موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الدرس السادس - شرح جواب في الإيمان ونواقضه
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح جواب في الإيمان ونواقضه لفضيلة الشيخ عبد الرحمن بن ناصر البراك
  
 
شرح جواب في الإيمان ونواقضه - الدرس السادس

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ، وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُ.

القارئ:

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

الَّلهُمَّ اغْفِرْ لَنَا وَلِشَيْخِنَا وَلِجَمِيعِ المُسْلِمِينَ.

قَالَ المُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

4- أَنْ يَتْرُكَ المُسْلِمُ الصَّلَاةَ دَائِمًا بِحَيْثُ لَا يُصَلِّى إِلَّا مُجَامَلَةً لِلنَّاسِ إِذَا كَانَ بَيْنَهُمْ وَلَوْ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ، فَإِنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ لَا يَصْدُرُ مِمَّنْ يُقِرُّ بِوُجُوبِهَا فِي البَاطِنِ، فَكَفَرَ بِتَرْكِ الإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ، لَا بِمُطْلَقِ تَرْكِ الصَّلَاةِ الَّذِي اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ السُّنَّةِ، وَلِهَذَا يَجِبُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَنْ يُصَلِّي لَكِنَّهُ لَا يُحَافِظُ عَلَيْهَا فَيَتْرُكُهَا أَحْيَانًا وَيُقَصِّرُ فِي وَاجِبَاتِهَا، كَمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ(1)، قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ الله عَلَى الْعِبَادِ، مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِ بِهِنَّ جَاءَ وَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ»(2).

الشيخ:

الحَمْدُ للهِ، هَذَا الأَمْرُ الرَّابِعُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي قُلْتُ فِيهَا إِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ لُزُومًا ظَاهِرًا عَدَمَ الإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَهُوَ تَرْكُ الصَّلَاةِ تَرْكًا مُطْلَقًا عَلَى مَا وَصَفْتُ بِحَيْثُ لَا يُصَلِّي أَبَدًا إِلَّا مُجَامَلَةً، إِذَا كَانَ مَعَ النَّاسِ صَلَّى، إِذَا رَآهُمْ يُصَلُّونَ قَامَ مَعَهُم يُصَلِّي، إِذَا كَانَ أَيْضًا يَسْتَحِي أَوْ يَخَافُ، يَسْتَحِي أَمَامَ النَّاسِ أَوْ يَخَافُ، وَبُنَاءً عَلَى ذَلِكَ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّيَ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَا صَلَّى تَقَرُّبًا إِلَى اللهِ، صَلَّى تَقَرُّبًا إِلَى مَنْ هُوَ بَيْنَهُمْ، فَمَنْ هَذِهِ حَالُهُ لَا يُتَصَوَّرُ أَنَّهُ يُقِرُّ بِوُجُوبِهَا، لَوْ كَانَ يُقِرُّ بِوُجُوبِهَا، يُقِرُّ فِي قَلْبِهِ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ، وَأَنَّهَا لَهَا فَضْلٌ، أَقَلُّ شَيْءٍ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَائِقٌ وَلَا هُنَاكَ مِنَ العَوَائِقِ صَلَّى، لَكِنْ هَذَا لَا، لَا يُصَلِّي، يَنْفِرُ مِنَ الصَّلَاةِ، وَإِذَا كَانَ فِي مَقَامٍ لَا مَجَالَ لِلْمُجَامَلَةِ فِيهِ، يَجْلِسُ وَهُوَ يَنْظُرُ إِلَى النَّاسِ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَهُوَ بَاقٍ فِي شُغْلِهِ وَفِي مَجْلِسِهِ المُهِمُ أنَّهُ يُقِيمُ لِهَذِهِ الصَّلَاةِ وَزْنَهَا، فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَقُولُ عَنْهُ إِنَّهُ كَافِرٌ، وَيُتَوَجَّهُ فِيهِ قَوْلُ مَنْ يَقُولُ إِنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ كَافِرٌ -كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ- كُفْرًا أَكْبَرَ، يَعْنِي بِهَذَا يَكُونُ مُرْتَدًّا، يَدَّعِي الإِسْلَامَ ثُمَّ هَذِهِ حَالُهُ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِي الأَمْرِ الأَوَّلِ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ المُسْتَلْزِمَةِ لِعَدَمِ الإِقْرَارِ، مُنْدَرِجٌ فِي نَاقِضِ الإِعْرَاضِ، فَذَاكَ الإِعْرَاضُ إِعْرَاضٌ كُلِّيٌ أَكْثَرُ وَأَكْثَرُ مِنْ تَارِكِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا خَاصٌّ، إِعْرَاضٌ عَنِ الصَّلَاةِ، وَهَذَا التَّارِكُ لِلصَّلَاةِ عَلَى هَذَا الوَجْهِ يُمْكِنُ أَنْ يَصُومَ، يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ يَفْعَلُ شَيْئًا، يَعْنِي مَعَ النَّاسِ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ فِيهِ ارْتِبَاطٌ بِالنَّاسِ فِي بِرْنَامِجِ يَوْمِهِمْ وَطَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، يُمْكِنُ أَنْ يَصُومَ، وَيُمْكِنُ أَيْضًا أَنْ يَتَظَاهَرَ بِالصِّيَامِ، فَيُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يُظْهِرُ الإِفْطَارَ، لَا يُظْهِرُ أَنَّهُ مُفْطِرٌ، لَكِنْ إِذَا كَانَ لَا يَتْرُكُ الصَّلَاةَ تَرْكًا عَلَى هَذَا الوَجْهِ بَلْ كَمَا يُقَالُ: يُصَلِّي وَيُخَلِّي، يُصَلِّي مَرَّةً وَيَنْشَطُ، وَمَرَّةً يَكْسَلُ ولَا يُصَلِّي، يَنَامُ وَلَا يُصَلِّي، وَمَرَّةً يُصَلِّي وَلَوْ بَعْدَ الوَقْتِ وَتَارَّةً يُفَوِّتُهَا، فَهُوَ فِي تَقَلَّبَ فِي أَمْرِ الصَّلَاةِ، فهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ غَيْرُ مُحَافِظٍ عَلَى الصَّلَاةِ، فَهَذَا يَتَوَجَّهُ أَنْ يُقَالَ بِأَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِهِ الصَّلَاةَ أَحْيَانًا؛ لِمَا ذُكِرَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضْيَ اللهُ عَنْهُ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ كَتَبَهُنَّ اللهُ عَلَى الْعِبَادِ، مَنْ أَتَى بِهِنَّ لَمْ يُضَيِّعْ مِنْ حَقِّهِنَّ شَيْئًا اسْتِخْفَافًا بِحَقِّهِنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ» الحَدِيثَ، وَالشَّاهِدُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ اللهِ –يَومَ القِيامَةِ- بَلْ إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ؛ إِذَاً فَالحَدِيثُ فِيهِ أَنَّ مَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا هُوَ تَحْتَ المَشِيئَةِ، إِنْ شَاءَ اللهُ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ العِلْمِ فِي هَذَا الأَمْرِ -أَعْنِي فِي شَأْنِ تَارِكِ الصَّلَاةِ- يَعْنِي عَلَى مَذَاهِبَ: فَجُمْهُورُ الأَئِمَّةِ عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ لَا يَكْفُرُ، وَيُطْلِقُونَ القَوْلَ -تَارِكُ الصَّلَاةِ- وَلَا يُفَصِّلُونَ هَذا التَفْصِيلَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا مُتَعَمِّدًا فَإِنَّهُ كَافِرٌ، وَالأَصْلُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ كَمَا تَقَدَّمَ حَدِيثُ جَابِرٍ وَحَدِيثُ بُرَيْدَةَ، حَدِيثُ جَابِرٍ: «بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ»(3)، الحَدِيثُ الآخَرُ: «إِنَّ الْعَهْدَ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمُ الصَّلَاةُ، فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ»(4)، يَعْنِي هَلْ يَثْبُتُ هَذَا الحُكْمُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ؟ أَمْ بِالتَّرْكِ المُطْلَقِ الدَّائِمِ؟ هَذَا مَنْشَأُ الِاخْتِلَافِ، فَآلَ الأَمْرُ إِلَى أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ فِيهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبُ: أَحَدُهَا أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ مَعَ الإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا -كُلُّ الكَلَامِ مَعَ الإِقْرَارِ بِوُجُوبِهَا- أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ كُفْرٌ سَوَاءٌ كَانَ تَرْكًا مُطْلَقًا أَوْ تَرْكًا لِلصَّلَاةِ أَحْيَانًا، الثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِكُفْرٍ، الثَّالِثُ: التَّفْصِيلُ بَيْنَ التَّرْكِ المُطْلَقِ وَعَدَمِ المُحَافَظَةِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ، حَدِيثُ عُبَادَةَ ظَاهِرُ الدِّلَالَةِ عَلَى هَذَا المَعْنَى، فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى الفَرْقِ بَيْنَ التَّرْكِ وَعَدَمِ المُحَافَظَةِ.

