موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - فَصْلٌ- وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيفَائِهِ - العدة شرح العمدة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
  
 
 العدة شرح العمدة
 بَابُ مَنْ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ
 بَابُ الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ وَالرُّجُوعِ عَنْهَا
 بَابُ اليَمِينُ فِي الدَّعَاوَى
 بَابُ الإِقْرَارِ
 بَابُ صِفَةِ الحُكْمِ
 بَابٌ فِي تَعَارُضِ الدَّعَاوَى
 بَابُ حُكْمِ كِتَابِ القَاضِي
 بَابُ القِسْمَةِ
 بَابُ ذَوِي الأَرْحَامِ
 تابع بَابُ ذَوِي الأَرْحَامِ
 تابع بَابُ ذَوِي الأَرْحَامِ
 بَابُ الرَّدِّ
 تابع بَابُ الرَّدِّ
 بَابُ تَصْحِيحِ الْمَسَائِلِ
 الِاسْتِعَانَةِ بِالمُشْرِكِ
 بَابُ الأَنْفَالِ
 بَابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتُهَا
 تَابِعْ: بَابُ الغَنَائِمِ وَقِسْمَتُهَا
 بَابُ الأَمَان
 تَابِعْ: بَابُ الأَمَانِ
 بَابُ الجِزْيَةِ
 فَصْلٌ
 جِنَايَةُ العَبْدِ فِي رَقَبَتِهِ
 بَابُ دِيَّاتِ الجرَّاحِ
 بَابُ الشِّجَاجِ وَغَيْرِهَا
 بَابُ كَفَّارَةِ القَتْلِ
 بَابُ القَسَامَةِ
 بَابُ الِاشْتِرَاكِ فِي القَتْلِ
 بَابُ القَوْدِ فِي الجُرُوحِ
 تابع بَابُ القَوَدِ فِي الجُرُوحِ
 بَابُ جَامِعِ الأَيْمَانِ
 بَابُ كَفَّارَةِ اليَمِينِ
 بَابُ شُرُوطِ وُجُوبِ القِصَاصِ وَاسْتِيفَائِهِ
 فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيفَائِهِ
 فَصْل وَإِنْ أَسْلَمَ الحُرُّ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ
 بَابُ المُضْطَرِّ
 بَابُ النَّذْرِ
 تابع بَابُ النَّذْرِ
 تَكْمِلَةُ بَابِ النَّذْرِ
 كتاب الإجارة
 كِتَابُ الوَقْفِ
 تابع كتاب الوقف
 حديث عمر بن الخطاب في الوقف
 وَيَصِحُّ الوَقْفُ بِالقَوْلِ
 الوَقْف الحَبِيس
 مَسْأَلَة الوَقْف وَمَصْرَفِه وَشُرُوطِه
 الإطلاق في الوقف
 الوَقْف المُنْقَطِع
 بَابُ الهِبَة
 بَابُ الغَصْب
 بَابُ حَدِّ الزِّنَى
 كتاب الوقف
 وَإِنْ نَقَصَ فَعَلَيْهِ أَرْشُ نَقْصِه
 كتاب الفرائض
 بَابُ حَدِّ القَذْفِ
 زِيَادَة المَغْصُوب
 بَابُ حَدُّ المُسْكِرِ
 كتاب الرضاع
 خلط المَغْصُوب
 بَابُ حَدِّ المُحَارِبِينَ
 كتاب الصيد
 بَابُ الشُّفْعَةِ
 بَابُ قِتَالِ أَهْلِ البَغْيِ
 كِتَابُ الأَيْمَانِ
 شروط الشفعة (الثالث - الرابع)
 بَابُ حُكْمِ المُرْتَدِّ
 كتاب الجنايات
 شروط الشفعة (الخامس- السادس)
 كِتَابُ الدِّيَاتِ
 شروط الشفعة (السابع)
 كِتَابُ الحُدُودِ
 كِتَابُ الجِهَادِ
 كِتَابُ القَضَاءِ
 كتاب الشهادات
العدة شرح العمدة - فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيفَائِهِ

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَأَتْبَاعِهِ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

 أَمَّا بَعْدُ..

يَقُولُ الإِمَامُ المُصَنِّفُ أَبُو مُحَمَّدٍ المَقْدِسِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

بَابُ شُرُوطِ وُجُوبِ القَصَاصِ وَاسْتِيفَائِهِ

الآنَ شَرَعَ رَحِمَهُ اللهُ فِي شُرُوطِ اسْتِيفَاءِ القَصَاصِ، فَهُنَاكَ شُرُوطٌ لِاسْتِيفَائِهِ كَمَا أَنَّ هُنَاكَ شُرُوطًا لِوُجُوبِهِ.

يَقُولُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِجَوَازِ اسْتِيفَائِهِ شُرُوطٌ ثَلَاثَةٌ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ لِمُكَلَّفٍ.

إِذَا قَتَلَ إِنْسَانٌ إِنْسَانًا وَكَانَ وَلِيُّ دَمِهِ وَاحِدًا أَوْ مُتَعَدِّدًا فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ القَصَاصَ؛ فَلِأَبِيهِ أَنْ يَسْتَوْفِيَ القَصَاصَ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ وَلِيُّهُ أَخًا بَالِغًا مُكَلَّفًا، أَوْ أَحَدَ عَصَبَتِهِ مِنْ أَعْمَامِهِ أَوْ أَبْنَاءِ أَخِيهِ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ.

