موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالْأَنْوَاءِ - شرح كتاب التوحيد
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب التوحيد لفضيلة الدكتور حمد بن عبد المحسن التويجري
  
 
 شرح كتاب التوحيد
 التَّوْحِيد الَّذِي هُوَ حَقّ الله عَلَى العبيد
 بَابُ مَا جَاءَ فِي السِّحْرِ
 بَابُ بَيَانِ شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ السِّحْرِ
 بَابُ مَا جَاءَ فِي الْكُهَّانِ وَنَحْوِهِمْ
 بَابُ مَا جَاءَ فِي النُّشْرَةِ
 بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّطَيُّرِ
 بَابُ مَا جَاءَ فِي التَّنْجِيمِ
 بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالْأَنْوَاءِ
 الأسئلة
 الأسئلة
 بَاب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَندَادًا..
 بَاب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿ إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ...
 بَاب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللهِ فَتَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ﴾
 بَاب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللهِ ...
 بَابُ مِنَ الْإِيمَانِ بِاللهِ الصَّبْرُ عَلَى أَقْدَارِ اللهِ
 بَابُ مَا جَاءَ فِي الرِّيَاءِ
 بَابٌ مِنَ الشِّرْكِ إِرَادَةُ الْإِنْسَانِ بِعَمَلِهِ الدُّنْيَا
 الأسئلة
 بَابُ مَنْ أَطَاعَ العُلَمَاءَ وَالأُمَرَاءَ فِي تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللهُ أَوْ تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَهُ فَقَدْ اتَّخَذَهُمْ أَرْبَابًا
 بَاب قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ..
 بَابُ مَنْ جَحَدَ شَيْئًا مِنَ الأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ
 بَاب قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾
 بَاب بَابٌ: ﴿فَلاَ تَجْعَلُواْ للهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾
 بَابٌ: مَا جَاءَ فِيمَنْ لَمْ يَقْنَعْ بِالحَلِفِ بِاللهِ
 بَابٌ: قَوْلُ مَا شَاءَ اللهُ وَشِئْتَ
 الأسئلة
 بَابٌ: مَنْ سَبَّ الدَّهْرَ فَقَدْ آذَى اللهَ
 بَابٌ: التَّسَمِّي بِقَاضِي الْقُضَاةِ وَنَحْوِهِ
 بَابٌ: احْتِرَامُ أَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى وَتَغْيِيرُ الِاسْمِ لِأَجْلِ ذَلِكَ
 بَابٌ: مَنْ هَزَلَ بِشَيْءٍ فِيهِ ذِكْرُ اللهِ أَوْ الْقُرْآنِ أَوْ الرَّسُولِ
 بَابٌ: ما جاء في قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا
 بَاب قَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ..
 بَابٌ: قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَللهِ الأَسْمَاءُ الحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا..
 بابٌ: لَا يُقَالُ السَّلَامُ عَلَى اللهِ
 بَابٌ: قَوْلُ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إِنْ شِئْتَ
 بَابٌ: لَا يَقُالُ عَبْدِي وَأَمَتِي
 بَابٌ: لَا يُرَدُّ مَنْ سَأَلَ بِاللهَ
 بَابٌ: لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللهِ إِلَّا الجَنَّةُ
شرح كتاب التوحيد - بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالْأَنْوَاءِ

بَابُ مَا جَاءَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ بِالْأَنْوَاءِ

قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(1).

وَعَنْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ(2) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ: الْفَخْرُ بِالْأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الْأَنْسَابِ، وَالِاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنِّيَاحَةُ»(3).

وَقَالَ: «النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا، تُقَامُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ»(4) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَلَهُمَا عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ(5) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقَبْلَ عَلَى النَّاسِ، فَقَالَ: «هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قَالُوا اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمَ قَالَ: قَالَ أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ»(6).

وَلَـهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ(7) مَعْنَاهُ، وَفِيهِ قَالَ بَعْضُهُمْ لَقَدْ صَدَقَ نَوْءَ كَذَا وَكَذَا فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الآيَاتِ: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ (78) لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ (79) تَنزِيلٌ مِّن رَّبِّ الْعَالَمِينَ (80) أَفَبِهَذَا الْحَدِيثِ أَنتُم مُّدْهِنُونَ (81) وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(8).


