موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابٌ- إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا - شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»
 بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ
 بَابٌ: لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
 بَابُ: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
 بَابٌ: تَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ
 بَابٌ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
 بَابٌ: كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ
 أسئلة
 بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الفِتَنِ وَالظُّلْمِ
 بَابٌ: إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ
 بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ»
 بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 أسئلة
 تابع: بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 بَابٌ: إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ المُسْلِمِيْنَ»
 بَابٌ: إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
 بَابٌ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ
 بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 أسئلة
 تابع: بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 بَابُ خُرُوجِ النَّارِ
 الدَّجَّال
 بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ
 بَابٌ: لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
 بَابُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
 أسئلة
شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري - بَابٌ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا

بَابٌ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا

«حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ، عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي لَيَالِيَ الْفِتْنَةِ فَاسْتَقْبَلَنِي أَبُو بَكْرَةَ، فَقَالَ: أَيْنَ تُرِيدُ؟ قُلْتُ: أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ. قِيلَ: فَهَذَا الْقَاتِلُ، فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟ قَالَ: إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ.

قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ: فَذَكَرْتُ هَذَا الحَدِيثَ لِأَيُّوبَ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ، وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ يُحَدِّثَانِي بِهِ. فَقَالَا: إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الْحَسَنُ، عَنِ الْأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ.

حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، حَدَّثَنَا حَمَّادٌ بِهَذَا. وَقَالَ مُؤَمَّلٌ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ وَيُونُسُ وَهِشَامٌ وَمُعَلَّى بْنُ زِيَادٍ، عَنِ الْحَسَنِ، عَنِ الْأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ، وَرَوَاهُ بَكَّارُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ. وَقَالَ غُنْدَرٌ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ»(1).


هَذَا البَابُ العَظِيمُ بَوَّبَهُ عَلَى هَذَا الحَدِيثِ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا»، فَتَرَكَ بَقِيَّتَهُ فِي الحَدِيثِ.

قَوْلُهُ: «حَدَّثَنَا حَمَّادٌ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُسَمِّهِ» ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ يَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ هُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، أَحَدُ رُؤُوسِ المُعْتَزِلَةِ، وَهُوَ ضَعِيفٌ، لَكِنَّ ابْنَ المُلَقِّنِ فِي الشَّرْحِ ذَكَرَ أَنَّ الأَشْبَهَ أَنْ يَكُونَ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ؛ حَيْثُ رَوَاهُ الإِسْمَاعِيلِيُّ فِي «صَحِيحِهِ» كَذَلِكَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، يُوَضِّحُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ(2) أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، كَمَا رَوَاهُ البُخَارِيُّ عَنْ أَيُّوبَ وَيُونُسَ، عَنِ الحَسَنِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَحَدَهُمَا. فَجَزْمُ ابْنِ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ بِأَنَّهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ، قَدْ يَكُونُ وَاللهُ أَعْلَمُ مَحَلَّ نَظَرٍ، لَا سِيَّمَا مَعَ رِوَايَةِ الإِسْمَاعِيلِيِّ، الإِسْمَاعِيلِيُّ رَوَاهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَاسْتَبْعَدَ هَذَا ابْنُ حَجَرٍ، وَاسْتِبْعَادُهُ -وَاللهُ أَعْلَمُ- لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ؛ لِأَنَّ ابْنَ المُلَقِّنِ نَبَّهَ إِلَى هَذَا وَكَأَنَّهُ لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ الحَافِظُ رَحِمَهُ اللهُ، نَبَّهَ لِهَذَا بِرِوَايَتِهِ مِنْ طَرِيقِ الإِسْمَاعِيلِيِّ فِي «صَحِيحِهِ» أَنَّهُ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ، وَعَلَى هَذَا لَا حَاجَةَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ.

هُنَا عِنْدَكَ يَقُولُ: «عَنِ الحَسَنِ قَالَ: خَرَجْتُ بِسِلَاحِي»، هَذَا لَيْسَ بِدَقِيقٍ كَمَا نَبَّهَ إِلَيْهِ فِي الأَسَانِيدِ الأُخْرَى، الحَسَنُ لَيْسَ هُوَ الَّذِي خَرَجَ بِسِلَاحِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي خَرَجَ: الأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ التَّمِيمِيُّ رَحِمَهُ اللهُ، وَلِهَذَا قَالَ: «إِنَّمَا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ الحَسَنُ عَنِ الأَحْنَفِ»، وَكَانَ الأَحْنَفُ سَيِّدًا فِي بَنِي تَمِيمٍ وَكَانَ يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ فِي القِتَالِ، وَهُوَ وَجَمَاعَتُهُ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ لِيَنْصُرُوا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. فَالحَدِيثُ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَنِ الأَحْنَفِ، وَهُوَ المَعْرُوفُ، وَلِهَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا بَكْرَةَ قَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَحْنَفُ؟» وَلَمْ يَقُلْ: يَا حَسَنُ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ الحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ، يَرْوِيهِ الحَسَنُ، عَنِ الأَحْنَفِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ.

