موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - حديث- «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلاَ عَبْدِهِ صَدَقَةٌ» - شرح المنتقى (الجزء الرابع)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الرابع) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الرابع)
 كتاب الزكاة
 حديث: «مَا مِنْ صَاحِبِ إِبِلٍ لاَ يَفْعَلُ فِيهَا حَقَّهَا ..»
 حديث: «إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ ..»
 حديث: «إِنَّا لاَ نُوَلِّي هَذَا الْعَمَلَ أَحَدًا سَأَلَهُ ...»
 حديث: «لاَ تَسْأَلِ الإمَارَةَ ...»
 حديث: «لاَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ صَاحِبُ مُكْسٍ ...»
 حديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ صَدَقَةٌ ..»
 حديث: «فِي كُلِّ إِبِلٍ سَائِمَةٍ ..»
 حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ..
 حديث: «فِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْبَقَرِ تَبِيعٌ ...»
 حديث: «لاَ تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلاَّ فِي دُورِهِمْ»
 أسئلة
 حديث: «فِيمَا سَقَتِ الأَنْهَارُ وَالْعُيُونُ الْعُشُورُ ...»
 حديث: «لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ صَدَقَةٌ ...»
 حديث: «كَانُوا يُؤَدُّونَ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نَحْلٍ ..»
 حديث: «يُخْرَصَ الْعِنَبَ كَمَا يُخْرَصُ النَّخْلَ ...»
 حديث: «إِذَا خَرَصْتُمْ فَخُذُوا وَدَعُوا ...»
 حديث: «أَتُؤَدِّي زَكَاةَ هَذَا؟..»
 أسئلة
 حديث: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلاَ عَبْدِهِ صَدَقَةٌ»
 حديث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ عَلَى النَّاسِ زَكَاةَ الْفِطْرِ ...»
 حديث: «لَمْ نَزَلْ نُخْرِجُ الصَّدَقَةَ زَمَنَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعَ تَمْرٍ ...»
 حديث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إِلَى المُصَلَّى»
 حديث: «أَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ المُطَّلِبِ رضي الله عنه سَأَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْجِيلِ صَدَقَتِهِ ...»
 حديث: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى»
 حديث: «لاَ تَبْتَعْهُ وَلاَ تَرْجِعْ فِي صَدَقَتِكَ»
 حديث: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيِّ وَلاَ لِذِي مِرَّةٍ سَوِىٍّ»
 حديث: «لاَ تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إِلاَّ لِخَمْسَةٍ ...»
 حديث: «مَنْ يَسْأَلْ مِنْكُمْ وَلَهُ أُوقِيَّةٌ أَوْ عَدْلُهَا فَقَدْ سَأَلَ إِلْحَافًا»
 حديث: «إِنَّ المَسْأَلَةَ حُرِّمَتْ إِلاَّ فِي إِحْدَى ثَلاَثٍ ...»
 حديث: «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا ...»
 حديث: «إِذَا مَاتَ الإنْسَانُ انْقَطَعَ عَنْهُ عَمَلُهُ إِلاَّ مِنْ ثَلاَثَةٍ ...»
