موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ - شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري
 مقدمة
 كِتَابُ الفِتَن
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «سَتَرَوْنَ بَعْدِي أُمُورًا تُنْكِرُونَهَا»
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «هَلَاكُ أُمَّتِي عَلَى يَدَيْ أُغَيْلِمَةٍ سُفَهَاءَ»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ»
 بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ
 بَابٌ: لَا يَأْتِي زَمَانٌ إِلَّا الَّذِي بَعْدَهُ شَرٌّ مِنْهُ
 بَابُ: قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلَاحَ فَلَيْسَ مِنَّا»
 أسئلة
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ
 بَابٌ: تَكُونُ فِتْنَةٌ القَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ القَائِمِ
 بَابٌ: إِذَا الْتَقَى المُسْلِمَانِ بِسَيْفَيْهِمَا
 بَابٌ: كَيْفَ الأَمْرُ إِذَا لَمْ تَكُنْ جَمَاعَةٌ
 أسئلة
 بَابٌ: مَنْ كَرِهَ أَنْ يُكَثِّرَ سَوَادَ الفِتَنِ وَالظُّلْمِ
 بَابٌ: إِذَا بَقِيَ فِي حُثَالَةٍ مِنَ النَّاسِ
 بَابُ التَّعَرُّبِ فِي الْفِتْنَةِ
 بَابُ التَّعَوُّذِ مِنَ الفِتَنِ
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْفِتْنَةُ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ»
 بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 أسئلة
 تابع: بَابُ الْفِتْنَةِ الَّتِي تَمُوجُ كَمَوْجِ الْبَحْرِ
 بَابٌ: إِذَا أَنْزَلَ اللهُ بِقَوْمٍ عَذَابًا
 بَابُ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا: «إِنَّ ابْنِي هَذَا لَسَيِّدٌ وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنْ المُسْلِمِيْنَ»
 بَابٌ: إِذَا قَالَ عِنْدَ قَوْمٍ شَيْئًا ثُمَّ خَرَجَ فَقَالَ بِخِلَافِهِ
 بَابٌ: لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُغْبَطَ أَهْلُ القُبُورِ
 بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 أسئلة
 تابع: بَابُ تَغَيُّرِ الزَّمَانِ حَتَّى تُعْبَدَ الأَوْثَانُ
 بَابُ خُرُوجِ النَّارِ
 الدَّجَّال
 بَابُ ذِكْرِ الدَّجَّالِ
 بَابٌ: لَا يَدْخُلُ الدَّجَّالُ المَدِينَةَ
 بَابُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ
 أسئلة
شرح كتاب الفتن من صحيح الامام البخاري - بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ

بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ

«حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ(1)، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّمَا هُوَ؟ قَالَ: الْقَتْلُ الْقَتْلُ. وَقَالَ شُعَيْبٌ وَيُونُسُ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ: عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ»(2).

«حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: جَلَسَ عَبْدُ اللهِ وَأَبُو مُوسَى فَتَحَدَّثَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ»(21).

«حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مِثْلَهُ- وَالْهَرْجُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْقَتْلُ»(22).

«حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -وَأَحْسِبُهُ رَفَعَهُ- قَالَ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ، يَزُولُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ -بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ-»(23).


هَذَا البَابُ فِي ظُهُورِ الفِتَنِ، وَاللَّفْظُ المُطَابِقُ لَهُ هُوَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَتَظْهَرُ الفِتَنُ»، ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الحَدِيثِ خَمْسَةَ أُمُورٍ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا بِحَاجَةٍ إِلَى تَوْضِيحٍ.

مِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ». مَا المُرَادُ بِتَقَارُبِ الزَّمَانِ؟

مِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ المُرَادَ بِتَقَارُبِ الزَّمَانِ قِلَّةُ البَرَكَةِ فِيهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ؛ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ، وَالشَّهْرُ كاَلجُمُعَةِ، وَالجُمُعَةُ كَاليَوْمِ»(3)؛ يَعْنِي: مِنْ قِلَّةِ بَرَكَةِ الأَيَّامِ.

قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّ المُرَادَ تَقَارُبُ أَهْلِ الزَّمَانِ فِي أَحْوَالِهِمْ بِقِلَّةِ الدِّينِ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهِمْ مَنْ يَأْمُرُ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِذَا تَسَاوَى النَّاسُ وَصَارُوا عَلَى هَذَا الحَالِ الوَاحِدِ مِنْ عَدَمِ الأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَذَلِكَ مِنْ تَقَارُبِ الزَّمَانِ بِتَقَارُبِ حَالِ أَهْلِهِ مِنْ حَيْثُ الفَسَادِ؛ إِذْ تَرَكُوا الأَمْرَ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ.

شَيْخُنَا الشَّيْخُ ابْنُ بَازٍ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى ذَكَرَ أَنَّ مِمَّا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرادَ بِقَوْلِهِ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ» أَنْ يُرَادَ: الآلَاتُ الَّتِي قَرَّبَتِ الزَّمَانَ بِالوَسَائِلِ وَالمُوَاصَلَاتِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ الآنَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الوَسَائِلَ قَرَّبَتْ بِحَمْدِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا كَثِيرًا مِنَ الزَّمَانِ، فَالحَجُّ الَّذِي كَانَ الإِنْسَانُ فِي هَذِهِ البِلَادِ يَسْتَغْرِقُ فِيهِ نَحْوًا مِنْ شَهْرٍ وَنِصْفٍ حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَكَّةَ صَارَ يَصِلُ إِلَى مَكَّةَ فِي يَوْمِهِ، وَقَدْ يَأْخُذُ العُمْرَةَ فِي الضُّحَى وَيَعُودُ بَعْدَ الظُّهْرِ؛ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ المُرَادُ هَذَا، وَمِنْ أَهْلِ العِلْمِ مَنْ يُرَجِّحُ هَذَا، وَبِالتَّالِي يَكُونُ هَذَا مِنَ الإِشَارَةِ إِلَى هَذِهِ الآلَاتِ.

وَمِمَّا أُشِيرَ إِلَيْهِ فِي هَذِهِ الآلَاتِ: أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَـمَّا ذَكَرَ الخَيْلَ وَالإِبِلَ ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةٍ﴾ قَالَ بَعْدَهَا: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(4).

قَالَ ابْنُ سِعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: «إِنَّ الآيَةَ إِشَارَةٌ إِلَى هَذِهِ المَرَاكِبِ بِقَوْلِهِ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ الوَسَائِلَ الَّتِي كَانَ يُقْطَعُ بِهَا الطُّرُقَاتُ قَدِيمًا». الخَيْلُ وَالبِغَالُ وَالإِبِلُ وَالحَمِيرُ هَذِهِ هِيَ المُسْتَخْدَمَةُ دَوَابَّ يَسْعَى عَلَيْهَا النَّاسُ، ثُمَّ قَالَ: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ فِي إِثْرِ ذَلِكَ. مَا هُوَ الَّذِي لَا يَعْلَمُونَ؟

قَالَ: «المَقْصُودُ هَذِهِ المَرَاكِبُ؛ مِنَ الطَّائِرَاتِ، وَمِنَ السَّيَّارَاتِ وَنَحْوِهَا».