قَالَ: «أَيْنَ تُرِيدُ؟» قُلْتُ: «أُرِيدُ نُصْرَةَ ابْنِ عَمِّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»، يَعْنِي: عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ، فَقَالَ: فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: «ارْجِعْ»(3)، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَكِلَاهُمَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ». قِيلَ: «فَهَذَا الْقَاتِلُ» يَعْنِي: أَمْرُهُ وَاضِحٌ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ. «فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ؟» يَعْنِي: مَا ذَنْبُهُ وَقَدْ قُتِلَ؟ قَالَ: «إِنَّهُ أَرَادَ قَتْلَ صَاحِبِهِ» هُوَ مَا وَاجَهَ صَاحِبَهُ بِالسَّيْفِ إِلَّا لِأَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ، لَكِنَّ ذَاكَ تَمَكَّنَ مِنْهُ، وَلِهَذَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ صَاحِبِهِ»(4).

وَلِهَذَا قُلْنَا: إِنَّ أَبَا بَكْرَةَ رَحِمَهُ اللهُ لَـمَّا رَوَى هَذَا الحَدِيثَ وَرَوَى الحَدِيثَ السَّابِقَ فِي البَابِ السَّابِقِ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ»(5) اخْتَارَ اعْتِزَالَ القِتَالِ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، وَرَأَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَاجَهَ مُسْلِمَانِ بِالسُّيُوفِ لِخَطَرِ هَذَا الحَدِيثِ.

تَقَدَّمَ كَلَامُ الشَّيْخِ ابْنِ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ وَأَمْثَالَهُ فِي القِتَالِ الَّذِي لَمْ يُعْرَفْ وَجْهُهُ، قِتَالُ الفِتْنَةِ الَّذِي تَكَلَّمْنَا عَنْهُ، أَوِ القِتَالُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الدُّنْيَا، وَمِمَّا يُقَوِّي هَذَا -وَاللهُ أَعْلَمُ-: قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ البَزَّارِ: «إِذَا اقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»(6)، وَلِهَذَا قُلْنَا فِي الحَدِيثِ السَّابِقِ قَالَ: «قَتْلَاهَا كُلُّهَا» فِي الفِتْنَةُ الَّتِي «القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ». قَالَ: «قَتْلَاهَا كُلُّهَا فِي النَّارِ»(7)؛ نَسْأَلُ اللهَ العَافِيَةَ وَالسَّلَامَةَ.

يَأْتِي الكَلَامُ عَلَى القِتَالِ الَّذِي كَانَ بَيْنَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَبَيْنَ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا، وَالقِتَالِ أَيْضًا الَّذِي بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمَا جَمِيعًا، قُلْنَا: إِنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخْبَرَ بِفِتْنَةٍ، وَسَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَيْهَا، وَقَالَ: «إِنِّي لَأَرَى الْفِتَنَ فِي بُيُوتِكُمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ»، وَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِفِتْنَةٍ أَيْضًا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى الكَلَامُ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ، وَالشَّرِّ الَّذِي يَقعُ بَعْدَ الخَيْرِ، وَأَوَّلُ شَرٍّ وَقَعَ وَسَبَّبَ فِتْنَةً وَفُرْقَةً هُوَ قَتْلُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَظْلُومًا، فَتَفَرَّعَ عَنْهُ شَيْءٌ كَثِيرٌ مِن الفِتَنِ المُتَلَاحِقَةِ؛ مِنْ قِتَالِ صِفِّينَ، وَقِتَالِ الجَمَلِ وَغَيْرِهَا.

لَمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ بُويِعَ لِعَلِيٍّ، وَبَايَعَهُ طَلْحَةُ، وَبَايَعَهُ الزُّبَيْرُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ كُلِّهِمْ تَرَدُّدٌ فِي أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ المَوْجُودِينَ، وَجَاءَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّ الأَحْنَفَ لَـمَّا قُتِلَ عُثْمَانُ سَأَلَ طَلْحَةَ وَسَأَلَ الزُّبَيْرَ وَسَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ: «مَنْ أَلْزَمُ؟» قَالُوا كُلُّهُمْ: «الْزَمْ عَلِيًّا»، وَهَذَا الأَثَرُ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَةِ؛ إِذْ يُؤَكِّدُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَحَدٌ يُقَاتِلُ عَلِيًّا يَقُولُ: لَا أَرْضَى بِهِ خَلِيفَةً، أَبَدًا، لَمْ يَكُنْ هَذَا وَاقِعًا، وَلِهَذَا طَوَالَ السِّنِينَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا القِتَالُ لَمْ يُنَصَبْ أَحَدٌ خَلِيفَةً غَيْرَ عَلِيٍّ.

وَجَاءَ بِسَنَدٍ فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَةِ -وَهُوَ صَحِيحٌ وَأَشَارَ إِلَيْهِ الحَافِظُ- أَنَّ أَبَا مُسْلِمٍ الخَوْلَانِيَّ ذَهَبَ إِلَى مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَقَالَ: «تُقَاتِلُ عَلِيًّا؟ أَفَأَنْتَ مِثْلُهُ؟!»، قَالَ: «وَاللَّهِ إِنِّي لَأَعْلَمُ أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنِّي، وَأَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنِّي، وَلَكِنْ أَلَا تَعْلَمُونَ أَنِّي ابْنُ عَمِّ عُثْمَانَ؟ لِيَدْفَعْ لِي قَتَلَتَهُ وَأُسَلِّمُ لَهُ»، فَكَانَ أَصْلُ النِّزَاعِ فِي قَتْلِ عُثْمَانَ، وَلِهَذَا جَاءَ عَنْ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -كَمَا فِي «المُصَنَّفِ» عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ- أَنَّهُ قَالَ: «مَا قَاتَلْتُ عَليًّا إِلَّا فِي شَأْنِ عُثْمَانَ»، يَعْنِي: مَا قَاتَلْتُهُ لِأَنِّي لَا أُرِيدُهُ خَلِيفَةً، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا أَحَدٌ، لَا طَلْحَةُ وَلَا الزُّبَيْرُ وَلَا أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ؛ بَلْ بَايَعَ طَلْحَةُ وَبَايَعَ الزُّبَيْرُ، وَرَأَوْا أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَفْضَلُ المَوْجُودِينَ، وَأَلَحُّوا عَلَيْهِ، وَخَوَّفُوهُ بِاللهِ أَلَّا يُمْسِكَ الخِلَافَةَ، قَالُوا: «لَا بُدَّ أَنْ تُمْسِكَهَا حَتَّى لَا تَضِيعَ الأُمَّةُ».