فَإِنْ كَانَ وَاحِدًا اسْتَوْفَاهُ بِنَفْسِهِ، وَإِنْ كَانُوا جَمَاعَةً فَسَيَأْتِي أَنَّهُمْ لَا بُدَّ مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ عَلَى هَذَا، لَكِنْ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الدَّمِ مُكَلَّفًا.

قَالَ: فَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ.

أَيْ إِذَا كَانَ وَلِيُّ القَصَاصِ غَيْرَ مُكَلَّفٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ غَيْرُهُ، فَإِنْ كَانَ وَلِيُّ القَصَاصِ صَبِيًّا صَغِيرًا أَوْ صَبِيَّةً أَوْ مَجْنُونًا فَلَا يَقْتَصَّ، فَإِذَا كَانَ وَلِيُّ القَصَاصِ صَبِيًّا أَوْ صَبِيَّةً فَلَا يَقْتَصَّ.

وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالمَجْنُونِ؛ فَإِذَا كَانَ صَبِيًّا فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ لِأَنَّ لَهُ غَايَةً يَنْتَهِي إِلَيْهَا وَهِيَ البُلُوغُ، أَمَّا إِذَا كَانَ مَجْنُونًا وَجُنُونُهُ مُطْبِقٌ فَهَذَا لَيْسَ لَهُ حَالٌ يُمْكِنُ أَنْ يَعْقِلَ فِيهَا بَلْ هُوَ فِي الغَالِبِ مَيْئُوسٌ مِنْهُ، فَالأَظْهَرُ فِي هَذَا الحَالِ أَنْ يَكُونَ الأَمْرُ لِبَقِيَّةِ الشُّرَكَاءِ فِي الدَّمِ أَوْ لِمَنْ يَكُونُ وَلِيًّا لَهُ فَيُنْظَرَ فِي الأَصْلَحِ فِي حَقِّ هَذَا المَجْنُونِ القَصَاصُ أَوِ الدِّيَةُ.

قَالَ: أَوْ لَهُ فِيهِ حَقٌّ.

كَأَنْ قَتَلَ رَجُلٌ إِنْسَانًا وَوَلِيُّ المَقْتُولِ أَخَوَانِ أَحَدُهُمَا مُكَلَّفٌ وَالآخَرُ صَغِيرٌ أَوْ صَغِيرَةٌ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اسْتِيفَاءُ القَصَاصِ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ أَوِ الصَّغِيرَةُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَخْتَارُ القَصَاصَ أَوْ عَدَمَهُ

قَوْلُهُ: وَإِنْ قَلَّ.

أَيْ وَلَوْ كَانَ حَقُّهُ قَلِيلًا، كَأَنْ يَكُونَ وَرَثَةُ الدَّمِ كَثِيرِينَ وَفِيهِمْ وَاحِدٌ لَمْ يَبْلُغْ، نَقُولُ يَجِبُ أَنْ يَنْتَظِرَ وَإِنْ كَانَ نَصِيبُهُ مِنْ وَرَثَةِ الدَّمِ شَيْئًا يَسِيرًا؛ فَإِنَّ لَهُ فِيهِ حَقًّا، وَعَلَى هَذَا يُحْبَسُ القَاتِلُ حَتَّى يَبْلُغَ الصَّغِيرُ.

وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ، وَالمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ قَدَّمَ هَذَا وَهُوَ المَذْهَبُ، وَذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ المُشَارِكُ فِي الدَّمِ صَغِيرًا فَإِنَّ لِبَقِيَّةِ الأَوْلِيَاءِ أَنْ يَسْتَوْفُوا القَصَاصَ وَلَا يَنْتَظِرُوا بُلُوغَ الصَّغِيرِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حَقًّا فِيهِ، وَفِي انْتِظَارِهِمْ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِمْ، وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللهُ وَأَبِي حَنِيفَةَ.

لَكِنَّ كَلَامَ المُصَنِّفِ هُوَ الأَقْرَبُ وَهُوَ الأَظْهَرُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا» (1).

وَيَشْمَلُ الأَهْلُ جَمِيعَ مَنْ يَرِثُ هَذَا المَقْتُولَ حَتَّى زَوْجَتُهُ أَوِ الزَّوْجُ سَوَاءٌ كَانُوا مِنْ ذَوِي الأَسْبَابِ أَوْ مِنْ ذَوِي الأَنْسَابِ عَلَى الصَّحِيحِ، فَإِنَّهُ يَنْتَظِرُ، وَهَذَا هُوَ المَعْمُولُ بِهِ فِي المَحَاكِمِ هُنَا، وَلِأَنَّ فِي الِانْتِظَارِ مَصْلَحَةً وَمَنْفَعَةً لِلْقَاتِلِ وَلِصَاحِبِ الدَّمِ أَوْ لِلْمُشَارِكِ فِي الدَّمِ؛ لِأَنَّ ذَاكَ القَاتِلَ يَنْتَفِعُ بِتَأَخُّرِ القَتْلِ بِفَوَاتِ نَفْسِهِ، لَكِنْ تُعَطَّلُ مَنْفَعَتُهُ لِأَنَّهُ يُحْبَسُ، وَيَنْتَفِعُ صَاحِبُ الحَقِّ أَيْضًا لِأَنَّهُ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَنْظُرَ أَيُّ المَصْلَحَتَيْنِ أَنْفَعُ؛ فَإِمَّا أَنْ يَطْلُبَ القَصَاصَ وَإِمَّا أَنْ يَطْلُبَ الدِّيَةَ.