وَأَخَذَ أَيْضًا بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ -هُوَ العَلَّامَةُ الشَّيْخُ الشِّنْقِيطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، صَاحِبُ أَضْوَاءِ البَيَانِ- مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي «مُسْلِمٍ»: «وَلَتُتْرَكَنَّ الْقِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا»(5) القِلَاصُ: الإِبِلُ، قَالَ: «هَذَا الحَدِيثُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ مِنَ العَجَائِبِ أَنْ يُقَالَ لَوْلَا أَنَّهُ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ». يَقُولُ: مَا كَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ يُسَافِرُونَ سَفَرًا إِلَّا عَلَى الإِبِلِ؛ لِأَنَّ الإِبِلَ هِيَ الَّتِي يُقْطَعُ بِهَا المَسَافَاتُ الطَّوِيلَةُ.

فَقَوْلُهُ: «وَلَتُتْرَكُنَّ القِلَاصُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا» هَذَا لَا يَكَادُ؛ هَذَا لَا يُقِرُّ بِهِ إِلَّا مَنْ صَدَّقَ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَآمَنَ بِهِ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَا يَتَصَوَّرُونَ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ قَطْعٌ لِلْمَسَافَاتِ إِلَّا مِنْ خِلَالِ الإِبِلِ؛ لِأَنَّ الإِبِلَ هِيَ المُتَّخَذَةُ لِلسَّفَرِ الطَّوِيلِ، أَمَّا مِثْلُ الحُمُرِ وَالخُيُولِ وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا لَا تَسْتَطِيعُ السَّفَرَ المُطَوَّلَ المُجْهِدَ، أَمَّا الإِبِلُ فَكَانَتْ هِيَ الَّتِي كَانَ يُسْعَى عَلَيْهَا فِي الحَجِّ وَفِي غَيْرِهِ، فَيَأْتِي النَّاسُ مِنْ أَقَاصِي البُلْدَانِ عَلَى الإِبِلِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ خَاصًّا بِالعَرَبِ، هَذَا عِنْدَ عُمُومِ النَّاسِ؛ فَكَوْنُهَا تُتْرَكُ فَلَا يُسْعَى عَلَيْهَا أَخَذَ مِنْ هَذَا رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى أَنَّ المُرَادَ أَنْ تُتْرَكَ لِوُجُودِ البَدِيْلِ، وَهُوَ السَّيَّارَاتُ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ فِي هَذِهِ النُّصُوصِ إِشَارَاتٍ قَدْ تُحْمَلُ عَلَى مَا يَقَعُ فِي إِثْرِ هَذِهِ الأَزْمِنَةِ، وَيَكُونُ الحَدِيثُ فِي هَذِهِ الحَالِ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ، وَحَتَّى بِالتَّفْسِيرِ السَّابِقِ مِنْ جِهَةِ قِلَّةِ البَرَكَةِ أَوْ تَقَارُبِ أَهْلِ الزَّمَانِ فِي الفَسَادِ، بِحَيْثُ لَا يُؤْمَرُ بِالمَعْرُوفِ وَلَا يُنْهَى عَنِ الْمُنْكَرِ، فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ يَدْخُلُ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ؛ لِأَنَّ فِيهِ خَبَرًا عَنْ أَمْرٍ غَيْبِيٍّ لَمْ يَقَعْ فَوَقَعَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى، فَهَذِهِ هِيَ التَّفْسِيرَاتُ، وَفِيهَا تَفَاسِيرُ أُخْرَى أَيْضًا فِي المُرَادِ بِقَوْلِهِ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ».

ثُمَّ قَالَ: «وَيَنْقُصُ العِلْمُ»(6)، فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «وَيَنْقُصُ العَمَلُ»(7)، وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ، فَيَكُونُ نَقْصُ العَمَلِ عَلَى رِوَايَةِ: «وَيَنْقُصُ العَمَلُ» مِنْ آثَارِ نَقْصِ الدِّينِ، نَقْصُ عَمَلِ النَّاسِ بِسَبَبِ نَقْصِ تَدَيُّنِهِمْ؛ إِذِ العَمَلُ مِنَ الإِيمَانِ، فَإِذَا نَقَصَ العَمَلُ نَقَصَ الإِيمَانُ كَمَا لَا يَخْفَى، فَأَخْبَرَ أَنَّ العَمَلَ سَيَنْقُصُ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَمَا قُلْنَا: «وَيَنْقُصُ العِلْمُ» وَسَيَأْتِي عَلَيْهَا الكَلَامُ إِنْ شَاءَ اللهُ فِي الحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ.

قَالَ: «وَيُلْقَى الشُّحُّ»(8)؛ وَالشُّحُّ هُوَ أَشَدُّ البُخْلِ، وَقِيلَ: إِنَّهُ أَعَمُّ مِنَ البُخْلِ؛ لِأَنَّ البُخْلَ هُوَ البُخْلُ بِالمَالِ، أَمَّا الشُّحُّ فَهُوَ البُخْلُ بِالمَالِ وَبِالمَعْرُوفِ حَتَّى.

ثُمَّ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَتَظْهَرُ الفِتَنُ»؛ وَهَذَا هُوَ المُطَابِقُ لِلَفْظِ التَّرْجَمَةِ: «بَابُ ظُهُورِ الفِتَنِ»، أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِهِ: «وَتَظْهَرُ الفِتَنُ».

ثُمَّ قَالَ: «وَيَكْثُرُ الهَرْجُ». فَسَأَلُوهُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّمَا هُوَ؟ يَعْنِي: مَا الهَرْجُ؟ كَمَا فِي الرِّوَايَاتِ الأُخْرَى؛ لَمَّا قَالَ: «يَكْثُرُ الهَرْجُ». قَالُوا: مَا الهَرْجُ؟ قَالَ: «القَتْلُ القَتْلُ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: أَنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

هَذِهِ الأُمُورُ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ المُرَادَ لَيْسَ أَصْلُ وُقُوعِهَا، وَلَكِنَّ المُرَادَ أَنَّهَا تَشْتَدُّ وَتَكْثُرُ وَتَنْتَشِرُ، أَمَّا مُجَرَّدُ وُجُودِ القَتْلِ فَهُوَ مَوْجُودٌ قَدِيمًا، وَلَكِنَّ المَقْصُودَ أَنْ يَكْثُرَ القَتْلُ كَثْرَةً شَدِيدَةً، وَهَكَذَا قَوْلُهُ: «وَيُلْقَى الشُّحُّ» لَيْسَ المَقْصُودُ مُجَرَّدَ وُجُودِ الشُّحِّ، وَإِنَّمَا المَقْصُودُ أَنْ يَنْتَشِرَ -عِيَاذًا بِاللهِ- الشُّحُّ وَيَكُونَ عَلَى نِطَاقٍ وَاسِعٍ، وَهَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِنَقْصِ العَمَلِ أَوْ نَقْصِ العِلْمِ عَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى.

وَقَوْلُهُ: «وَيَكْثُرُ الهَرْجُ» سَيَأْتِي الكَلَامُ عَلَى المُرَادِ بِالهَرْجِ عِنْدَ اللَّفْظَةِ الأُخْرَى مِنَ الحَدِيثِ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، فِيهَا بَيَانُ كَثْرَةِ القَتْلِ، وَهَذَا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَأْتِي عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ لَا يَدْرِي القَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ، وَلَا المَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ»(9)؛ المَقْتُولُ لَا يَدْرِي مَا الذَّنْبُ الَّذِي ارْتَكَبَهُ حَتَّى يُقْتَلَ، وَالقَاتِلُ لَيْسَ عِنْدَهُ وَجْهٌ مُبَرَّرٌ لِيَقْتُلَ، لَكِنْ لِشِدَّةِ انْتِشَارِ القَتْلِ صَارَ النَّاسُ يَقْتُلُونَ بِدُونِ وَجْهٍ وَاضِحٍ، لَا يَدْرُونَ لِمَاذَا يَقْتُلُونَ، وَالمَقْتُولُ أَيْضًا هَذَا المَظْلُومُ لَا يَدْرِي بِالجُرْمِ الَّذِي ارْتَكَبَهُ وَالَّذِي بِنَاءً عَلَيْهِ قُتِلَ.

