موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - كتاب الله عز وجل القران
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / كتاب الله عز وجل القران
كتاب الله عز وجل القران لـ الشيخ عبد الله سعد الفالح
 
  
 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ لِلهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَتُوبُ إِلَيهِ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَالتَّابِعِينَ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

أَيُّهَا الإِخْوَةُ فِي اللهِ فَهَذِهِ كَلِمَةٌ يَسِيرَةٌ فِي دَرْسِنَا هَذَا، وهِيَ في الحَقِيقَةِ ذِكْرَى فِي أَمْرٍ عَظِيمٍ، ذِي شِأْنٍ عَظِيمٍ، أَلَا وَهُوَ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ القُرْآنُ: فَالقُرْآنُ الكَرِيمُ كَلَامُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَمَا جَاءَ فِي وَصْفِهُ أَنَّهُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ، وَصِرَاطُهَ المُسْتَقِيمُ، وَالفَصْلُ لَيْسَ بِالهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبَّارٍ قَسَمَهُ اللهُ، وَمَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، مَنْ قَالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، وَهُوَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ- إِذَا خَطَبَ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ خَيْرَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ ، وَخَيْرَ الهَدْيِ هَدْيُ مَحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا»(1).

وَلِذَلِكَ وَصَّى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدِي أَبَدًا: كِتَابَ اللهِ وَسُنَّتِي»(2).

فَهُوَ القُرْآنُ وَكَفَى بِهِ شَرَفًا أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي قَالَهُ حَقِيقَةً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُتَكَلِّمًا بِهِ، فَالقُرْآنُ كَمَا يُعَرِّفُهُ العُلْمَاءُ -عُلَمَاءُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ- الَّذِينَ وَفَّقَهُمُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الحَقِّ، وَهُدُوا إِلَى الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ، وَهُدُوا إِلَى المِنْهَاجِ الصَّحِيحِ: هُوَ كَلَامُ اللهِ تَكَلَّمَ بِهِ حَقِيقَةً سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، كَلَامُ اللهِ المُنَزَّلُ عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، المُتَعَبَّدُ بِتِلَاوَتِهِ، المُعْجِزُ بِكَافَّةِ آيَاتِهِ، الَّذِي أَنْزَلَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى مَحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَهُوَ خَاتَمُ الكُتُبِ، وَهُوَ مُهِيَمِنٌ عَلَى جَمِيعِ الكُتُبِ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ مِنْ جَمِيعِ الكَمَالَاتِ المَوْجُودَةِ فِي جَمِيعِ الكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ السَّابِقَةِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى الأَنْبِيَاءِ قَبْلَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَغَيْرِهَا مِمَّا أُنْزِلَ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، فَفِي كِتَابِ اللهِ العَظِيمِ، فِي القُرْآنِ الكَرِيمِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا وَأَكْمَلُ، ثُمَّ إِنَّ هُنَاكَ خَاصِّيَّةً عَظِيمَةً أُخْرَى لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ- القُرْآنِ الكَرِيمِ- خَاصِّيَّةً عَظِيمَةً لَمْ تُوجَدْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الكُتُبِ السَّابِقَةِ، أَلَا وَهِيَ أَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ تَكَفَّلَ بِحِفْظِهِ: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ(3)، أَمَّا غَيْرُهُ مِنَ الكُتُبِ فَقَدْ وَكَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى العُلَمَاءِ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللهِ ، وَكَّلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ حِفْظَهَا إِلَى العُلَمَاءِ، فَحَصَلَ فِيهَا التَّحْرِيفُ وَالتَّغْيِيرُ وَالتَّبْدِيلُ، أَمَّا القُرْآنُ فَلَمْ يَحْصُلْ فِيهِ التَّحْرِيفُ وَلَا التَّبْدِيلُ -وَلِلَّهِ الحَمْدُ- فَقَدْ حَفِظَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَهَذِهِ نِعْمَةٌ مِنْ نَعَمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ هُوَ آخِرُ الكُتُبِ، فَلَنْ يَأْتِيَ كِتَابٌ بَعْدَهُ، وَنَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ هَذَا القُرْآنُ هُوَ آخِرُ الأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ.

