موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ خُرُوجِ النَّارِ - شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»
 بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ
 بَابٌ: لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
 بَابُ: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
 بَابٌ: تَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ
 بَابٌ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
 بَابٌ: كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ
 أسئلة
 بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الفِتَنِ وَالظُّلْمِ
 بَابٌ: إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ
 بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ»
 بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 أسئلة
 تابع: بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 بَابٌ: إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ المُسْلِمِيْنَ»
 بَابٌ: إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
 بَابٌ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ
 بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 أسئلة
 تابع: بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 بَابُ خُرُوجِ النَّارِ
 الدَّجَّال
 بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ
 بَابٌ: لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
 بَابُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
 أسئلة
شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري - بَابُ خُرُوجِ النَّارِ

بَابُ خُرُوجِ النَّارِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَشْرَفِ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ:

قَالَ الإِمَامُ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي «صَحِيحهِ»:

بَابُ خُرُوجِ النَّارِ

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ»(4).

«حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(5) أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى»(6).

«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا»(7).

«قَالَ عُقْبَةُ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ»(8).

بَابٌ

«حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ، سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(11) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا؛ فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا. قَالَ مُسَدَّدٌحَارِثَةُ أَخُو عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ. قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ»(12).

«حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ -وَهُوَ الْقَتْلُ-، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ؛ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ! وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ. وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ. وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ؛ يَعْنِي: آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا»(16).


هَذِهِ النَّارُ خَرَجَتْ عَام سِتِّ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِيْنَ 654هـ حَتَّى تَحْفَظَهَا الأَرْقَامُ مُرَتَّبَةٌ: أَرْبَعَةُ، خَمْسَةٌ، سِتَّةٌ، قَبْلَ سُقُوطِ الدَّوْلَةِ العَبَّاسِيَّةِ بِسَنَتَيْنِ؛ لِأَنَّهَا سَقَطَت عَامَ سِتٍّ وَخَمْسِيْنَ وَسِتِّ مِائَةٍ 656 هـ، هَذِهِ النَّارُ تَكَلَّمَ عَنْهَا مَنْ عَاصَرَهَا، مِمَّنْ عَاصَرَهَا: أَبُو شَامَةَ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ، وَذَكَرَ جُمْلَةً مِنَ الكُتُبِ الَّتِي وَرَدَتْهُ مِنَ المَدِينَةِ تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ النَّارِ وَوَصْفِهَا وَمِصْدَاقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ خُرُوجِ هَذِهِ النَّارِ، وَرَدَتْ عَلَيْهِمْ كُتُبٌ مِنَ المَدِينَةِ وَنُقِلَ فِيهَا أَشْعَارٌ.

هَذِهِ النَّارِ كَانَتْ هَائِلَةً شَدِيدَةً، وَلَـمَّا وَقَعَتْ خَشِيَ أَهْلُ المَدِينَةِ خَشْيَةً عَظِيمَةً وَأَصَابَهُمُ الرُّعْبُ الهَائِلُ مِمَّا رَأَوْا، وَذَهَبَ قَاضِي المَدِينَةِ -وَلَهُ كِتَابَةٌ فِي هَذَا أَيْضًا- إِلَى وَالِيهَا فَوَعَظَهُ وَأَخْبَرَهُ أَنَّ العَذَابَ قَدْ يَنْزِلُ، فَرَدَّ المَظَالِمَ، وَأَظْهَرُوا جَمِيعًا التَّوْبَةَ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِي المَدِينَةِ مَنْ يَسْتَعْمِلُ شَيْئًا مِنَ المَعَازِفِ؛ كَالدُّفُوفِ وَالرَّبَابِ وَنَحْوِهَا، وَأُصِيبَ النَّاسُ بِهَلَعٍ عَظِيمٍ مِمَّا رَأَوْا مِنْ هَذِهِ النَّارِ.

كَانَ بِدْءُ ظُهُورِ هَذِهِ النَّارِ يَوْمَ الأَرْبِعَاءِ فِي الثَّالِثِ مِنْ جُمَادَى الآخِرَةِ مِنْ تِلْكَ السَّنَةِ، سَمِعُوا صَوْتَ دَوِيٍّ عَظِيمٍ، ثُمَّ وَقَعَتْ زَلْزَلَةٌ رَجَفَتْ مِنْهَا الأَرْضُ سَاعَةً بَعْدَ سَاعَةٍ إِلَى يَوْمِ الجُمُعَةِ الخَامِسِ مِنْ ذَلِكَ الشَّهْرِ، ثُمَّ ظَهَرتْ نَارٌ عَظِيمَةٌ هِيَ المَذْكُورَةُ فِي الحَدِيثِ، سَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِهَذِهِ النَّارِ فَسَارَتْ إِلَى أَنْ وَصَلَتِ الحِرَاءَ، فَوَقَفَتْ بَعْدَمَا أَشْفَقُوا مِنْ وُصُولِهَا إِلَيْهِمْ، وَكَانَتْ تَلْتَهِبُ وَهِيَ كَالجَبَلِ العَظِيمِ، يَخْرُجُ مِنْهَا حَصًى يَصْعَدُ فِي السَّمَاءِ وَيَهْوِي فِيهَا، وَالمَوْضِعُ الَّذِي خَرَجَتْ مِنْهُ -كَمَا نُبِّهَ عَلَى هَذَا- لَمْ يَكُنْ فِيهِ شَجَرٌ وَلَا نَبَاتٌ أَصْلًا، بَلْ أَرْضٌ ذَاتُ حَجَرٍ.

ذَكَر أَبُو شَامَةَ أَنَّهَا دَامَتْ كَذَلِكَ أَشْهُرًا، وَأَنَّ أَهْلَ المَدِينَةِ تَنَصَّلُوا مِنَ الذُّنُوبِ، وَتَابُوا، وَظَهَرَ عَلَيْهِمُ الخَوْفُ وَظَنُّوا وُقُوعَ الهَلَكَةِ بِهِمْ.

يَقُولُ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِهِ لِمُسْلِمٍ: قَدْ تَوَاتَرَ العِلْمُ بِخُرُوجِهَا عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ وَسَائِرِ البُلْدَانِ؛ لِأَنَّ الحَدِيثَ الَّذِي سَيَأْتِينَا لَهُ ارْتِبَاطٌ بِالشَّامِ؛ حَيْثُ يُوجَدُ بِهَا البَلَدُ الَّذِي ذُكِرَ فِي الحَدِيثِ: «تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى»(1).

هَذَا الحَدِيثُ وَأَمْثَالُهُ -الَّذِي سَيَأْتِينَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى- مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ فِي النُّصُوصِ، وَالثَّابِتُ مِنْهَا شَيْءٌ كَثِيرٌ، يُخْبِرُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَدَثٍ مِنَ الأَحْدَاثِ تَارَّةً يَكُونُ حَدَثًا مُحَدَّدًا كَهَذِهِ النَّارِ، أَخْبَرَ أَنَّهَا خَرَجَتْ فِي المَدِينَةِ تَحْدِيدًا، وَأَنَّ إِضَاءَتَهَا تَصِلُ إِلَى الشَّامِ، وَتَارَّةً يَتَكَلَّمُ عَنْ أَمْرٍ عَامٍّ يَتَعَلَّقُ بالمُسْلِمِينَ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا»(2)، وَكَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ تَبِعْتُمُوهُمْ». قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ! اليَهُودُ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ القَوْمُ إِلَّا أُولَئِكَ؟»(3).

فَهَذِهِ الدَّلَائِلُ عَظِيمٌ شَأْنُهَا، وَهِيَ مِنْ دَلَائِلِ صِدْقِ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ أَيْضًا مِنْ دَلَائِلِ صِحَّةِ السُّنَّةِ؛ فَإِنَّ الرَّوَافِضَ حِينَ يَرْوُونَ أَحَاجِيَهُمْ وَخُرَافَاتِهِمْ لَا تَجِدُ لَهَا وَاقِعًا، وَهَذِهِ النُّصُوصُ العَظِيمَةُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُنَبَأُ النَّاسُ فِيهَا بِأَمْرٍ فَيَقَعُ كَمَا أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَأَنَّهُ بَيْنَ أَظْهُرِنَا؛ لِأَنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ وَحْيٌ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِهَذِهِ الغُيُوبِ، فَهَذَا مِمَّا اهْتَمَّ بِهِ أَهْلُ العِلْمِ، وَصَنَّفُوا فِيهِ الكُتُبَ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَهِيَ مِمَّا يُثَبِّتُ نُبُوَّةَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهِيَ -بِحَمْدِ اللهِ- فِي نَفْسِ المُؤْمِنِ ثَابِتَةٌ لَكِنْ إِذَا جَاءَتْ هَذِهِ الآيَاتُ زَادَتَهُ إِيمَانًا إِلَى إِيمَانِهِ.