وَلَا شَكَّ فِي وُقُوعِ هَذَا، وَأَنَّهُ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- مِنْ عَلَامَاتِ وَدَلَائِلِ مَا يَقَعُ مِنَ الفَوْضَى وَالِاخْتِلَاطِ الشَّدِيدِ الهَائِلِ الَّذِي يَقَعُ فِي النَّاسِ؛ فَإِنَّ الدِّمَاءَ تُسْتَرْخَصُ فِي أَحْيَانٍ كَثِيرَةٍ، وَيَسْهُلُ عَلَى مَنْ لَا يَخَافُونَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمْرُ القَتْلِ، وَلِهَذَا سُفِكَتْ دِمَاءٌ كَثِيرَةٌ جِدًّا بِدُونِ أَدْنَى وَجْهِ حَقٍّ، أَوْ سُفِكَتْ بِوَجْهٍ لَا يَقْتَضِي القَتْلَ؛ يَعْنِي: قَدْ يَقَعُ مِنَ الإِنْسَانِ غَلَطٌ يُوجِبُ عَلَيْهِ الشَّرْعُ عُقُوبَةً مُعَيَّنَةً، لَكِنْ يُزَادُ فِي عُقُوبَتِهِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ الحَجَّاجَ بْنَ يُوسُفَ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُؤَدِّبُ العُصَاةَ بِنَوْعٍ مِنْ إِزَالَةِ العِمَامَةِ، يَعْنِي: تُزَالُ العَمَائِمُ؛ لِأَنَّ العَمَائِمَ لَهَا شَأْنٌ عِنْدَ السَّلَفِ، وَجَاءَ فِيهَا حَدِيثٌ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ فَرْقُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْعَمَائِمُ عَلَى الْقَلَانِسِ»(10)؛ فَهِيَ مِنْ شِعَارَاتِ المُسْلِمِينَ المَعْرُوفَةِ أَنْ يَكُونَ لَهُمْ عَمَائِمُ سَوَاءٌ عَلَى الهَيْئَةِ العَرَبِيَّةِ القَدِيمَةِ بِأَنْ تُلَفَّ، أَوْ بِمِثْلِ هَذَا الوَضْعِ الَّذِي نَحْنُ عَلَيْهِ الآنَ؛ لِأَنَّ هَذِهِ تُسَمَّى فِي اللُّغَةِ عِمَامَةً، وَيَكُونُ تَحْتَهَا القَلَنْسُوَةُ المُسَمَّاةُ بِالطَّاقِيَّةِ، فَهَذِهِ مِنَ العَلَامَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا المُسْلِمُونَ، فَكَانَ مِمَّا يُعَزَّرُ بِهِ النَّاسُ قَدِيمًا إِذَا ضُرِبُوا أَنْ يُحْسَرَ عَنْ رُؤُوسِهِمْ وَتُزَالَ عَمَائِمُهُمْ، هَذَا نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ العُقُوبَةِ.

جَاءَ بَعْدَ عُمَرَ وُلَاةٌ تَجَاوَزُوا فَصَارُوا يَحْلِقُونَ، وَبَعْضُهُمْ جَاوَزَ وَأَسَاءَ فَصَارَ يَحْلِقُ اللِّحْيَةَ -يَعْنِي: عُقُوبَةً-؛ لِأَنَّ اللِّحْيَةَ شَرَفٌ كَبِيرٌ عِنْدَ أَهْلِهَا، فَكَانَ هَذَا الوَالِي يَرَى أَنْ يُعَاقِبَ بِحَلْقِ اللِّحْيَةِ، بِحَيْثُ أَنَّهُ إِذَا حُلِقَتْ لِحْيَتُهُ وَصَارَ بِلَا لِحْيَةٍ صَارَ نَكَالًا فِي النَّاسِ؛ إِذْ كَانَ حَلْقُ اللِّحْيَةِ فِي تِلْكَ الأَزْمِنَةِ غَيْرَ مَوْجُودٍ أَلْبَتَّةَ فِيمَا بَيْنَ المُسْلِمِينَ.

فَلَمَّا جَاءَ الحَجَّاجُ قَالَ: «هَذَا كُلُّهُ لَعِبٌ». يَعْنِي: لَيْسَ بِشَيْءٍ، فَصَارَ يُعَاقِبُ بِالسَّيْفِ، فِي أَدْنَى غَلْطَةٍ أَوْ نَحْوِهَا يُمْكِنُ أَنْ يُعَاقِبَ عَلَيْهَا الوَاحِدَ مِنَ الرَّعِيَّةِ بِنَوْعٍ مِنَ السَّجْنِ وَنَحْوِهِ، صَارَ يَأْمُرُ بِضَرْبِ رَأْسِهِ تَسَلُّطًا وَعُدْوَانًا وَظُلْمًا؛ فَكَثُرَ القَتْلُ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «وَيَكْثُرُ الهَرْجُ».

ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذَا الهَرْجَ الَّذِي يَكْثُرُ المُرَادُ بِهِ «القَتْلُ القَتْلُ»، وَكُلُّ هَذَا مِنَ الفِتَنِ؛ فَكَثْرَةُ القَتْلِ، وَإِلْقَاءُ الشُّحِّ، وَنَقْصُ العَمَلِ، وَتَقَارُبُ الزَّمَانِ -هَذِهِ كُلُّهَا كَمَا سَيَأْتِي وَغَيْرُهَا- هَذِهِ تَكُونُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، وَهَذِهِ مِنَ الفِتَنِ -عياذًا بِاللهِ- الَّتِي مِنْهَا مَا هُوَ وَاقِعٌ وَيَرَاهُ النَّاسُ الآنَ، وَمِنْهَا مَا هُوَ قَدِيمٌ فِي النَّاسِ قَبْلَنَا، وَمِنْهَا مَا سَيَقَعُ سَوَاءٌ مِنْ هَذِهِ الدَّلَائِلِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا، وَتَارَّةً يَشْتَدُّ وَتَارَّةً يَقِلُّ بِحَسَبِ المَوَاضِعِ، فَفِي بَعْضِ المَوَاضِعِ وَالبُلْدَانِ يَجْعَلُ اللهُ فِيهَا اسْتِتْبَابًا لِلْأَمْنِ؛ خَاصَّةً إِذَا طُبِّقَ الشَّرْعُ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ فِيهِ أَمَانٌ لِلنَّاسِ، وَلَكِنْ إِذَا لَمْ يُطَبَّقَ الشَّرْعُ فَالغَالِبُ أَنَّ الأُمُورَ تَكُونُ فَوْضَى، أَوْ سَتَصِيرُ إِلَى فَوْضَى، إِنْ لَمْ تَكُنْ فِي وَقْتِهِمُ المُعَاصِرِ لَهُمْ فَوْضَى، فَمَا أَسْهَلَ مِنْ أَنْ تَنْفَرِطَ وَتَكُونَ فَوْضَى! وَلَا يَحْمِي لِلنَّاسِ دِينَهُمْ وَأَمْنَهُمْ وَدُنْيَاهُمْ شَيْءٌ كَتَطْبِيقِ الشَّرْعِ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا مِنَ العَلَامَاتِ الَّتِي تَقَعُ وَأَخْبَرَ بِهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَمَقْصُودُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّحْذِيرُ مِنْهَا، وَقُلْنَا أَيْضًا: إِنَّ المُرَادَ بِهَا كَثْرَتُهَا وَشِدَّتُهَا، وَلَيْسَ المُرَادُ أَصْلَ وُجُودِهَا. فَالشُّحُّ قَدْ يَكُونُ فِي المُتَقَدِّمِينَ بَعْضُ مَنْ يَكُونُ شَحِيحًا، وَلَكِنَّ المَقْصُودَ أَنْ يَنْتَشِرَ -عِيَاذًا بِاللهِ-، وَهَكَذَا مَا يَتَعَلَّقُ بِالقَتْلِ، القَتْلُ وُجِدَ، حَتَّى فِي زَمَنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَاكَ مَنْ قَتَلَ، وَبَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْرٍ هُنَاكَ مَنْ يَقْتُلُ، لَكِنَّ المَقْصُودَ أَنْ يَنْتَشِرَ وَيَشْتَدَّ القَتْلُ.

«حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ شَقِيقٍ قَالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالَا: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ»(11).

هَذَا مِمَّا أَخْبَرَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِمَّا يَقَعُ قَبْلَ السَّاعَةِ أَيْضًا، «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ لَأَيَّامًا» الحَالُ فِيهَا عَلَى النَّحْوِ الآتِي: «يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ»، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ: أَنْ يَقِلَّ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ»(12) وَالمَقْصُودُ بِالجَهْلِ هُنَا: الجَهْلُ بِأُمُورِ الشَّرْعِ وَإِنْ وُجِدَ عِلْمٌ وَاسِعٌ بِالدُّنْيَا، وَالمَدْحُ لِلْعِلْمِ فِي النُّصُوصِ هُوَ لِلْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، كُلُّ مَا ذُكِرَ فِي النُّصُوصِ مِنْ مَدْحِ العِلْمِ وَأَهْلِهِ وَاسْتِغْفَارِ المَلَائِكَةِ وَاسْتِغْفَارِ ذِي النُّونِ فِي البَحْرِ وَالنَّمْلَةِ فِي جُحْرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ، «وَمَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَلْتَمِسُ فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ بِهِ طَرِيقًا إِلَى الجَنَّةِ»(13) المَقْصُودُ: العِلْمُ الشَّرْعِيُّ فَقَطْ، وَلَا يَحِلُّ حَمْلُهُ عَلَى سِوَاهُ؛ لِأَنَّ النُّصُوصَ وَارِدَةٌ فِي الثَّنَاءِ عَلَى العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَمَّا العِلْمُ الدُّنْيَوِيُّ فَإِنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ لِمَنْ أَصْلَحَ اللهُ لَهُ نِيَّتَهُ وَأَرَادَ بِهِ وَجْهَ اللهِ.

وَأَمَّا لَوْ تَعَلَّمَ العِلْمَ الدُّنْيَوِيَّ لِغَيْرِ اللهِ -كَأَنْ يَتَعَلَّمَ الطِّبَّ لِيُثْرِيَ وَلِيَجِدَ مَالًا أَوْفَرَ مِنْ غَيْرِهِ- فَهَلْ يَجُوزُ هَذَا؟

يَجُوزُ، لَوْ كَانَتْ نِيَّتُهُ فِي دِرَاسَةِ الطِّبِّ أَنْ يُثْرِيَ وَيَجِدَ أَمْوَالًا - لَا مَانِعَ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا، لَكِنْ لَوْ كَانَ لَهُ هِمَّةٌ عَالِيَةٌ وَدَرَسَ الطِّبَّ وَالهَنْدَسَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِيَرْفَعَ حَاجَةَ الأُمَّةِ عَنْ أَعْدَائِهَا؛ لَكَانَ بِذَلِكَ مَأْجُورًا بِنِيَّتِهِ، فَالأَجْرُ هُنَا لِلنِّيَّةِ.

وَلِهَذَا مِنْ نَفِيسِ مَا وَرَدَ عَنِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللهُ أَنَّهُ قَالَ: «مَا آسَى عَلَى شَيْءٍ مَا آسَى عَلَى الطِّبِّ، تَرَكَهُ المُسْلِمُونَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى!» يَقُولُ: كَيْفَ يَتْرُكُونَ الطِّبَّ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى؟ وَإِذَا تُرِكَ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى صَارَ المُسْلِمُونَ مُحْتَاجِينَ لَهُمْ. يَقُولُ: مَا يَنْبَغِي بِالمُسْلِمِينَ أَنْ يَحْتَاجُوا لَا فِي الطِّبِّ وَلَا فِي غَيْرِهِ.

لَكِنَّ المُرَادَ بِمَدْحِ العِلْمِ فِي النُّصُوصِ: العِلْمُ الشَّرْعِيُّ بِلَا شَكٍّ، أَمَّا مَنْ تَعَلَّمَ هَذِهِ العُلُومَ الدُّنْيَوِيَّةَ يُرِيدُ بِهَا المَالَ وَالثَّرَاءَ فَفِعْلُهُ جَائِزٌ بِلَا شَكٍّ؛ لِأَنَّهُ طَلَبَ الدُّنْيَا بِالدُّنْيَا، بِخِلَافِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، فَمَنْ تَعَلَّمَهُ لِغَيْرِ اللهِ تَعَالَى وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ فَلَا شَكَّ فِي إِثْمِهِ، وَالأَحَادِيثُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ»(14) هَذَا قَيْدٌ، وَالعِلْمُ الَّذِي يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ وَيُتَقَرَّبُ بِهِ مِنْهُ هُوَ العِلْمُ الشَّرْعِيُّ، «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَلَّمُهُ إِلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا مِنْ الدُّنْيَا لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ -يَعْنِي رِيحَهَا»(15) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ إِصْلَاحِ النِّيَّةِ فِي تَعَلُّمِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَأَنَّ تَعَلُّمَ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ لِغَيْرِ اللهِ أَنَّ صَاحِبَهُ يَأْثَمُ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ مِمَّا ذُكِرَ فِي هَذَا الحَدِيثِ مِمَّا يَقَعُ فِي الأَشْرَاطِ وَعَلَامَاتِ السَّاعَةِ هَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِي يَنْزِلُ فِيهَا الجَهْلُ، أَيْ: يَكْثُرُ فِيهَا، كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى، وَقُلْنَا: إِنَّ المَقْصُودَ الجَهْلُ بِالعِلْمِ الشَّرْعِيِّ، أَمَّا العِلْمُ بِالأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَمَعْرِفَتُهَا فَقَدْ تُوجَدُ مَعَ الجَهْلِ بِالعِلْمِ الشَّرْعِيِّ؛ وَلِهَذَا بِكُلِّ أَسَفٍ وُجِدَ مِنْ ذَوِي الشَّهَادَاتِ العَالِيَةِ مَنْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يَتَوَضَّأَ -لِلْأَسَفِ- أَوْ لَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ؛ مَعَ أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الأُمُورِ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّمَهَا الصِّبْيَانُ، فَمَعَ أَنَّ مَنْ لَدَيْهِ شَهَادَةً عُلْيَا فِي عِلْمٍ مِنَ العُلُومِ الدُّنْيَوِيَّةِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ كَيْفَ يَتَوَضَّأُ وَيَكُونُ عِنْدَهُ غَلَطٌ فِي الوُضُوءِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ مُنْذُ صِبَاهُ، أَوْ يَكُونُ عِنْدَهُ غَلَطٌ فِي أَدَاءِ الصَّلَاةِ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ مُنْذُ صِبَاهُ اسْتَمَرَّ عَلَى هَذَا جَاهِلًا بِهِ.