أَمَّا لَوْ عَفَا بَعْضُ الشُّرَكَاءِ فَإِنَّهُ يَسْقُطُ القَصَاصُ كَمَا سَيَأْتِي، فَعَلَى هَذَا يَنْتَقِلُ الأَمْرُ إِلَى الدِّيَةِ وَيَبْقَى لِلصَّغِيرِ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ أَوْ مَا اتُّفِقَ عَلَيْهِ.

قَالَ: لَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ.

أَيْ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ الحَاكِمُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ أَيْضًا وَلِيُّ الصَّغِيرِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ صَبِيًّا قُتِلَتْ أُمُّهُ وَهِيَ لَيْسَتْ فِي عِصْمَةٌ أَبِيهِ، أَيْ أَنَّ أَبَاهُ لَيْسَ وَارِثًا لَهَا وَيَكُونُ وَارِثَ الدَّمِ هُوَ الطِّفْلُ فَقَطْ، فَعَلَى هَذَا لَوْ أَرَادَ أَبُوهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ لَهُ القَصَاصَ قَالُوا لَا يَسْتَوْفِي.

قَالَ: وَإِنِ اسْتَوْفَى غَيْرُ المُكَلَّفِ حَقَّهُ بِنَفْسِهِ أَجْزَأَ ذَلِكَ.

لَوْ كَانَ صَبِيًّا لَمْ يَبْلُغْ وَقَتَلَ القَاتِلَ، فَإِنَّهُ بِذَلِكَ قَدِ اسْتَوْفَى حَقَّهُ وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنْهُ.

الثَّانِي: اتِّفَاقُ جَمِيعِ المُسْتَحِقِّينَ عَلَى اسْتِيفَائِهِ.

فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِ الشُّرَكَاءِ فِي الدَّمِ أَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلِ القَاتِلِ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعُوا وَيَتَّفِقُوا، فَإِنْ أَقْدَمَ أَحَدُهُمْ وَاقْتَصَّ فَإِنَّهُ يَكُونُ آثِمًا بِهَذَا الفِعْلِ.

قَالَ: فَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ بَعْضُهُمْ أَوْ كَانَ فِيهِمْ غَائِبٌ لَمْ يَجُزِ اسْتِيفَاؤُهُ.

فَإِذَا لَمْ يَأْذَنْ فِي اسْتِيفَاءِ القَصَاصِ بَعْضُهُمْ فَلَا يَجُوزَ اسْتِيفَاءُ القَصَاصِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِيهِمْ غَائِبٌ فَيُنْتَظَرَ حَتَّى يَأْتِيَ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ الصَّبِيُّ يُنْتَظَرُ حَتَّى يَبْلُغَ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّ الغَائِبَ يُنْتَظَرُ.

قَالَ فَإِنِ اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ فَلَا قَصَاصَ عَلَيْهِ.

أَيْ إِذَا اسْتَوْفَاهُ بَعْضُهُمْ قَبْلَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ؛ كَأَنْ يَكُونَ أَوْلِيَاءُ الدَّمِ خَمْسَةَ إِخْوَةٍ فَذَهَبَ أَحَدُهُمْ وَقَتَلَ القَاتِلَ، نَقُولُ هُوَ قَتَلَ مُهْدَرَ الدَّمِ، لَكِنَّهُ آثِمٌ مِنْ جِهَةِ افْتِئَاتِهِ فِي أَمْرٍ لَمْ يَكُنْ مُنْفَرِدًا بِهِ، بَلِ الوَاجِبُ أَنْ يُشَاوِرَ وَيَجْتَمِعَ مَعَ أَصْحَابِ الدَّمِ؛ لِأَنَّ لَهُمْ حَقًّا وَلِأَنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ لَا يَحْصُلُ تَمَامُ التَّشَفِّي إِلَّا بِاتِّفَاقِهِمْ جَمِيعًا.

لَكِنْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعَزِّرَهُ أَوْ يُعَاقِبَهُ بِشَيْءٍ لِسَدِّ بَابِ الشَّرِّ وَالفَسَادِ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ عَامٌّ فَهُوَ حَقٌّ خَاصٌّ لِعُمُومِ وَرَثَتِهِ وَحَقٌّ عَامٌّ لِعُمُومِ النَّاسِ، وَهُوَ فِي الأَغْلَبِ يَكُونُ حَقًّا للهِ عَزَّ وَجَلَّ.

قَالَ: وَعَلَيْهِ بَقِيَّةُ دِيَتِهِ لَهُ، وَلِشُرَكَائِهِ حَقٌّ فِي دِيَةِ الجَانِي وَيَسْتَحِقُّ القَصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ المَالَ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ.

إِذَا قَتَلَ فَإِنَّهُ قَدْ فَوَّتَ الأَمْرَ عَلَيْهِمْ، فَالقَاتِلُ قُتِلَ وَانْتَهَى الأَمْرُ، هُوَ أَسْقَطَ حَقَّهُ مِنَ الدِّيَةِ لِأَنَّهُ اقْتَصَّ، وَلَكِنْ لِلْبَقِيَّةِ حَقٌّ فِي الدِّيَةِ، فَهَلْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الدِّيَةِ فِي تَرِكَةِ القَاتِلِ الَّذِي قَتَلَ مُوَرِّثَهُمْ أَوْ فِيمَنِ اقْتَصَّ مِنَ الجَانِي؟

فِيهِ خِلَافٌ: فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ هُوَ فِي تَرِكَةِ الجَانِي وَيَعُودُ أَوْلِيَاؤُهُ عَلَى القَاتِلِ فِيمَا زَادَ لِأَنَّهُمْ سَوْفَ يَغْرَمُونَ لَهُ نَصِيبَهُمْ مِنَ الدِّيَةِ.