فَمَا كَانَ هُنَاكَ إِشْكَالٌ فِي أَصْلِ تَوْلِيَةِ عَلِيٍّ نِهَائِيًّا، وَأَرْغَمَ اللهُ بِأُنُوفِ الرَّافِضَةِ، الَّذِينَ يُصَوِّرُونَ الأُمُورَ عَلَى غَيْرِ حَقِيقَتِهَا، فَمَا كَانَ هُنَاكَ أَحَدٌ يَقُولُ: لَا نُرِيدُ عَليًّا. وَلَمْ يَكُنْ هَذَا فِيهِمْ أَصْلًا طَبْعًا حَتَّى يَقُولُوا: لَا نُرِيدُ هَذَا أَوْ نُرِيدُ هَذَا، إِذَا بُويِعَ انْتَهَى، تَمَّتِ البَيْعَةُ، فَجَاءَتْ هَذِهِ المُشْكِلَةُ، وَهِيَ مُشْكِلَةُ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَقَالَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ: «هَذَا الْخَلِيفَةُ الَّذِي ثَبَتَتْ خِلَافَتُهُ قُتِلَ عَلَى هَذِهِ الْهَيْئَةِ الْخَبِيثَةِ»، وَلَمْ يُمَكَّنْ حَتَّى مِنْ دَفْنِهِ إِلَّا مِنْ أَرْبَعَةٍ، سَيْطَرُوا عَلَى الْمَدِينَةِ أَخَذَهُمُ اللهُ، لَمْ يَحْمِلْ جُثْمَانَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَّا أَرْبَعَةٌ فَقَطْ، وَذَهَبُوا بِهِ عَجِلِينَ وَدَفَنُوهُ، وَكَأَنَّهُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مِنْ فَجَرَةِ النَّاسِ، خَلِيفَةُ المُسْلِمِينَ لَا يَدْفِنُهُ إِلَّا أَرْبَعَةٌ؟ فَاغْتَاظَ عَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَاغْتَاظَ أَهْلُ الشَّامِ، وَقَالُوا: «لَا نَحُلُّ عَقْدَهُ بَتَاتًا حَتَّى يُقْتَلَ الْقَتَلَةُ ثُمَّ لِيَتَوَلَّنَا أَيُّ أَحَدٍ»، قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: «قَتْلُ الْقَتَلَةِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، البِلَادُ الخُطُوبُ فِيهَا مُدْلَهِمَّةٌ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُ قَتْلُ الْقَتَلَةِ؟» لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ الْيَدُ وَاحِدَةً، فِي الشَّامِ وَفِي مِصْرَ وَفِي الْعِرَاقِ وَفِي الْحِجَازِ وَفِي كُلِّ مَوْطِنٍ فَيَتَحَدَّدُ الْقَتَلَةُ، خَاصَّةً وَأَنَّ القَتَلَةَ -أَخْزَاهُمُ اللهُ- انْحَازُوا إِلَى قَبَائِلِهِمْ، فَلَيْسَ مِنَ السَّهْلِ أَنْ تَذْهَبَ إِلَى تُجَيْبٍ فَتَأْتِي بِالتُّجَيْبِيِّ، وَتَذْهَبَ إِلَى تَمِيمٍ فَتَأْخُذُ التَّمِيمِيَّ، لَيْسَ الأَمْرُ بِالهَيِّنِ، حَتَّى تَهْدَأَ الأَوْضَاعُ.