القارئ:

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ فِي «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى» (22 / 49):

«فَأَمَّا مَنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى تَرْكِهَا -لَا يُصَلِّي قَطُّ- وَيَمُوتُ عَلَى هَذَا الإِصْرَارِ وَالتَّرْكِ؛ فَهَذَا لَا يَكُونُ مُسْلِمًا، لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُصَلُّونَ تَارَّةً، وَيَتْرُكُونَهَا تَارَّةً، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا».

الشيخ:

لَيْسُوا يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا يَعْنِي لَيْسُوا يَتْرُكُونَهَا، لَيْسُوا تَارِكِينَ، يَرَى أَنَّ الوَصْفَ المُطَابِقَ لِحَالِ هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُحَافِظِينَ عَلَى الصَّلَاةِ، هَؤُلَاءِ لَيْسُوا مُحَافِظِينَ عَلَيْهَا، يُرِيدُ أَنَّهُمْ لَيْسُوا تَارِكِينَ لَهَا.

القارئ:

«لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يُصَلُّونَ تَارَّةً، وَيَتْرُكُونَهَا تَارَّةً، فَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا وَهَؤُلَاءِ تَحْتَ الوَعِيدِ، وَهُمُ الَّذِينَ جَاءَ فِيهِمُ الحَدِيثُ الَّذِي فِي السُّنَنِ».

الشيخ:

تَحْتَ الوَعِيدِ يَعْنِي أَنَّهُمْ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ(5) إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ وَإِنْ شَاءَ أَدْخَلَهُمُ الجَنَّةَ، فَهُمْ تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ.

القارئ:

كما جاء فِي السُّنَنِ –حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ....– وَذَكَرَ الحَدِيثَ – «فَالمُحَافِظُ عَلَيْهَا الَّذِي يُصَلِّيهَا فِي مَوَاقِيتِهَا كَمَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى، وَالَّذِي يُؤَخِّرُهَا أَحْيَانًا عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يَتْرُكُ وَاجِبَاتِهَا فَهَذَا تَحْتَ مَشِيئَةِ اللهِ تَعَالَى، وَقَدْ يَكُونُ لِهَذَا نَوَافِلُ يُكَـمِّلُ بِهَا فَرَائِضَهُ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ».

الشيخ:

هَذَا تَكْمِيلٌ لكَلَامِ الشَّيْخِ.

القارئ:

وَقَالَ -رَحِمَهُ اللهُ- فِي الأُمَرَاءِ الَّذِينَ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا كَمَا فِي «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى 22 / 61»: «وَإِنْ قِيلَ –وَهُوَ الصَّحِيحُ– إِنَّهُمْ كَانُوا يُفَوِّتُونَهَا».

الشيخ:

يَعْنِي يُؤَخِّرُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا، مَا هُوَ تَأْخِيرٌ لِآخِرِ الوَقْتِ، لَوْ كَانَ تَأْخِيرًا لِآخِرِ الوَقْتِ كَانَتْ صَلَاتُهُمْ فِي الوَقْتِ، فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ بِالِاتِّفَاقِ، وَهَلْ يُذَمُّ الإِنْسَانُ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي آخِرِ الوَقْتِ؟! الصَّلَاةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، جِبْرِيلُ لَمَّا جَاءَ يُعَلِّمُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَوَاقِيتَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ صَلَّى فِي أَوَّلِ الوَقْتِ: عِنْدَ الظُّهْرِ عِنْدَمَا زَاغَتِ الشَّمْسُ، وَفِي اليَوْمِ الثَّانِي يُصَلِّي عِنْدَمَا صَارَ ظِلُّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ، يَعْنِي فِي آخِرِ الوَقْتِ، ثُمَّ قَالَ: الصَّلَاةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ، لَكِنْ كَوْنُهُمْ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَنَّهُمْ يُخْرِجُونَهَا عَنْ وَقْتِهَا.

القارئ:

فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الأُمَّةَ بِالصَّلَاةِ فِي الوَقْتِ، وَقَالَ: اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً، وَنَهَى عَنْ قِتَالِهِمْ، وَمُؤَخِّرُهَا عَنْ وَقْتِهَا فَاسِقٌ، وَالأَئِمَّةُ لَا يُقَاتِلُونَ بِمُجَرَّدِ الفِسْقِ، وَهَؤُلَاءِ الأَئِمَّةُ فُسَّاقٌ؛ وَقَدْ أَمَرَ بِفِعْلِهَا خَلْفَهُمْ نَافِلَةً» اهـ بِتَصَرُّفٍ.