وَالأَظْهَرُ وَاللهُ أَعْلَمُ أَنَّ نَصِيبَهُمْ مِنَ الدِّيَةِ يَكُونُ فِي تَرِكَةِ الجَانِي، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَوَّتَ عَلَيْهِمْ، وَلِأَنَّ القَاتِلَ حَصَلَ المَقْصُودُ بِقَتْلِهِ، نَفْسٌ بِنَفْسٍ، فَلَا يَلْحَقَهُ شَيْءٌ بَعْدَ ذَلِكَ فِي مَالِهِ.

وَعَلَى هَذَا نَقُولُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ وَرِثَ المَالَ وَرِثَ القَصَاصَ مِنْ ذَوِي الأَنْسَابِ وَالأَسْبَابِ، فَلَوْ كَانَ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ زَوْجَةٌ وَلَهُ أَوْلَادٌ ذُكُورٌ وَإِنَاثٌ، يَكُونُ لِلزَّوْجَةِ الثُّمُنُ مِنَ المَالِ، فَعَلَى هَذَا لَهَا ثُمُنُ الدَّمِ، وَالبَاقِي لِبَقِيَّةِ الوَرَثَةِ، وَلَوْ عَفَتِ الزَّوْجَةُ سَقَطَ القَصَاصُ كَمَا سَيَأْتِي.

لَكِنَّ القَاعِدَةَ: أَنَّهُ يَسْتَحِقُ القَصَاصَ كُلُّ مَنْ يَرِثُ المَالَ عَلَى قَدْرِ مَوَارِيثِهِمْ وَلَوْ كَانَ المَالُ شَيْئًا يَسِيرًا جِدًّا فَإِنَّهُ يَسْتَحِقُّ القَصَاصَ.

وَفَائِدَةُ اسْتِحْقَاقِ القَصَاصِ أَنَّهُ يَرِثُ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ مَا يَرِثُ مِنَ المَالِ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ فِي الحَقِيقَةِ تُضَافُ إِلَى التَّرِكَةِ وَتُورَثُ مَعَ المَالِ، فَكُلُّ مَنْ وَرِثَ قَدْرًا مِنَ المَالِ وَرِثَ بِقَدْرِهِ مِنَ التَّرِكَةِ، فَإِذَا وَرِثَتِ الزَّوْجَةُ الثُّمُنَ وَرِثَتْ مِنَ الدِّيَةِ الثُّمُنَ وَهَكَذَا.

الثَّالِثُ: الأَمْنُ مِنَ التَّعَدِّي فِي الِاسْتِيفَاءِ.

هَذَا شَرْطٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلاَ يُسْرِف فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا(2).

وَلِهَذَا قَالَ: فَلَو كَانَ الجَانِي حَامِلًا لَم يَجُزِ اسْتِيفَاءُ القَصَاصِ مِنْهَا فِي نَفْسٍ وَلَا جَرْحٍ وَلَا اسْتِيفَاءُ حَدٍّ مِنْهَا حَتَّى تَضَعَ وَلَدَهَا وَيَسْتَغْنِيَ عَنْهَا.

لَوْ كَانَ الجَانِي امْرَأَةً قَتَلَتْ رَجُلًا وَهِيَ حَامِلٌ حَالَ القَتْلِ، أَوْ حَمَلَتْ بَعْدَ القَتْلِ وَلَوْ كَانَ نُطْفَةً فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الحَمْلِ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ القَصَاصُ مِنْهَا وَهِيَ حَامِلٌ، بَلْ لَا يَجُوزُ إِقَامَةُ سَائِرِ الحُدُودِ عَلَيْهَا وَهِيَ حَامِلٌ؛ مِثْلِ حَدِّ الزِّنَا أَوِ القَطْعِ أَوِ الجَلْدِ، لِأَنَّ هَذَا فِي الغَالِبِ يَضُرُّ الحَمْلَ.

فَلَوْ وَضَعَتْ وَلَدَهَا وَلَمْ يَسْتَغْنِ وَلَدُهَا عَنْهَا كَأَنْ لَمْ نَجِدْ مَنْ يُرْضِعُهُ وَجَبَ تَأْجِيلُ إِقَامَةِ الحَدِّ عَلَيْهَا إِلَى أَنْ يَسْتَغْنِيَ وَلَدُهَا عَنْهَا بِالطَّعَامِ، كَمَا فِي تِلْكَ المَرْأَةِ الَّتِي زَنَتْ ثُمَّ أَخَّرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى أَنْ أَتَتْ بِابْنِهَا وَفِي يَدِهِ قِطْعَةُ خُبْزٍ، يَعْنِي أَنَّهُ صَارَ يَأْكُلُ وَاسْتَغْنَى عَنِ اللَّبَنِ، فَأَقَامَ الحَدَّ عَلَيْهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

قَالَ: فَصْلٌ: وَيَسْقُطُ بَعْدَ وُجُوبِهِ بِأُمُورٍ ثَلَاثَةٍ: أَحَدُهَا: العَفْوُ عَنْهُ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ.

العَفْوُ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي القَصَاصِ قَالَ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ(3) وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ عِنْدَ «أَبِي دَاوُدَ»: مَا رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُفِعَ إِلَيْهِ شَيءٌ مِنْ قِصَاصٍ إِلَّا أَمَرَ فِيهِ بِالْعَفْوِ. وَأَمَرَ بِالعَفْوِ فِي قِصَّةِ الرُّبَيِّعِ.