وَكَانَ الصَّوَابُ مَعَهُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، أَهْلُ السُّنَّةِ يُقَرِّرُونَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ، وَلَكِنْ جَاءَ حَدِيثٌ فِيهِ مَلْحَظٌ لَحَظَهُ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ، وَهُوَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الخَوَارِجِ: «تَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالحَقِّ»(8) مَنِ الَّذِي قَتَلَ الخَوَارِجَ؟ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَال: فَقَولُهُ: «أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالحَقِّ» يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّائِفَتَيْنِ مَعَ بَعْضِهِمْ مَعَهُمْ بَعْضُ الحَقِّ، وَلَكِنَّ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَوْلَى وَأَجْدَرُ مِنَ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ بِالحَقِّ، يَعْنِي: أَنَّ لَيْسَ عِنْدَنَا طَائِفَةٌ ضَالَّةٌ فَاجِرَةٌ، وَطَائِفَةٌ مُحِقَّةٌ مُصِيبَةٌ بِنِسْبَةِ مِائَةٍ فِي المِائَةِ، هَؤُلَاءِ مَعَهُمْ حَقٌّ هُوَ الأَقْوَى وَالأَكْثَرُ وَالأَجْدَرُ، وَهُوَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا قُطَّاعَ طَرِيقٍ وَفُجَّارًا، حَاشَاهُمْ وَأَجَلَّ اللهُ مَقَامَهُمْ! لَكِنْ كَانَ عِنْدَهُمْ قَضِيَّةٌ، وَهِيَ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ لِعَلِيٍّ لَا إِشْكَالَ فِيهِ، لَكِنْ هَذَا الْمُنْكَرُ وَهُوَ قَتْلُ هَذَا الخَلِيفَةِ الَّذِي قَبْلَ عَلِيٍّ وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الأُمَّةُ، يَجِبُ أَنْ يُبْدَأَ بِهَذَا الْمُنْكَرِ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ، فَقَدَّرَ اللهُ تَعَالَى أَنْ وَقَعَ القِتَالُ، وَأَيْنَ وَقَعَ القِتَالُ بَيْنَ عَلِيٍّ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ؟ كُلُّهُمْ فِي المَدِينَةِ، أَيْنَ وَقَعَتْ مَوْقِعَةُ الجَمَلِ؟ فِي البَصْرَةِ، لَوْ كَانَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ يُرِيدَانِ قِتَالَ عَلِيٍّ لَقَاتَلَاهُ أَيْنَ؟ فِي المَدِينَةِ، فَذَهَبَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا بِمَنْ مَعَهُمْ وَصَحِبَتْهُمْ أُمُّ المُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا وَاتَّجَهُوا إِلَى البَصْرَةِ؛ لِأَنَّ البَصْرَةَ وَفَدَ مِنْهَا مَجْمُوعَةٌ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَأَرَادُوا قِتَالَ أَهْلِ البَصْرَةِ، فَأَحْفَظَ هَذَا عَلِيًّا رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الخَلِيفَةُ، وَالوَاجِبُ أَنْ يُسْمَعَ لَهُ وَيُطَاعَ، وَأَلَّا يَحْدُثَ هَذَا الأَمْرُ إِلَّا بِإِذْنِهِ، فَتَبِعَهُمْ لَا يُرِيدُ قِتَالَهُمْ، أَرَادَ أَنْ يَرُدَّهُمْ وَيَقُولَ: قِفُوا، حَتَّى لَوْ أَرَدْنَا قَتْلَ القَتَلَةِ فَإِنَّكُمْ مَا تَتَوَلَّوْنَ هَذَا أَنْتُمْ. فَكَتَبَ اللهُ تَعَالَى أَنْ وَقَعَتِ المَوْقِعَةُ بِغَيْرِ رِضَا الطَّرَفَيْنِ.

قَالَ شَيْخُ الإِسْلَامِ رَحِمَهُ اللهُ: قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ المُؤَرِّخِينَ: إِنَّ بَدْءَ القِتَالِ بَيْنَ عَلِيٍّ وَبَيْنَ الزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ لَمْ يُرِدْهُ الجَمِيعُ، وَإِنَّمَا أَثَارَهُ مَنْ؟ أَثَارَهُ الفَجَرَةُ الَّذِينَ قَتَلُوا عُثْمَانَ؛ لِأَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ عَلِيًّا وَالزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ قَدِ الْتَأَمَ أَمْرُهُمْ عَلَى قَتْلِ القَتَلَةِ فِي البَصْرَةِ، فَأَرَادُوا أَلَّا يَتَفَرَّجُوا حَتَّى يُؤْخَذُوا، فَأَثَارُوا القِتَالَ وَصَارَ مَا صَارَ وَنَدِمَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ عَلَى مَا وَقَعَ، وَمِنْهُمْ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ مَعَ أَنَّهُ عَلَى الحَقِّ؛ لِأَنَّهُ لَـمَّا رَأَى طَلْحَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَتِيلًا صَارَ يُزِيلُ التُّرَابَ عَنْ جَبْهَتِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَيَقُولُ: يَعِزُّ عَلَيَّ أَبَا مُحَمَّدٍ أَنْ أَرَاكَ مُجَنْدَلًا تَحْتَ نُجُومِ السَّمَاءِ، يَا حَسَنُ، لَيْتَ أَبَاكَ مَاتَ مُنْذُ عِشْرِينَ سَنَةً. يَقُولُ: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ أَنْ أَرَى طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللهِ مَقْتُولًا.

وَلَا تَعْجَبْ؛ فَكُلُّهُمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ زُمَلَاءُ خَيْرٍ فِي الهِجْرَةِ، وَفِي الصَّبْرِ عَلَى أَذَى الكُفَّارِ فِي مَكَّةَ، ثُمَّ زُمَلَاءُ فِي الهِجْرَةِ إِلَى المَدِينَةِ وَفِي بَدْرٍ وَفِي أَحَدٍ وَفِي الخَنْدَقِ، وَفِي المَشَاهِدِ وَفِي قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، وَفِي فَتْحِ الرُّومِ وَفِي فَتْحِ فَارِسَ، كُلُّهُمْ كَانُوا مُتَعَاضِدِينَ عَلَى هَذَا، ثُمَّ جَاءَتْ هَذِهِ المَسْأَلَةُ، فَلَمْ يَهُنْ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ هَذَا.