5 – وَمِنْهَا تَعَمُّدُ إِلْقَاءِ المُصْحَفِ فِي الحُشِّ، أَوِ البَوْلُ عَلَيْهِ، أَوْ كِتَابَتُهُ بِالنَّجَاسَةِ، لَا يَصْدُرُ عَمَّنْ يُقِرُّ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ -عَزَّ وَجَلَّ- قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ.

الشيخ:

هَذَا الأَمْرُ الخَامِسُ مِنَ الأُمُورِ الَّتِي نَقُولُ إِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، الإِنْسَانُ يَأْخُذُ المُصْحَفَ وَهُوَ يَعْرِفُ أَنَّهُ مُصْحَفٌ، القُرْآنُ كَلَامُ اللهِ؛ فَيُلْقِيهِ فِي مَوْضِعِ النَّجَاسَةِ، فِي الحُشِّ، الحُشُّ: يَعْنِي المَحَلَّ الَّذِي تُقْضَى فِيهِ الحَاجَةُ، فِيهَا أَخْبَثُ النَّجَاسَاتِ، يُلْقِيهِ أَوْ يَتَعَمَّدُ أَنَّهُ يَبُولُ عَلَيْهِ أَوْ يَتَعَمَّدُ أَنَّهُ يَكْتُبُهُ بِالبَوْلِ وَالغَائِطِ، هَذَا لَا يَصْدُرُ مِمَّنْ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ، وَلَوْ قَالَ وَلَوِ ادَّعَى أَنَّهُ يَقُولُ: هَذَا القُرْآنُ نَعَمْ أَعْرِفُ أَنَّهُ كَلَامُ اللهِ، أَعْرِفُ أَنَّهُ القُرْآنُ. فَهُوَ فِي الحَقِيقَةِ غَيْرُ مُقِرٍّ، لَوْ كَانَ صَادِقًا مَا فَعَلَ، فَصَنِيعُهُ هَذَا هُوَ الَّذِي يَقُولُ عَنْهُ: إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ. عَدَمُ الإِقْرَارِ بِأَنَّهُ كَلَامُ اللهِ، عَدَمُ الإِقْرَارِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا الَّذِي جَاءَ بِهَذَا القُرْآنِ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ.

القارئ:

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: كَمَا فِي «مَجْمُوعِ الفَتَاوَى 7 / 616» «وَلَا يُتَصَوَّرُ فِي العَادَةِ أَنَّ رَجُلًا يَكُونُ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ، مُقِرًّا بِأَنَّ اللهَ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ، مُلْتَزِمًا بِشَرِيعَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا جَاءَ بِهِ، يَأْمُرُهُ وَلِيُّ الأَمْرِ بِالصَّلَاةِ، فَيَمْتَنِعُ حَتَّى يُقْتَلَ، وَيَكُونُ مَعَ ذَلِكَ مُؤْمِنًا فِي البَاطِنِ، قَدْ لَا يَكُونُ إِلَّا كَافِرًا، وَلَوْ قَالَ: «أَنَا مُقِرٌّ بِوُجُوبِهَا غَيْرَ أَنِّي لَا أَفْعَلُهَا» كَانَ هَذَا القَوْلُ مَعَ هَذِهِ الحَالِ كَذِبًا مِنْهُ، كَمَا لَوْ أَخَذَ يُلْقِي المُصْحَفَ فِي الحُشِّ وَيَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنَّ مَا فِيهِ كَلَامُ اللهِ»، أَوْ جَعَلَ يَقْتُلُ نَبِيًّا مِنَ الأَنْبِيَاءِ وَيَقُولُ: «أَشْهَدُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ»، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنَ الأَفْعَالِ الَّتِي تُنَافِي إِيمَانَ القَلْبِ، فَإِذَا قَالَ: «أَنَا مُؤْمِنٌ بِقَلْبِي» مَعَ هَذِهِ الحَالِ كَانَ كَاذِبًا فِيمَا أَظْهَرَهُ مِنَ القَوْلِ».

الشيخ:

كُلُّ هَذِهِ الأُمُورِ عَلَى هَذَا المِنْوَالِ؛ يَعْنِي: هَذِهِ الأُمُورُ قُلْنَا فِيهَا إِنَّهَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإِقْرَارِ بِالشَّهَادَتَيْنِ، وَإِنْ كَانَ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانِهِ وَيَدَّعِي فَهَذِهِ الأُمُورُ تُكَذِّبُهُ وَتَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا يُظْهِرُهُ مِنَ الإِقْرَارِ هُوَ كَذِبٌ، إِذْ لَوْ كَانَ مُؤْمِنًا بِقَلْبِهِ لَمَا فَعَلَ مَا فَعَلَ مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنَ الإِعْرَاضِ الكُلِّيِّ أَوْ تَبْدِيلِ الشَّرْعِ أَوْ تَرْكِ الصَّلَاةِ تَرْكًا مُطْلَقًا أَوِ الِاسْتِهَانَةِ بِالمُصْحَفِ، كُلُّهَا مَبْنِيَّةٌ عَلَى هَذَا الأَصْلِ، هِيَ نَوَاقِضُ مُوجِبَةٌ لِلْكُفْرِ وَالرِّدَّةِ؛ لِأَنَّهَا تَسْتَلْزِمُ عَدَمَ الإِقْرَارِ اسْتِلْزَامًا بَيِّنًا ظَاهِرًا.

القارئ:

أَمَّا قَوْلُ السَّائِلِ: «وَهَلْ سُوءُ التَّرْبِيَةِ عُذْرٌ فِي كُفْرِ مَنْ سَبَّ اللهَ أَوْ رَسُولَهُ؟)».

فَالجَوَابُ: أَنَّ سَبَّ اللهِ وَرَسُولِهِ مِنْ نَوَاقِضِ الإِسْلَامِ البَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ اسْتِهَانَةٌ بِاللهِ وَرَسُولِهِ، وَذَلِكَ مَا يُنَاقِضُ مَا تَقْتَضِيهِ الشَّهَادَتَانِ مِنْ تَعْظِيمٍ للهِ وَرَسُولِهِ.

وَسُوءُ التَّرْبِيَةِ لَيْسَ عُذْرًا لِلْمُكَلَّفِ فِي تَرْكِ وَاجِبٍ، وَلَا فِعْلِ مُحَرَّمٍ مِنْ سَائِرِ المُحَرَّمَاتِ؛ فَضْلًا عَمَّا هُوَ مِنْ أَنْوَاعِ الكُفْرِ بِاللهِ.