فَالعَفْوُ مَطْلُوبٌ لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ، فَالعَفْوُ عَنِ الظَّالِمِ حَيْثُ يَكُونُ العَفْوُ عَدْلًا، لَا حَيْثُ يَكُونُ العَفْوُ ظُلْمًا، فَلَوْ كَانَ الجَانِي مُسْتَهْتِرًا ظَالِمًا وَلَا يُبَالِي عُفِيَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ فَهُنَا وَإِنْ عَفَا وَلِيُّ الدَّمِ فَإِنَّ هُنَاكَ حَقًّا خَاصًّا للهِ، وَقَدْ يُشْبِهُ مِنْ بَعْضِ الوُجُوهِ حَدَّ الحَرَابَةِ لِكَثْرَةِ فَسَادِهِ، فَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: مَنْ قَتَلَ غِيلَةً فَإِنَّ دَمَهُ إِلَى الإِمَامِ وَلَا يَجُوزُ العَفْوُ عَنْهُ، بَلْ يَجِبُ قَتْلُهُ، بِخِلَافِ مَنْ قَتَلَ لِعَدَاوَةٍ شَخْصِيَّةٍ كَسَرِقَةِ مَالٍ أَوْ لِعَدَاوَةٍ بَيْنَهُمَا وَشَحْنَاءَ فَقَتَلَ لِأَجْلِ العَدَاوَةِ، فَهَذَا قَدْ يُعْفَى عَنْهُ.

وَعَلَى هَذَا يُقَالُ: إِذَا كَانَ العَفْوُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ شَرٌّ وَفَسَادٌ فَالقَاعِدَةُ أَنَّهُ تُدْرَأُ المَفَاسِدُ، وَالوَاجِبُ إِزَالَتُهَا. أَمَّا إِذَا كَانَ يَتَرَتَّبُ عَلَى العَفْوِ مَفْسَدَةٌ أَكْبَرُ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ الشَّرْعِ بَلْ هَذَا هُوَ عَيْنُ المُحَادَّةِ وَالمُعَانَدَةِ لِلشَّرْعِ.

قَالَ: فَإِنْ عَفَا بَعْضُ الوَرَثَةِ عَنْ حَقِّهِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ سَقَطَ كُلُّهُ وَلِلْبَاقِينَ حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ.

فَإِذَا كَانَ وَرَثَةُ الدَّمِ مَثَلًا خَمْسَةَ إِخْوَةٍ فَعَفَا أَحَدُهُمْ يَسْقُطُ القَصَاصُ، أَوْ كَانَ الوَارِثُ أَخَاهُ وَزَوْجَتَهُ فَعَفَتِ الزَّوْجَةُ يَسْقُطُ القَصَاصُ، حَتَّى لَوْ كَانَتِ الزَّوْجَةُ أُخْتًا لِلْقَاتِلِ، فَلَوْ أَنَّ أَخَاهَا قَتَلَ زَوْجَهَا وَلَهُ أَخٌ، فَقَالَتْ: عَفَوْتُ عَنْ دَمِ زَوْجِي سَقَطَ القَصَاصُ؛ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا فِيهِ، فَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَغَيْرُهُ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رُفِعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ قَتَلَ رَجُلًا فَأَرَادَ أَوْلِيَاءُ المَقْتُولِ قَتْلَهُ، فَقَالَتْ أُخْتُ المَقْتُولِ وَهِيَ امْرَأَةُ القَاتِلِ: قَدْ عَفَوْتُ عَنْ حِصَّتِي مِنْ زَوْجِي. فَقَالَ عُمَرُ: عُتِقَ الرَّجُلُ مِنَ القَتْلِ. ذَلِكَ لِأَنَّ لَهَا حَقًّا، وَالقَصَاصُ لَا يَتَجَزَّأُ، فَإِذَا سَقَطَ بَعْضُهُ سَقَطَ كُلُّهُ.

وَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عَفَوْتُ عَنْ نِصْفِ حَقِّي. نَقُولُ: لَوْ عَفَا عَنْ نِصْفِ حَقِّهِ سَقَطَ.

فَإِذَا عَفَا أَحَدُ أَوْلِيَاءِ الدَّمِ عَنِ المَقْتُولِ سَقَطَ حَقُّهُ وَلِلْبَاقِينَ حَقُّهُمْ مِنَ الدِّيَةِ وَهُوَ لَا شَيْءَ لَهُ إِلَّا إِذَا كَانَ عَفَا عَلَى مَالٍ كَمَا سَيَأْتِي.

وَلِلْبَاقِينَ حَقٌّ مِنَ الدِّيَةِ بِقَدْرِ ذَلِكَ، فَإِذَا كَانَ العَافِي الزَّوْجَةَ فَحَقُّهَا مِنَ الدِّيَةِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَوْلَادٌ الرُّبْعُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ فَحَقُّهَا الثُّمُنُ، فَيَذْهَبُ رُبْعُ الدِّيَةِ أَوْ ثُمُنُهَا بِحَسَبِ مَا يَكُونُ لِوَرَثَةِ القَتِيلِ.

قَالَ: وَإِنْ كَانَ العَفْوُ عَلَى مَالٍ فَلَهُ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ وَإِلَّا فَلَيْسَ لَهُ الثَّوَابُ.

العَافِي عَنِ القَصَاصِ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ مُطْلَقًا يُرِيدُ بِذَلِكَ الثَّوَابَ، فَنَقُولُ سَقَطَ حَقُّهُ مِنَ القَصَاصِ بِتَنَازُلِهِ عَنْهُ، وَسَقَطَ حَقُّهُ مِنَ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهُ عَفَا عَلَى المَالِ.