أَسْمَاءُ وَصِفَاتُ القُرْآنِ:

لِلْقُرْآنِ أَسْمَاءُ وَصِفَاتٌ نَتَعَرَّفُ عَلَى بَعْضِهَا؛ لِنَعْرِفَ أَهَمِيَّةَ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَعِظَمَ هَذَا القُرْآنِ، فَمِنْ أَسْمَائِهِ: القُرْآنُ؛ لِأَنَّهُ يُقْرَأُ وَيُتْلَى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ(4) أَيْ: فِي اللَّوْحِ المَحْفُوظِ الَّذِي كَتَبَ اللهُ فِيهِ مَا هُوَ كَائِنٌ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ. وَسَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الفُرْقَانَ: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا(5)؛ لِأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الحَقِّ وَالبَاطِلِ. وَسَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الكِتَابَ؛ لِأَنَّهُ يُكْتَبُ: ﴿الم (1) ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾. وَسَمَّاهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: الذِكْرَ؛ لِأَنَّهُ ذِكْرٌ لِمَنْ أَخَذَ بِهِ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ فَهُوَ الذِكْرُ المُبِينُ. هَذِهِ بَعْضُ أَسْمَائِهِ.

أَمَّا أَوْصَافُهِ: فَكَثِيرَةٌ، ذَكَرَهَا السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ «الإِتْقَانُ» وَأَوْصَلَهُ إِلَى خَمْسَةٍ وَخَمْسِينَ وَصْفًا- نَذْكُرُ بَعْضَهَا- مِمَّا يَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ:

فَمِنْ أَوْصَافِهِ أَنَّهُ هُدَى: ﴿الم (1) ذَلِكَ الكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ(6) وَهُوَ هُدًى، وَمَنِ ابْتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلَّهُ اللهُ، وَهَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ فِيهِ ضَعْفٌ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَلَكِنْ ذَكَرَ العُلْمَاءُ أَنَّ فِيهِ ضَعْفًا، وَلَكِنْ مَعَانِيهِ عَظِيمَةٌ، وَتَدُلُّ عَلَى عَظَمَةِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهُوَ وَصْفٌ عَظِيمٌ لِكِتَابِ اللهِ ، فَهُوَ يَهْدِي لَلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، أَي: لِلطَّرِيقَةِ المُثْلَى وَالطَّرِيقَةِ القَيِّمَةِ الَّتِي لَا أَحَسَنَ مِنْهَا وَلَا أَفْضَلَ مِنْهَا، وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا يَأْتِي بِهِ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي جَمِيعِ الشُّئُونِ، مِنَ العَقِيدَةِ إِلَى الأَخْلَاقِ إِلَى الآدَابِ إِلَى المُسْتَحَبَّاتِ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَدْ جَاءَ بِالعَقِيدَةِ الصَّافِيَةِ الصَّحِيحَةِ النَّاصِعَةِ: الوَحْدَانِيَّةِ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ(7)، ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ (1) اللهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ(8)، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الكَافِرُونَ (1) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (2) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (3) وَلا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ (4) وَلا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (5) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ(9). هَذِهِ الآيَاتُ تُبَيِّنُ لَنَا تَوْحِيدَ العِبَادَةِ، تَوْحِيدَ الأُلُوهِيَّةِ، فِي أَقْصَرِ وَأَسْهَلِ الأَلْفَاظِ وَأَيْسَرِهَا، يَفْهَمُهَا الإِنْسَانُ فَهْمًا سَلِيمًا صَحِيحًا، وَلَكِنْ مَنْ أَضَلَّتْهُ الشَّيَاطِينُ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- وَاتَّبَعَ هَوَاه،ُ فَمَنْ يُضْلِلِ اللهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ، فَقَدْ بَيَّنَ كِتَابُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ العَقِيدَةَ بَيَانًا شَافِيًا وَاضِحًا، لَا لَبْسَ فِيهِ وَلَا غُمُوضَ.

كَذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ، فِي الأَعْمَالِ، فِي الصَّلَاةِ، فِي الصِّيَامِ، فِي الحَجِّ، وَفِي غَيْرِ ذَلِكَ، كُلُّ ذَلِكَ -وَلِلَّهِ الحَمْدُ- فِي كِتَابِ اللهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ(10) القُرْآنُ فِيهِ كُلُّ شَيْءٍ.