وَلَوْ صَحَّ أَنَّ سُوءَ التَّرْبِيَةِ عُذْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَادُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهُمْ مَعْذُورِينَ فِي تَهَوُّدِهِمْ وَتَنَصُّرِهِمْ:

الشيخ:

هَذَا جَوَابُ السُّؤَالِ الثَّانِي المَذْكُورِ فِي البِدَايَةِ وَفِي المُقَدِّمَةِ، وَكَمَا سَبَقَ أَنَّ مُعْظَمَ الكَلَامِ عَلَى السُّؤَالِ الأَوَّلِ، عَنِ الإِيمَانِ وَمَا يُنَاقِضُهُ، وَاختلَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ غَيْرِهِمْ فِي حَقِيقَةِ الإِيمَانِ، وَأَمَّا هَذَا السُّؤَالُ فَجَوَابُهُ مُنْدَرِجٌ فِيمَا تَقَدَّمَ؛ فَإِنَّ سَبَّ اللهِ وَسَبَّ رَسُولِهِ مُنَاقِضٌ لِحَقِيقَةِ الشَّهَادَتَيْنِ، فَهُوَ مِنَ النَّوَاقِضِ الظَّاهِرَةِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ تَقْتَضِيَانِ تَعْظِيمَ اللهِ وَإِجْلَالَهُ وَتَعْظِيمَ الرَّسُولِ وَتَكْرِيمَهُ، وَالسَّبُّ يَتَضَمَّنُ الِاسْتِخْفَافَ وَالِاحْتِقَارَ، سَبُّ، تَقْبِيحٍ أَوْ لَعْنٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الكَلَامِ الَّذِي يَتَضَمَّنُ الذَّمَ، السَّبَ فِيهِ ذَمٌ، ذَمٌ للهِ، ذَمٌ للرَسُولِ، وَاللهُ تَعَالَى هُوَ الَّذِي لَهُ الحَمْدُ كُلُّهُ، وَالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُحَمَّدٌ عَلَى اسْمِهِ، مُحَمَّدٌ هَذَا اسْمٌ وَصِفَةٌ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، يَعْنِي مَنْ يُسَمَّى مِنَ النَّاسِ مُحَمَّدًا اسْمُهُ عَلَمٌ فَقَطْ، قَدْ يَكُونُ فِي حَقِيقَةِ أَمْرِهِ لَيْسَ لَهُ مِنَ المَحَامِدِ شَيْءٌ، لَكِنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْمُهُ عَلَمٌ وَصِفَةٌ، يَعْنِي: مُحَمَّدٌ عَلَمٌ عَلَى شَخْصِهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ مُتَضَمِّنٌ أَنَّهُ أَكْثَرُ حَمْدًا مِنْ غَيْرِهِ، وَأَكْثَرُ حَامِدِينَ مِنْ غَيْرِهِ، مُحَمَّدٌ اسْمٌ مَفْعُولِ مِنْ حُمِّدَ، فَهُوَ أَكْمَلُ النَّاسِ خُلُقًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فكَانَ حَقِيقًا بِهَذَا الوَصْفِ الدَّالِّ عَلَى كَثْرَةِ مَحَامِدِهِ وَكَثْرَةِ حَامِدِيهِ، مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَهُوَ مُحَمَّدٌ وَهُوَ أَحْمَدُ، أَحْمَدُ مِنْ غَيْرِهِ، إِذَاً فَسَبُّهُ يُضَادُّ مَا تَقْتَضِيهِ شَهَادَةُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ مِنَ الإِقْرَارِ بِكَمَالِ خِصَالِهِ وَكَمَالِ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، إِذَاً فَسَبُّهُ نَاقِضٌ مِنَ نَوَاقِضِ الإسلام؛ لَكِنِ السُّؤَالُ: هَلْ سُوءُ التَّرْبِيَةِ عُذْرٌ، يَعْنِي إِذَا وَاحِدٌ فَرُطَ مِنْ لِسَانِهِ سَبٌّ للهِ أَوْ سَبٌّ لِلرَّسُولِ وَهُوَ يَعْقِلُ؛ مَا هُوَ مَجْنُونٌ وَلَا سَكْرَانٌ، وَهَذَا تَكَلَّمَ بِهِ نَتِيجَةَ عَادَةٍ قَبِيحَةٍ وَسُوءِ تَّرْبِيَةٍ؛ لِأَنَّهُ مَا رُبِّيَ عَلَى تَعْظِيمِ اللهِ وَرَسُولِهِ، لَمْ يُرَبَّ، فَهَلْ سُوءُ التَّرْبِيَةِ عُذْرٌ؟

الجَوَابُ: لَيْسَتْ عُذْرًا، مَا دَامَ المُتَكَلِّمُ بِالسَّبِّ السَّابُّ عَاقِلًا تَكَلَّمَ بِعَقْلٍ فَكَوْنُهُ تَرَبَّى تَرْبِيَةً سَيِّئَةً لَا تَكُونُ عُذْرًا لَهُ بِحَيْثُ يُعْفَى لَا بَلْ يُؤْخَذُ ويُحَاسَبُ أَوْ يُعَاقَبُ؛ وَقُلْتُ فِي التَّوْجِيهِ إِنَّ سُوءَ التَّرْبِيَةِ لَيْسَتْ عُذْرًا، مَا هُوَ مَعْلُومٌ مِنْ شَأْنِ أُولَادِ الكُفَّارِ وَأَوْلَادِ اليَهُودِ، وأوْلَادِ النَصَارَى، كُفْرُ أَوْلَادِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى نَاتِجٌ مِنْ أَيْنَ؟ نَاتِجٌ عنْ تَرْبِيَتِهِمْ عَلَى دِيَانَاتِهِمُ البَاطِلَةِ، عَلَى اليَهُودِيَّةِ، عَلَى النَّصْرَانِيَّةِ، عَلَى المَجُوسِيَّةِ، «فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»(6)، فَسُوءُ التَّرْبِيَةِ لَيْسَتْ عُذْرًا، وَإِلَّا لَكَانَ أَوْلَادُ اليَهُودِ مَعْذُورِينَ لِأَنَّهُمْ كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ(7) هَذِهِ حُجَّةٌ بَاطِلَةٌ، فَعَلِمْنَا بِهَذَا جَوَابَ هَذَا السُّؤَالِ، وَأَنَّ التَّرْبِيَةَ لَيْسَتْ عُذْرًا، فَلَوِ احْتَجُّوا بِهَا وَقَالُوا: وَاللهِ تَعَوَّدْتُ عَلَى التَّكَلُّمِ بِمِثْلِ هَذَا، كَوْنُهُ تَعَوَّدَ وَتَرَبَّى وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُعْلَمْ لَا تَكُونُ لَهُ عُذْرًا، الَّلهُمَّ إِلَّا لَوْ قَالَ: إِنَّهَا جَرَتْ عَلَى لِسَانِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ، مَا قَصَدْتُ، فَيُنْكَرُ عَلَيْهِ هَذَا الِاعْتِيَادُ وَأَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُقَاوِمَ.