«بَابُ خُرُوجِ النَّارِ»

وَقَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ»(4).

الأَشْرَاط المُرَادُ بِهَا: العَلَامَاتُ، وَهَذِهِ النَّارُ المَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّتِي فِي عَلَامَاتِ السَّاعَةِ نَارٌ أُخْرَى غَيْرُ النَّارِ الَّتِي سَيَأْتِي الحَدِيثُ فِيهَا الآنَ إِنْ شَاءَ اللهُ؛ لِأَنَّ النَّارَ المَذْكُورَةَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، وَالعِلْمُ عِنْدَ اللهِ تَعَالَى، وَالحَدِيثُ هَذَا حَدِيثُ: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ» تَكَلَّمَ عَنْهُ ابْنُ حَجَرٍ فِي كِتَابِ الرِّقَاقِ مِنَ «الصَّحِيحِ» فِي بَابِ الحَشْرِ، وَالبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَوْرَدَهُ لِسَبَبٍ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ الشُّرَّاحُ فِيمَا أَعْلَمُ، مَعَ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذِهِ النَّارَ غَيْرُ النَّارِ الَّتِي سَتَرِدُ فِي الحَدِيثِ.

فَهَلْ أَرَادَ عُمُومَ النَّارِ لِيُشِيرَ إِلَى النَّارِ الَّتِي تَحْشُرُ النَّاسَ هَذِهِ فِي آخَرِ الزَّمَانِ، وَالنَّارِ الَّتِي وَقَعَت مُنْذُ عَهْدٍ بَعِيدٍ الآنَ فِي عَامِ سِتِّ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِيْنَ 654 هـ؟ أَوْ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا بِمَثَابَةِ المُقَدِّمَةِ؟ مَا رَأَيْتَهُمْ تَعَرَّضُوا لِهَذَا. لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ نَارٌ وَهَذِهِ نَارٌ، فَالنَّارُ الَّتِي وَرَدَ ذِكْرُهَا فِي المَدِينَةِ سَيَأْتِي تَحْدِيدُ الكَلَامِ عَلَيْهَا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى فِي الحَدِيثِ، وَتَقَدَّمَ الكَلَامُ عَنْهَا وَأَنَّهَا وَقَعَتْ وَمَضَتْ. أَمَّا هَذِهِ النَّارُ فَلَمْ تَأْتِ بَعْدُ، فَإِنَّهَا أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ، تَطْرُدُهُمْ طَرْدًا إِلَى المَحْشَرِ.

«حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ: أَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(5) أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ تُضِيءُ أَعْنَاقَ الْإِبِلِ بِبُصْرَى»(6).

هَذَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الْحِجَازِ» وَهِيَ نَارُ المَدِينَة الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا «تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِلِ بِبُصْرَى»، بُصْرَى هَذِهِ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقٍ فِي الشَّامِ.

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: هِيَ حَوْرَانُ. وَمَعْنَى الحَدِيثِ: أَنَّ ضَوْءَ هَذِهِ النَّارِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ المَدِينَةِ يَبْلُغُ بَلْدَةَ بُصْرَى فِي الشَّامِ؛ حَتَّى إِنَّهُ لِشِدَّةِ ضَوْئِهَا يَظْهَرُ الضَّوْءُ عَلَى أَعْنَاقِ الإِبِل فِي هَذِهِ البَلْدَةِ البَعِيدَةِ جِدًّا عَنِ المَدِينَةِ، وَقَدْ رُؤِيَ هَذَا فِي العَامِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ، عَامَ سِتِّ مِائَةٍ وَأَرْبَعَةٍ وَخَمْسِيْنَ 654 هـ، فَكَانَ النَّاسُ فِي بُصْرَى يَرَوْنَ الضَّوْءَ مِنْ هَذِهِ النَّارِ.

وَذَكَرَ ابْنُ كَثِيرٍ وَغَيْرُهُ فِي التَّارِيخِ أَنَّ بَعْضَهُمْ كَتَبَ بَعْضَ الكُتُبِ عَلَى ضَوْئِهَا، وَذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ العِظَامِ الَّتِي تَحَدَّثَ عَنْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهَا لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقَعَ «حَتَّى تَخْرُجَ نَارٌ مِنْ أَرْضِ الحِجَازِ»، وَالمُرَادُ بِهَا تَحْدِيدًا فِي المَدِينَةِ، «تُضِيءُ أَعْنَاقَ الإِبِل بِبُصْرَى» فِي الشَّامِ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا ذَاتُ إِضَاءَةٍ هَائِلَةٍ؛ إِذْ يَكُونُ مَوْضِعُ النَّارِ فِي المَدِينَةِ، وَيَكُونُ أَثَرُ الضَّوءِ وَاصِلًا إِلَى بُصْرَى مِنْ أَرْضِ الشَّامِ.

«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ سَعِيدٍ الكِنْدِيُّ، حَدَّثَنَا عُقْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، عَنْ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ جَدِّهِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ، فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا»(7).

«قَالَ عُقْبَةُ: وَحَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الْأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ؛ إِلَّا أَنَّهُ قَالَ: يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ»(8).

هَذَا مِنَ الأُمُورِ الَّتِي تَقَعُ أَيْضًا قَبْلَ قِيَامِ السَّاعَةِ، وَأَخْبَرَ بِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ذَلِكَ الأَمْرُ الَّذِي وَقَعَ فِي المَدِينَةِ وَبَلَغَ حَدَّ دِمَشْقَ فِي الشَّامِ -فَرَّجَ اللهُ عَنْ أَهْلِهَا، وَرَحِمَ ضَعْفَهُمُ، وَنَفَّسَ عَنْ كَرْبِهِمْ، وَوَلَّى فِيهِمْ خِيَارَهُمْ، وَكَفَاهُمْ شَرَّ شِرَارِهِمْ-، هَذَا الأَمْرُ الَّذِي فِي المَدِينَةِ وَصَلَ إِلَى دِمَشْقَ.

ذَكَرَ البُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى بَعْدَهَا أَمْرًا هَائِلًا يَتَعَلَّقُ بِالعِرَاقِ، فِيهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يُوشِكُ الْفُرَاتُ أَنْ يَحْسِرَ عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ»، الفُرَاتُ هُوَ النَّهْرُ المَعْرُوفُ، «يُوشِكُ أَنْ يَحْسِرَ»؛ أَيْ: يَنْكَشِفُ، «عَنْ كَنْزٍ مِنْ ذَهَبٍ» هَذَا الكَنْزُ مِنْ ذَهَبٍ، وَالذَّهَبُ نَفِيسٌ، وَلَـمَّا كَانَ هَذَا الكَنْزُ مِنَ الكُنُوزِ الهَائِلَةِ الكَبِيرَةِ لِقَوْلِهِ فِي الحَدِيثِ فِي الرِّوَايَة الأُخْرَى: «يَحْسِرُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ» فَلَيْسَ مُجَرَّدَ كَنْزٍ قَلِيلٍ، بَلْ هُوَ كَنْزٌ هَائِلٌ عِبَارَةٌ عَنْ جَبَلِ ذَهَبٍ كَامِلٍ، فِي هَذَا الحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «فَمَنْ حَضَرَهُ فَلَا يَأْخُذْ مِنْهُ شَيْئًا».