كَذَلِكَ فِي الشُّئُونِ السِّيَاسِيَّةِ وَالِاقْتِصَادِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ وَالأَخْلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ، فَهُوَ يَهْدِي لَلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ، فَمَا عَلَيْكَ إِلَّا أَنْ تُقْبِلَ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِ، وَتَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ، وَتَنْهَلَ مِنْهُ المَعِينَ الصَّافِيَ العَظِيمَ الَّذِي يَهْدِي لَلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ.

كَذَلِكَ وُصِفَ بِأَنَّهُ رُوحٌ، وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ رُوحٌ: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ(11)، فَهُوَ رُوحٌ؛ لِأَنَّهُ رُوحٌ لِلْقُلُوبِ بِمَثَابَةِ الرُّوحِ لِلْأَجْسَامِ، فَإِنَّ الجِسْمَ إِذَا خَلَا مِنَ الرُّوحِ سَقَطَ جُثَّةً هَامِدَةً، كَذَلِكَ القَلْبُ إِذَا خَلَا مِنَ القُرْآنِ كَالبَيْتِ الخَرِبِ أَصْبَحَ مَيْتًا، إِذَا خَلَا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ قَلْبٌ مَيْتٌ، فَهُوَ حَيَاةٌ لِلْأَرْوَاحِ وَحَيَاةٌ لِلْإِنْسَانِ يُحِي اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِهِ القُلُوبَ المَيْتَةَ، وَلِذَلِكَ دَائمًا يُوصَفُ بِأَنَّهُ كَالغَيْثِ.

النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ اللهُ بِهِ بِالعِلْمِ وَالهُدَى، كَمَا لَوْ أَنَّ غَيْثًا أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا بَقِيَّةٌ، جَاءَتْ قَبِيلَةٌ مَا، فَأَنْبَتَتِ العُشْبَ وَالكَلَأَ، فَسَقَى النَّاسُ وَزَرَعُوا وَوَرَعَوْا، وَكاَنَ مِنْهَا قِيعَانُ لَا تُنْبِتُ كَلَأً وَلَا تُمْسِكُ مَاءً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللهِ وَنَفَعَهُ مَا جِئْتُ بِهِ، وَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسَهُ وَلَمْ يَنَلْهُ هُدَى اللهِ الَّذِي جِئْتُ بِهِ. فَهُوَ يُحْيِي القُلُوبَ، اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرَضَ بَعْدَ مَوْتِهَا، فَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ(12) بَيَّنَ عَزَّ وَجَلَّ أَنَّ القُلُوبَ قَدْ تَحْيَا بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ(13)، ثُمَّ قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا(14)، فَهُوَ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ. وَكَذَلِكَ وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ نُورٌ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا(15)، فَهُوَ نُورٌ وَاضِحٌ وَسَاطِعٌ يُنِيرُ الطُّرُقَ مِنْ ظُلُمَاتِ الجَهْلِ وَالشِّرْكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَكَذَلِكَ سَمَّاهُ اللهُ: فُرْقَانًا ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ(16)، فَهَذَا وَصْفٌ وَاسْمٌ؛ لِأَنَّ الأَسْمَاءَ يُؤْخَذُ مِنْهَا صِفَاتٌ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