 حديث: «أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَذَ مِنْ مَعَادِنِ الْقَبَلِيَّةِ الصَّدَقَةَ»
 حديث: «الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الخُمُسُ»
 حديث: «لاَ تُحْشَرُونَ وَلاَ تُعْشَرُونَ ...»
 المؤلفة قلوبهم
 كتاب الصيام
 حديث: «إِذَا لَمْ تَرَوُوا الْـهِلَالَ فَاسْتَكْمِلُوا ثَلاَثِينَ لَيْلَةً»
 حديث: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ ...»
 حديث: «وَكَانَ يَتَحَفَّظُ من شَعْبَانَ مَا لاَ يَتَحَفَّظُ من غَيْرِهِ ...»
 حديث: ««أَلاَ لاَ تَقَدَّمُوا شَهْرَ رَمَضَانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ إِلاَّ ...»
 أسئلة
 حديث: «يَا بِلَالُ نَادِ فِي النَّاسِ فَلْيَصُومُوا غَدًا»
 حديث: «رُخِّصَ لِلشَّيْخِ الْكَبِيرِ وَالْعَجُوزِ الْكَبِيرَةِ فِي ذَلِكَ وَهُمَا يُطِيقَانِ الصَّوْمَ أَنْ يُفْطِرَا...»
 حديث: «لَا يَمْنَعُكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِكُمْ ...»
 حديث: «وَقَعْتُ عَلَى أَهْلِي فِي رَمَضَانَ ...»
 أسئلة
 حديث: «مَنْ ذَرَعَهُ الْقَيْءُ وَهُوَ صَائِمٌ ...»
 حديث: «أَفْطَرَ الْـحَاجِمُ وَالْـمَحْجُومُ»
 حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَجَمَ بِالْقَاحَةِ وَهُوَ صَائِمٌ ...»
 حديث: «مَنْ أَكَلَ نَاسِيًا، أَوْ شَرِبَ نَاسِيًا؛ فَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ ...»
 حديث: «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّل وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ ...»
 حديث: «كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْرِكُهُ الصُّبْحُ وَهُوُ جُنُبٌ ...»
 أسئلة
 حديث: «إِذَا أَقْبَلَ اللَّيْلُ وَأَدْبَرَ النَّهَارُ وَغَرَبَتِ الشَّمْسُ فَقَدْ أَفْطَرْتَ»
 حديث: «إِنِّي لَسْتُ كَأَحَدِكُمْ؛ إِنِّي أَبِيتُ أُطْعَمُ وَأُسْقَى»
 حديث: «إِذَا رَأَيْتُمُ الْهِلاَلَ فَصُومُوا ...»
 حديث: «إِنْ شِئْتَ فَصُمْ وَإِنْ شِئْتَ فَأَفْطِرْ»
 حديث: «لَيْسَ مِنْ الْبِرِّ -أو الْبِرُّ - أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَر»
 حديث: «كَانَ يَصُومُهُ كُلَّهُ إِلاَّ قَلِيلاً ..»
 أسئلة
 حديث: «إِنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّمَ صِيَامَ هَذَيْنِ الْيَوْمَيْنِ ...»
 حديث: «أَمَا إِنِّي لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَمْرُهُمْ وَلَكِنِّي خَشِيتُ أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ»
 حديث: «حَتَّى إِذَا بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ ...»
 حديث: «مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ...»
 حديث: «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي الْوِتْرِ مِنْهَا ...»
 حديث: «مَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ ...»
شرح المنتقى (الجزء الرابع) - حديث: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلاَ عَبْدِهِ صَدَقَةٌ»