مِنَ الشُّرَّاحِ مَنْ قَالَ: إِنَّ السَّبَبَ فِي عَدَمِ أَخْذِ شَيْءٍ مِنْهُ أَنَّ هَذَا مَالٌ لِأُنَاسٍ، وَالأَصْلُ: أَنَّ الإِنْسَانَ لَا يَأْخُذُ مَالَ غَيْرِهِ؛ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ -هَذَا التَّوْجِيهُ-. وَالظَّاهِرُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ السَّبَبَ فِي النَّهْيِ عَنْهُ: مَا يَقَعُ مِنَ القِتَالِ العَظِيمِ الهَائِلِ عَلَى هَذَا الكَنْزِ، بِدَلِيلِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي «صَحِيحهِ»: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَحْسِرَ الفُرَاتُ عَنْ جَبَلٍ مِنْ ذَهَبٍ يَقْتَتِلُ النَّاسُ عَلَيْهِ، فَيُقْتَلُ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَيَقُولُ كُلُّ رَجُلٍ مِنْهُمْ: لَعَلِّي أَكُونُ أَنَا الَّذِي أَنْجُو»(9)، وَهَذَا يَعْنِي: أَنَّ الهَلْكَى كُثُرٌ كَثْرَةً شَدِيدَةً حَوْلَ هَذَا الكَنْزِ؛ بِحَيْثُ إِنَّ النَّاجِيَ مِنَ المِائَةِ وَاحِدٌ، وَالهَالِكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْ، يَقُولُ: «لَعَلِّي أَنْ أَكُونَ أَنَا الَّذِي أَنْجُو».

هَذَا الحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أُبَيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَلِأُبَيٍّ كَلَامٌ فِي مُقَدِّمَتِهِ لَهُ أَهَمِّيَةٌ تُؤَكِّدُ المَعْنَى السَّابِقَ، يَقُولُ أُبَيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «لَا يَزَالُ النَّاسُ مُخْتَلِفَةً أَعْنَاقُهُمْ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا»، ثُمَّ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنِ الأَخْذِ مِنْ هَذَا الكَنْزِ بِسَبَبِ التَّنَافُسِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ، وَبِسَبَبِ أَنَّ هَذَا الِاقْتِتَالَ مِنَ الفِتْنَةِ، وَلِهَذَا أَوْرَدَ البُخَارِيُّ هَذَا الحَدِيثَ أَوْرَدَهُ فِي كِتَابِ الفِتَنِ. ثُمَّ رَوَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -أُبَيٌّ- فِي مُسْلِمٍ رَوَى قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الكَنْزِ، وَفِيهِ: «فَإِذَا سَمِعَ بِهِ النَّاسُ سَارُوا إِلَيْهِ» وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنَّ النَّاسَ يَأْتُونَ إِلَيْهِ مِنْ خَارِجِ العِرَاقِ، «فَيَقُولُ مَنْ عِنْدَهُ» يَعْنِي: مَنْ عِنْدَ الكَنْزِ «لَئِنْ تَرَكْنَا النَّاسَ يَأْخُذُونَ مِنْهُ لَيَذْهَبَنَّ كُلُّهُ»، عِنْدَ ذَلِكَ يَقْتَتِلُونَ، وَهَذَا مِنْ عَظَائِمِ مَا يَقَعُ فِي العِرَاقِ أَيْضًا.

وَهُوَ كَمَا قُلْنَا: يُؤَكِّدُ وَاللهُ أَعْلَمُ مَا ذُكِرَ فِي النُّصُوصِ مِنْ أَنَّ المُرَادَ بِالنَّجْدِ المَذْكُورَةِ فِي المَدِينَةِ: العِرَاقُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذِهِ العَظَائِمِ الَّتِي تَقَعُ وَهَذَا القَتْلُ الشَّدِيدُ، وَكَذَا مَا حَصَلَ فِي الحَدَثِ الَّذِي وَقَعَ بَعْدَ النَّارِ المَذْكُورَةِ بِسَنَتَيْنِ عَامَ سِتِّ مِائَةٍ وَسِتَّةٍ وَخَمْسِيْنَ 656هـ مِنْ مَجِيءِ التَّتَرِ، وَهُمْ أَيْضًا فِي المَشْرِقِ حَتَّى دَهَمُوا البِلَادَ الَّتِي أَمَامَهُمْ، وَأَهْلَكُوا النَّاسَ إِهْلَاكًا ذَرِيعًا إِلَى أَنْ وَصَلُوا إِلَى العِرَاقِ وَأَبَادُوا أَهْلَهَا إِبَادَةً هَائِلَةً، وَكُلُّ هَذَا مِنَ المَشْرِقِ. وَأَخَذَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا مِنَ الحَدِيثِ الأَوَّلِ: «أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ نَارٌ تَحْشُرُ النَّاسَ مِنَ الْمَشْرِقِ إِلَى الْمَغْرِبِ»(10)، قَالَ أَيْضًا: لِكَثْرَةِ الفِتَنِ وَالبَلَايَا الوَاقِعَةِ فِي المَشْرِقِ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى سُوءِ الحِرْصِ عَلَى أَمْرِ الدُّنْيَا، وَلَا سِيَّمَا مَعَ التَّنَافُسِ وَالتَّقَاتُلِ، وَأَنَّ مِثْلَ هَذَا الحَدِّ تَضِيعُ فِيهِ نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، وَتُزْهَقُ فِيهِ أَرْوَاحٌ فِي غَيْرِ سَبِيلِ اللهِ تَعَالَى، فَلِهَذَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المُؤْمِنَ عَنْ أَنْ يَشْتَرِكَ مَعَهُمْ مَعَ أَنَّهُ جَبَلٌ كَامِلٌ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الذَّهَبَ فِيهِ كَثِيرٌ؛ لَكِنْ نَهَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ أَنْ يُدْخَلَ فِيهِ؛ لِأَنَّ القِتَالَ إِذَا وَقَعَ عَلَى هَذَا الحَدِّ فلَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَشْتَرِكَ فِي قِتَالِ النَّاسِ حَتَّى يَأْخُذَ، ولَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يُغَرِّرَ بِنَفْسِهِ فَيَدْخُلَ فِي قِتَالٍ هَذَا سَبَبُهُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ أَبِي بَرْزَةَ حِينَ ذَمَّ الَّذِينَ تَقَاتَلُوا، قَالَ: «إِنَّهُمْ يَتَقَاتَلُونَ عَلَى الدُّنْيَا»، فَالأَمْرُ الَّذِي يَصِلُ إِلَى حَدِّ التَّقَاتُلِ وَإِزْهَاقِ الأَنْفُسِ لِمُجَرَّدِ المُنَافَسَةِ عَلَى أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا لَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَأَنَّ الوَاجِبَ عَلَى المُسْلِمِ أَنْ يَنْأَى بِنَفْسِهِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ الوَضْعَ يَكُونُ وَضْعَ فِتْنَةٍ فِي هَذِهِ الحَالِ عِيَاذًا بِاللهِ.

بَابٌ

«حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ شُعْبَةَ، حَدَّثَنَا مَعْبَدٌ، سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(11) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: تَصَدَّقُوا؛ فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا. قَالَ مُسَدَّدٌ: حَارِثَةُ أَخُو عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ لِأُمِّهِ. قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللهِ»(12).

ذَكَرَ هُنَا بَابًا، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ تَكُونُ هَكَذَا: «بَابٌ»، هَذِهِ مِنْ طَرِيقَةِ البُخَارِيِّ أَنْ يُبَوِّبَ دُونَ أَنْ يَضَعَ تَرْجَمَةً لِنَوْعِ صِلَةٍ لِأَحَادِيثِ البَابِ بِالَّذِي قَبْلَهُ، قَدْ تَكُونُ الصِّلَةُ وَاضِحَةً، وَقَدْ تَكُونُ الصِّلَةُ غَيْرَ وَاضِحَةٍ.