كَذَلِكَ وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ شِفَاءٌ لِلْأَبْدَانِ وَشِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ(17)، فَهُوَ مَوْعِظَةٌ كَذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يَتَّعِظْ بِالقُرْآنِ فَلَنْ يَتَّعِظَ بِغَيْرِهِ: ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ(18) فَهُوَ المَوْعِظَةُ العَظِيمَةُ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ﴾ شِفَاءٌ لِلْقُلُوبِ ﴿وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ (57) قُلْ بِفَضْلِ اللهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ(19) ثَلَاثَةُ أَوْصَافٍ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: شِفَاءٌ، وَرَحْمَةٌ، وَهُدَى، وَلَكِنْ لِمَنِ اسْتَفَادَ مِنْهُ، وَكَذَلِكَ هُوَ شِفَاءٌ لِلأَبْدَانِ: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ(20)، فَهُوَ شِفَاءٌ لِلأَبْدَانِ، فَيَنْبَغِي عَلَى الإِنْسَانُ إذًا أَنْ يَسْتَشْفِيَ بِهِ، وَيَقْرَأَ عَلَى نَفْسِهِ وَيَقْرَأَ عَلَى أَوْلَادِهِ، وَيَقْرَأَ عَلَى زَوْجَتِهِ، وَلَا حَاجَةَ إِلَى أَنْ يَذْهَبَ إِلَى قُرَّاءَ، فَالقُرْآنُ لَيْسَ خَاصًّا بِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ نَدَبُوا أَنْفُسَهُمْ لِلْقِرَاءَةِ، بَلْ أَنْتَ تَقْرَأُ عَلَى نَفْسِكَ وَتَقْرَأُ عَلَى زَوْجَتِكَ، وَهَذَا هُوَ إِلَّاوْلَي، خَاصَّةً بِالنِّسْبَةِ لِلنِّسَاءِ، بَدَلًا مِنْ أَنْ تَذْهَبَ بِهَا إِلَى رَجُلٍ يَقْرَأُ عَلَيْهَا تَقْرَأُ أَنْتَ عَلَيْهَا، وَتَقْرَأُ عَلَى ابْنَتِكَ أَوْ أُخْتِكَ أَوْ وَالِدَتِكَ، فَهَذَا هُوَ إِلَّاوْلَي وَإِلَّافْضَلُ وَلَوْ لَمْ تَحْفَظْ إِلَّا قِصَارَ السُّوَرِ، فَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ نَزَلُوا بِحَيٍّ مِنْ أَحْيَاءِ العَرَبِ، فَلَمْ يُضَيِّفُوهُمْ، فَلُدِغَ سَيِّدُهُمْ، فَأَتَوْا إِلَيْهِمْ فَقَالُوا: هَلْ فِيكُمْ مِنْ قَارِئٍ أَوْ رَاقٍ؟ فَقَالَوا: إِنَّا اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيِّفُونَا، وَلَنْ نُرْقِيَ لَكُمْ إِلَّا بِشَيْءٍ- يَعْنِي: اجْعَلُوا لَنَا قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ، فَأَتَى هَذَا الرَّجُلُ وَقَرَأَ عَلَيْهِ سُورَةَ الفَاتِحَةِ حَتَّى بَرِئَ وَكَأَنَّمَا نَشَطَ مِنْ عِقَالٍ، ثُمَّ َّقَالُوا: لَنْ نَقْسِمَ الغَنَمَ حَتَّى نُخْبِرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخْبَرُوهُ، فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْسِمْ وَاضْرِبْ لِي بِسَهْمٍ»(21) فَأَقَرَّهُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ. هَذَا الرَّجُلُ مَا قَرَأَ إِلَّا الفَاتِحَةَ. اقْرَإِ الفَاتِحَةَ وَكَرِّرْهَا، اقْرَأْ آيَةَ الكُرْسِيِّ المُعَوِّذَاتِ وَغَيْرَهَا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَكُلُّهُ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ، وَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ أَنْ تَذْهَبَ بِبَنَاتِكَ أَوْ زَوْجَتِكَ إِلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهُنَّ. كَذَلِكَ أَيْضًا وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ مُبَارَكٌ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ(22)، فَهُوَ مُبَارَكٌ فِي إِنْزَالِهِ، أَخْرَجَ اللهُ بِهِ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ، وَهُوَ مُبَارَكٌ فِي شَرَفِهِ، فَهُوَ شَرَفٌ: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ(23)، وَهُوَ مُبَارَكٌ فِي قِرَاءَتِهِ وَتِلَاوَتِهِ كَمَا سَيَأْتِينَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي فَضْلِ التِّلَاوَةِ، وَهُوَ مُبَارَكٌ فِي العَمَلِ بِهِ، وَهُوَ مُبَارَكٌ فِي تَحْكِيمِهِ، وَهُوَ مُبَارَكٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَوْصَافِ الَّتِي مَرَّتْ عَلَيْنَا، فَهُوَ مُبَارَكٌ فِي جَمِيعِ مَا يَأْمُرُ بِهِ وَجَمِيعِ مَا يَنْهَى عَنْهُ.