بعد هذا ذَكَر مسألة الاستسقاء بالأنواء وهي النجوم، وهي متعلقة بمسألة التنجيم، لكنْ مِن باب عَطْفِ الخاص على العام؛ ولأنَّ أكثر أنواع التنجيم في هذه الأُمَّة في ذاك الزمن مسألة الاستسقاء بالأنواء، إضافة إلى أنه ربَّما خَفِي هذا الأمر على بعض المسلمين أنه مِن التنجيم المُحَرَّم، وقضية رَبْط إنزال المطر بهذه النجوم، وهذا معنى قول المؤلف: باب ما جاء في الاستسقاء بالأنواء.

يقول: وقول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(9).

عن أبي مالك الأَشْعَرِيّ رضي الله عنه أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ لَا يَتْرُكُونَهُنَّ، الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ، وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ، وَالنَّيَاحَةُ»(10).

﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(11). بمعنى أنكم تجعلون أنَّ النجوم هي سبب نزول المطر، وهذا مِن باب الافتراء ومِن باب الكذب ومِن باب جَحْد النعمة ونسبة النعمة إلى غير المُنعم، فالذي أنزل المطر والذي يُصَرِّفُهُ هو الله عَزَّ وجَلَّ وَحْدَهُ، لا علاقة لهذه النجوم بها، ولهذا جاء في تفسير: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ(12). أيْ تقولون: مُطِرْنَا بِنَوْء كذا وكذا. وسيأتي الحديث أنه فَسَّر هذه الآية.

ثُمَّ ذَكَر حديث أبي مالك، أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أَرْبَعٌ فِي أُمَّتِي مِنْ أَمْرِ الجَاهِلِيَّةِ)، وإذا ذَكَر النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ هذا الأمر مِن فِعْل أهل الجاهلية أو مِن أمْر الجاهلية فإنه يأتي في مَعْرِضِ الذم، بمعنى أنَّ هذا مِن أمور الجاهلية، وجاء الإسلام لإزالة هذه الأمور، جاء الإسلام لنقل المسلمين ممَّا كانوا عليه في الجاهلية وعادات الجاهلية إلى تعاليم الإسلام، فمِنَ الأمور التي كان عليها أهل الجاهلية وبقيت في المسلمين لَم يستطيعوا أنْ يتخلصوا منها تمامًا.

ذَكَر النبي صلى الله عليه وسلم: (الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ)، وذَكَر أنهم لا يستطيعون أنْ يتركوها لكنْ ينبغي للمسلم أنْ يجاهد نفسه، (الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ)، والله عَزَّ وجَلَّ قال: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهِ أَتْقَاكُمْ(13)، وقال: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُم بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زُلْفَى(14)وأبو ذَرّ لـمَّا عَيَّر ابن مسعود وقال له: يا ابن السَّوْدَاء، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إِنَّكَ امْرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ»(15). (الفَخْرُ بِالأَحْسَابِ)، بمعنى التفاخر بالقبائل. بعد الإسلام لا فَخْرَ إلّا بالإسلام. هذه القبائل وهذه الأنساب يتعلم منها الإنسان ويعرف منها ما يصل بها رحمه فقط، أمَّا قضية أنْ تكون مجالا للفخر والتعالي بها فهذا مِن أمْر الجاهلية وليس مِن الإسلام، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لمَّا قيل له: إنَّ عقيل باع شرف قريش، عندما باع دار الندوة، قال: «لَيْسَ لِقُرَيْشٍ بَعْدَ الإِسْلَامِ شَرَفٌ إِلَّا الإِسْلَامُ»(16)، انتهى شرفها بحسبها وبيوتها وما يعتزون به، الشرف الحقيقي هو الإسلام.

(وَالطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ)، بمعنى التَّنَقُّص مِن الآخرين، فلان ذو نَسَب كذا وفلان ذو نَسَب كذا، فهذا أيضًا مِن أمْر الجاهلية التي نَهَى الإسلام عنها. ولهذا يقول شيخ الإسلام: الطعن في الأنساب مِن عَمَل الجاهلية المذموم. والمسلم قد يكون فيه شيء مِن هذه الخصال المُسَمَّى بجاهلية ويهودية ونصرانية، لكنْ لا يوجب ذلك كُفْره.

ثُمَّ قال: (وَالاسْتِسْقَاءُ بِالنُّجُومِ)، وهذا هو الشاهد مِن إيراد الحديث على هذا الباب، أيْ نِسْبَة السُّقْيَا ومجيء المطر ونزول المطر إلى هذه النجوم، فهذا أيضًا مِن أمور الجاهلية أنهم يربطون نزول الأمطار وحصول الخير بهذه النجوم.