فِي هَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ بِالصَّدَقَةِ، وَبَيَّنَ أَنَّ زَمَنًا سَيَأْتِي يَتَغَيَّرُ فِيهِ حَالُ النَّاسِ، فَإِنَّ العَادَةَ أَنَّ الصَّدَقَةَ إِذَا بُذِلَتْ وَبُحِثَ عَمَّنْ يَأْخُذُهَا العَادَةُ أَنَّهُ يُوجَدُ كَثِيرٌ مِنَ الفُقَرَاءِ الَّذِينَ يَسْتَحِقُّونَهَا. فَيُخْبِرُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الحَدِيثِ بِحَالٍ يَخْتَلِفُ عَنِ الحَالِ المَأْلُوفِ، فَقَالَ: «تَصَدَّقُوا؛ فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا»، مَا السَّبَبُ فِي أَنَّ الرَّجُلَ هُوَ الَّذِي يَبْحَثُ عَنِ الفُقَرَاءِ؟ العَادَةُ أَنَّ الفُقَرَاءَ يَأْتُونَ وَيُعْطَوْنَ، فَالأَمْرُ الآنَ انْعَكَسَ، صَارَ هَذَا الغَنِيُّ يَبْحَثُ عَمَّنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ، وَمَعَ بَحْثِهِ وَتِطْوَافِهِ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا، لَا شَكَّ أَنَّ ثَمَّةَ سَبَبًا جَعَلَ النَّاسَ لَا يَقْبَلُونَ المَالَ.

فِي الحَدِيثِ السَّابِقِ، النَّاسُ مَاذَا يَفْعَلُونَ؟ يَتَهَالَكُونَ، حَتَّى قَتَلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا يُرِيدُونَ المَالَ، وَفِي هَذَا الحَدِيثِ الرَّجُلُ يَبْحَثُ عَمَّنْ يَأْخُذُ المَالَ، وَسَيَأْتِينَا أَنَّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: أَنَّهُ يَخْرُجُ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ يُرِيدُ أَنْ يُعْطِيَهُ أَحَدًا فَلَا يَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهُ، لَا شَكَّ أَنَّ ثَمَّةَ سَبَبًا جَعَلَ الحَالَ يَتَفَاوَتُ.

ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَوْرَدَ أَسْبَابًا رَأَى أَنَّهَا مُحْتَمِلَةٌ: أَمَّا السَّبَبُ الأَوَّلُ: فَيَعُودُ إِلَى احْتِمَالِ اشْتِغَالِ كُلِّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الفِتْنَةِ زَمَنَ الدَّجَّالِ، يَقُولُ: هَذَا الأَمْرُ وَقْتَ الدَّجَّالِ، وَهُوَ وَقْتُ فِتْنَةٍ عَظِيمَةٍ، فَاشْتَغَلُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ أَمْرِ المَالِ. هَذَا قَوْلٌ.

قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ هَذَا يَقَعُ عِنْدَ حُصُولِ الأَمْنِ العَظِيمِ وَالعَدْلِ الوَارِفِ فِي زَمَنِ عِيسَى -صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ- وَزَمَنِ المَهْدِيِّ الَّذِي وَرَدَتْ بِهِ النُّصُوصُ، لَا المَهْدِيِّ الخُرَافَةِ الأُسْطُورَةِ الَّذِي تَظُنُّهُ الشِّيِعَةُ، لَكِنِ المَقْصُودُ المَهْدِيُّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ النُّصُوصُ النَّبَوِيَّةُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

قَوْلٌ ثَالِثٌ: بِأَنَّ هَذَا يَكُونُ عِنْدَ خُرُوجِ النَّارِ الَّتِي تَسُوقُ النَّاسَ لِلْمَحْشَرِ. وَمَالَ ابْنُ حَجَرٍ إِلَى هَذَا القَوْلِ الثَّالِثِ.

تَقَدَّمَ أَنَّ النَّارَ الَّتِي تَسُوقُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إِلَى المَغْرِبِ هِيَ أَوَّلُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ، وَهِيَ تَحْشُرُ النَّاسَ وَتَطْرُدُهُمْ طَرْدًا، وَمَنْ تَخَلَّفَ أَهْلَكَتْهُ. فَيَقُولُ: إِنَّ المُرَادَ بِهَا هَذَا بِسَبَبِ هَذَا الوَضْعِ العَظِيمِ المُدْلَهِمِّ مِنْ وُقُوعِ أَوَّلِ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ.

وَالَّذِي يَظْهَرُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مَا رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ لَيْسَ بِرَاجِحٍ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الحَدِيثِ: «يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ»، مَعَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى: «لَيَأْتِيَنَّ عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَطُوفُ الرَّجُلُ فِيهِ بِالصَّدَقَةِ مِنَ الذَّهَبِ»(13)، وَمَعَ حَدِيثِ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ المَالُ وَيَفِيضَ، حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا»(14)، الَّذِي يَظْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ هَذَا فِي حَالٍ عَادِيٍّ، لَيْسَ فِي حَالِ طَرْدِ النَّارِ لَهُمْ؛ لِأَنَّ النَّارَ الَّتِي تَخْرُجُ مِنَ المَشْرِقِ فَتَسُوقُهُمْ إِلَى الشَّامِ، نَارٌ يَفِرُّونَ مِنْهَا وَيَهْرُبُونَ، مِنْهُمْ مَنْ يَرْكَبُ اثْنَانِ عَلَى بَعِيرٍ، وَثَلَاثَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَأَرْبَعَةٌ عَلَى بَعِيرٍ، وَعَشرَةٌ عَلَى بَعِيرٍ مِنَ الهَرَبِ وَالفِرَارِ، فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا الحَالَ هُوَ الَّذِي فِيهِ رَجُلٌ يَبْحَثُ عَمَّنْ يَأْخُذُ صَدَقَتَهُ؟ هَذَا وَاللهُ أَعْلَمُ يُبْعِدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي رَجَّحَهُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى؛ خَاصَّةً مَعَ قَوْلِهِ فِي النُّصُوصِ: «فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيهَا: لَوْ جِئْتَنَا بِهَا بِالأَمْسِ قَبِلْتُهَا»، فَيَأْتِي إِلَى شَخْصٍ فَيُعْطِيَهُ إِيَّاهَا فَيَقُولُ: اليَوْمَ اسْتَغْنَيْتُ، لَوْ أَنَّكَ أَتَيْتَ بِهَا بِالأَمْسِ كُنْتُ أَخَذْتُهَا، أَمَّا الآنَ فَلَا. فَوَاضِحٌ أَنَّهُمْ مُسْتَقِرُّونَ لَيْسُوا هَارِبِينَ وَلَا تَطْرُدُهُمْ نَارٌ، هَذَا مِمَّا يُبْعِدُ مَا قُلْنَا مِنَ الِاحْتِمَالِ الَّذِي أَوْرَدَهُ.

لِهَذَا رَجَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عِنْدَ شَرْحِهِ لِهَذَا الحَدِيثِ: أَنَّ هَذَا يَكُونُ بَعْدَ هَلَاكِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَظُهُورِ كُنُوزِ الأَرْضِ؛ لِأَنَّ الأَرْضَ يُؤْذَنُ لَهَا فَتُخْرِجُ -بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى- كُنُوزَهَا، وَيُبَارَكُ لِلنَّاسِ بَرَكَةً عَجِيبَةً جِدًّا، وَذَلِكَ فِي زَمَنِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ بِحَيْثُ إِنَّ النَّاسَ لَا يَكْتَرِثُونَ إِلَّا بِالعِبَادَةِ، «تَكُونُ السَّجْدَةُ لِأَحَدِهِمْ -يَعْنِي أَنْ يَتَعَبَّدَ- أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ كَذَا وَكَذَا».

وَهَذَا فِيمَا يَظْهَرُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- هُوَ الأَرْجَحُ، وفِي كَلَامِ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ، نَبَّهَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي شَرْحِهِ لِلْبُخَارِيِّ -الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ- إِلَى أَنَّ فِي الحَدِيثِ هَذَا اغْتِنَامَ وُجُودِ الفُقَرَاءِ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَلِكَ، يَعْنِي: قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ وَقْتٌ يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَ صَدَقَتَهُ فَلَا يَجِدُ، وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَصَدَّقُوا»، ثُمَّ بَيَّنَ الحَالَ الَّذِي سَيَصْعُبُ عَلَى الإِنْسَانِ فِيهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ، «تَصَدَّقُوا؛ فَسَيَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ يَمْشِي الرَّجُلُ بِصَدَقَتِهِ فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا»، وَهَذَا -كَمَا قُلْنَا- مِنَ الأَحْدَاثِ وَالأُمُورِ الَّتِي تَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، وَلِهَذَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الحَدِيثِ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الحَالَ، قَالَ: «وَيَكُونُ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً القَيِّمُ الوَاحِدُ يَلُذْنَ بِهِ»(15)، وَهُوَ فِي وَقْتٍ يَكُونُ فِيهِ قِلَّةٌ شَدِيدَةٌ مِنَ الرِّجَالِ.