وَلَمَّا قَتَلَ ابْنُ جُرْمُوزٍ الزُّبَيْرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ اسْتَأْذَنَ مِنَ الغَدِ عَلَى عَلِيٍّ وَقَالَ: قَاتِلُ الزُّبَيْرِ بِالبَابِ. يُرِيدُ عَلِيًّا أَنْ يُعْطِيَهُ شَيْئًا، يُرِيدُ أَنْ يَكُونَ ضِمْنَ الحَشَمِ. قَالَ: بَشِّرْ قَاتِلَ ابْنِ سُمَيَّةَ بِالنَّارِ. فَغَضِبَ ابْنُ جُرْمُوزٍ قَالَ: أَنَا أَقْتُلُهُ لِأَجْلِهِ ثُمَّ يَقُولُ: بَشِّرْهُ بِالنَّارِ؟ لِأَنَّ الزُّبَيْرَ وَطَلْحَةَ وَعَلِيًّا قَدْ جَاءَ الحَدِيثُ بِأَنَّهُمْ جَمِيعًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، كَمَا فِي حَدِيثِ العَشَرَةِ، وَقَالَ: بَشِّرِ ابْنَ جُرْمُوزٍ -الَّذِي فَرِحَ الآنَ بِقَتْلِ الزُّبَيْرِ وَإِنْ كَانَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِأَجْلِي- بَشِّرْهُ بِالنَّارِ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» لَا يَتَنَاوَلُ الصَّحَابَةَ؛ لأُمُورٍ:

مِنْهَا: أَنَّ هَذَا الحَدِيثَ يُرَادُ بِهِ القِتَالُ عَلَى الدُّنْيَا، كَمَا فِي لَفْظِ البَزَّارِ: «إِذَا اقْتَتَلْتُمْ عَلَى الدُّنْيَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ»(9).

الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ وَقُطِعَ قَطْعًا بِأَنَّ عَلِيًّا فِي الجَنَّةِ، وَالزُّبَيْرَ الَّذِي قَاتَلَهُ فِي الجَنَّةِ، وَطَلْحَةَ الَّذِي قَاتَلَهُ فِي الجَنَّةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، فَقَتْلَى هَؤُلَاءِ لَا يُقَالُ: قَتْلَاهُمْ فِي النَّارِ. حَاشَا، لِمَ؟ لِأَنَّ ثَمَّةَ سَبَبًا فِي القِتَالِ، يَعْنِي: القِتَالُ نَعَمْ فِيهِ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ -وَهُوَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-، فَلَهُ أَجْرُ الصَّوَابِ وَأَجْرُ الِاجْتِهَادِ، وَهُمْ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ اجْتَهَدُوا فَأَخْطَأُوا، فَحَصَّلُوا أَجْرَ الِاجْتِهَادِ وَفَاتَهُمْ أَجْرُ الصَّوَابِ، وَهَذَا أَمْرٌ أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ وَصَارَ شِعَارًا مِنَ الشِّعَارَاتِ، أَنَّ مَنْ تَعَرَّضَ لِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مَسْلَكَ الرَّافِضَةِ.

وَأَيْضًا مَنْ حَزَّبَ النَّاسَ لِيَكُونُوا مَعَ أَحَدٍ ضِدَّ أَحَدٍ؛ بِمَعْنَى: أَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُشْتَمَ مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا، أَوْ يُرِيدُ أَنْ يُشْتَمَ عَلِيٌّ لِأَنَّهُ قَاتَلَهُمْ، هَذَا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ بِإِطْبَاقٍ مِنْ أَهْلِ البِدَعِ وَالضَّلَالِ، وَنَصُّوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُمْ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ؛ لِأَنَّهُمُ اجْتَهَدُوا وَأَرَادُوا الدَّارَ الآخِرَةَ، وَظَنُّوا أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا، فَمِنْهُمْ مَنْ أَصَابَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْطَأَ.

قَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِمْ: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ﴾ وَطَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَعَلِيٌّ بِالإِجْمَاعِ مِنْهُمْ، ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَِ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ(10)، وَقَالَ تَعَالَى فِي عُمُومِ الصَّحَابَةِ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى(11) فَقَسَمَ الصَّحَابَةَ إِلَى قِسْمَيْنِ:

القِسْمِ الأَوَّلِ: مَنْ آمَنَ قَبْلَ الفَتْحِ، وَالمُرَادُ بِهِ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، هُوَ المُرَادُ بِالآيَةِ، وَهُوَ المُرَادُ بِالفَتْحِ فِي قَوْلِهِ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا(12)، وَلَمَّا سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: «أَفَتْحٌ هُوَ؟» قَالَ: «نَعَمْ»، فَمِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ آمَنَ قَبْلَ الفَتْحِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بَعْدَ الفَتْحِ، كُلُّهُمْ ذَوُو دَرَجَةٍ، لَكِنَّهُمْ يَتَفَاوَتُونَ فِي الدَّرَجَةِ، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا﴾ يَعْنِي: مِمَّنْ أَنْفَقَ وَآمَنَ قَبْلَ الفَتْحِ وَآمَنَ وَأَنْفَقَ بَعْدَ الفَتْحِ ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى﴾ وَالمُرَادُ بِالحُسْنَى: الجَنَّةُ، فَهُمْ مَوْعُودُونَ جَمِيعًا الجَنَّةَ.