وَإِنْ كَانَ عَفَا عَنْ حَقِّهِ عَلَى مَالٍ فَيَكُونَ لَهُ ذَلِكَ وَلَوْ عَفَا بِمَالٍ كَثِيرٍ، فَإِذَا أَرْضَاهُ وَرَثَةُ الجَانِي بِشَيْءٍ مِنَ المَالِ وَأَسْقَطَ حَقَّهُ بِهَذَا المَالِ فَلَهُ ذَلِكَ.

قَالَ: الثَّانِي: أَنْ يَرِثَ القَاتِلُ أَوْ بَعْضُ وَلَدِهِ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ.

هَذَا هُوَ الشَّرْطُ الثَّانِي فِي إِسْقَاطِ القَصَاصِ؛ إِذَا وَرِثَ القَاتِلُ دَمَ القَتِيلِ يَسْقُطُ القَصَاصُ عَنْهُ.

مِثَالُهُ: لَوْ قَتَلَ رَجُلٌ زَوْجَتَهُ وَلَهَا إِخْوَةٌ، فَلَا يُقْتَصَّ مِنَ القَاتِلِ الَّذِي هُوَ الزَّوْجُ؛ لِأَنَّهُ وَرِثَ دَمَ القَتِيلِ بِوَاسِطَةِ زَوْجَتِهِ.

أَوْ: وَرِثَ وَلَدُهُ شَيْئًا مِنْ دَمِهِ، مِثْلُ أَنْ يَكُونَ قَتَلَ زَوْجَتَهُ فَإِنَّهُ لَا يَرِثُهَا لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَاتِلِ شَيْءٌ، وَكَانَ لَهَا وَلَدٌ مِنْهُ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى، فَإِنَّ المُسْتَحِقَّ لِلْقَصَاصِ الآنَ هُوَ وَلَدُهَا، فَإِذَا كَانَ المُسْتَحِقُ لِلْقَصَاصِ وَلَدًا لِلْقَاتِلِ -سَوَاءٌ كَانَ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى- فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ القَصَاصُ لِأَنَّهُ –أَيِ القَاتِلَ- لَوْ قَتَلَ وَلَدَهُ لَا يَجُوزُ القَصَاصُ مِنْهُ، فَكَيْفَ إِذَا كَانَ الوَلَدُ هُوَ الوَارِثَ لِلدَّمِ، فَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَنَّهُ –أَيِ الوَلَدَ- لَا يَسْتَحِقُّ القَصَاصَ عَلَى أَبِيهِ.

وَهَذِهِ المَسْأَلَةُ رُبَّمَا تَسْتَشْكِلُ، لَكِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ شَيْئًا مِنَ الخِلَافِ فِي «المُغْنِي»، وَيَظْهَرُ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّهَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَهْلِ العِلْمِ، لَكِنْ يَنْبَغِي النَّظَرُ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ.

وَالقَوْلُ بِخِلَافِ هَذَا القَوْلِ قَدْ يَكُونُ أَقْوَى، فَيَنْبَغِي تَحْقِيقُ النَّظَرِ فِيهَا لِأَنَّ وُجُوبَ القَصَاصِ مَهْمَا كَانَ سَيَكُونُ مُسْتَحَقًّا لِذَاكَ المَقْتُولِ الَّذِي لَيْسَ بَعْضًا مِنْ هَذَا القَاتِلِ، لَيْسَ وَلَدًا لَهُ أَوْ زَوْجَةً، لَكِنْ لَا يَنْبَغِي لِوَلَدِهِ أَنْ يَتَوَلَّى القَتْلَ بِنَفْسِهِ، هَذَا إِذَا قِيلَ بِهِ.

قَالَ: الثَّالِثُ أَنْ يَمُوتَ القَاتِلُ فَيَسْقُطَ وَتَجِبُ الدِّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ.

إِذَا مَاتَ القَاتِلُ انْتَهَى الأَمْرُ، وَالوَاجِبُ هُوَ التَّرِكَةُ، لِأَنَّ الوَاجِبَ هُوَ القَوْدُ أَوِ الدِّيَةُ، فَإِذَا مَاتَ القَاتِلُ فَإِنَّ الوَاجِبَ حِينَئِذٍ الدِّيَةُ.

قَالَ: وَلَوْ قَتَلَ وَاحِدٌ اثْنَيْنِ عَمْدًا فَاتَّفَقَ أَوْلِيَاؤُهُمَا عَلَى قَتْلِهِ بِهِمَا قُتِلَ بِهِمَا.

فَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلَيْنِ، وَكُلُّ رَجُلٍ لَهُ أَوْلِيَاءُ، فَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِ القَاتِلِ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُلِ اخْتِلَافٌ بَيْنَهُمَا.

قَالَ: وَإِنْ تَشَاحُّوا فِي اسْتِيفَاءِ المُسْتَوْفِي قُتِلَ بِالأَوَّلِ.

لَوْ قَالَ وَرَثَةُ القَتِيلِ الأَوَّلِ نَحْنُ نَقْتُلُهُ، وَقَالَ الآخَرُونَ بَلْ نَحْنُ نَقْتُلُهُ. قُتِلَ بِالأَوَّلِ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ إِهْدَارُ دَمِهِ بِالقَاتِلِ الأَوَّلِ، وَيَكُونُ بِالقَاتِلِ الثَّانِي مِنْ بَابِ تَأْكِيدِ وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَإِلَّا فَالحَقُّ يَكُونُ قَدْ ثَبَتَ بِالقَاتِلِ الأَوَّلِ.