«وَالنَّيَاحَةُ»، وهي رفْع الصوت والنحيب على المَيِّت، لِـمَا في ذلك مِن التَّجَزُّعِ والتَّسَخُّط والاعتراض على قَدَر الله عَزَّ وجَلَّ. البكاء لا يُمنع منه المسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم دمعت عينه، وقال: «إِنَّ العَيْنَ لتَدْمَعُ، وَإِنَّ القَلْبَ لَيَحْزَنُ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي الرَّبُّ»(17)، لكنْ لا يتجاوز المسلم مِن الدمع ومِن البكاء إلى التسخط. ومِن الأعمال التي تدل على التسخط وعدم الرضا بما قضاه الله عَزَّ وجَلَّ وقَدَّرَه: النياحة، مَن شَقَّ الجيوب، ورفع الصوت بالبكاء والنَّدْب (وافلاناه، وافلاناه) فهذه مِن النياحة التي نَهَى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وذَكَر أنها مِن أمور الجاهلية.

وقال: (النَّائِحَةُ إِذَا لَمْ تَتُبْ قَبْلَ مَوْتِهَا تُقَامُ يَوْمَ القِيَامَةِ)، أيْ تُبْعَث مِن قبرها، (وَعَلَيْهَا سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ). السِّرْبَال: الثياب أو القميص. القَطِرَان: قيل المقصود منه الرَّصاص، وقيل نوع يُسَمَّى الآن (القار)، وكان موجودا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو نوع مِن المعادن ممَّا تخرجه الأرض.

(وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ)، والجَرَب هو المرض المعروف الذي يصيب صاحبه بالحِكَّة، فالنبي صلى الله عليه وسلم تَوَعَّد هذه النائحة أنَّ الله عَزَّ وجَلَّ سيبدلها بثوبيها -بهذين الثوبين- (سِرْبَالٌ مِنْ قَطِرَانٍ وَدِرْعٌ مِنْ جَرَبٍ). رواه مسلم.

ثُمَّ ذَكَر أيضًا في «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حديث زيد بن خالد الجُهَنِي قال: صلى لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الصبح -أيْ صلاة الفجر- بالحُدَيْبِيَةِ، سنة سِتّ مِنَ الهجرة عام الحُدَيْبِيَة، وهُمْ في المنطقة التي يقال لها الآن (شبيك) قريبة مِن مكَّة، على إثْر سماء كانت مِن ليل، السماء المقصود بها المطر، على إثْر مطر أيْ مُطروا في الليل وهم نائمون، فلمَّا انصرف أقبل على الناس، أيْ التفت إليهم كعادته عليه الصلاة والسلام، ويحتمل أنه غيَّر مكانه ووقف يتكلَّم فيهم. قال: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟)، هذا الأسلوب يستخدمه النبي صلى الله عليه وسلم وهو مِن باب لَفْت الانتباه، ومِن باب أنَّ الأمر مُهِمّ فانتبهوا إليه. أنت عندما تسأل الشخص الذي تتحدث إليه عن أمْر ستخبره أنت به تريد أنْ ينتبه إليك، فالنبي صلى الله عليه وسلم أراد أنْ يشد الانتباه إليه، فقال: (هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟) البارحة، قالوا: الله ورسوله أعلم، وهذا مِن أدب الصحابة رضي الله عنهم. الشيء الذي لا يعلمونه مباشرة: الله ورسوله أعلم. الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لـمُعَاذ(18): «أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى العِبَادِ؟»، قال: الله ورسوله أعلم(19).

قال: (أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ). أصبح هؤلاء الذين مُطروا في الليل منهم مؤمن ومنهم كافر، (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالكَوْكَبِ)، الذي نَسَب الفضل لأهله حقيقة هو المؤمن، فالله عَزَّ وجَلَّ هو الذي خَلَق المطر، وهو الذي يُسَيِّرُ الرياح بهذا المطر، وهو الذي يُنْزِلُهُ حيث شاء، لا علاقة لهذه النجوم والكواكب بذلك، (فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي) حقا، «كَافِرٌ بِالكَوَاكِبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالكَوَاكِبِ»(20). قال أهل العِلْم: فإنْ اعتقد أنَّ هذه الكواكب لها تأثير مع الله عَزَّ وجَلَّ في نزول المطر فهذا شِرْك أكبر؛ لأنه اعتقد أنَّ هناك نافعا مع الله عَزَّ وجَلَّ، وإنْ اعتقد أنها سبب مِن الأسباب فهذا شِرْك أصغر لا يُخرج صاحبه مِن المِلَّة.