كَمَا جَاءَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -أَوْ عَنْ عِمْرَانَ- أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي فَقَالَ: «مُذْ كَمْ تُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ؟ قَالَ: مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً. قَالَ: مَا صَلَّيْتَ مُنْذُ أَرْبَعِينَ سَنَةً»؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ بِلَا طُمَأْنِينَةٍ -مُسْتَعْجِلًا-، وَالطُّمَأْنِينَةُ رُكْنٌ إِذَا فُقِدَتْ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُسِيءِ صَلَاتِهِ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»(16)، يَكُونُ الرَّجُلُ لَمْ يُصَلِّ وَإِنْ أَدَّى صُورَةَ الصَّلَاةِ فِي الظَّاهِرِ.

وَلِهَذَا جَاءَ عَنِ الحَسَنِ البَصْرِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ(17) يَقُولُ: «وَاللَّهِ لَيَبْلُغُ بِأَحَدِهِمْ أَنْ يَضَعَ الدِّينَارَ -أَوْ قَالَ: الدِّرْهَمَ- عَلَى أُصْبُعِهِ فَيُخْبِرَكَ بِوَزْنِهِ»، مِنْ دِقَّةِ عِلْمِهِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا، يَقُولُ: «ثُمَّ لَا يُحْسِنُ أَنْ يُصَلِّيَ». يَقُولُ: هُوَ عَلَى دِرَايَةٍ شَدِيدَةٍ جِدًّا بِأَحْوَالِ النَّاسِ؛ كَحَالِ كَثِيرِينَ اليَوْمَ لَدَيْهِمْ تَفْصِيلَاتٌ فِي مَسَائِلَ دُنْيَوِيَّةٍ كَثِيرَةٌ لِلْغَايَةِ، لَكِنَّ هَذِهِ التَّفْصِيلَاتِ يُقَابِلُهَا فِي أُمُورِ دِينِهِمْ جَهْلٌ بِالأُسُسِ؛ كَأَنْ يُحْسِنَ الصَّلَاةَ أَوْ يُحْسِنَ الوُضُوءَ.

فَالحَاصِلُ: أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «يَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ»(18) أَيِ: الجَهْلُ بِالعُلُومِ الشَّرْعِيَّةِ، «وَيُرْفَعُ فِيهَا العِلْمُ» أَيِ: العِلْمُ الشَّرْعِيُّ، وَهُمَا أَمْرَانِ مُتَلَازِمَانِ؛ لِأَنَّ الجَهْلَ إِذَا نَزَلَ يَكُون مَعَهُ ارْتِفَاعُ العِلْمِ، لَكِنْ كَيْفَ يَرْتَفِعُ العِلْمُ؟

أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِارْتِفَاعِ العِلْمِ بِأَنَّ العِلْمَ لَا يُقْبَضُ قَبْضًا مِنَ الصُّدُورِ؛ بِحَيْثُ يَكُونُ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي لَدَيْهِ عِلْمٌ مِنَ الغَدِ مِنَ الجهَّالِ، لَا يُقْبَضُ مَنَ الصُّدُورِ، وَلَكِنَّ العِلْمَ يُقْبَضُ بِقَبْضِ أَهْلِهِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ اللهَ لَا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ، وَلَكِنْ يَقْبِضَ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا»(19)، وَدَلَائِلُ هَذَا كَثِيرَةٌ حَتَّى فِي وَقْتِنَا هَذَا، فَعَدَدُ المُسْلِمِينَ اليَوْمَ بِالمَلَايِينِ، وَالعُلَمَاءُ الَّذِينَ عَلَى السُّنَّةِ وَلَدَيْهِمُ الدِّرَايَةُ بِأَبْوَابِ العِلْمِ لَا شَكَّ أَنَّ نِسْبَتَهُمْ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُوَازِيَةً لِهَذَا العَدَدِ الكَبِيرِ؛ لِأَنَّ عَدَدَ أَهْلِ العِلْمِ المُنْضَبِطِينَ عَلَى السُّنَّةِ هُمْ -كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ-: «بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ»(20)، لَا شَكَّ أَنَّهُمْ قِلَّةٌ.

فَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ مَا يَقَعُ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، وَمِنْهُ قَبْضُ العِلْمِ، فَقَبْضُ العِلْمِ يَكُونُ بِقَبْضِ أَهْلِهِ؛ وَلِهَذَا تَجِدُ كَثْرَةَ مَا يَذْهَبُ مِنْ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ، ثُمَّ إِنَّ التَّعْوِيضَ -وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ- قَلِيلٌ، يَعْنِي: يَذْهَبُ عَدَدٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَيَبْقَى -بِحَمْدِ اللهِ- آخَرُونَ مِنْ فَضْلِ اللهِ؛ لَكِنْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بَقُوا سَيُصِيبُهُمْ مَا أَصَابَ غَيْرَهُمْ مِمَّنْ مَاتَ، لَكِنْ هَلْ هَؤُلَاءِ العُلَمَاءُ الَّذِينَ يَمُوتُونَ يَقُومُ بَدَلًا عَنْهُمْ عُلَمَاءٌ آخَرُونَ؟ لَا شَكَّ أَنَّ هَذَا غَيْرُ حَاصِلٍ مُقَارَنَةً بِعَدَدِ مَنْ يَمُوتُ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ رَفْعِ العِلْمِ؛ لِأَنَّ رَفْعَ العِلْمِ المَوْجُودَ فِي الحَدِيثِ يَكُونُ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ.

انْضَافَ إِلَى هَذَا: اتِّخَاذُ النَّاسِ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا حَاصِلٌ الآنَ فِي عَدَدٍ مِمَّنْ يَتَصَدَّرُونَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ فَتَصَدَّرَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ، ثُمَّ إِذَا سُئِلَ -كَمَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- اسْتَحْيَى أَنْ يَقُولَ: لَا أَعْلَمُ. فَتَكَلَّمَ بِلَا عِلْمٍ، وَهَذَا وَاقِعٌ، وَمِنْ أَكْثَرَ مَا زَادَهُ انْتِشَارًا الآنَ وَسَائِلُ الإِعْلَامِ، فَهَذِهِ القَنَوَاتُ الفَضَائِيَّةُ الَّتِي هَدَفُهَا الإِثَارَةُ، وَلَفْتُ نَظَرِ الجُمْهُورِ، وَاجْتِلَابُ أَكْثَرَ عَدَدٍ مِنَ المُتَابِعِينَ لَا شَكَّ أَنَّهَا أَظْهَرَتْ أُنَاسًا كَثِيرِينَ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ العِلْمِ الشَّرْعِيِّ مِمَّنْ لَا يُحْسِنُ بَعْضُهُمْ أَنْ يَقْرَأَ القُرْآنَ قِرَاءَةً سَلِيمَةً فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ لَدَيْهِ قُدْرَةٌ عَلَى فِقْهِ الآيَةِ الَّتِي يَقْرَؤُهَا.