فَهَلْ قَوْلُهُ: «وَيَكُونُ لِلْخَمْسِينَ امْرَأَةً» مُلَازِمٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ عَنْ كَوْنِ الرَّجُلِ يَبْحَثُ عَنْ صَدَقَةٍ عَمَّنْ يَأْخُذُ صَدَقَةً وَلَا يَجِدُ؟! يَحْتَمِلُ وَاللهُ أَعْلَمُ، يَحْتَمِلُ هَذَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَمْرَيْنِ اثْنَيْنِ.

لَكِنِ الَّذِي هُوَ أَقْرَبُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ هَذَا الَّذِي فِيهِ بَحْثُ الرَّجُلِ بِصَدَقَةٍ مِنْ ذَهَبٍ لَا يَجِدُ مَنْ يَأْخُذُهَا، أَنَّ هَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ- فِي زَمَنٍ يَكُونُ فِيهِ تِلْكَ البَرَكَاتُ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَ أَنْ يُقْتَلَ المَسِيحُ الدَّجَّالُ، وَبَعْدَ أَنْ يُهْلَكَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ فِيمَا يَأْتِي بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يُبَارَكُ لِلنَّاسِ بَرَكَةً عَظِيمَةً، وَيُقْبِلُونَ عَلَى الطَّاعَةِ وَعَلَى العِبَادَةِ؛ فَفِي تِلْكَ الحَالِ إِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ أَنْ يُخْرِجَ صَدَقَتَهُ وَإِذَا بِالنَّاسِ مِنْ حَوْلِهِ كُلُّهُمْ فِي غِنًى وَفِي نِعْمَةٍ، هَذَا الَّذِي يَظْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَهُوَ الأَقْرَبُ، وَالعِلْمُ عِنْدَهُ تَعَالَى.

«حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ، يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ، وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ، وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، وَيَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ -وَهُوَ الْقَتْلُ-، وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ الْمَالُ؛ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ! وَحَتَّى يَعْرِضَهُ عَلَيْهِ فَيَقُولَ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي بِهِ. وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي الْبُنْيَانِ، وَحَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ. وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا، فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ؛ يَعْنِي: آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ فَلَا يَطْعَمُهُ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ، وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا»(16).

هَذَا الحَدِيثُ العَظِيمُ فِيهِ جُمْلَةٌ كَثِيرَةٌ مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ، مِنْهَا مَا قَدْ تَقَدَّمَ وَشُرِحَ فَلَا نُعِيدُهُ، وَمِنْهَا مَا يَحْتَاجُ إِلَى بَيَانٍ.

يَقُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ، دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ»، المُرَادُ بِهَاتَيْنِ الفِئَتَيْنِ: فِئَةُ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَفِئَةُ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنِ الجَمِيعِ.

فِي الحَدِيثِ فَائِدَةٌ كَبِيرَةٌ جِدًّا، وَهِيَ: أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَ أَنَّ دَعْوَتَهُمَا وَاحِدَةٌ، فَجَمِيعُ الطَّائِفَتَيْنِ المُتَقَاتِلَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ الإِسْلَامِ، وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ كَفَّرَ أَيًّا مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، سَوَاءٌ مِنَ الخَوَارِجِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ الطَّائِفَتَيْنِ، أَوِ الرَّوَافِضِ الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ طَائِفَةَ مُعَاوِيَةَ. فَكُلُّهُمْ مُسْلِمُونَ دِينُهُمْ وَاحِدٌ؛ وَلِهَذَا قَالَ: «دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ».

وَدَلَّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ الَّذِي تَقَدَّمَ بِالأَمْسِ: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، يُصْلِحُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ»(17)، فَلَا يَشُكُّ أَهْلُ العِلْمِ قَطُّ فِي أَنَّ الجَمِيعَ مِنَ المُسْلِمِينَ، وَأَنَّ القِتَالَ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُمْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ قِتَالًا بَيْنَ مُسْلِمِينَ، كَانَ فِيهِ مُجْتَهِدٌ أَصَابَ وَفِيهِ مُجْتَهِدٌ أَخْطَأَ، هَذَا هُوَ الَّذِي لَا يُشَكُّ فِيهِ.

فِي قَوْلِهِ: «تَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ» يَدُلُّ عَلَى كَثْرَةِ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي تِلْكَ الحَرْبِ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّ القَتْلَى يَبْلُغُونَ سَبْعِينَ ألفًا، وَهَذَا عَدَدٌ كَبِيرٌ، وَهَذَا الَّذِي حَمَلَ السَّيِّدَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ السُّؤْدُدَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، هَذَا الَّذِي حَمَلَهُ عَلَى أَنْ يَتَنَازَلَ وَيَتْرُكَ القِتَالَ؛ وَلِأَجْلِهِ قَالَ لَمَّا طُلِبَ مِنْهُ الصُّلْحُ: «إِنَّ هَذِهِ الأُمَّةَ قَدْ عَاثَتْ فِي دِمَائِهَا» يَعْنِي: بِالنَّظَرِ إِلَى كَثْرَةِ مَنْ قُتِلَ؛ وَلِأَجْلِهَا أَيْضًا قَالَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «إِنْ قَتَلَ هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ مَنْ لِي بِضَعَفَةِ النَّاسِ؟ مَنْ لِي بِنِسَائِهِمْ؟»، وَفِي اللَّفْظِ الآخَرِ: «مَنْ لِي بِذَرَارِيْهِمْ؟».

فَإِنَّ الأُلُوفَ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يَتَفَطَّنُ لَهُ بَعْضُ النَّاسِ حِينَ يَسْتَسْهِلُ أَنْ يُقْتَلَ أَعْدَادٌ غَفِيرَةٌ، هَؤُلَاءِ الأُلُوفُ يَنْشَأُ مِنْ قَتْلِهِمْ شَيْءٌ عَظِيمٌ جِدًّا مِنَ الآثَارِ عَلَى أَهْلِيهِمْ وَعَلَى ذُرِّيَّاتِهِمْ، فَأَبْنَاؤُهُمُ الأَيْتَامُ، وَنِسَاؤُهُمُ الثَّكَالَى يَكُونُونَ جَمِيعًا عُرْضَةً لِمَنْ لَا يَخَافُ اللهَ تَعَالَى، وَشَاهِدُ هَذَا وَمِصْدَاقُهُ: مَا يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ بِلَادِ المُسْلِمِينَ حِينَ يَحْدُثُ مَقَاتِلُ فِيمَا بَيْنَهُمْ، فَيَتَشَرَّدَ النَّاسُ، فَيَأْتِي إِلَى هَذِهِ المَوَاضِعِ الَّتِي تَشَرَّدَ فِيهَا هَؤُلَاءِ المَسَاكِينُ، يَأْتِي أُنَاسٌ لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الإِيمَانِ مِثْقَالُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ، وَلَيْسَ فِيهِمْ حَتَّى مَرُوءَةُ الإِنْسَانِ الَّذِي لَهُ شَيْءٌ مِنَ الشَّهَامَةِ، فَيَبْحَثُونَ قَاتَلَهُمُ اللهُ وَأَخْزَاهُمْ عَنْ بُغْيَتِهِمْ فِي هَؤُلَاءِ المُسْتَضْعَفِينَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَأْتِي إِلَيْهِمْ بِاسْمِ الإِغَاثَةِ، وَيَكُونُ هَدَفُهُ تَنْصِيرَهُمْ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ عَلَى يَدِ النَّصَارَى، وَهُمْ دَائِمًا يُظْهِرُونَ أَنَّهُمْ مُحِبُّونَ لِلْإِنْسَانِ، وَمَعَ حُقُوقِ الإِنْسَانِ، وَأَنَّهُمْ لَا يَرْضَوْنَ بِالظَّلِيْمَةِ، ثُمَّ يَعْبَثُونَ بِدِينِ هَؤُلَاءِ النَّاسِ.