وَلِهَذَا لَـمَّا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بَعْدَ أَنْ قُتِلَ طَلْحَةُ، قَالَ لِابْنِهِ مُحَمَّدٍ أَوْ لِغَيْرِهِ -لِأَحَدِ أَبْنَاءِ طَلْحَةَ- قَالَ لَهُ: «إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَنَا وَأَبُوكَ مِمَّنْ قَالَ اللهُ فِيهِمْ: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ(13)»، فَقَالَ بَعْضُ مَنْ عِنْدَ عَلِيٍّ: «اللهُ أَعْدَلُ مِنْ أَنْ تَقْتَتِلُوا وَيَجْمَعُكُمْ فِي النَّارِ»، قَالَ: «قُمْ أَبَعْدَ مَوْضِعٍ وَأَسْحَقَهُ إِنْ لَمْ أَكُنْ أَنَا وَطَلْحَةُ. فَمَنْ؟». أَوْلَى النَّاسِ بِهَذَا الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، أَوْلَى النَّاسِ بِالآيَةِ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِمْ رِضْوَانُ اللهِ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ المُؤْمِنَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُحَزِّبَ النَّاسَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، لَا أَنْ يَقُولَ: هَؤُلَاءِ ظَلَمَهُمْ عَلِيٌّ. وَلَا أَنْ يَقُولَ: أُولَئِكَ ضَالُّونَ بِخُرُوجِهِمْ عَلَيْهِ. لَا يَجُوزُ هَذَا قَطْعًا بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَصَارَتْ هَذِهِ -وَللهِ الحَمْدُ- عَلَامَةً تُبَيِّنُ الرَّافِضيَّ مِنَ السُّنِّيَّ، مَنْ تَعَرَّضَ لِلصَّحَابَةِ أَيًّا كَانَ -طَلْحَةَ أَوِ الزُّبَيْرَ أَوْ مُعَاوِيَةَ أَوْ عَمْرَو بْنَ العَاصِ- فَإِنَّهُ فِيهِ رَفْضٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِالضَّرُورَةِ شِيعِيًّا، لَكِنْ يُقَالُ: فِيهِ مَسْلَكٌ مِنْ مَسَالِكِ الرَّافِضَةِ.

وَقَدْ سُئِلَ الإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عَمَّنْ يَسُبُّ مُعَاوِيَةَ، أَيُصَلَّى خَلْفَهُ؟ قَالَ: «لَا، وَلَا كَرَامَةً»، مَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُصَلَّى خَلْفَهُ، وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: «مُعَاوِيَةُ سِتْرٌ لِأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ، فَمَنْ هَتَكَهُ دَخَلَ إِلَى غَيْرِهِ»، يَعْنِي: إِذَا قَالَ: أَنَا لَا أَشْتُمُ الصَّحَابَةَ أَبَدًا، لَكِنْ مُعَاوِيَةُ هَذَا سَأَسُبُّهُ. يُقَالُ: سَتَسُبُّ مُعَاوِيَةَ وَسَتَدْخُلُ إِلَى غَيْرِ مُعَاوِيَةَ، لَنْ تَقِفَ عِنْدَ مُعَاوِيَةَ قَطْعًا، سَتَسُبُّ غَيْرَهُ حَتَّى تَصِلَ إِلَى السَّابِقِين الأَوَّلِينَ، وَلِهَذَا وَجَبَ الكَفُّ عَنْ مَسَاوِيهِمْ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ.

فَالصَّحَابَةُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ انْقَسَمُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:

القِسْمُ الأَوَّلُ: مَنْ رَأَى أَنَّ عَلِيًّا تَمَّتْ لَهُ البَيْعَةُ فَإِنَّهُ يُنَاصِرُهُ، وَهُوَ مِمَّنِ اجْتَهَدَ فَأَصَابَ.

القِسْمُ الثَّانِي: مَنْ رَأَى أَنَّ عَلِيًّا وَإِنْ لَمْ يُنَازَعْ وَلَمْ يُرَدْ قِتَالَهُ إِلَّا أَنَّ المُتَوَجِّبَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْتُلَ القَتَلَةَ أَوَّلًا، وَهُمْ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ وَمُعَاوِيَةُ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدِ اجْتَهَدُوا فَأَخْطَأُوا رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَلَهُمْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ دُونَ الصَّوَابِ.

القِسْمُ الثَّالِثُ: أَبُو بَكْرَةَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ، أَبُو بَكْرَةَ، ابْنُ عُمَرَ، أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ، أُهْبَانُ بْنُ صَيْفِيٍّ، وَعَدَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، اشْتَبَهَ عَلَيْهِمُ الأَمْرُ، وَلَمْ يَتَّضِحْ لَهُمْ أَيَدْخُلُونَ مَعَ عَلِيٍّ أَمْ يَدْخُلُونَ مَعَ مَنْ يُرِيدُونَ قَتْلَ القَتَلَةِ، فَمَا الوَاجِبُ عَلَيْهِمْ؟ الوَاجِبُ كَمَا فِي النُّصُوصِ، الوَاجِبُ أَنْ يَعْتَزِلُوا شَرْعًا، إِذَا لَمْ يَتَّضِحْ وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ مَعَ غَيْرِهِمْ، لَكِنْ حِينَ لَمْ يَتَّضِحِ الأَمْرُ وَلَمْ يَكُنْ جَلِيًّا لَمْ يَجُزْ لَهُمُ الإِقْدَامُ.