القارئ:

وَلَوْ صَحَّ أَنَّ سُوءَ التَّرْبِيَةِ عُذْرٌ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لَكَانَ أَوْلَادُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهُمْ مَعْذُورِينَ فِي تَهَوُّدِهِمْ وَتَنَصُّرِهِمْ، وَهَذَا لَا يَقُولُهُ مُسْلِمٌ، وَمَنْ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ كَافِرٌ يُعَرَّفُ وَيُسْتَتَابُ، فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا وَجَبَ قَتْلُهُ مُرْتَدًّا.

الشيخ:

يَعْنِي مَنْ قَالَ: إِنَّ أَوْلَادَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى مَعْذُورُونَ فِي تَهَوُّدِهِمْ وَتَنَصُّرِهِمْ. فَهُوَ كَافِرٌ، فَهُمْ لَيْسُوا مَعْذُورِينَ، أَوْلَادُ اليَهُودِ لَيْسُوا مَعْذُورِينَ، بَلْ هُمْ يَهُودٌ وَنَصَارَى، أَوْلَادُ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى إِذَا بَلَغُوا التَّكْلِيفَ فَهُمْ يَهُودٌ وَنَصَارَى، وَلَا تَكُونُ تَرْبِيَةُ آبَائِهِمْ حُجَّةً لَهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَا عُذْرًا لَهُمْ، بَلْ هُمْ كُفَّارٌ.

القارئ:

وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلَّا يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، فَهَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟!»(8)، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ(9).

الشيخ:

هَذَا الحَدِيثُ فِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى أَنَّ المَوْلُودَ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَيْنِ أَوْ كَافِرَيْنِ فَإِنَّهُ يُولَدُ عَلَى الفِطْرَةِ، يَعْنِي عَلَى الإِسْلَامِ، عَلَى المِلَّةِ، كَمَا فِي الحَدِيثِ الآخَرِ الصَّحِيحِ، الحَدِيثِ القُدُسِيِّ، قَالَ اللهُ: «وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ، وَإِنَّهُمْ أَتَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ فَاجْتَالَتْهُمْ»(10)، وَمَعْنَى أَنَّهُمْ وُلِدُوا عَلَى الفِطْرَةِ يَعْنِي وُلِدُوا وَعِنْدَهُمُ اسْتِعْدَادٌ لِإِيثَارِ الحَقِّ وَإيثَارِ التَّوْحِيدِ عَلَى ضِدِّهِ، مَعْلُومٌ أَنَّهُمْ لَيْسَ المَقْصُودُ أَنَّهُمْ يُولَدُونَ وَهُمْ يَعْرِفُونَ الإِسْلَامَ وَيَعْرِفُونَ التَّوْحِيدَ، لَا، ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا(11) لَكِنَّهُمْ وُلِدُوا مُسْتَعِدِّينَ لِإِيثَارِ الدِّينِ الحَقِّ عَلَى البَاطِلِ لَوْ خُلِّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ فِطْرَتِهِمْ، لَكِنَّ التَّرْبِيَةَ هِيَ الَّتِي تُؤَثِّرُ وَتُغَيِّرُ الفِطْرَةَ: «فأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ»، يَعْنِي: الأَبَوَانِ أَوْ مَنْ قَامَ مَقَامَهُمَا، هُوَ الَّذِي يُؤَثِّرُ وَيَنْقِلُ هَذَا المَوْلُودَ عَنْ فِطْرَتِهِ بِتَلْقِينِهِ الدِّينَ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ، يَهُودِيَّةً أَوْ نَصْرَانِيَّةً أَوْ مَجُوسِيَّةً أَوْ بُوذِيَّةً، كَمَا تُنْتِجُ البَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعَاءَ، البَهِيمَةُ إِذَا وُلِدَتْ تُولَدُ كَامِلَةً، هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟ الجَدْعَاءُ هِيَ الَّتِي يَعْنِي مَثَلًا قُطِعَتْ أُذُنُهَا، البَهِيمَةُ تُولَدُ وَهِيَ كَامِلَةُ الخَلْقِ، فَمِنْ أيْنَ يَأتِيهَا التَغْييرُ، تَغْييرُ الخِلْقَةِ، قَطْعُ الأذُنِ، أَوْ خَرْقِ الأذُنِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ النَّاسِ، «هَلْ تُحِسُّونَ فِيهَا مِنْ جَدْعَاءَ؟!» لَيْسَ فِيهَا جَدْعَاءُ حَتَّى يُغَيِّرَهَا النَّاسُ، فَالرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَبَّهَ الفِطْرَةَ الَّتِي يُولَدُ عَلَيْهَا الإِنْسَانُ وَأَنَّهَا فِطْرَةٌ سَلِيمَةٌ بِخِلْقَةِ الحَيَوَانِ كَامِلِ الخِلْقَةِ، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: «اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِن أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ»؛ فَالحَدِيثُ فِيهِ الدِّلَالَةُ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الكُفَّارِ يَصِيرُونَ -بِتَرْبِيَةِ آبَائِهِمْ- يَصِيرُونَ يَهُودًا وَنَصَارَى وَمَجُوسًا، وَغَيْرُهُمْ بِالتَّرْبِيَةِ يَثْبُتُ لَهُمْ حُكْمُ آبَائِهِمْ.

القارئ:

ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: «اقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿فِطْرَةَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهِ».

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ(12).

هَذِهِ حُجَّةُ الكُفَّارِ، يَحْتَجُّونَ بِمِلَّةِ آبَائِهِمْ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ آثَارُهُمْ، يَقْتَفُونَ آثَارَهُمْ ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ(13).