وَلِهَذَا لَوْ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ غَيْرَهُ فَلَهُمْ ذَلِكَ، وَلَهُمُ اسْتِيفَاؤُهُ وَلَا يُنَازِعُهُمْ أَحَدٌ، وَإِنْ قَتَلَ آخَرَ فَإِنَّ الحَقَّ ثَابِتٌ لِأَوْلِيَاءِ القَتِيلِ الأَوَّلِ.

قَالَ: وَلِلثَّانِي الدِّيَةُ.

فَيَثْبُتَ القَتْلُ وَالدِّيَةُ، وَالمَسْأَلَةُ فِيهَا خِلَافٌ؛ فَقَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ يَسْقُطُ حَقُّ الجَمِيعِ بِالقَتْلِ. وَقَالَ آخَرُونَ: إِنَّهُمَا نَفْسَانِ، فَإِذَا طَلَبَ بَعْضُهُمُ القَتْلَ وَطَلَبَ بَعْضُهُمُ الدِّيَةَ فَإِنَّهُ يُقْتَلُ بِالأَوَّلِ وَتَثْبُتُ الدِّيَةُ بِالثَّانِي.

قَالَ: فَإِنْ سَقَطَ قَصَاصُ الأَوَّلِ فَلِأَوْلِيَاءِ الثَّانِي اسْتِيفَاؤُهُ.

فَلَوْ عَفَا أَهْلُ القَتِيلِ الأَوَّلِ يَكُونُ لِأَهْلِ القَتِيلِ الثَّانِي اسْتِيفَاؤُهُ، فَلَهُمْ أَنْ يَسْتَوْفُوا، فَلَا يَسْقُطَ القَصَاصُ بِعَفْوِ أَحَدِ الفَرِيقَيْنِ.

قَالَ: وَيُسْتَوْفَى القَصَاصُ بِالسَّيْفِ فِي العُنُقِ، وَلَا يُمَثَّلُ بِهِ.

 وَهَذَا هُوَ المَذْهَبُ، لِأَنَّ التَّمْثِيلَ حَرَامٌ.

قَالَ: إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا فَيُفْعَلَ بِهِ مِثْلُهُ.

الأَصْلُ هُوَ اسْتِيفَاءُ القَتْلِ بِالسَّيْفِ، لَكِنْ هَلْ إِذَا مُثِّلَ بِالمَقْتُولِ يُمَثَّلُ بِالقَاتِلِ؟

اخْتَارَ المُصَنِّفُ أَنَّهُ يُمَثَّلُ بِهِ، وَذَهَبَ عُلَمَاءُ آخَرُونَ إِلَى أَنَّ الوَاجِبَ القَصَاصُ بِالسَّيْفِ وَلَا يُمَثَّلُ بِهِ.

فَلَوْ أَنَّهُ قَطَعَ يَدَ إِنْسَانٍ ثُمَّ قَطَعَ رِجْلَهُ ثُمَّ قَتَلَهُ، فَالمَذْهَبُ -وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرِينَ- أَنَّ الوَاجِبَ قَتْلَهُ بِالسَّيْفِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ: «لاَ قَوَدَ إِلَّا بِالسَّيْفِ» (4). لَكِنْ هَذَا لَا يَثْبُتُ، وَبِحَدِيثِ: «إِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا الْقِتْلَةَ»(5).

وَذَهَبَ آخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ إِذَا مَثَّلَ بِهِ فَلَهُمْ أَنْ يُمَثِّلُوا بِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ(6). وَثَبَتَ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَضَّ رَأْسَ ذَلِكَ اليَهُودِيِّ الَّذِي رَضَّ رَأْسَ الجَارِيَةِ.

فَكَانَ الصَّوَابُ المُوَافِقُ لِلْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّهُ يُقْتَلُ بِمَا قَتَلَ، فَمَنْ غَرَّقَ إِنْسَانًا قُتِلَ تَغْرِيقًا، وَمَنْ غَمَّهُ قُتِلَ غَمًّا، وَإِنْ مَنَعَهُ الطَّعَامَ وَالشَّرَابَ حَتَّى هَلَكَ فُعِلَ بِهِ ذَلِكَ، وَمَنْ جَرَحَ إِنْسَانًا ثُمَّ قَتَلَهُ فَإِنَّهُ يُجْرَحُ ثُمَّ يُقْتَلُ؛ لِأَنَّ هَذَا هُوَ العَدْلُ وَلِأَنَّهُ أَرْدَعُ لِهَذَا وَأَمْثَالِهِ، بَلْ قَالَ بَعْضُ العُلَمَاءِ: لَوْ قَتَلَهُ تَحْرِيقًا قُتِلَ تَحْرِيقًا لِأَنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّقَ الرُّعَاةَ. أَمَّا مَا يُرْوَى: «مَنْ حَرَّقَ حَرَّقْنَاهُ وَمَنْ غَرَّقَ غَرَّقْنَاهُ»(7). فَهَذَا لَا يَصِحُّ.

وَإِنْ كَانَ الأَصْلُ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلَّا اللهُ كَمَا فِي الحَدِيثِ: «لاَ يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إِلا رَبُّ النَّارِ» (8).