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالَمين، وصلَّى الله وسلَّم وبارَك عَلَى عبد الله ورسوله محمد، وعَلَى آله وصحْبه أجمعين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى ووالدِينَا وشيخنا والحاضرين والمسلمين، وجَمَعَنَا بهم في جنات النعيم:

حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قال: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(1) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلاَ عَبْدِهِ صَدَقَةٌ»(2).

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ قال: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى، عَنْ مَكْحُولٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(3) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلاَ فَرَسِهِ صَدَقَةٌ»(4).


الحمد لله رب العالمَين، والصلاة والسلام عَلَى نبينا محمد، وعَلَى آله وأصحابه وأتباعه بإحسان إلى يوم الدين.

قال الإمام الحافظ أبو محمد بن جارود رحمه الله: (حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمَ قال: أَنْبَأَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ)، هذا هو الأزدي الدمشقي ثقة فقيه، قد يشتبه بـيزيد بن يزيد بن تميم وهو ضعيف، وقد بَيَّنَ العلماء في تراجمهم ما يُمَيِّزُ ويُبَيِّنُ هَذَيْنِ الراويَيْن، وقد يَهِمُ بعض الرواة فيختلط عليه يزيد بن يزيد بن جابر بـ(يزيد بن يزيد بن تميم)، «عَنْ عِرَاكٍ بْنِ مَالِكٍ» هذا هو الغفاري ثقة مِنْ رجال الجماعة، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَلَا عَبْدِهِ صَدَقَةٌ» الحديثَ. متَّفَق عليه، وساقه المُصَنِّفُ أيضًا مِنْ طريق آخر: «حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بِشْرٍ» هذا هو العبدي النيسابوري، ثِقَةٌ مِنْ رجال الشيخَيْنِ «قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ»، هذا هو ابن عُيَيْنَة، «عَنْ أَيُّوبَ بَنِ مُوسَى»، هذا هو الأموي، وهو ثقة مِنْ رجال الجماعة، «عَنْ مَكْحُولٍ» هو الشامي أيضًا، ثقة فقيه رحمه الله، روى له مسلم، «عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ»، وهذا أيضًا إمام مشهور رحمه الله، مِنَ الفقهاء السبعة الذين ذَكَرَه ونَظَمَه بعضهم

إذا قيل مَنْ في الفقه سبعة أبحُر *** روايتهم ليست عن العلم خارجة

فقُلْ هم عبيد الله، عروة، قاسم *** سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة

سعيد، مَنْ سعيد هذا؟ وخارجة؟ زيد بن ثابت، عبيد الله بن عبد الله بن عُتْبَة بن مسعود، عروة بن الزبير، قاسم بن محمد بن أبي بكر، أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، هؤلاء رحمة الله عليهم اشْتُهِروا بالفقهاء السبعة.

وسليمان بن يسار، عن عِرَاك بن مالك، يعني هذا السَّنَد إلى الرواية السابقة عِراك بن مالك، فيكون روى عنه يزيد بن يزيد بن جابر في السَّنَد الأول، سليمان بن يسار في السند الثاني، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ» عند مسلم: «إِلَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ» هذا الحديث متفَق عليه، وفيه دلالة لقول جماهير أهل العلم أَنَّ صدقة الفِطْر تجب عَلَى سيِّد المملوك وقال: «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إِلَّا صَدَقَةُ الفِطْرِ»، فهي واجبة، وهذا إذا لَمْ يَكُونوا للتجارة، إِنْ كانوا للتجارة فإنه يُخْرِج عنهم زكاة التجارة وزكاة صدقة الفطر، عَلَى خلاف في هذا.

وهذا الحديث احتج به الظاهرية عَلَى سقوط زكاة عُروض التجارة قالوا: إِنَّ النبي عليه الصلاة والسلام أَسْقَط الزكاة عن الفَرَسِ وعن المملوك، فدَلَّ عَلَى أَنَّ هذه الأموال لا زكاة فيها، وهي زكاة عُروض التجارة، وألْحَقوا بها كل ما كان مملوكًا للمسلم مِنْ جميع الأموال فقالوا: لا تجب الزكاة مِنْ جنس الأموال إلا في الذهب والفضة، أَمَّا ما كان خلاف ذلك مِنَ المتاع والثياب والطعام، فهذا لا زكاة فيه مطلقًا، والجمهور يقولون: تجب الزكاة فيها إذا كانت للتجارة، وهذا في الحقيقة لا يخالف قول الجمهور، بل يُؤَيِّدُهُ ويشهد له؛ لأنَّ هذا الحديث «لَيْسَ عَلَى المُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ» المراد بالفَرَس ماذا؟ الفَرَس الذي يُعِدُّه للركوب، المملوك الذي يكون للخدمة، مثل سيارة الإنسان التي تكون للركوب، ومثل الحيوان الذي يُعِدُّه للركوب، أَمَّا ما أَعَدَّه للتجارة فهذا شيء آخرُ، أَمَّا ما كان مِنَ الحوائج الأصلية فإنه لا زكاة فيه؛ مِنْ ثيابه، ومرَاكبه، وطعامه، وكذلك مماليكه، كل هذا لا زكاة فيه.