وَلِهَذَا قَالَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ فِي الجَهْمِ بْنِ صَفْوَانَ؛ قَالُوا: «لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَلَمْ يَكُنْ ذَا مُجَالَسَةٍ» حَتَّى مُجَالَسَةٌ لِأَهْلِ العِلْمِ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ، «وَلَكِنَّهُ صَاحِبُ لِسَانٍ» عِنْدَهُ قُدْرَةٌ عَلَى التَّأْثِيرِ فِي النَّاسِ بِلِسَانِهِ، وَهَذَا هُوَ الوَضْعُ الَّذِي يُرِيدُهُ الإِعْلَامُ، الشَّيْءُ الَّذِي يَلْفِتُ نَظَرَ السَّامِعِينَ؛ بِأَنْ يَخْرُجَ شَخْصٌ فَيَذْكُرَ حُكْمًا فِي بَعْضِ الأَحْيَانِ مَحَلَّ إِجْمَاعٍ أَوْ يَكَادُ أَنْ يَنْعَقِدَ الإِجْمَاعُ عَلَيْهِ، فَيَذْكُرُ قَوْلًا مُخَالِفًا لِهَذَا الحُكْمِ؛ فَيَفْرَحُ الإِعْلَامُ؛ لِأَنَّ الإِعْلَامَ -لِلْأَسَفِ- مَبْنِيٌّ عَلَى الإِثَارَةِ، لَا عَلَى نَشْرِ العِلْمِ، وَالبَحْثِ عَنِ السُّنَّةِ، وَدَحْضِ البِدْعَةِ، وَلَكِنَّهُ يَبْحَثُ عَمَّا يُثِيرُ؛ فَلِهَذَا تَجِدُ النَّاسَ يَتَدَاوَلُونَ الجِهَةَ الَّتِي وَقَعَتْ فِيهَا المُقَابَلَةُ وَغَيْرَهَا: مَا سَمِعْتُمْ أَوْ رَأَيْتُمْ مَا قِيلَ فِي صَحِيفَةِ كَذَا أَوْ فِي قَنَاةِ كَذَا؟ فُلَانٌ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا. هَذَا الَّذِي يُرِيدُونَ لِلْأَسَفِ؛ فَصَدَّرُوا جُمْلَةً مِنَ الجَهَلَةِ مِمَّنْ إِمَّا أَنَّهُمْ لَمْ يَدْرُسُوا العِلْمَ الشَّرْعِيَّ نِهَائِيًّا وَيُوجَدُ مِنْهُمُ الآنَ أُنَاسٌ لَمْ يَتَخَصَّصُوا أَلْبَتَّةَ فِي العِلْمِ الشَّرْعِيِّ، وَيَخْرُجُ وَيَتَكَلَّمُ فِي أُمُورِ الأُمَّةِ العِظَامِ وَيَقُولُ: هَذَا صَوَابٌ، وَهَذَا خَطَأٌ، وَهَذَا يَصْلُحُ، وَهَذَا لَا يَصْلُحُ. وَهُوَ لَا يَعْرِفُ فِي هَذِهِ الأُمُورِ شَيْئًا، أَوْ أَنْ يَكُونَ تَحْصِيلُهُ العِلْمِيُّ قَلِيلًا جِدًّا، فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا حَاصِلٌ، وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ دَلَائِلِ رَفْعِ العِلْمِ، «أَنْ يَكْثُرَ الْجَهْلُ، وَيُرْفَعَ الْعِلْمُ»، وَرَفْعُهُ يَكُونُ بِقَبْضِ أَهْلِهِ، وَأَنْ يَحِلَّ مَحَلَّهُمْ أُنَاسٌ مِنَ الجَهَلَةِ، كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوسًا جُهَّالًا فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ؛ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوهُمْ» ضَلُّوا هُمْ بِأَنْفُسِهِمْ، وَأَضَلُّوا غَيْرَهُمْ، عِيَاذًا بِاللهِ مِنْ حَالِهِمْ.

«حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقِيقٌ قَالَ: جَلَسَ عَبْدُ اللهِ وَأَبُو مُوسَى فَتَحَدَّثَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ»(21).

«حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللهِ وَأَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -مِثْلَهُ- وَالْهَرْجُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْقَتْلُ»(22).

«حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاصِلٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ -وَأَحْسِبُهُ رَفَعَهُ- قَالَ: بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامُ الْهَرْجِ، يَزُولُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ فِيهَا الْجَهْلُ. قَالَ أَبُو مُوسَى: وَالْهَرْجُ: الْقَتْلُ -بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ-»(23).

هَذِهِ الأَحَادِيثُ فِيمَا بَيْنَ أَبِي مُوسَى وَعَبْدِ اللهِ -يَعْنِي: ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- يَقُولُ أَبُو مُوسَى عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ -حِيْنَ تَحَدَّثَ مَعَ عَبْدِ اللهِ-: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيَّامًا يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَيَكْثُرُ فِيهَا الْهَرْجُ، وَالْهَرْجُ القَتْلُ»، ثُمَّ فِي الرِّوَايَةِ بَعْدَهَا قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ الرَّاوِي: «مِثْلَهُ» يَعْنِي: مِثْلَ هَذَا الحَدِيثِ، وَلَكِنْ أَضَافَ، قَالَ: «وَالْهَرْجُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ: الْقَتْلُ»، يَقُولُ: إِنَّ تَفْسِيرَ الهَرْجِ بِأَنَّ المُرَادَ بِهِ القَتْلُ هَذَا فِي لُغَةِ الحَبَشَةِ.

أَصْلُ الهَرْجِ فِي اللُّغَةِ: اخْتِلَاطُ النَّاسِ، يُقَالُ: هَرَجَ النَّاسُ؛ أَيِ: اخْتَلَطُوا وَاخْتَلَفُوا. هَذَا أَصْلُ الهَرْجِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «العِبَادَةُ فِي الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ»(24)، فَمِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ مَعْنَى الهَرْجِ -كَمَا قُلْنَا- الِاخْتِلَاطُ وَالِاخْتِلَافُ، هَذَا هُوَ المُرَادُ بِالهَرْجِ فِي اللُّغَةِ، لَكِنْ تَخْصِيصُ الهَرْجِ بِالقَتْلِ هَذَا فِي لُغَةِ الحَبَشَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الشرَّاحِ: إِنَّ هَذَا غَيْرُ سَلِيمٍ. يُقَالَ: بَلَى، هَذَا السَّلِيمُ؛ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى لَا يَجْهَلُ مِثْلَ هَذَا؛ أَبُو مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَجُلٌ عَرَبِيٌّ وَأبْصَرُ مِنْ هَذَا الشَّارِحِ بِلُغَةِ العَرَبِ.

فَقَوْلُهُ: «الْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ» لَا شَكَّ أَنَّهُ يَتَحَدَّثُ مِنْ وَاقِعِ مَا يَعْلَمُ؛ لِأَنَّ الهَرْجَ مِنْ حَيْثُ عُمُومِ مَعْنَاهَا فِي اللُّغَةِ تَعْنِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الِاخْتِلَاطِ وَالِاخْتِلَافِ الَّذِي قَدْ يَنْشَأُ عَنْهُ القَتْلُ، لَكِنْ كَلِمَةُ الهَرْجِ المُرَادُ بِهَا القَتْلُ هَذِهِ فِي لُغَةِ الحَبَشَةِ.

بَقِيَّةُ الفَقَرَاتِ هَذِهِ تَكُونُ مَرَّتْ بِنَا، يَعْنِي: إِذَا ذَكَرَ مَرَّةً أُخْرَى رَفْعَ العِلْمِ وَنُزُولَ الجَهْلِ لَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ يُعَادَ شَرْحُهَا؛ لِأَنَّهَا تَقَدَّمَتْ فِي الحَدِيثِ قَبْلَهَا.

وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ: عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنِ الْأَشْعَرِيِّ(25) أَنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللهِ: «تَعْلَمُ الْأَيَّامَ الَّتِي ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَّامَ الْهَرْجِ نَحْوَهُ؟ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مِنْ شِرَارِ النَّاس مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ»(26).

هَذِهِ الرِّوَايَةُ فِيهَا زِيَادَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ: «مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ».