يقول: ولهما مِنْ حديث ابن عباس في معناه، وفيه قال بعضهم: لقد صَدَق نَوْء كذا وكذا، فأنزل الله هذه الآية: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾، إلى قوله: ﴿تُكَذِّبُونَ(21). بمعنى أنَّ هؤلاء اعتقدوا وربَّما جرى على ألسنتهم كما توارثوه عن الجاهلية أنَّ هذا المطر بسبب وجود هذا النَّوْء، وأنَّ النَّوْء هو الذي أثر في نزول المطر، فأنزل الله عَزَّ وجَلَّ هذا الوعيد الشديد، وأنكم تجعلون هذا الرزق الذي هو المطر تنسبونه لغير الله عَزَّ وجَلَّ، وهذا كذب، وفيه وعيد شديد. لكن ينبغي أنْ يُعْلَمَ أنَّ الإنسان إذا قال: مُطِرْنا في نَوْء كذا وكذا، فإنْ كان يعتقد أنَّ النَّوْء سبب أو أنَّ النَّوْء أثَر في نُزُول المطر فلا شك أنَّ هذا غير مشروع. الخلاف على حَسَب اعتقاد صاحبه، ومَن قال: مُطِرْنا في نَوْء كذا وكذا ويقصد الوقت، ولا أثر لهذا النَّوْء، وإنَّما مُطِرْنا كما يقال: في ***، مُطِرْنا في الخريف، كزمن ووقت، فهذا لا إشكال فيه؛ لأنَّ العِلَّة منتفية. والعِلَّة أنْ يكون للنَّجم تأثير في نزول المطر، وهذا غير موجود. لكنْ إذا كان إطلاق مِثْل هذا اللفظ قد يفهم منه السامع أنَّ للنَّجم تأثير في ذلك، فينبغي ترْكه مِن باب دَرْء المفسدة، ومِن باب سَدّ الذَّرَائِع، وحماية جَنَاب التوحيد. هذا الجاهل ربَّما عندما يسمع منك هذا الكلام: مُطِرْنا في النَّجم الفولاني، يعتقد أنَّ للنَّجم تأثير.

ومِن التنجيم المُحَرَّم -معاشر الإخوة- ما هو موجود الآن، أو ما يُسَمَّى بـ(علم الأبراج) هذا وللأسف صار له مدارس ومفكرين، وربَّما تَبَنَّى ذلك مؤسسات وهيئات، وربَّما يكون لهم مقاصد مِن وراء ذلك، وأنتم تلاحظون أنَّ هذا منتشر الآن في بعض القنوات وهناك مواقع في الشبكة العنكبوتية تُعْنَى بهذا الأمر. وهذا مِن التنجيم المُحَرَّم، ما يُسَمَّى بـ(حظك) أو (برجك) وُلِدْتُ في هذا البُرْج، أو هذا البُرْج تَحْسُن التجارة فيه، أو يَحْسُن تَجَنُّب السَّفَر فيه، كُلّ هذا مِن التنجيم المُحَرَّم، لكنْ قد يرتفع إلى أنْ يكون منافيًا لأصل التوحيد، وقد يكون منافيًا لكمال التوحيد.

أيضًا يا إخواني ممَّا له ارتباط وهو منتشر بين الناس، وإنْ كانت كلمة وللأسف جَرَتْ على ألسنتهم وكثير إنْ شاء الله منهم لا يعتقدون معناها، لكنَّها متضمنة لمعنى الباب، ألَا وهي: حُسْن الطالع وشُؤْم الطالع، تكثر في الألعاب الرياضية، لماذا هُزِمْتم؟ لسوء الطالع، انتصرنا لحُسْن الطالع، نراه في وسائل الإعلام، وفي المقابلات، ومع أبناء الموحدين، وربَّما في بعض الأحداث، لسوء الطالع حصل كذا، لحُسْن الطالع حصل كذا، ما هو حُسْن الطالع وسوء الطالع، هل تدرون ما هو حُسْن الطالع وسوء الطالع؟ النجوم، وهو رَبْطُ هذه الأحداث بهذه النجوم، بلا شك أنَّ الكثير لا يعتقد هذا الاعتقاد وإنَّما سَمِع الناس يقولون قولًا فردده، وإلّا لا يفقه معناه، وإنْ قلت له هذه اللفظة تعني كذا وكذا، قال لك: أعوذ بالله، استغفر الله. فينبغي أنْ يتنبه الناس ألَّا يتساهلوا بمثل هذه الألفاظ التي تقدح في التوحيد.