كَذَلِكَ وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ مُحْكَمٌ: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ(24) بِمَعْنَى المُتْقَنِ البَلِيغِ الفَصِيحِ، كُلُّ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاحِدٌ فِي ذَلِكَ، فَهُوَ فَصِيحٌ بَلِيغٌ مُتْقَنٌ لَا عِوَجَ فِيهِ: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا(25)، أَمَّا المُحْكَمُ فِي مُقَابِلِ المُتَشَابِهِ: فَالقُرْآنُ بَعْضُهُ مُحْكَمٌ وَبَعْضُهُ مُتَشَابِهٌ، وَفِي مُقَابِلِ المَنْسُوخِ: بَعْضُهُ مُحْكَمٌ وَبَعْضُهُ مَنْسُوخٌ. أَمَّا إِذَا فُسِّرَ المُحْكَمُ بِالمُتْقَنِ البَلِيغِ الفَصِيحِ، فَالقُرْآنُ كُلُّهُ فَصِيحٌ بَلِيغٌ مُتْقَنٌ فِي كُلِّ آيَاتِهِ وَسُوَرِهِ.

كَذَلِكَ وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ ذِكْرٌ مُبَارَكٌ: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُّبَارَكٌ أَنزَلْنَاهُ(26)، فَهُوَ ذِكْرٌ ومُبَارَكٌ، وَكَذَلِكَ هُوَ الصِّرَاطُ المُسْتَقِيمُ: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ(27) وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ حَبْلُ اللهِ المَتِينُ: ﴿وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُوا(28) وَصَفَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنَّهُ أَحْسَنُ الحَدِيثِ، وَكَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ السَّابِقِ: «إِنَّ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ»(29)، وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ(30)، فَهُوَ أَحْسَنُ الحَدِيثِ وَأَحْسَنُ القَصَصِ: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا القُرْآنَ(31)، وَهُوَ المُهَيْمِنُ عَلَى جَمِيعِ الكُتُبِ: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الكِتَابَ بِالحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ(32) إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأَوْصَافِ الكَثِيرَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّيُوطِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى وَغَيْرُهُ مِنَ عُلَمَاءِ الأُمَّةِ.

فَضَائِلِ القُرْآنِ:

أَوَّلًا: فَضْلُ التِّلَاوَةِ: فَضْلُ تِلَاوَةِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ -وَإِنْ كُنَّا نَعْرِفُهُ- لَكِنْ مِنْ بَابِ التَّذْكِيرِ، فَإِنَّ فِيهِ الفَضْلَ العَظِيمَ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ(33)، فَلَا شَكَّ أَنَّ القُرْآنَ تِجَارَةٌ عَظِيمَةٌ، تِجَارَاتُ الدُّنْيَا قَدْ تَبُورُ وَتَكْسَدْ، أَمَّا تِجَارَةُ القُرْآنِ وَالتِّجَارَةُ مَعَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فَلَنْ تَبُورَ وَلَنْ يَخِيبَ مَنْ عَمِلَ وَتَاجَرَ مَعَ اللهِ : ﴿أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى(34)، فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ. وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(35) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَؤُوا القُرْآنَ فَإِنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا لِأَصْحَابِهِ»(36). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

هَذَا دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ تِلَاوَةِ القُرْآنِ، أَنَّهُ يَأْتِي يَوْمَ القِيَامَةِ شَفِيعًا، وَلَكِنْ لِمَنْ يَعْمَلُ بِهِ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(37): قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فَلَهُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا أَقُولُ: (الم) حَرْفٌ، وَلَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ»(38). رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

انْظُرْ إِلَى الفَضْلِ العَظِيمِ!! لَوْ قَرَأْتَ وَجْهًا مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، كَمْ فِيهِ مِنَ الحُرُوفِ؟! اضْرِبْ هَذِهِ الحُرُوفَ فِي عَشْرَةٍ، وَيُضَاعِفُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ لِمَنْ يَشَاءُ، فَمَا بَالُكَ لَوْ قَرَأْتَ جُزْءًا!! لَو قَرَأْتَ جُزْأَيْنِ!! لَو قَرَأْتَ ثَلَاثَةً!! لَوْ أَنَّ الوَاحِدَ مَنَّا التَزَمَ بِجُزْءٍ كُلَّ يَوْمٍ يَقْرَأُهُ لَنَالَ مِنَ الأَجْرِ الشَّيْءَ العَظِيمَ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِذَا أَرَدْنَا تَكْثِيرَ المَوَازِينِ وَالحَسَنَاتِ فَعَلَيْنَا بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