وَالسَّبَبُ: أَنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ عَلَى مُؤْمِنٍ، «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ: اللهُ اللهُ». لَا يُوجَدُ أَحَدٌ بَتَاتًا يَكُونُ مِنْ أَهْلِ الإِيمَانِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَقُومُ وَعَلَى وَجْهِ الأَرْضِ مُسْلِمٌ: قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»: «إِنَّ اللهَ يَبْعَثُ رِيحًا مِنْ الْيَمَنِ أَلْيَنَ مِنْ الْحَرِيرِ، فَلَا تَدَعُ أَحَدًا فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إِيْمَانٍ إِلَّا قَبَضَتْهُ»(27) يُقْبَضُ بِهَذِهِ الرِّيْحِ. وَفِي لَفْظٍ: «فَتَقْبِضُ رُوحَ كُلِّ مُؤْمِنٍ وَكُلِّ مُسْلِمٍ، وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ، فَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ»(28)؛ فَدَلَّ الحَدِيثُ عَلَى أَنَّهُ تُقْبَضُ أَرْوَاحُ جَمِيعِ المُؤْمِنِينَ وَالمُسْلِمِينَ، وَلِهَذَا قَالَ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: «لَا تَقُومُ السَّاعَة حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِِ: اللهُ اللهُ»(29) يَعْنِي: لَا يُوجَدُ أَحَدٌ يَذْكُرُ اللهَ؛ أَيْ: أَنَّهُمْ جَمِيعًا كُفَّارٌ.

وَفِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» أَيْضًا فِي بَقِيَّةِ هَذَا الحَدِيثِ: «وَيَبْقَى شِرَارُ النَّاسِ يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الْحُمُرِ»، «فِي خِفَّةِ الطَّيْرِ وَأَحْلَامِ السِّبَاعِ» يَتَهَارَجُونَ فِيهَا تَهَارُجَ الحُمُرِ «فَيَتَمَثَّلُ لَهُمُ الشَّيْطَانُ، فَيَقُولُ: أَلَا تَسْتَجِيْبُونَ؟ فَيَقُولُونَ: فَمَا تَأْمُرُنَا؟ فَيَأْمُرُهُمْ بِعِبَادَةِ الأَوْثَانِ»، زاد أَحْمَدُ فِي المُسْنَدِ: «فَيَعْبُدُونَهَا»(30)، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَقُومُ إِلَّا عَلَى أَهْلِ الكُفْرِ، وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ وَعَلَى وَجْهِ الأَرْضِ أَحَدٌ مُسْلِمٌ أَبَدًا، حَتَّى لَوْ كَانَ فِي قَلْبِهِ أَدْنَى ذَرَّةٍ أَوْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْ إِيمَانٍ.

رَوَى مُسْلِمٌ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ»(31)، إِذَا جَمَعْتَ هَذَا الحَدِيثَ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ» اتَّضَحَ لَكَ أَنَّ هَؤُلَاءِ أَشْرَارٌ، وَذَلِكَ نَصُّ قَوْلِهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(32) فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُمْ أَشْرَارٌ بِنَصِّ الآيَاتِ القُرْآنِيَّةِ، وَأَهْلُ الكُفْرِ هُمْ أَشَرُّ الدَّوَابِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ(33) فَأَهْلُ الكُفْرِ هُمْ أَشْرَارٌ، وَمِنْهُمْ هَؤُلَاءِ الرُّومُ كَمَا هُوَ نَصُّ حَدِيثِ مُسْلِمٍ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ» مَعَ قَوْلِهِ هُنَا: «مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ»، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ أَشْرَارٌ بِنَصِّ الحَدِيثِ مَعَ الآيَةِ.

فِي زِيَادَةٍ لِهَذَا الحَدِيثِ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ»؛ فَذَكَرَ صِنْفَيْنِ مِنَ الأَشْرَارِ:

الصِّنْفُ الأَوَّلُ: الَّذِينَ تَقُومُ عَلَيْهِمُ السَّاعَةُ، وَعَلِمْتَ أَنَّ السَّبَبَ فِي كَوْنِهِمْ أَشْرَارًا أَنَّهُمْ يَكُونُونَ كُفَّارًا، وَأَنَّهُ لَا يُوجَدُ أَحَدٌ مُسْلِمٌ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي ذَلِكَ الوَقْتِ.

الصِّنْفُ الثَّانِي: الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ، هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ إِنَّمَا كَانُوا مِنَ الأَشْرَارِ لِفَسَادِ مَا فَعَلُوهُ فِي الأُمَّةِ؛ حَيْثُ أَتَوْا إِلَى هَذِهِ القُبُورِ وَقَلبُوهَا إِلَى مَوَاضِعَ لِلشِّرْكِ فِي عِبَادَةِ اللهِ تَعَالَى، وَإِذَا أَنْتَ تَدَبَّرْتَ وَتَأَمَّلْتَ مَا الَّذِي فَعَلَهُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا القُبُورَ مَسَاجِدَ عَلِمْتَ لِمَ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِنَّ: «إِنَّ مِنْ شِرَارِ النَّاسِ مَنْ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ» هَذَا الصِّنْفُ الأَوَّلُ، «وَالَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْقُبُورَ مَسَاجِدَ»، هَؤُلَاءِ سَبَّبُوا نَشْرَ الشِّرْكِ فَإِنَّهُمْ حِينَ أَتَوْا إِلَى هَذِهِ القُبُورِ وَعَظَّمُوهَا بِالعِبَادَةِ فِيهَا، وَزَادُوا عَلَى ذَلِكَ بِأَنْ بَنَوْا عَلَيْهَا البِنَايَاتِ، وَجَعَلُوهَا مَوَاضِعَ لِلصَّلَاةِ، وَزَعَمُوا أَنَّ فِيهَا مِنَ البَرَكَاتِ وَمِنَ القَبُولِ لِلدَّعَوَاتِ كَذَا وَكَذَا - صَارَ النَّاسُ يَعْبُدُونَ هَذِهِ القُبُورَ عِبَادَةً صَرِيحَةً، وَلَا يُشَكُّ فِي أَنَّ هَذَا مِنَ التَّسَبُّبِ فِي وُقُوعِ الشِّرْكِ، وَالمُتَسَبِّبُ فِي وُقُوعِ الشِّرْكِ بِالأُمَّةِ لَا رَيْبَ أَنَّهُ مِنَ الأَشْرَارِ؛ وَلِهَذَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْضًا: «لَيَحْمِلَنَّ شِرَارُ هَذِهِ الأُمَّةِ عَلَى سُنَنِ مَنْ كَانَ قَبْلَهَا -أَهْلِ الكِتَابِ- حَذْوَ الْقُذَّةِ بِالْقُذَّةِ»(34). يَعْنِي: أَنَّ مِنَ الأَشْرَارِ الَّذِينَ يَكُونُونَ فِي هَذِهِ الأُمَّةِ الَّذِينَ يَحْرِفُونَ هَذِهِ الأُمَّةِ عَنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعِيدُونَهَا إِلَى سُنَنِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا، وَخَصَّ أَهْلَ الكِتَابِ؛ لِأَنَّ التَّأَسِّيَ وَالتَّقْلِيدَ لَهُمْ هُوَ الأَكْثَرُ وَالأَعَمُّ.