لَكِنْ مَنْ قَتَلَ بِالتَّحْرِيقِ بِالنَّارِ فَالقَصَاصُ أَنْ يُحَرَّقَ، وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنِ الصَّحَابَةِ؛ فَقَدْ حَرَّقَ أَبُو بَكْرٍ بَعْضَ النَّاسِ مِنَ البُغَاةِ، وَحَرَّقَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَثَبَتَ عَنْ خَالِدٍ أَيْضًا، وَقَدْ سَمَّلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْيُنَ الرُّعَاةِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ التَّحْرِيقِ.

فَإِنْ كَانَ الأَصْلُ القَتْلَ بِالسَّيْفِ فَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنَّ مَنْ مَثَّلَ يُمَثَّلُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الأَصْلُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ القَتْلُ بِالنَّارِ ابْتِدَاءً أَمَّا التَّعْذِيبُ مُقَابَلَةً فَهَذَا هُوَ الأَظْهَرُ.

وَمِنَ المَسَائِلِ المُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ مَسْأَلَةُ اسْتِيفَاءِ قَصَاصِ الذَّكَرِ مَعَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ صَغِيرًا يُنْتَظَرُ لَكِنْ ذَهَبَ جَمْعٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ -وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَاخْتِيَارُ تَقِيِّ الدِّينِ- إِلَى أَنَّ وِلَايَةَ الدَّمِ لِلْعَصَبَةِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ، فَلِلرِّجَالِ أَنْ يَسْتَوْفُوا وَلَوْ عَفَا النِّسَاءُ، وَلَكِنْ جَاءَ مَا يَدُلُّ عَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَامٌّ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ أَوْ يَقْتُلُوا». فَهَذَا عَامٌّ فِي جَمِيعِ مَنْ يَرِثُ، وَلِهَذَا يُنْتَظَرُ وَلَوْ كَانَ صَبِيًّا، بَلْ وَلَوْ كَانَتْ صَبِيَّةً، ثُمَّ يُنْظَرُ مَاذَا يَخْتَارُ.

وَاللهُ أَعْلَمُ.

الأَسْئِلَةُ

السُّؤَالُ: لِمَ لَمْ يُجْعَلِ القَصَاصُ مِنَ ابْنْ مَلْجَمٍ قَاتِلِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى أَوْلِيَائِهِ؟

الجَوَابُ: ابْنُ مَلْجَمٍ قُتِلَ حَدًّا، وَلَمْ يُجْعَلْ قَتْلُهُ إِلَى الوَرَثَةِ؛ لِأَنَّهُ أَفْسَدَ فِي الأَرْضِ فَقَتَلَهُ وَلِيُّ الأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ قُتِلَ مِنْ أَجْلِ بِدْعَتِهِ أَوْ مِنْ أَجْلِ كُفْرِهِ، فَهَذِهِ آرَاءٌ ثَلَاثَةٌ: إِمَّا أَنَّهُ قُتِلَ بِسَبَبِ الإِفْسَادِ فَيَكُونَ مِنْ بَابِ الحَرَابَةِ، أَوْ لِأَنَّهُ صَاحِبُ بِدْعَةٍ فَيُقْتَلَ لِأَجْلِ إِفْسَادِهِ فِي الدِّينِ، أَوْ لِأَنَّهُ مُرْتَدٌّ فَحَلَّ دَمُهُ.

السُّؤَالُ:..........؟

الجَوَابُ: هَذَا إِذَا لَمْ يَنْدَمِلِ الجَرْحُ فَإِذَا قَطَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ تَرَكَهُ حَتَّى انْدَمَلَ الجَرْحُ فَهُنَا قَدِ اسْتَقَرَّ وُجُوبُ القَصَاصِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ قَتَلَهُ فَلَهُمْ أَنْ يَقْتَصُّوا مِنْهُ بِالقَتْلِ اتِّفَاقًا؛ فَلَهُمْ أَنْ يَقْتُلُوهُ بِالسَّيْفِ ثُمَّ يَأْخُذُوا دِيَتَيْنِ، وَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا ثَلَاثَ دِيَاتٍ؛ دِيَةَ قَطْعِ يَدَيْهِ وَدِيَةَ قَطْعِ رِجْلَيْهِ وَدِيَةَ قَتْلِهِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَقَرَّ قَتْلُهُ بَعْدَ انْدِمَالِ الجَرْحِ.

أَمَّا الخِلَافُ إِذَا كَانَ قَتْلُهُ بَعْدَ قَطْعِ اليَدِ وَقَطْعِ الرِّجْلِ مُتَوَاصِلًا قَبْلَ انْدِمَالِ الجَرْحِ، لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ يَكُونُ قَدْ مَاتَ مِنَ الجَرْحِ نَفْسِهِ وَلَا يُدْرَى بِأَيِّهِمَا مَاتَ.

* * *


(1) أخرجه أبو داود في كتاب الديات – باب ولي العمد يأخذ الدية (4506).

(2) سورة الإسراء: 33.

(3) سورة البقرة: 178.

(4) أخرجه الترمذي في كتاب الديات – باب ما جاء فيمن رضخ رأسه بصخرة (1454) وابن ماجة في كتاب الديات - باب لا قود إلا بالسيف (2667).

(5) أخرجه مسلم في كتاب الصيد والذبائح وما يؤكل من الحيوان- باب الأمر بإحسان الذبح والقتل وتحديد الشفرة (1955)، من حديث شداد بن أوس.

(6) سورة النحل: 126.

(7) أخرجه البيهقي في «الكبرى» (8/43).

(8) أخرجه أبو داود في كتاب الجهاد – باب كراهية حرق العدو بالنار (2675).