الفَصْلُ الثَّانِي:

فَضْلُ تَعَلُّمِ القُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ:

وَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا فَضْلٌ عَظِيمٌ يُؤْتِيهِ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وَيَخْتَصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ، فَعَنْ عُثُمَّانَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»(39). رَوَاهُ البُخَارِيُّ

خَيْرُكُمْ، يَعْنِي: لَا يَتْلُوهُ أَحَدٌ خَيْرٌ مِنْ هَذَا، فَهَذَا هُوَ أَفْضَلُ النَّاسِ وَخَيْرُ النَّاسِ وَأَشْرَفُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ: مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ. وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الإِمَامُ مُسْلِمٌ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا الْكِتَابِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ»(40) يَرْفَعُ بِهِ مَنْ تَعَلَّمَهُ وَعَمِلَ بِهِ، وَيَضَعُ بِهِ مَنْ لَمْ يَتَعَلَّمْهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ وَمَنْ تَعَلَّمَهُ وَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ، فَإِنَّ الأَصْلَ فِي ذَلِكَ هُوَ العَمَلُ، وَلِذَلِكَ نَجِدُ السَّلَفَ الصَّالِحَ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى أَكْرَمُوا قَارِئَ القُرْآنِ وَعَلِمُوا مَا لَهُ مِنَ المَنْزِلَةِ العَظِيمَةِ، فَهَذَا نَافِعُ بْنُ عَبْدِ الحَارِثِ، كاَنَ أَمِيرًا عَلَى مَكَّةَ، لَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَلَّى عَلَى مَكَّةَ عَبْدَ الرَحَّمَنِ بْنَ أَبِي أَبْزَى وَهُوَ مَوْلَى مِنَ المَوَالِي، مَوْلًى لِنَافِعٍ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ سَأَلَهُ: مَنِ اسْتَخْلَفْتَ عَلَى أَهْلِ الوَادِي؟ قَالَ: عَبْدَ الرَحَّمَنِ بْنَ أَبِي أَبْزَى، فَقَالَ: مَنْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ؟- مَا يَعْرِفُهُ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- قَالَ: هَذَا مَوْلَى مِنْ مَوَالِيَنَا- وَالمَوْلَى هُوَ العَتِيقُ، يَعْني: إِذَا أُعْتِقَ يُسَمَّى: مَوْلًى، يَعْنِي: كَانَ عَبْدًا عِنْدَهُ ثُمَّ أَعْتَقَهُ- قَالَ: تُوَلِّي عَلَى مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ فِيهِمْ شُيُوخُ قُرَيْشٍ وَمَعْرُوفُوا العَرَبِ؟! قَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّهُ أَعْلَمُهُمْ بِالفَرَائِضِ وَأَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ ، فَقَالَ عُمَرُ: حُقَّ لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ أَنْ يُوَلَّى، أَوْ كَمَا قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ نَبِيَّكُمْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «إِنَّ اللهَ يَرْفَعُ بِهَذَا القُرْآنِ أَقْوَامًا وَيَضَعُ بِهِ آخَرِينَ» فَارْتَفَعَ هَذَا المَوْلَى عَلَى أَعْلَامِ وَمَشَايِخِ قُرَيشٍ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَلَمْ يَرْتَفِعْ إِلَّا بِذَلِكَ، فَأَقَرَّ عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ نَافِعًا رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ عَلَى هَذَا الِاسْتِخْلَافِ، فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ كِتَابِ اللهِ ، بَلْ إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَانَ أَصْحَابُ مَجْلِسِهِ هُمُ القُرَّاءَ، كَانَ يُقَرِّبُهُمْ وَيُدْنِيهِمْ وَيَسْتَشِيرُهُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأُمُورِ.