إنما تَجِبُ الزكاة فيما كان زائدًا عن الحاجة الأصلية، مما أُعِدَّ للتجارة، فهذا تجب فيه الزكاة، وحَكَى الإجماع عَلَى وجوب زكاة التجارة جَمْعٌ مِنْ أهل العلم، منهم أبو بكر بن المنذر رحمه الله.

وإيجاب زكاة التجارة في الحقيقة مِنْ أعظَم حِكَمِ الشريعة في إيجاب الزكاة عمومًا، ولو أُسْقِطَتْ زكاة التجارة لَسَقَطَتِ الزكاة اليوم عن عموم أصحاب الأموال والتجار؛ لأنَّ اليوم ما فيه تعامل بِنْقَدٍ، التعامل اليوم بعُروض التجارة، والمُتَاجَرَات والبيع والشراء بعُروض التجارة، ولو سَقَطَتْ عُروض التجارة - في الغالب - لا يكون هنالك زكاة إلا عَلَى ما يكون مِنْ أموال تكون عنده ويَحُولُ عليها الحَوْل.

والجمهور قالوا: تجب. ثم هم يقولون: نحن نقول: إِنَّ الزكاة لا تجب في عَيْنِها، صحيح نحن نقول كما قال عليه الصلاة والسلام: الزَّكَاةُ لَا تَجِبُ فِي عَيْنِهَا؛ لا في عين الفَرَس، ولا في عين الدابة، ولا في عين المملوك، ولا في عين السيارة، وكل متاع مما يملكه المسلم فلا زكاة فيه، إنما الزكاة تجب في قِيَمِها، ولهذا تُقَوَّم، فما بَلَغَتْ وكان النِّصاب فأكثر وَجَبَت فيها الزكاة، ولهذا لو كانت الزكاة تجب في عينها يكون وجوبها سواء كان للتجارة أو لغير التجارة، فلا فَرْق، لَكِنْ الجمهور يقولون: تجب الزكاة، لا تجب في عينها، إنما تجب في قِيمَتِها ما دامت للتجارة، والجمهور لهم أدلة، وأدلتهم نوعان: نوع عام، ونوع خاص:

الأدلة الخاصة التي ذكروها - في الحقيقة - لا يكاد يَصِحُّ منها دليل، الأدلة الخاصة التي ذَكَرَها الجمهور ضعيفة، وبعضها وَقَعَ فيها خلاف. مِنْ أشهر أدلة الجمهور حديث سَمُرَةَ بن جُنْدُب رضي الله عنه عند أبي داود أنه قال: أَمَرَنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أَنْ نُخْرِجَ الزكاة مما نَعُدُّهُ للتجارة، هذا صريح لكنه إسنادٌ ضعيف أو ضعيف جدًا، أيضًا مِنْ أدلتهم ما رواه الدراقطني أنه عليه الصلاة والسلام قال مِنْ حديث أبي ذر(5): «فِي البَزِّ صَدَقَتُهُ»(6) والبَزُّ هي الثياب، هذا لا يكون إلا فيما كان للتجارة، مع أنه وَقَعَ خلاف في كلمة البَزِّ منهم مَنْ رواها «البُرِّ»، وعَلَى هذا إذا كانت الرواية في البُرِّ فلا دليل فيها في زكاة التجارة؛ لأنها تكون مِنْ باب زكاة الحبوب والثمار، وإِنْ كان المُرَجَّح هو «فِي البَزِّ» بالباء الموحدة والزاي، ومنها الأثَر المشهور عن عمر رضي الله عنه: أَنَّ أبا عمر رحمه الله رضي الله عنه أن حماس يبيع الأدم والجعاب، وأَنَّ عُمرَ رضي الله عنه أَمَرَهُ أَنْ يُزَكِّي قال: يا أمير المؤمنين، إنما هي جعاب وأدم. يعني الآنية مِنْ جلد وأَدَم، يعني مصنوع مِنْ الجلود قال: قَوِّمْها وأَدِّ زكاتها، أَمَرَهُ أَنْ يُقَوِّمَها ويؤدي زكاتها، فهذا أيضًا مِنْ الأدلة في هذا الباب وكلها قد تُكُلِّمَ فيها.