القارئ:

هَذَا وَأَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُثَبِّتَ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِهِ، وَأَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْنَا الإِيمَانَ وَيُزَيِّنَهُ فِي قُلُوبِنَا، وَيُكَرِّهَ إِلَيْنَا الكُفْرَ وَالفُسُوقَ وَالعِصْيَانَ، وَيَجْعَلَنَا مِنَ الرَّاشِدِينَ، إِنَّهُ تَعَالَى سَمِيعُ الدُّعَاءِ، وَصَلَّى اللهُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ، وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

الشيخ:

والْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، هَذَا مَا فَسَّرَهُ اللهُ، أَسْأَلُ اللهَ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْنَا وَعَلَيْكُمْ بِالبَصِيرَةِ فِي دِينِنَا وَالثَّبَاتِ عَلَى دِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَأَنْ يَعْصِمَنَا وَإِيَّاكُمْ مِنْ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ، وَالتَّبَصُّرُ فِي الدِّينِ وَالتَّفَقُهُ فِي الدِّينِ فِيمَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنَ الكِتَابِ وَالسُّنَّةِ هُوَ سَبِيلُ الِاسْتِقَامَةِ وَسَبِيلُ السَّلَامَةِ مِنَ المُؤَثِّرَاتِ، إِنَّمَا يَدْخُلُ الشَّرُّ عَلَى الإِنْسَانِ إِمَّا مِنَ اتِّبَاعِ الهَوَى أَوْ بِسَبَبِ الجَهْلِ، وَالتَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ فِي ذَلِكَ عِصْمَةٌ مِنْ مُضِلَّاتِ الفِتَنِ، فَإِنَّ التَّبَصُّرَ فِي الدِّينِ يَتَضَمَّنُ مَعْرِفَةَ الحَقِّ مِنَ البَاطِلِ، وَبِتَدَبُّرِ النُّصُوصِ يَعْلَمُ العَبْدُ أَنَّ عَلَيْهِ إِذَا عَرَفَ الحَقَّ مِنَ البَاطِلِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤْثِرَ الحَقَّ عَلَى البَاطِلِ، قَالَ تَعَالَى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ(14) فَالهُدَى هُوَ العِلْمُ النَّافِعُ، وَدِينُ الحَقِّ هُوَ العَمَلُ الصَّالِحُ، وَقِوَامُ السَّعَادَةِ عَلَى هَذَيْنِ الأَصْلَيْنِ؛ عَلَى العِلْمِ النَّافِعِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، فَالعِلْمُ لَا يَكْفِي وَالعَمَلُ بِلَا عِلْمٍ جَهْلٌ وَضَلَالٌ، فَالنَّاسُ كَمَا فِي سُورَةِ الفَاتِحَةِ ثَلَاثَةُ أصْنَافٍ: مُنْعَمٌ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا وَعَمِلُوا، مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَهُمُ الَّذِينَ عَلِمُوا وَعَانَدُوا وَتَرَكُوا الحَقَّ، وَشَرُّهُمُ اليَهُودُ، وَآخَرُونَ يَعْمَلُونَ بِلَا هِدَايَةٍ وَلَا عِلْمٍ وَلَا بَصِيرَةٍ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الضَّالُّونَ وَشَرُّهُمُ النَّصَارَى، ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(15).

وَنَخْتِمُ القَوْلَ بِهَذَا الدُّعَاءِ: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (06) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ(16) آمِينَ.

وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

السُّؤَالُ: هَلْ تَقْدِيمُ مَحَبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَحَبَّةِ النَّفْسِ وَالوَالِدِ وَالوَلَدِ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الإِيمَانِ أَمْ شَرْطٌ لِكَمَالِهِ؟

الجَوَابُ: لَا، شَرْطٌ لِكَمَالِهِ الوَاجِبِ، لِكَمَالِ الإِيمَانِ، الَّذِي يُذَمُّ -يَعْنِي- المُفَرِّطُ فِيهِ هُوَ كَمَالُ الإِيمَانِ الوَاجِبُ، وَكَمَالُ الإِيمَانِ يَتَحَقَّقُ بِفِعْلِ أُصُولِ الإِيمَانِ، وَبِالتَّحَقُّقِ بِأُصُولِ الإِيمَانِ اعْتِقَادًا وَعَمَلًا وَبِسَائِرِ الوَاجِبَاتِ وَتَرْكِ سَائِرِ المُحَرَّمَاتِ، أَمَّا الأُمُورُ المُسْتَحَبَّةُ فَهِيَ يَتَحَقَّقُ بِهَا الكَمَالُ المُسْتَحَبُّ، وَالكَمَالُ المُسْتَحَبُّ لَيْسَ لَهُ حُدُودٌ، مَا لَهُ حُدُودٌ، مَا لَهُ حَدٌّ، وَلَا أَحَدٌ يَبْلُغُ كَمَالَ الإِيمَانِ المُسْتَحَبَّ؛ الَّلهُمَّ إِلَّا الأَنْبِيَاءُ وَالرُّسُلُ، لَكِنَّ كَلَامَنَا وَكَمَا نَبَّهَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ عَلَى أَنَّ مَا وَرَدَ فِي النُّصُوصِ مِنْ نَفْيِ الإِيمَانِ لَا يَكُونُ إِلَّا فِي تَرْكِ مَا هُوَ وَاجِبٌ، لَا لِتَرْكِ مَا هُوَ مُسْتَحَبٌّ.

السُّؤَالُ: الَّذِي لَا يُصَلِّي أَبَدًا، يَتْرُكُ جَمِيعَ الصَّلَوَاتِ الخَمْسِ، مَعَ الإِقْرَارِ بِوُجُوبِ الصَّلَوَاتِ، هَلْ هَذَا يَكْفُرُ؟

الجَوَابُ: هَذَا هُوَ المَوْجُودُ عِنْدَكَ، هَذَا الَّذِي أَخْبَرْنَا عَنْهُ وَقُلْنَا إِنَّهُ يَسْتَلْزِمُ جَحْدَ الوُجُوبِ.

السُّؤَالُ: امْرَأَةٌ طَلَبَتِ الخُلْعَ مِنْ زَوجِهَا؛ فَهَلْ يَصِحُّ لِلزَّوْجِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا؟

الجَوَابُ: هَذِهِ المَسْأَلَةُ فِقْهِيَّةٌ خِلَافِيَّةٌ، مِنَ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ يَقُولُ: نَعَمْ، لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا، لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ أَكْثَرَ مِمَّا أَعْطَاهَا. وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ، إِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ، أَمَّا أَنْ تَكُونَ هِيَ غَيْرَ مُسْتَقِرَّةٍ أَوْ غَيْرَ مُرْتَاحَةٍ مَعَهُ وَتَطْلُبُ الخُلْعَ كَوْنَهُ يَتَحَكَّمُ فِيهَا وَيُطَالِبُهَا بِمَا تَعْجَزُ عَنْهُ، فَهَذَا فِيهِ شَيْءٌ مِنَ اللُّؤْمِ وَشَيْءٌ مِنْ قِلَّةِ حُسْنِ العِشْرَةِ.