وَلِهَذَا تُلَاحِظُ كَثْرَةَ حِرْصِهِمْ عَلَى أَنْ يَنْقِلُوا مَا اسْتَطَاعُوا مِنْ هَؤُلَاءِ إِلَى بِلَادِهِمْ، وَيُهَيِّئُوا لَهُمْ إِقَامَةً دَائِمَةً لِيَمْسَخُوهُمْ، وَقَدْ كَانَ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ تَنَصُّرُ كَثِيرِينَ جِدًّا مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى أَيْدِيهِمْ؛ حَيْثُ أُخِذُوا صِغَارًا، وَنَشَأُوا فِي مَدَارِسَ دَاخِلِيَّةٍ عِنْدَهُمْ، فَنَشَأُوا نَصَارَى.

وَمِنَ الَّذِينَ يَرْتَادُونَ هَذِهِ المَوَاضِعَ وَلَا سِيَّمَا إِذَا طَالَ أَمَدُ التَّشَرُّدِ، وَبَدَأَتِ الدُّوَلُ تَسْتَثْقِلُ أَمْرَ النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ، فَيَفْرَحُونَ بِمَنْ يَأْتِي بِزَعْمِ الإِغَاثَةِ، وَلَكِنْ يَكُونُ لَهُمْ مَقَاصِدُ خَبِيثَةٌ، فَيَبْدَأُونَ -أَخْزَاهُمُ اللهُ وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ- فِي البَحْثِ عَنْ بُغْيَتِهِمُ الخَبِيثَةِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالأَعْرَاضِ، وَيَجِدُونَ فِي هَؤُلَاءِ المُسْتَضْعَفِينَ حَاجَةً مَاسَّةً جِدًّا إِلَى الدَّوَاءِ وَإِلَى مَنْ يُغِيثُهُمْ، فَيَسْتَغِلُّونَ هَذَا الضَّعْفَ فِيهِمْ فَيَحْدُثُ لِلْأَسَفِ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ. وَكَلَّمَنَا بَعْضُ مَنْ عَرَفَ مُخَيَّمَاتٍ فِي سَنَوَاتٍ مَاضِيَةٍ كَيْفَ أَنَّ هَؤُلَاءِ يَصِلُونَ إِلَى الأَعْرَاضِ بِاسْمِ الإِغَاثَةِ.

وَلِهَذَا هَذِهِ أُمُورٌ خَطِرَةٌ لِلْغَايَةِ، أَنْ يَتَشَرَّدَ النَّاسُ مِنْ بُلْدَانِهِمْ، وَيَذْهَبُوا فِي مَهَامِهٍ لَا يَدْرُونَ مَتَى يَعُودُونَ، قَدْ يَعُودُونَ بَعْدَ سَنَةٍ، بَعْدَ سَنَتَيْنِ، وَقَدْ يَكُونُ آخِرَ العَهْدِ بِبُلْدَانِهِمْ، ثُمَّ فِي تِلْكَ الأَوْضَاعِ المُزْرِيَةِ وَمَعَ صُعُوبَةِ وَشَظَفِ العَيْشِ الَّذِي يُعَانُونَهُ، وَكَثْرَةِ التَّوَافُدِ عَلَى هَذِهِ المُخَيَّمَاتِ يَبْدَأُ -مَا ذَكَرْنَاهُ- ذَوُو الإِيمَانِ المُنْعَدِمِ أَوِ الضَّعِيفِ فِي البَحْثِ عَنْ بُغْيَتِهِمْ بِاسْمِ الإِغَاثَةِ، فَتَحْدُثُ مَآسٍ لَا يَدْرِي بِهَا أَكْثَرُ النَّاسِ مِمَّنْ هُمْ خَارِجَ هَذِهِ المُخَيَّمَاتِ، وَإِلَّا فَفِي أَجْوَافِهَا البَلَاءُ العَظِيمُ المُسْتَطِيرُ، وَلَا سِيَّمَا إِذَا طَالَتِ المُدَدُ؛ فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الدُّوَلِ تَسْتَثْقِلُ أَنْ تَسْتَمِرَّ فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ؛ لِأَنَّهَا تَرَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَبْنَاءِ بَلَدِهَا، وَأَنَّهُمْ أَضْحَوْا عِبْئًا وَثِقَلًا عَلَيْهَا، وَيَبْدَأُونَ فِي البَحْثِ عَمَّا يُخْرِجُهُمْ مِنْ أَرَاضِيهِمْ بِأَيِّ أُسْلُوبٍ، فَيَتَرَتَّبُ عَلَى هَذَا مَفَاسِدُ عَظِيمَةٌ وَكَبِيرَةٌ، وَالَّذِينَ يَعْرِفُونَ حَالَ تِلْكَ المُخَيَّمَاتِ يَدْرُونَ بِحَقَائِقِ مَا يَجْرِي فِيهَا.

هُنَا مَا ذَكَرْنَاهُ فِي كَلَامِ مُعَاوِيَةَ وَكَلَامِ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا لَحَظُوا هَذَا الأَمْرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مِثْلِ هَذِهِ المَسَائِلِ، لَمْ يَكُنْ فِي المُسْلِمِينَِ ذَاكَ الوَقْتَ مَنْ يَأْتِي -بَلْ مَنْ يَسْتَطِيعُ- أَنْ يَصِلَ إِلَى مَا يُوصَلُ إِلَيْهِ مِنْ هَؤُلَاءِ المُسْتَضْعَفِينَ، لَكِنَّ الحَسَنَ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا نَظَرَا إِلَى أَمْرِ اليُتْمِ وَالفَقْرِ، وَأَمْرِ تَرَمُّلِ النِّسَاءِ، وَأَمْرِ كَثْرَةِ القَتْلَى مِنَ المُسْلِمِينَ الَّذِينَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا جُنُودًا فِي سَبِيلِ اللهِ، وَمَا سَيَحْدُثُ لِلْأُمَّةِ مِنْ ضَعْفٍ عَامٍّ بِسَبَبِ هَذَا القِتَالِ؛ فَبِنَاءً عَلَيْهِ وَفَّقَ اللهُ هَذَا السَّيِّدَ الجَلِيلَ الحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ عَلَيْهِمَا رِضْوَانُ اللهِ، وَفَّقَهُ اللهُ تَعَالَى لِلتَّنَازُلِ.

وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ -وَجَاءَتِ الرِّوَايَةُ مُرْسَلَةً-: «إِنْ كَانَ لِيَ الحَقُّ فَإِنِّي بِهِ مُتَنَازِلٌ للهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَ الحَقُّ لَكَ فَلَيْسَ لِي أَنْ أُنَازِعَكَ»، وَتَرَكَ الأَمْرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّ المَهْدِيَّ يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ -كَمَا هُوَ فِي أَبِي دَاوُدَ- يَكُونُ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا. قَالُوا: كَأَنَّهَا مُكَافَأَةٌ لَهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ جَعَلَ اللهُ المَهْدِيَّ مِنْ ذُرِّيَّتِهِ، عَلَى خِلَافِ مَا تَقُولُ الرَّافِضَةُ؛ الرَّافِضَةُ تَقُولُ: إِنَّ المَهْدِيَّ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ. وَهُوَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ، لَكِنَّ الرَّافِضَةَ تُرِيدُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ، وَبَعْضٌ يَقُولُ: إِنَّ سَبَبَ تَعْظِيمِهِمْ لِذُرِّيَّةِ الحُسَيْنِ تَحْدِيدًا بِسَبَبِ أَنَّ الحُسَيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ كِسْرَى، فَلِهَذَا هُمْ يُعَظِّمُونَ أَبْنَاءَ الحُسَيْنِ تَحْدِيدًا وَيُفَخِّمُونَ مِنْ شَأْنِهِمْ، مَعَ أَنَّ الحَسَنَ وَالحُسَيْنَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا كِلَيْهِمَا حَفِيدَا رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخَوَانِ شَقِيقَانِ مِنْ عَلِيٍّ وَفَاطِمَةَ، وَهُمَا كَمَا فِي الحَدِيثِ: «سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ»(18)، فَتَعْظِيمُ أَحَدِهِمَا دُونَ الآخَرِ فِيهِ مَا فِيهِ وَلَا شَكَّ، وَهُوَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى مَا لَدَى الرَّافِضَةِ مِنَ الِاضْطِرَابِ وَفَسَادِ الِاعْتِقَادِ.