وأَصَحُّ ما يُسْتَدَلُّ له بالأدلة دليلان، أدلة عامة مِنْ جهة أَنَّ الأدلة فيها ظاهرة، وأيضًا مِنْ جهة المعنى والحكمة التي تدل دلالة الأولى والأحرى الذي هو دلالة فَحْوَى الخطاب.

الأدلة العامة: مثل قوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا(7)، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ هذا يدخل فيه جميع الأموال، ومِنْ أَعْظَم الأموال هي أموال التجارات، الأموال التي تُنَمَّى، والتي ربحها كثير، وتُؤْمَنُ مخاطرها كثيرًا هذه عُروض التجارة، وزكاتها كانت مثل زكاة الأموال ربع العُشْر؛ لكثرة المَئُونة فيها، فيدخل في العموم «الأموال» الأموال التي يتاجَر فيها؛ لأنها تنمو ولها ربح في الغالب.

كذلك قوله صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس(8) لما أرسل معاذًا إلى اليمن قال: «فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا لِذَلِكَ فَأَعْلِمْهُمْ أَنَّ اللهَ قَدِ افْتَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً فِي أَمْوَالِهِمْ تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ وَتُرَدُّ إِلَى فُقَرَائِهِمْ»(9) ذَكَرَ الأموال، وهذا شامل وعامٌّ لجميع الأموال ولَمْ يَسْتَثْنِ منها شيئًا.

أيضًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ هذا عام ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ(10) يعني ذَكَرَ الإنفاق مِنَ الطيبات، وذَكَرَ الإنفاق مما أَخْرَجَ مِنَ الأرض، ولاشك أَنَّ الذي يَخْرُجُ مِنَ الأرض مما هو واجب وهو الزكاة المفروضة، ومنها ما هو مُسْتَحَب، كذلك أيضًا مِنَ الطيبات، التي اكتسبَها وكشفَها منها ما هو واجب وهي زكاة التجارة، وكذلك زكاة الأموال مِنَ الذهب والفضة، وما كان في حكمها، وما كان مستحَبًّا مِنْ صدقات التطوع؛ لأنَّ القاعدة أَنَّ الأمر إذا جاء في مثل هذا، الصحيح أنه يكون شامل للواجب والمستحَب مثل ﴿وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(11) ، يشمل كل الإحسان الواجب والمستحَب، بل الدين كله، بل أعْلَى الدين الإحسان، أعْلَى درجة مِنَ الدين الإحسان.

فنقول: إِنَّ هذا الأمر يدخل فيه الواجب ويدخل فيه المستحب عَلَى ظاهره، وعموم الأدلة واضح في هذا، أيضًا مِنْ جهة المعنى والحكمة أنه إذا وَجَبَتِ الزكاة في الحبوب والثمار وفي المواشي التي خَاصة المواشي يتعب عليها أهلها في رعايتها وسقيها والاجتهاد في سائمتها في البرية، ولاشك أَنَّ هذا قد يحصل معاناة، كذلك الحبوب والثمار فيها مِنَ التعب والمتابعة المعاناة الشيء الكثير؛ فوجوبها في أموال التجارة إِمَّا أَنْ يكون مساويًا، أو أَنْ يكون مِنْ باب أَوْلى، وذلك أَنَّ وجوب الزكاة في المواشي يكون -في الغالب- لأهل البَرِّيَة، الذين يعيشون في البَرِّيَة ويعانونها، ويتعبون في رعايتها والحفاظ عليها، فمَنْ كان في البلد ممَنْ يتاجر أو يضرب في الأرض فالتجارة في حقِّه أو في زكاة التجارة مِنْ باب أَوْلَى وأَحْرَى، والنعمة فيها أَتَمْ وأَكْمَل.