نَجِدُ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ تَسَابَقُوا لِتَعَلُّمِ القُرْآنِ وَتَعْلِيمِهِ، فَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(41) قَالَ: أَرْسَلَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ إِلَى عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فِي حَاجَةٍ لَهُ: فَسَأَلَنِي عُمَرُ، قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ الأَشْعَرِيَّ؟- أَبُو مَوسَى الأَشْعَرِيُّ أَرْسَلَ أَنَسًا، فَسَأَلَهُ عَنْهُ، قَالَ: كَيْفَ تَرَكْتَ الأَشْعَرِيَّ؟ قَالَ: تَرَكْتُهُ يُعَلِّمُ القُرْآنَ، قَالَ: إِنَّهُ كَيِّسٌ. يَعْني: حَازِمٌ فَطِنٌ، عَرَفَ مِنْ أَيْنَ تُؤْكَلُ الكَتِفُ، وَعَرَفَ أَيْنَ تَكُونُ الخَيْرِيَّةُ، وَهِيَ فِي تَعَلُّمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَلِذَا يَقُولُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ- وَهُوَ مِنْ قُرَّاءِ الكُوفَةِ، وَمِنْ أَفَاضِلِ القُرَّاءِ، وَرَحِمَهُ اللهُ قَدْ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَرَهُ؛ فَهُوَ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- يَقُولُ لِمَنْ رَوَى هَذَا الحَدِيثَ عَنْ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَقَالَ: وَهَذَا الَّذِي أَقْعَدَنِي لِتَعْلِيمِ القُرْآنِ، يَعْنِي: هَذَا الحَدِيثُ الَّذِي جَعَلَنِي أَجْلِسُ لِتَعْلِيمِ القُرْآنِ، هَذَا هُوَ الَّذِي أَقْعَدَنِي لِتَعْلِيمِ القُرْآنِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي أَقْعَدَ عُثْمَانَ وَصَحَابَةَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالسُّنَنِ وَغَيْرِهَا كَمَا قَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

يعني: تَعَلَّمْتُ عَلَى يَدِ عُثْمَانَ وَلَمْ يَجْلِسْ عُثُمَّانُ حَتَّى يُعَلِّمُنِي هُوَ هَذَا الحَدِيثَ، وَيَجْلِسُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَهَذَا أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ(42) لَهُ حَلَقَةٌ عَظِيمَةٌ كَانَ يُعَلِّمُ فِيهَا النَّاسَ، فَسَأَلَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ، قَالَ: عُدَّهُمْ- يَعْني: عُدَّ الَّذِينَ فِي الجَامِعِ فِي حَلَقَتِنَا- فَيَقُولُ: عَدَدْتُهُمْ فَكَانُوا الفًا وَسِتَّمِائَة وَنِيفًا، يَعْني: أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَسِتِّمِائَةِ رَجُلٍ، كُلُّهُمْ جَاءُوا إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ يَتَعَلَّمُونَ، فَقَسَّمَهُمْ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِلَى عَشْرَةٍ عَشْرَةٍ، كُلُّ عَشْرَةٍ عَلَيْهِمْ- كَمَا نَقُولُ- عَرِيفٌ أَوْ شَخْصٌ يُعَلِّمُهُمُ القُرْآنَ، ثُمَّ إِذَا حَسُنَ نُطْقُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ جَاءُوا إِلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَأَخَذَ يُعَلِّمَهُمُ القِرَاءَاتِ حَتَّى يَحْفَظُوهَا، فَهَذَا تَدْرِيبٌ مَبْدَئِيٌّ أَوْ تَعْلِيمٌ أَوَلِيٌّ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَتَعَلَّمُونَ عَلَى أَبِي الدَّرْدَاءِ.

