتم ما شاء الله أهل خير وصلاح كتب الله لكم أنْ تكونوا مِنْ أهل الخير، أنا أتمنى أنْ أكون مثلكم لكن كتب الله أنْ لا أكون من أهل الصلاح، قال: لماذا لا تطبق هذا الكلام على أمور الدنيا لهذا قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلا آبَاؤُنَا وَلا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ(27)  وفي قراءة ﴿كَذَلِكَ كَذَبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كذابون، المحتج بالقدر على ترك الشرع كذاب ليس بصادق لأنه لو كان صادقا لطبق هذا في أمور الدين والدنيا معا، لكنه لا يطبق هذا إلَّا ليسكت الآمر بالمعروف، إذا قال له: صلِّ، قال: ليس لي، أنا أحب أنْ أصلي، لكن كتب الله أنْ لا أصلي، فإذا جاء أمر الدنيا أو أمر التماس الرزق أو جاء الهرب والخوف وجدته أجبن الناس وأشدهم هربا، وإذا جاء البرد اشتد في الاستدفاء واللباس، لماذا تلبس هذا اللباس في البرد؟ لأنَّ البرد يقتل الإنسان، إنْ كان الله كتب لك أنْ تموت بالبرد فستموت، لماذا تلبس؟ لا تلبس، لا تستدفئ، يقول: البرد مهلك، وهذا اللباس واقي، سبب جعله الله تعالى فيقال: كذلك الأعمال سبب ونتيجتها - بعد رحمة الله عزَّ وجلَّ - الأعمال الصالحة الجنة، والأعمال الطالحة سبب ونتيجتها - عدلا من الله تعالى - إلى جهنم وبئس المصير، فلا تحتج لتسقط الشرع بالقدر ولكن قل: أنا صاحب هوى، أنا لا أريد أن أصلي، أنا أريد أنْ أقع في المحرمات؛ فيأتيك الزاجر الشرعي لحدود الله التي شرعها لعباده حتى يُضبط هذا وأمثاله، أما أنْ يدعي الصلاح وأنه راض بقضاء الله وقدره فهو كاذب، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، فالحاصل أنَّ أمر القدر على ما ذكرنا لك فيه الأقسام الثلاثة هذه، يأتي الإشكال دائما في الاحتجاج بالقدر بأنْ يُرِّكز أحد على القسم الأول المتعلق بالرب حتى يُسقط المتعلق بالعبد، ثم إنَّ القسم الأول المتعلق بالرب - إثبات أنَّ الله تعالى علم وكتب وشاء وخلق.

القسم المتعلق بالعبد -وهذا نسيت أنْ أذكره- القسم المتعلق بالعبد أنَّ ذلك -يعني أنَّ القسم الأول- لا يعني خلو العبد وسكوت مسؤوليته عن أفعاله، فتثبت ما يتعلق بالرب ويبقى لك أنت - فيما ذكرنا من الأشياء التي تكون وفق استطاعتك ومشيئتك - تبقى مسئولا عنها، فلهذا أهل السُّنَّة جمعوا النصوص بحمد الله، المتعلقة بالرب حق والنصوص المتعلقة بالعبد حق، فجمعوها جميعا فتبيَّن لهم واتضح لهم أمر الشرع والقدر، أما الذين ركزوا على القسم الأول فهم الجبرية، قالوا: الرب مادام كتب هذه الأشياء فالعبد مجبور، وانفتح للناس بهذه الطريقة أنْ يتسوروا على أحكام الشرع العظام ويخالفوها، وبالغ - عياذا بالله - غلاة الجبرية حتى عذروا الكفار ثم بالغوا حتى عذروا إبليس، هذا السبب الآن؛ هذا هو الذي يجعل هذه الخصلة خصلة جاهلية؛ أنَّ مثل هذا المنطق الخبيث يؤدي إلى أنْ ينفتح على العبد هذه العقائد كلها، وبالتالي يقال أيضا: - وهي من الردود التي يُردُّ بها على المحتج بالقدر - أرأيت لو أنَّ أحدا ضربك وأخذ مالك؛ ماذا تفعل؟ لو قال لك: أعذرني، أنا كتب الله أنْ آخذ مالك! وكتب الله أنْ أضربك! وكتب الله أنْ أسفك دم أهلك! مقدور! قَدَّرَ عليَّ! أليس تحتج بالقدر وتقول: إني كتب لي أنْ لا أصلي؟ أنا كتب لي أنْ أقتل أبناءك وأنْ آخذ مالك وأنْ أتعرض لك بالضرب، هل يرضى؟ لا يرضى، يكون أشد الناس شكاية من مثل هذا، وسعى في الانتقام منه، يقال: لماذا لم ترض بمنطقه؟ هو يحتج بنفس المنطق الذي ذكرته أنت ويقول: هذا الشيء كُتب عليّ وقتلتُ أبناءَك وسلبتُ مالك وضربتك أنت وهذا أمر قد كتبه الله، لا يرضى، ولهذا قال أهل العلم: إنَّ الجبري كذاب؛ لأنه يحتج بالقدر في أمور يشتهيها؛ ليتملص من أحكام الشرع ثم إذا عُمِل معه بنفس منطقه وقيل له: ارض بنفس المنطق الذي استعمله غيرك؛ لا يرضى ولا يقبل، فالحاصل أنَّ أمر القدر لا يحتج به إلَّا أهل الجاهلية، ولا ينفيه أيضا إلَّا أهل الجاهلية، وليس فيه أي اعتراض يستطيعون أنْ يعترضوا به على الله تعالى.


(1) المؤمنون: 91.
(2) الإخلاص:3.
(3) ق:38.
(4) الأحقاف:33.
(5) صحيح البخاري (3156).
(6) الإنسان: 30.
(7) صحيح. الحاكم (3765). الصحيحة (1124).
(8) صحيح البخاري (2652).
(9) صحيح. الترمذي (2630). الصحيحة (1273).
(10) جملة غير مفهومة.
(11) صحيح. أبو داود (4691). صحيح الجامع (4442).
(12) الأنعام: 148.
(13) الأنعام: 149.
(14) الملك: 14.
(15) النحل: 78.
(16) النساء: 113.
(17) العلق:4، 5.
(18) البلد:10.
(19) الليل: 5-10.
(20) صحيح البخاري (4948).
(21) الملك:1، 2.
(22) هود: 36.
(23) المسد: 1-4.
(24) الزهد والرقائق لابن المبارك (118).
(25) صحيح. أبو داود (2050). صحيح أبي داود (2050).
(26) طريق الهجرتين (ص53) بنحوه.
(27) الأنعام: 148.