ثم أيضًا لو قيل: إِنَّ الزكاة لا تجب فيها. عَلَى هذا ممكن إنسان يجعل أمواله التي هي عين يجعلها عُروض تجارة، ويكون استبداله بعُروض التجارة وبيعُهُ بعُروض التجارة، وعَلَى هذا لا تجب عليه، وكانت أمواله بالأمس لَمَّا لَمْ تكن نامية بل حسابًا جامدًا تجب فيها التجارة، لما كانت ناضًا يُسَمُّوا الناض وهو الذهب والفضة أو هذه النقود، فلَمَّا كانت يعني حسابًا جامدًا تجب فيها الزكاة، فلَمَّا حوَّلَها عُروض تجارة صار يبيع ويشتري فيها، لَمْ تجب فيها الزكاة، لاشك أنها خلاف الحكمة، ومثل هذا حينما يُخالف مقصود الشرع أو يعود عَلَى المعنى الذي جاء الشرع به بالإبطال، فإنه مردود وغير مقبول.

ثم النبي عليه الصلاة والسلام حينما خاطب الصحابة في المدينة، الصحابة في المدينة كان كثير مِنْ تجارتهم في أسواقهم بالبيع والشراء والتجارة، وخاطبهم بذلك، ولو كانت هذه الأموال لا زكاة فيها لكان بيانه وظهوره أمرًا واضحًا بيِّنًا، فدَلَّ عَلَى دخولها في عموم الأدلة في وجوب زكاة التجارة، ثم لَمْ يَزَلِ المسلمون عَلَى هذا، وهو أَنَّ دفع الزكاة وأخذها مِنْ عموم الأموال إلى يومنا هذا، ولهذا هو قول الأئمة الأربعة رحمة الله عليهم، ومنهم مَنْ يحكي فيها خلاف، إِمَّا خلاف ضعيف الظاهرية رحمة الله عليهم.


(1) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث وروايةً له. نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة 59هـ. (تهذيب الكمال: 34/366).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة – باب ليس على المسلم في فرسه صدقة (1463)، ومسلم في كتاب الزكاة – باب ليس على المسلم في عبده ولا فرسه (982).
(3) تقدمت ترجمته.
(4) أخرجه مسلم في كتاب الزكاة – باب لا زكاة على المسلم في عبده ولا فرسه (2321).
(5) هو: أبو ذر جندب بن جنادة الغفاري وقيل: جندب بن سكن. وقيل: برير بن جنادة. وقيل: برير بن عبد الله. وقيل: جندب بن جنادة بن سفيان بن عبيد بن حرام بن غفار -أخي ثعلبة- ابني مليل بن ضمرة أخي ليث والديل، أولاد بكر، أخي مرة، والد مدلج بن مرة، ابني عبد مناة بن كنانة. أحد السابقين الأولين، من نجباء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. قيل: كان خامس خمسة في الإسلام. ثم إنه رد إلى بلاد قومه، فأقام بها بأمر النبي صلى الله عليه وسلم له بذلك، فلما أن هاجر النبي صلى الله عليه وسلم هاجر إليه أبو ذر -رضي الله عنه- ولازمه، وجاهد معه. وكان يفتي في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان. فاتته بدر، قاله: أبو داود. وقيل: كان آدم، ضخمًا، جسيمًا، كث اللحية. وكان رأسًا في الزهد، والصدق، والعلم، والعمل، قوالًا بالحق، لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدة فيه. وقد شهد فتح بيت المقدس مع عمر، مات بالربذة سنة اثنتين وثلاثين. انظر: سير أعلام النبلاء (3/34–64).
(6) أخرجه الدارقطني (2/490) (1934)، وأحمد (35/441) (21557) وقال محققه: حسن لغيره.
(7) التوبة: 103.
(8) هو: عبد الله بن عباس البحر أبو العباس الهاشمي حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي، الهاشمي، المكي، الأمير -رضي الله عنه. مولده: بشعب بني هاشم، قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة. توفي سنة ثمان وستين، وله إحدى وسبعين سنةً. (سير أعلام النبلاء 5/330- 353).
(9) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب وجوب الزكاة (1395)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام (19).
(10) البقرة: 267.
(11) البقرة:195.