وَبِذَلِكَ تَكُونُ القُلُوبُ سَالِمَةً لِأَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَنَعْلَمُ أَنَّ مَنْ كَفَّ عَنِ الْفِتْنَةِ فَهَذَا اجْتِهَادُهُ، وَهُوَ المُتَعَيِّنُ عَلَيْهِ، المُتَعَيِّنُ عَلَى سَعْدٍ هُوَ أَنْ يَكُفَّ، لِمَ؟ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، المُتَعَيِّنُ عَلَى عَمَّارٍ أَنْ يَدْخُلَ مَعَ عَلِيٍّ، لِمَ؟ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ تَرَجَّحَ عِنْدَهُمُ العَكْسُ، فَهَذَا الَّذِي فَعَلُوهُ، فَيَكُونُ مِنْهُمْ مَنْ أَصَابَ فَلَهُ الأَجْرَانِ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَخْطَأَ فَلَهُ الأَجْرُ الوَاحِدُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ، أَمَّا أَنْ يُحَزَّبَ النَّاسُ عَلَى عَلِيٍّ أَوْ مَعَ عَلِيٍّ ضِدَّ غَيْرِهِ، فَهَذَا صَنِيعُ الرَّافِضَةِ.

وَمِنْ هُنَا فَإِنَّ قَوْلَ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِلْأَحْنَفِ: ارْجِعْ؛ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِذَا تَوَاجَهَ الْمُسْلِمَانِ» أَوْ: «إِذَا الْتَقَى الْمُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهمَا فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ» هَذَا بِحَسَبِ اجْتِهَادِ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: الآنَ القِتَالُ عِنْدِي لَا أَشُكُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، فَنَصَحَ الأَحْنَفَ بْنَ قَيْسٍ بِالَّذِي تَرَجَّحَ عِنْدَهُ، رَحِمَ اللهُ الجَمِيعَ، وَبِذَلِكَ تَكُونُ القُلُوبُ سَالِمَةً لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، وَتَكُونُ المَسْأَلَةُ جَلِيَّةً مِنْ جِهَةِ مَنْ مَعَهُ الصَّوَابُ مِمَّنْ مَعَهُ الِاجْتِهَادُ الَّذِي لَمْ يُصِبْ فِيهِ، وَتَبْقَى القُلُوبُ سَالِمَةً؛ لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى ذَكَرَ آيَةً فِي هَذِهِ الأُمَّةِ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ بَعْدَ أَنْ ذَكَر َ المُهَاجِرِيْنَ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ المُهَاجِرِيْنَ الذِيْنَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾، ثُمَّ ذَكَرَ الأَنْصَارَ: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ(14) ذَكَرَ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، فَقَالَ: ﴿وَالَّذِينَ جَاؤُوا مِن بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا(15)، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْدِثَ أَحَدٌ غِلًّا فِي قُلُوبِ أَهْلِ الإِسْلَامِ لِعَلِيٍّ أَوْ لِطَلْحَةَ، لَا يَجُوزُ هَذَا.

وَمَا فَعَلَهُ أَحَدُهمْ مِنْ تَجْمِيعِهِ جُمْلَةً مِنَ الأَشْرِطَةِ لَا يَعْرِفُ فِيهَا القُبُلَ مِنَ الدُّبُرِ، وَلَا يَعْرِفُ الصَّحِيحَ مِنَ الضَّعِيفِ، جَمَّعَ أَشْيَاءَ مَوْضُوعَةً وَأَشْيَاءَ ضَعِيفَةً مِنْ هَذِهِ الأَخْبَارِ، وَأَخْرَجَهَا فِي أَشْرِطَةٍ، فَسَبَّبَ شَوْشَرَةً لَيْسَتْ هَيِّنَةً بِسَبَبِ عَدَمِ بَصِيرَتِهِ؛ لِأَنَّ الأَخْبَارَ مَلِيئَةً بِالأَسَانِيدِ الكَاذِبَةِ الَّتِي تَرْوِيهَا الرَّافِضَةُ فِي التَّارِيخِ، مِنْ جَمَاعَةِ أَبِي مِخْنَفٍ لُوطِ بْنِ يَحْيَى وَمَا يَرْوِيهِ الوَاقِدِيُّ المَتْرُوكُ وَمَا يَرْوِيهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ، وَهَذَا وَاللهِ لَا يَدْرِي بِالَّذِي فِي البُخَارِيِّ مِنَ الَّذِي فِي تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ، فَجَمَّعَهَا فَسَبَّبَتْ إِرْبَاكًا شَدِيدًا فِي النَّاسِ؛ لِأَنَّهُ جَمَعَ أَشْيَاءَ مَوْضُوعَةً بَاطِلَةً لَا تَصِحُّ وَلَا تُنْسَبُ لِلصَّحَابَةِ، يَرْوِيهَا مِثْلُ لُوطِ بْنِ يَحْيَى وَنَحْوِهِ مِنَ الشِّيِعَةِ المُحْتَرِقِينَ فَنَشَرَهَا فِي النَّاسِ، وَلَوْ قِيلَ لَهُ: أَيْنَ الصَّحِيحُ؟ قَالَ: مَا أَدْرِي، لَكِنْ هَذِهِ أَخْبَارٌ. أَخْبَارٌ تَتَعَلَّقُ بِالصَّحَابَةِ، وَالصَّحَابَةُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الِاعْتِقَادِ، فَمَا الَّذِي أَقْحَمَكَ هَذَا البَابَ أَصْلًا؟ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مِنَ الجَهْلِ، وَلِهَذَا سَبَّبَ إِرْبَاكًا، وَلِهَذَا يَقُولُ أَهْلُ العِلْمِ: كُلُّ مُحَزِّبٍ لِلنَّاسِ عَلَى فَرِيقٍ مِنَ الصَّحَابَةِ فَفِيهِ شُعْبَةٌ مِنَ الرَّفْضِ. لَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَزِّبَ أَحَدًا ضِدَّ عَلِيٍّ وَلَا ضِدَّ طَلْحَةَ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَقُولَ مَا أَمَرَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ عِبَادَهُ بِهِ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِّلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ(16).