حَاصِلُ الأَمْرِ: أَنَّ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَهُمْ بِلَا شَكٍّ مُسْلِمُونَ، وَلِأَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ فَقَدْ أَرْشَدَ اللهُ قَائِدَيْ هَاتَيْنِ الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى مَا فِيهِ سَلَامَةُ الأُمَّةِ، فَحَصَلَ الِاجْتِمَاعُ فِي عَامِ أَرْبَعِيْنَ 40 هـ، وَصَارَ ذَلِكَ عَامَ الجَمَاعَةِ، سُمِّيَ بِعَامِ الجَمَاعَةِ أَوْ وَاحِدُ وَأَرْبَعِيْنَ 41هـ، وَتَمَّ -وَللهِ الحَمْدُ- السَّلَامَةُ مِنْ ذَلِكَ القِتَالِ الَّذِي كَانَ يُوشِكُ أَنْ يَثُورَ بَيْنَ الحَسَنِ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَمَعَهُمْ هَؤُلَاءِ الأَجْنَادُ الكَثِيرَةُ.

فَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «دَعْوَتُهُمَا وَاحِدَةٌ» لَهَا مَدْلُولٌ عَظِيمٌ فِي إِسْلَامِ الجَمِيعِ، رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، وَقَاتَلَ اللهُ أَعْدَاءَهُمْ.

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَحَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ، كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللهِ»، هَذَا مِمَّا يَكُونُ قَبْلَ السَّاعَةِ، الدَّجَّالُ فَعَّالٌ عَلَى وَزْنِ الفَعَّالِ، مِنَ الدَّجَلِ، شَدِيدُ الدَّجَلِ، يَدَّعُونَ هَؤُلَاءِ جَمِيعًا أَنَّ اللهَ تَعَالَى أَرْسَلَهُمْ، وَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثُونَ أَوْ قَرِيبُ مِنَ الثَّلَاثِينَ المُرَادُ بِهِمْ: مَنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَقُوَّةٌ؛ كَمَا حَصَلَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ، وَكَمَا حَصَلَ مِنْ طُلَيْحَةَ الأَسَدِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ وَتَابَ، وَكَمَا حَصَلَ مِنْ سَجَاحٍ فِي بَنِي تَمِيمٍ، وَإِنْ كَانَتْ أَيْضًا رَجَعَتْ، فَالمَقْصُودُ مَنْ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ مِمَّنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَقُوَّةٌ، أَمَّا الَّذِينَ يَدَّعُونَهَا وَلَيْسُوا بِشَيْءٍ فَهُمْ أَكْثَرُ مِنَ الثَّلَاثِينَ كَمَا نَبَّهَ أَهْلُ العِلْمِ، يَدَّعِي النُّبُوَّةَ بَعْضُ الأَحْيَانِ أُنَاسٌ ضُعَفَاءُ العُقُولِ، بِهِمْ شَيْءٌ مِنَ الجُنُونِ، أَوْ بِهِمْ شَيْءٌ مِنَ المَشَاكِلِ الَّتِي يُعَانُونَهَا، فَهَؤُلاَءِ كَثِيرٌ كَثِيرٌ، وَلَيْسُوا بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ شَوْكَةٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَتْبَاعٌ، وَلَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يَنْصُرُهُمْ وَيَقُومُ لَهُمْ وَيُقَاتِلُونَ بِنَاءً عَلَى هَذَا البَاطِلِ، هَؤُلَاءِ لَيْسُوا بِشَيْءٍ، لَكِنَّ المَقْصُودَ مَنْ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَلَهُمْ قُدْرَةٌ.

«وَحَتَّى يُقْبَضَ الْعِلْمُ» وَهَذَا تَقَدَّمَ.

«وَتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ» وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ، كَثْرَةُ الزَّلَازِلِ هَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ، وَتَشْتَدُّ حَتَّى جَاءَ فِي الحَدِيثِ عِنْدَ أَحْمَدَ: «بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ سَنَوَاتُ الزَّلَازِلِ»(19)، بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الزَّلَازِلَ تَكْثُرُ كَثْرَةً ظَاهِرَةً بَيِّنَةً.

ثُمَّ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَتَظْهَرَ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرَ الْهَرْجُ» وَهُوَ القَتْلُ، وَكُلُّ هَذَا تَقَدَّمَ.

«وَحَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ؛ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ»، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الحَدِيثِ السَّابِق. «وَحَتَّى يَعْرِضَهُ، فَيَقُولُ الَّذِي يَعْرِضُهُ عَلَيْهِ: لَا أَرَبَ لِي»، مَا يُرِيدُهُ الآنَ.

«وَحَتَّى يَتَطَاوَلَ النَّاسُ فِي البُنَيَّاتِ»، أَيْ: يَحْرِصُ الوَاحِدُ مِنْهُمْ أَنْ يَكُونَ بِنَاءُ بَيْتِهِ أَرْفَعَ مِنَ الآخَرِ تَنَافُسًا وَتَبَاهِيًا، وَهَذَا جَاءَ فِيهِ الحَدِيثُ المَشْهُورُ: حَدِيثُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: «وَأَنْ تَرَى الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ الْعَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ».

«وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرَبِهَا، فَإِذَا طَلُعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ، فَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا»، وَهَذَا فِيهِ تَفْسِيرُ الآيَةِ بِالحَدِيثِ؛ فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا(20)، مَا المُرَادُ بِبَعْضِ الآيَاتِ؟ بَيَّنَتْهَا السُّنَّةُ، مِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَحَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرَبِهَا، فَإِذَا طَلُعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ»، لِمَاذَا يُؤْمِنُونَ أَجْمَعِينَ؟ لِأَنَّهُ يَتَّضِحُ لَهُمْ صِدْقُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَإِذَا آمَنُوا فِي تِلْكَ الحَالِ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ؛ لِأَنَّ الإِيمَانَ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ حُصُولِ العَذَابِ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، وَعِنْدَ حُصُولِ الآيَةِ المُؤَقَّتَةِ بِنِهَايَةِ التَّوْبَةِ لَا يَنْفَعُ صَاحِبَهُ، قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «لَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا»(21)، إِذَا طَلُعَتِ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرَبِهَا وَأَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَتُوبَ سَوَاءٌ كَانَ مِنَ العُصَاةِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ، أَوْ كَانَ مِنَ الكُفَّارِ وَأَرَادَ أَنْ يُؤْمِنَ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا(22)، فَمَنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى حَالِ الإِيمَانِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرَبِهَا وَأَرَادَ الإِيمَانَ فَإِنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ.

وَهَكَذَا إِذَا نَزَلَ العَذَابُ، إِذَا نَزَلَ العَذَابُ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- وَآمَنَ النَّاسُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَنْفَعُهُمْ أَيْضًا، إِذَا حَلَّتْ نِقْمَةُ اللهِ، وَتَصَايَحَ النَّاسُ بِالتَّوْبَةِ، وَاسْتَغْفَرُوا، وَأَرَادُوا الرُّجُوعَ فَإِنَّ اللهَ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ فِي هَذِهِ الحَالِ عِيَاذًا بِاللهِ، وَذَلِكَ أَنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَيَّنَ أَنَّهُ حِينَ حُلُولِ البَأْسِ لَا يَنْفَعُ الإِيمَانُ: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (84) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا(23)، إِذَا نَزَلَ البَأْسُ وَالعَذَابُ وَآمَنَ الإِنْسَانُ فَإِنَّهُ لَا يَنْفَعُهُ.