التوحيد يا إخوان جوهرة، أدنى ما يأتيها يقدح فيها ويُؤَثِّر فيها، ولهذا لمَّا جاء الرجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقال له: ما شاءَ الله وشِئْتَ. ماذا قال له النبي صلى الله عليه وسلم؟ وهو يعلم أنَّ هذا الرجل ما جعله لله نِدًّا؟ قال: «أَجَعَلْتَنِي للهِ نِدًا، مَا شَاءَ اللهُ وَحْدَهُ»(22). تَأَدُّبٌ حتى في اللفظ. ولمَّا جاء اليهودي وقال: إنكم تشركون. فنهاهم النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، مِن باب التأدب حتى في الألفاظ، في ما يتعلق بجناب الله عَزَّ وجَلَّ وجناب التوحيد ينبغي أنْ نتحرز أشد التحرز، وهذا أمْر يُعْتَبَر مدخل مِن مداخل الشيطان، ولهذا لاحِظ كيف أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم سَدّ الذرائع كلها المفضية إلى القَدْح في التوحيد، أمور بسيطة جدًّا لو نظرت إليها مجردة لا أثَرَ لها، لكنْ لَمَّا كانت ربَّما تُفضي إلى ما يقدح في التوحيد، نَهَى عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وحَذَّر منها أشد التحذير. وبالله التوفيق.


(1) سورة الواقعة: 82.
(2) هو الصحابي: كعب بن عاصم الأشعري، قال ابن أبي أويس: كنيته أبو مالك، ويقال: اسم أبي مالك عمرو أيضًا له صحبة، وقال لي أبو صالح عن معاوية بن صالح عن حاتم بن حريث عن مالك بن أبي مريم الحكمي سمع عبد الرحمن بن غنم سمع أبا مالك الأشعري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يشرب ناس من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها»، انظر: التاريخ الكبير: (7/221).
(3) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز- باب التشديد في النياحة (934).
(4) ما قبله.
(5) هو: الصحابي زيد بن خالد الجهني. مختلف في كنيته؛ فقيل: أبو زرعة، وأبو عبد الرحمن، وأبو طلحة. شهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح. حديثه في الصحيحين وغيرهما. قال ابن البرقي وغيره: مات سنة ثمان وسبعين بالمدينة، وله خمس وثمانون. وقيل: مات سنة ثمان وستين. وقيل: مات قبل ذلك في خلافة معاوية بالمدينة. انظر: الاستيعاب (ص: 249 ترجمة 815)، والإصابة (2/603 ترجمة 2897).
(6) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (1083)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (71).
(7) تقدمت ترجمته.
(8) سورة الواقعة: 75 - 82.
(9) سورة الواقعة: 82.
(10) تقدم تخريجه.
(11) سورة الواقعة: 82.
(12) سورة الواقعة: 82.
(13) سورة الحجرات: 13.
(14) سورة سبأ: 37.
(15) أخرجه البخاري في كتاب الأدب- باب ما ينهى عن السباب واللعن (6050)، ومسلم في كتاب الأيمان- باب إطعام المملوك مما يأكل، وإلباسه مما يلبس (1661).
(16) لم أقف عليه.
(17) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم إنا بك يا إبراهيم لمحزونون (1303)، ومسلم في كتاب الفضائل- باب رحمته صلى الله عليه وسلم الصبيان والعيال (2315)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بلفظ: «إِنَّ العَيْنَ لَتَدْمَعَ، وَإِنَّ القَلْبَ لِيَحْزَنَ، وَإِنَّا لِفُرَاقِكَ يَا إِبْرَاهِيمُ، لَـمَحْزُونُونَ، وَلَا نَقُولُ إِلَّا مَا يُرْضِي رَبُّنَا».
(18) هو: معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدي بن سعد بن علي بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج، أبو عبد الرحمن الأنصاري الخزرجي ثم الجشمي. أحد السبعين الذين شهدوا العقبة من الأنصار وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين عبد الله بن مسعود. توفي في طاعون عَمَوَاس سنة ثماني عشرة. انظر: الاستيعاب (ص: 650 ترجمة 2270)، وأسد الغابة (5/187 ترجمة 4960).
(19) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد- باب اسم الفرس والحمار (2856)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة (30).
(20) أخرجه البخاري في كتاب الجمعة- باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ (1083)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان كفر من قال مطرنا بالنوء (71)، من حديث زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه.
(21) سورة الواقعة: 75 - 82.
(22) أخرجه أحمد في «مسنده» (1/283)، بلفظ: «جعلتني لله عدلًا»، وقال شعيب الأرنؤوط: «حسن لغيره».