وَالرَّافِضَةُ -أَخْزَاهُمُ اللهُ- يُرَكِّزُونَ عَلَى مِثْلِ هَذِهِ الأُمُورِ لِيُوجِدُوا فِي الجَهَلَةِ مَا يَظُنُّونَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُزَحْزِحَهُمْ وَيُزِيغَهُمْ، ثُمَّ إِنَّ الرَّافِضَةَ -كَمَا تَعْلَمُ- لَا يَتَوَقَّفُونَ عِنْدَ قِتَالِ عَلِيٍّ، وَمَنْ قَاتَلَهُ. مَا ذَنْبُ عُمَرَ؟ لَمْ يُقَاتِلُ عَلِيًّا، وَكَانَ مُجِلًّا لَهُ مُكْرِمًا، وَكَانَ دَائِمًا يَسْتَشِيرُ عَلِيًّا، مَا ذَنْبُ أَبِي بَكْرٍ؟ الرَّافِضَةُ لَهُمْ مَبْدَأٌ فِي تَبْغِيضِ الصَّحَابَةِ لِعُمُومِ المُسْلِمِينَ، وَلَيْسَتِ المَسْأَلَةُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَاتَلُوا عَلِيًّا.

وَقَدْ سَمِعْتُ أَحَدَهُمْ يَقُولُ -أَخْزَاهُ اللهُ- يَقُولُ: الَّذِي نَكْرَهُهُ لَيْسَ أَبَا بَكْرٍ وَلَا خَالِدًا، نَحْنُ نَكْرَهُ عُمَرَ أَشَدَّ مِنْ كُرْهِنَا لِأَبِي بَكْرٍ وَخَالِدٍ. ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا كَرِهْنَا عُمَرَ لِأَنَّهُ هَدَّمَ الدَّوْلَةَ الفَارِسِيَّةَ. انْظُرْ إِلَى الحَمِيَّةِ الجَاهِلِيَّةِ! ثُمَّ يَقُولُ: عُمَرُ يَأْخُذُ بَنَاتَ الأَشْرَافِ -يَقْصِدُ الفُرْسَ- وَيُعْطِيهَا الهَمَجَ العَرَبَ هَؤُلَاءِ لَهُمْ. مَنْطِقٌ شُعُوبِيٌّ جَاهِلٌ مَحْضٌ، ثُمَّ يَقُولُ: إِنَّنَا مَعْشَرَ الشِّيِعَةِ قُلْنَا: إِنَّ عُمَرَ ضَرَبَ فَاطِمَةَ وَكَسَرَ ضَلْعَهَا. ثُمَّ يَضْحَكُ وَيَقُولُ: وَاللهِ لَا كَسَرَ ضَلْعَهَا وَلَا شَيْءَ، وَلَكِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَصْبِغَهَا بِصَبْغَةٍ دِينِيَّةٍ. هَكَذَا يَقُولُ.

فَسَبُّ الصَّحَابَةِ مِنْ قِبَلِ الرَّافِضَةِ، لَا شَكَّ أَنَّ سَبَّهُمْ لَهُمُ المَقْصُودُ بِهِ تَهْدِيمُ الإِسْلَامِ، لَا القَضِيَّةُ أَنَّ هَذَا قَتَلَ عَلِيًّا أَوْ غَيْرَهُ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُقَاتِلْ عَلِيًّا وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَأَجَلَّهُ حَتَّى تُوُفِّيَ، وَكَذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنِ الجَمِيعِ، فَالمَسْأَلَةُ فِي تَحْزِيْبِ النَّاسِ ضِدَّ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ أَوْ تَبْغِيضِ الصَّحَابَةِ لِلنَّاسِ - لَا شَكَّ أَنَّهَا فِعْلُ أَهْلِ الضَّلَالِ وَالزِّيغِ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب إذا التقى المسلمان بسيفيهما (7083)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (2888).
(2) أخرجه النسائي في كتاب تحريم الدم- باب تحريم القتل (4120).
(3) أخرجه البخاري في كتاب الإيمان- باب وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما (31).
(4) أخرجه البخاري في كتاب الديات- باب قول الله تعالي: {ومن أحياها} (6875).
(5) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب الخطبة أيام منى (1741)، ومسلم في كتاب القسامة والمحاربين والقصاص والديات- باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال (1679).
(6) ذكره ابن حجر في «فتح الباري» (13/34).
(7) أخرجه أبو داود في كتاب الفتن والملاحم- باب في النهي عن السعي في الفتنة (4258)، وضعفه الألباني في «ضعيف أبي داود»، وقال: «ضعيف».
(8) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب علامة النبوة في الإسلام (3610)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1065).
(9) سبق تخريجه.
(10) سورة التوبة: 100.
(11) سورة الحديد: 10.
(12) سورة الفتح: 1.
(13) سورة الحجر: 47.
(14) سورة الحشر: 9.
(15) سورة الحشر: 10.
(16) سورة الحشر: 10.