فَهَؤُلاَءِ الأَشْرَارُ مِنَ الَّذِينَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ وَهُمْ أَحْيَاءٌ، وَمِنَ الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ، وَمِنَ الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الأُمَّةَ عَلَى طَرَائِقِ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى - إِذَا تَأَمَّلْتَ فِي وَصْفِ النُّصُوصِ لَهُمْ بِالأَشْرَارِ عَلِمْتَ شِدَّةَ جُرْمِهِمْ، فَجُرْمُ الأَوَائِلِ كَمَا قُلْنَا هَؤُلَاءِ أَنَّهُمْ غَيْرُ مُسْلِمِينَ أَصْلًا الذِيْنَ تُدْرِكُهُمُ السَّاعَةُ.

جُرْمُ مَنْ يَتَّخِذُونَ القُبُورَ مَسَاجِدَ أَنَّهُمْ يَتَسَبَّبُونَ فِي وُقُوعِ الشِّرْكِ فِي أَهْلِ التَّوْحِيدِ وَيَحْرِفُونَهُمْ عَنْهُ

جُرْمُ مَنْ يَحْمِلُ الأُمَّةَ عَلَى سُنَنِ أَعْدَاءِ اللهِ مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى أَنَّهُ يَطَّلِبُ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، أَنَّهُ يَتَّخِذُ فِي الإِسْلَامِ سُنَّةَ الجَاهِلِيَّةِ، فَتُغَيَّرُ سُنَّةُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُجْتَلَبُ بَدِيلٌ عَنْهَا، وَهَذَا وَقَعَ فِي الأُمَّةِ كَثِيرًا، وَهُوَ فِي القُرُونِ المُتَأَخِّرَةِ فَاشٍ ظَاهِرٌ، وَصَارَتْ هِمَّةُ بَعْضِ النَّاسِ أَنْ يَجْتَلِبَ مِنْ أَعْدَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ -مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى- طَرَائِقَهُمْ فِي الحَيَاةِ وَفِي التَّفْكِيرِ، وَيَعِيشُ -عِيَاذًا بِاللهِ- حَيَاتَهُ وَعُمُرَهُ حَتَّى يَفْنَى وَيَشِيبَ وَهُوَ يُرَوِّجُ لِهَذِهِ السَّنَنِ الجَاهِلِيَّةِ.

فَانْتَشَرَ فِي المُسْلِمِينَ شَيْءٌ كَثِيرٌ بِسَبَبِ دَأَبِ هَؤُلَاءِ وَجُهْدِهِمُ الشَّدِيدِ فِي نَقْلِ مَا عِنْدَ أَعْدَاءِ اللهِ مِنَ النَّصَارَى وَاليَهُودِ إِلَى المُسْلِمِيْنَ، وَتَفَاوَتَ النَّاسُ فِي هَذَا بَيْنَ مُقِلٍّ وَمُكْثِرٍ، لَكِنْ لَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا أَمْرٌ فَاشٍ مُنْتَشِرٌ فِي نِسَاءٍ، وَفِي رِجَالٍ، وَفِي شِيْبٍ، وَفِي شَبَابٍ، حَتَّى صَارَ التَّشَبُّهُ بِأَعْدَاءِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَثِيرًا، تَارَّةً فِي أَشْيَاءَ مَظْهَرِيَّةٍ وَتَارَّةً فِي أَشْيَاءَ فِي الفِكْرِ وَفِي الِاعْتِقَادِ، فَهَؤُلاَءِ كُلُّهُمْ يَجْمَعُهُمْ أَنَّهُمْ مِنَ الأَشْرَارِ الَّذِينَ تَسَبَّبُوا فِي هَذِهِ الفِتَنِ العَظِيمَةِ لِهَذِهِ الأُمَّةِ.


(1) هو: عبد الرحمن بن صخر الدوسي، الملقب بأبي هريرة: صحابي، كان أكثر الصحابة حفظًا للحديث وروايةً له. نشأ يتيمًا ضعيفًا في الجاهلية، وقدم المدينة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فأسلم سنة 7 هـ، ولزم صحبة النبي، فروى عنه 5374 حديثًا، وولي إمرة المدينة مدة. وكان أكثر مقامه في المدينة وتوفي فيها سنة 59هـ. (تهذيب الكمال: 34/366).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7061)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (157).
(3) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/454)، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده ضعيف لضعف شهر بن حوشب».
(4) سورة النحل: 8.
(5) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة نبينا (155).
(6) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (157).
(7) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7061).
(8) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7061)، ومسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما (157).
(9) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل... (2908).
(10) أخرجه أبو داود في كتاب اللباس- باب في العمائم (4078)، والترمذي في كتاب اللباس- باب العمائم على القلانس (1784)، وضعفه الألباني في «ضعيف الجامع» (3959)، وقال: «ضعيف».
(11) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7063)، ومسلم في كتاب العلم- باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان (2672).
(12) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب رفع العلم وظهور الجهل (81).
(13) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (2699)، أخرجه أبو داود في كتاب العلم- باب الحث على طلب العلم (3641)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في فضل الفقه على العبادة (2685)، وقال: «حديث حسن صحيح»، وابن ماجه في كتاب المقدمة- باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (223).
(14) أخرجه أبو داود في كتاب العلم – باب في طلب العلم لغير الله تعالى (3664) وابن ماجه في كتاب المقدمة – باب الانتفاع بالعلم والعمل به (252)، وأحمد في مسنده (2/338).
(15) أخرجه أبو داود في كتاب العلم- باب في طلب العلم لغير الله (3664)، وابن ماجة في كتاب المقدمة- باب الانتفاع بالعلم والعمل به (252)، وصححه الشيخ الألباني في «صحيح الجامع» (6159).
(16) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب صلاة من لا يقيم صلبه في الركوع والسجود (856)، والترمذي في كتاب الصلاة- باب ما جاء في وصف الصلاة (302)، والنسائي في كتاب التطبيق- باب الرخصة في ترك الذكر في الركوع (1053)، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها- باب ما جاء في الوضوء على ما أمر الله تعالى (460)، وصححه الألباني في «مشكاة المصابيح» (804).
(17) سورة الروم: 7.
(18) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7063).
(19) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب كيف يقبض العلم (100)، ومسلم في كتاب العلم- باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن (2673).
(20) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا. وأنه يأرز بين المسجدين (145)، من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(21) سبق تخريجه.
(22) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7066).
(23) أخرجه البخاري في كتاب الفتن- باب ظهور الفتن (7067).
(24) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب فضل العبادة في الهرج (2948).
(25) عبد الله بن قيس بن سَليم بن حُضَّار بن حرب بن عامر، أبو موسى، الأشعري. قدم مكة فأسلم. استعمله النبي صلى الله عليه وسلم على بعض اليمن، كزبيد وعدن وأعمالهما، واستعمله عمر على البصرة بعد المغيرة، فافتتح الأهواز ثم أصبهان، ثم استعمله عثمان على الكوفة، ثم كان أحد الحكمين بصفين، ثم اعتزل الفريقين. مات سنة أربع وأربعين. انظر: الاستيعاب (1/300) أسد الغابة (2/163) الإصابة (4/211– 213).
(26) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب قرب الساعة (2949).
(27) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب في الريح التي تكون قرب القيامة ... (177).
(28) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة- باب ذكر الدجال وصفته وما معه (2937).
(29) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب هاب الإيمان آخر الزمان (148).
(30) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/166)، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده صحيح على شرط مسلم».
(31) أخرجه مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة – باب تقوم الساعة والروم أكثر الناس (4761).
(32) سورة البينة: 6.
(33) سورة الأنفال: 55.
(34) أخرجه البخاري في كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة- باب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لتتبعن سنن من كان قبلكم» (7320)، ومسلم في كتاب العلم- باب اتباع سنن اليهود والنصارى (2669).