الحَالُ الثَّالِثُ: خَاصَّةٌ، وَهِيَ إِذَا بَلَغَتِ الرُّوحُ الحُلْقُومَ، إِذَا غَرْغَرَ الإِنْسَانُ بِرُوحِهِ فَإِنَّهُ إِذَا آمَنَ أَوْ تَابَ إِذَا كَانَ مِنَ العُصَاةِ فَإِنَّهُ لَا تُقْبَلُ مِنْهُ هَذِهِ العَوْدَةُ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللَّهَ يَقْبَلُ تَوْبَةَ عَبْدِهِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ»(24)، إِذَا غَرْغَرَ بِرُوحِهِ وَوَصَلَتْ حَلْقَهُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ يَكُونُ إِيمَانُهُ اضْطِرَارِيًّا، لَا يَكُونُ إِيمَانُهُ اخْتِيَارِيًّا، فَلَا يَنْفَعُهُ إِيمَانُهُ.

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُبَيِّنًا فَجْأَةَ السَّاعَةِ وَأَنَّهَا تَأْتِي -كَمَا قَالَ تَعَالَى- بَغْتَةً، السَّاعَةُ تَأْتِي وَالنَّاسُ فِي أَحْوَالِهِمْ يَتَقَلَّبُونَ، البَائِعُ يَبِيعُ، وَالآكِلُ يَأْكُلُ، وَالذَّاهِبُ لِحَاجَتِهِ يَذْهَبُ، فَتَأْتِيهِمْ بَغْتَةً، نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُبَيِّنًا الأَحْوَالَ الَّتِي تَبْغَتُ السَّاعَةُ النَّاسَ فِيهَا: «وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ نَشَرَ الرَّجُلَانِ ثَوْبَهُمَا بَيْنَهُمَا؛ فَلَا يَتَبَايَعَانِهِ وَلَا يَطْوِيَانِهِ»، هَذَا قَدْ نَشَرَ الثَّوْبَ لِيَبِيعَهُ، فَتَقَعُ السَّاعَةُ فَلَا يَتِمَّ البَيْعَ، وَلَا حَتَّى يَتِمَّ طَوْيُ الثَّوْبِ؛ لِأَنَّ السَّاعَةَ إِذَا أَتَتْ فَإِنَّهَا أَعْظَمُ وَأَهْوَلُ مِنْ أَنْ يَبْقَى مَعَهَا مُبَايَعَةٌ.

وَهَكَذَا قَوْلُهُ: «وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدِ انْصَرَفَ الرَّجُلُ بِلَبَنِ لِقْحَتِهِ؛ فَلَا يَطْعَمُهُ»، المَقْصُودُ بِاللِّقْحَةِ -تُقَالُ بِالكَسْرِ وَبِالفَتْحِ-: النَّاقَةُ قَرِيبَةُ العَهْدِ بِالنِّتَاجِ، يُقَالُ: نَاقَةٌ لَقُوحٌ، إِذَا كَانَتْ غَزِيرَةَ اللَّبَنِ، هَذَا قَدْ أَخَذَ لَبَنَ النَّاقَةِ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَهُ، فَبَغَتَتْهُ السَّاعَةُ فَلَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ أَنْ يَطْعَمَهُ.

«وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ» يَعْنِي: الرَّجُلَ، هَؤُلَاءِ عِدَّةُ أَشْخَاصٍ، «وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَهُوَ يُلِيطُ حَوْضَهُ فَلَا يَسْقِي فِيهِ»، يُلِيطُ حَوْضَهُ؛ أَيْ: يُصْلِحُ حَوْضَهُ بِالطِّينِ وَالمَدَرِ لِيَسُدَّ الشُّقُوقَ المَوْجُودَةَ فِيهِ لِيَمْلَأَهُ بِالمَاءِ، حِبَالُهُمْ طَوِيلَةٌ، هَذَا يَبِيعُ، وَهَذَا قَدْ أَخَذَ اللَّبَنَ يُرِيدُ أَنْ يَشْرَبَهُ، وَهَذَا يُصْلِحُ الحَوْضَ حَتَّى يَسْقِيَ فِيهِ أَغْنَامَهُ، بَلْ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ أَسْرَعُ: «وَلَتَقُومَنَّ السَّاعَةُ وَقَدْ رَفَعَ أُكْلَتَهُ» أَيْ: لُقْمَتَهُ، «إِلَى فِيهِ فَلَا يَطْعَمُهَا»، قَدْ رَفَعَ اللُّقْمَةَ لِيَأْكُلَهَا فَتَأْتِي السَّاعَةُ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَأْكُلَهَا، وَهَذَا كُلُّهُ يُوجِبُ الحَذَرَ مِنَ الغَفْلَةِ؛ فَإِنَّ السَّاعَةَ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً(25)، تَأْتِي فَجْأَةً، فَيَكُونُ النَّاسُ عَلَى حَالٍ مِنَ الِاسْتِرْسَالِ فِي أُمُورِ مَعَاشِهِمْ، قَدْ أَلْهَتْهُمْ دُنْيَاهُمْ، فَحَتَّى أَحْوَالُهُمُ المُعْتَادَةُ مِنْ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَبَيْعٍ وَعَمَلٍ يَكُونُونَ عَلَيْهَا فَتَدْهَمُهُمُ السَّاعَةُ -عِيَاذًا بِاللهِ- وَهُمْ عَلَى هَذَا الحَالِ، فَيَمُوتُونَ عَلَى أَسْوَأِ المِيتَاتِ؛ لِأَنَّ السَّاعَةَ -كَمَا تَقَدَّمَ- لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى شِرَارِ النَّاسِ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7118)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (2902).
(2) أخرجه أبو داود في كتاب الملاحم- باب في تداعي الأمم على الإسلام (4297)، من حديث ثوبان رضي الله عنه، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (5379).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ» (7320)، ومسلم في كتاب العلم- باب اتباع سنن اليهود والنصارى (2669).
(4) أخرجه البخاري في كتاب الفتن – باب خروج النار (25).
(5) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث وروايةً له. نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة 59هـ. (تهذيب الكمال: 34/366).
(6) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7118)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى تخرج نار من أرض الحجاز (2902).
(7) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7119)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب (2894).
(8) الحديث السابق.
(9) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7119)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى يحسر الفرات عن جبل من ذهب (2894) واللفظ له.
(10) أخرجه البخاري تعليقًا في كتاب الفتن- باب خروج النار.
(11) هو: حارثة بن وهب الخزاعى، أخو عبيد الله بن عمر بن الخطاب لأمه أمهما أم كلثوم بنت جرول الخزاعى، له صحبة، يعد في الكوفيين، وله رواية عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن حفصة بنت عمر وغيرها وله في «الصحيحين» أربعة أحاديث منها قوله «صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم آمن ما كان الناس بمنى ركعتين» روى عنه: أبو إسحاق السبيعي ومعبد بن خالد وغيرهما، روى له الجماعة، انظر: «الإصابة في تمييز الصحابة» (1/619)، «تهذيب الكمال» (5/318)، و«تهذيب التهذيب» (2/146).
(12) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7120)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب الترغيب في الصدقة بل أن لا يوجد من يقبلها (1011).
(13) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب الصدقة قبل الرد (1414)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب الترغيب في الصدقة بل أن لا يوجد من يقبلها (1012).
(14) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7121)، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان (157).
(15) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب رفع العلم وظهور الجهل (80)، ومسلم في كتاب العلم- باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (2671).
(16) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب خروج النار (7121) واللفظ له، ومسلم في كتاب الإيمان- باب بيان الزمن الذي لا يقبل الله فيه الإيمان (157).
(17) أخرجه البخاري في كتاب الصلح- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم للحسن بن علي رضي الله عنهما: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين» (2704).
(18) أخرجه الترمذي في كتاب المناقب- باب مناقب الحسن والحسين رضي الله عنهما (3768)، وحسنه الألباني في «صحيح الترمذي».
(19) أخرجه أحمد في «مسنده» (4/104)، وقال شعيب الأرنؤوط : «إسناده صحيح رجاله ثقات على غرابة في متنه».
(20) سورة الأنعام: 158.
(21) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد- باب في الهجرة هل انقطعت (2479)، وصححه الألباني في «إرواء الغليل» (5/33).
(22) سورة الأنعام: 158.
(23) سورة غافر: آبة 84، 85.
(24) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/153،132)، والترمذي في كتاب الدعوات- باب في فضل التوبة والاستغفار وما ذكر من رحمة الله (3537)، وابن ماجه في كتاب الزهد- باب ذكر التوبة (4253)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(25) سورة الأعراف: 187.