السُّؤَالُ: هل قول علي الطلاق، وعلي الحرام، يعتبر من الحلف بغير الله؟

الجَوَابُ: هُوَ لَيْسَ مِنَ الحَلِفِ بِغَيْرِ اللهِ؛ لِأَنَّ الحَلِفَ بِغَيْرِ اللهِ الَّذِي هُوَ الشِّرْكُ حَلِفٌ بِأَشْيَاءَ عَلَى وَجْهِ التَّعْظِيمِ لَهَا، حَلِفٌ بِحَيَاةِ فُلَانٍ، أَوْ الحَلِفُ بِالسَّيِّدِ فُلَانٍ، أَوِ الحَلِفُ بِالكَعْبَةِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، لَكِنْ هَذَا يُسَمُّونَهُ حَلِفًا مِنْ جِهَةِ المَعْنَى لِأَنَّ مَقْصُودَهُ المَنْعُ أَوِ الحَظْرُ.

السُّؤَالُ: هَلْ قِرَاءَةُ الحُظُوظِ عَلَى حَسَبِ الأَبْرَاجِ مِثْلِ بُرْجِ الثَّوْرِ وَالعَذْرَاءِ ... ؟

الجَوَابُ: هَذَا تَنْجِيمٌ مُنْكَرٌ، لَا يَجُوزُ النَّظَرُ فِي النُّجُومِ وَلَا سُؤَالُ مَنْ يَنْظُرُ فِي النُّجُومِ عَنْ حَظِّ هَذَا المَوْلُودِ أَوْ حَظِّ هَذَا الإِنْسَانِ أَوْ حَظِّ هَذَا المُتَزَوِّجِ، هَذَا عَيْنُ التَّنْجِيمِ.

السُّؤَالُ: هَلِ القَوْلُ ِفُلَانٍ: حَظُّهُ طَيِّبٌ، وَفُلَانٍ: حَظُّهُ سَيِّءٌ، هَلْ هَذَا القَوْلُ صَحِيحٌ؟

الجَوَابُ: إِذَا لَمْ يَقْصِدِ الِاعْتِرَاضَ عَلَى قَدَرِ اللهِ، فَصحيح بَعْضُ النَّاسِ حَظُّهُمْ طَيِّبٌ، لَكِنَّ الحَظَّ خَطَأٌ مَا هُوَ مَحْظُوظٌ، يَعْنِي: الحَظُّ سَيِّءٌ، هَذَا هُوَ الجَاري، لَكِنَّ الشَأْن فِي هَذَا الحَظُّ، يَعْنِي: النَّاسُ تَخْتَلِفُ فِي تَقْدِيرِ الحَظِّ، مَا هُوَ الحَظُّ الطَّيِّبُ؟ مِنَ النَّاسِ من هُم نَظْرَتُهُم مَادِّيَّةٌ، فَعِنْدَهُمْ مَنْ يُؤْتَى حُظُوظًا مِنَ الدُّنْيَا يَقُولُونَ: حَظُّهُ طَيِّبٌ. يَقْرَؤُونَ فِي قِصَّةِ قَارُونَ: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْل مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(17) كَانَ عِنْدَهُمُ الحَظُّ الأُبَّهَةَ وَالمَالَ، هَذَا هُوَ الحَظُّ، ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللهِ خَيْرٌ(18) فَالحَظُّ الطَّيِّبُ هُوَ التَّوْفِيقُ لِلْإِيمَانِ وَالعَمَلِ الصَّالِحِ، هَذَا هُوَ المَحْظُوظُ حَقًّا.

السُّؤَالُ: هَلْ سَبُّ الدِّينِ مُخْرِجٌ مِنَ المِلَّةِ كَقَوْلِ العَاصِي؟

الجَوَابُ: سَبُّ دِينِ الإِسْلَامِ، الَّذِي يَقُولُ: هَذَا الدِّينُ لَا خَيْرَ فِيهِ. هَذَا الدِّينُ شَرٌّ. هَذَا كُفْرٌ، لَكِنْ بَعْضُ النَّاسِ يسب شخص يَقُولُ: يَلْعَنُ دِينَكَ.  مَا هُوَ يرِيد، هُوَ نَفْسُهُ مُسْلِمٌ، مَا يُرِيدُ لَعْنَ أَصْلِ الإِسْلَامِ، يَعْنِي يَقُولُ: دِينُكَ وَطَرِيقَتُكَ وَمَذْهَبُكَ. وَيَسُبُّهُ هُوَ، هَذَا مع أنه مُنْكَرٌ لَكِنْ لَا يَصِلُ إِلَى أَنْ نَحْمِلَهُ أَنَّهُ يَسُبُّ دِينَ الإِسْلَامِ، هُوَ نَفْسُهُ مُسْلِمٌ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَسْتَ بِمُسْلِمٍ. لَغَضِبَ، فَلَا بُدَّ مِنَ الفَرْقِ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ.

السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ مَنْ أَفْطَرَ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ، وَهُوَ عَالِمٌ بِالحُكْمِ وَهُوَ مُكَلَّفٌ؟ وَمَاذَا يَجِبُ عَلَيْهِ؟

الجَوَابُ: يَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ وَالقَضَاءُ، وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ يُوجِبُ عَلَيْهِ الكَفَّارَةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الكَفَّارَةُ، لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يَتُوبَ تَوْبَةً نَصُوحًا وَيَقْضِي، هَذَا مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِ.

السُّؤَالُ: هَل يَجْمَعُ وَيَقْصُرُ المُسَافِرُ فِي الصَّلَاةِ إِذَا وَصَلَ المَدِينَةَ المُرَادَةَ؟

الجَوَابُ: إِذَا وَصَلَ مَدِينَةً مَا عَلَى أَنَّهَا مَحَطَّةٌ فِي سَفَرِهِ، يَقْصُرُ وَيَجْمَعُ إِذَا احْتَاجَ إِلَى الجَمْعِ، أَمَّا إِذَا وَصَلَ إِلَى بَلَدِهِ وَمَقَرِّ إِقَامَتِهِ، فَإِنَّهُ يُتِمُّ الصَّلَاةَ، حَتَّى الصَّلَاةَ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ يُتِمُّهَا، مَا دَامَ أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي السَّفَرِ ثُمَّ وَصَلَ بلده فَإِنَّهُ يُصَلِّيهَا تَمَامًا.

السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ الصَّلَاةِ فِي الكَنِيسَةِ؟ وَمَا حُكْمُ الصَّلَاةِ أَوِ الذَّبْحِ فِي مَكَانٍ كَانَ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ؟

الجَوَابُ: الصَّلَاةُ فِي الكَنِيسَةِ هُنَاكَ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ العِلْمِ، مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: لَا تَجُوزُ؛ لِأَنَّهَا مَوْضِعُ شِرْكٍ وَعِبَادَةٍ لِغَيْرِ اللهِ. وَمِنْهُم مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا تَصِحُّ؛ لِعُمُومِ الأَدِلَّةِ: «جُعِلَتْ لِيَ الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا»(19) وَمِنْهُمْ مَنْ يُفَصِّلُ بَيْنَ مَا إِذَا كَانَ فِيهَا الصُّوَرُ الَّتِي يَعْبُدُهَا النَّصَارَى كَصُورَةِ المَسِيحِ أَوْ مَرْيَمَ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَأَمَّا الذَّبْحُ فِي الأَمَاكِنِ الَّتِي هِيَ مَوَاضِعُ لِعِبَادَةِ المُشْرِكِينَ -كَمَكَانٍ لِعِيدٍ المُشْرِكِينَ وَمَكَانٍ لِعِبَادَةِ المُشْرِكِينَ- فَقَدْ جَاءَ الحَدِيثُ، حَدِيثُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ المَذْكُورُ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ «بَابُ: لَا يُذْبَحُ للهِ فِي مَكَانٍ يُذْبَحُ فِيهِ لِغَيْرِ اللهِ».

السُّؤَالُ: يَقُولُ: هَلْ مِنْ كَلِمَةٍ لِلْآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ الَّذِينَ يَتْرُكُونَ أَبْنَاءَهُمْ أَمَامَ القَنَوَاتِ الفَضَائِيَّةِ السَّيِّئَةِ؟

الجَوَابُ: عَلَى كُلِّ حَالٍ الوَاجِبُ بِالآبَاءِ وَالأُمَّهَاتِ العِنَايَةُ بِأَوْلَادِهِمْ، فَإِنَّهُمْ أَمَانَةٌ وَهُمْ رُعَاةٌ، وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَاللهُ تَعَالَى يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا(20)، وَإِنَّ التَّفْرِيطَ فِي تَرْبِيَةِ الأَوْلَادِ تَرْبِيَةً صَالِحَةً وَتَرْكَ الأَمْرِ لَهُمْ يَتَصَرَّفُونَ بِجَهْلٍ وَيُخَالِطُونَ قُرَنَاءَ السُّوءِ إِنَّهُ ضَرَرٌ عَلَى الأَوْلَادِ أَنْفُسِهِمْ، وَهُوَ يَعُودُ أَيْضًا بِالتَّبَعَةِ وَالضَّرَرِ عَلَى الآبَاءِ، عَلَى مَنْ أَعْطَاهُ اللهُ الأَوْلَادَ أَنْ يَشْكُرَ هَذِهِ النِّعْمَةَ، وَمِنْ شُكْرِهَا أَنْ يَعْمَلَ عَلَى صَلَاحِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ فَيَحْمِيهِمْ مِنْ قُرَنَاءِ السُّوءِ وَمِنَ التَّصَرُّفَاتِ السَّيِّئَةِ، وَيَحْمِيهِمْ أَيْضًا مِنْ مُتَابَعَةِ البَرَامِجِ وَالمُسَلْسَلَاتِ، أَوْ مُتَابَعَةِ القَنَوَاتِ، أَوْ فِي الإِنْتَرْنِتِّ، يَحْمِيهِمْ مِنْ شَرِّهَا وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ مُشَاهَدَةِ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ وَالبَاطِلِ وَمَا يُقَرِّبُ إِلَيْهِ.

السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ قَوْلِ: يَا وَجْهَ اللهِ؟

الجَوَابُ: غَلَطٌ، قُلْ: يَا اللهُ. يَقُولُ أَهْلُ العِلْمِ: لَا يَجُوزُ دُعَاءُ الصِّفَةِ. فَلَا تَقُلْ: يَا رَحْمَةَ اللهِ. وَلَا: يَا وَجْهَ اللهِ. قُلْ: يَا اللهُ. لَا يَجُوزُ دُعَاءُ الصِّفَةِ؛ لِأَنَّ دُعَاءَ الصِّفَةِ يُشْعِرُ أَنَّهَا أَمْرٌ مُسْتَقِلٌّ أَوْ شَيْءٌ مُسْتَقِلٌّ يُخَاطَبُ وَيَسْمَعُ وَكَذَا.

السُّؤَالُ: امْرَأَةٌ بَقِيَ عَلَيْهَا صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ رَمَضَانَ المَاضِي، وَهِيَ الآنَ حَامِلٌ وَلَا تَسْتَطِيعُ الصِّيَامَ خَوْفًا عَلَى حَمْلِهَا فَمَاذَا عَلَيْهَا؟

الجَوَابُ: إِنْ كَانَتْ فَرَّطَتْ قَبْلَ الحَمْلِ فَعَلَيْهَا أَنْ تَقْضِيَ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي المُسْتَقْبَلِ وَتُطْعِمَ عَنْ كُلِّ يَوْمٍ مِسْكِينًا، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُفَرِّطَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهَا إِلَّا القَضَاءُ.

هَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.


(1) هو: الصحابي الجليل عبادة بن الصامت بن قيس بن أصرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن الخزرج، أبو الوليد، الأنصاري، الخزرجي، شهد بدرًا، وكان أحد النقباء بالعقبة، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين أبي مرثد الغنوي. شهد المشاهد كلها بعد بدر. قال ابن يونس: شهد فتح مصر، وكان أمير ربع المدد. مات سنة أربع وثلاثين، وقيل: إنه عاش إلى سنة خمس وأربعين. انظر: الاستيعاب (ص469 ترجمة 1674)، والإصابة (3/624 ترجمة 4500).
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب فيمن لم يوتر (1420)، والنسائي في كتاب الصلاة- باب المحافظة على الصلوات الخمس (461)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيهما- باب ما جاء في فرض الصلوات والمحافظة عليها (1401)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (3243).
(3) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان, باب بيان إطلاق اسم الكفر على من ترك الصلاة (82)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(4) أخرجه الترمذي في كتاب الإيمان- باب ما جاء في ترك الصلاة (2621)، والنسائي في كتاب الصلاة- باب الحكم في تارك الصلاة (463)، وابن ماجه (1079) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها- باب ما جاء فيمن ترك الصلاة، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع (4143).
(5) سورة النساء: 48.
(6) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى: «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(7) سورة الأعراف: 173.
(8) أخرجه البخاري في كتاب الجنائز- باب ما قيل في أولاد المشركين (1385)، ومسلم في كتاب القدر- باب معنى: «كل مولود يولد على الفطرة» وحكم موت أطفال الكفار وأطفال المسلمين (2658).
(9) سورة الرُّوم: 30.
(10) أخرجه مسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها- باب الصفات التي يعرف بها في الدنيا أهل الجنة (2865).
(11) سورة النحل: 78.
(12) سورة الزُّخْرُف: 22.
(13) سورة الزخرف: 22.
(14) سورة الفتح: 28.
(15) سورة الفاتحة: 7.
(16) سورة الفاتحة: 6، 7.
(17) سورة القصص: 79.
(18) سورة القصص: 80.
(19) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا» (438)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة (521)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(20) سورة التحريم: 6.