هَذَا دَلِيلٌ عَلَى تَسَابُقِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ إِلَى كِتَابِ اللهِ وَإِلَى تَعْلِيمِ كِتَابِ اللهِ ؛ لِنَيْلِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ وَلِنَيْلِ هَذَا الأَجْرِ العَظِيمِ، كَمَا يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَا طَلَعَ عَلَى أَهْلِ الصُفَّةِ: «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَذْهَبَ إِلَى بَطَحَانَ» وَادٍ بِالمَدِينَةِ «فَيَأْتِيَ مِنْهُ بِنَاقَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ إِثْمٍ وَلَا قَطِيعَةِ رَحِمٍ؟» قَالَوا: كُلَّنَا نُحِبُّ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ ، مَنْ لَا يُرِيدُ أَنْ يَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا ظُلْمٌ؟! فقَالَ: «لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ إِلَى المَسْجِدِ فَيَتَعَلَّمَ آيَتَيْنِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ نَاقَتَيْنِ، وَثَلَاثًا خَيْرٌ لَهُ مِنْ ثَلَاثٍ، وَخَيْرٌ لَهُ مِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ»(43). إِذَا أَتَيْتَ إِلَى المَسْجِدِ وَتَعَلَّمْتَ آيَتَيْنِ حِفْظًا أَوْ تَفْسِيرًا أَوْ تِلَاوَةً، فَهَذَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ أَنْ تَأْتِيَ بِنَاقَتَيْنِ، وَأَنْ تَتَعَلَّمَ ثَلَاثًا خَيْرٌ مِنْ أَعْدَادِهِنَّ مِنَ الإِبِلِ. وَلِذَلِكَ لَا غَرْوَ أَنْ نَجِدَ الصَّحَابَةَ -رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ- وَالسَّلَفَ الصَّالِحَ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- يَتَسَابَقُونَ إِلَى ذَلِكَ.

وَكاَنَ ابْنُ الأَخْرَمِ المُتَوَفَّى سَنَةَ 341هـ. لَهُ حَلَقَةٌ عَظِيمَةٌ فِي جَامِعِ دِمَشْقَ، فَكَانَ النَّاسُ يَتَوَافَدُونَ إِلَيْهِ وَيَجْلِسُونَ عِنْدَهُ مِنْ بَعْدِ الفَجْرِ إِلَى الظُّهْرِ، كُلَّ ذَلِكَ يَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ، بَلْ إِنَّ أَحَدَ تَلَامِيذِهِ وَهُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ السُّلَمِيُّ يَقُولُ: ذَهَبْتُ إِلَيْهِ فِي السَّحَرِ يَعْنِي: قَبْلَ الفَجْرِ مِنْ أَجْلِ أَنْ تَكُونَ حِينَئِذٍ نَوْبَةُ حِفْظِهِ عَلَى الشَّيْخِ أَوْ تَكُونَ قَرِيبَةً مِنْ ذَلِكَ الوَقْتِ، يَقُولُ: فَلَمْ تَأْتِنِي نَوْبَتِي إِلَّا العَصْرَ، يَعْني: جَلَسَ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَقْرَأَ عَلَى ابْنِ الأَخْرَمِ حَتَّى جَاءَ وَقْتُ العَصْرِ، وَهَذَا صَبْرٌ عَظِيمٌ عَلَى تَعَلُّمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَدَلِيلٌ عَلَى كَثْرَةِ المُتَعَلِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- وَتَسَابُقِهِمْ إِلَى نَيْلِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ العَظِيمَةِ، بَلْ ذَكَرَ أَنَسٌ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ كَانُوا إِذَا صَلَّوُا الفَجْرَ جَلَسُوا حِلَقًا يَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ وَالسُّنَنَ وَالفَرَائِضَ وَغَيْرَهَا، فَمَا ذَاكَ إِلَّا لِنَيْلِ هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ العَظِيمَةِ «خَيْرُكُمْ مَنْ تَعَلَّمَ القُرْآنَ وَعَلَّمَهُ»(44) وَهَذَا الأَجْرِ العَظِيمِ الَّذِي لَا يَحْصُلُ عَلَيْهِ الإِنْسَانُ إِلَّا بِتَعَلُّمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

كَمَا َأَنَّ َتَعَلُّمَ كَلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ يَجْعَلُكَ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ المُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: «الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ وَهُوَ مَاهِرٌ بِهِ» يَعْني: مُجَوِّدٌ لَهُ مُتْقِنٌ يَقْرَأُ بِسُهُولَةٍ وَيُسْرٍ «فَهُوَ مَعَ السَّفَرَة الكِرَامِ البَرَرَةِ» مَعَ المَلَائِكَةِ «وَالَّذِي يَقْرَأُهُ يُتَعْتِعُ فِيهِ» يَعْني: قِرَاءَتُهُ ضَعِيفَةٌ وَيَتَهَجَّى الحُرُوفَ وَالآيَاتِ «لَهُ أَجْرَانِ»(45) لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّ الأَفْضَلَ هُوَ الَّذِي مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَالآخَرُ لَهُ أَجْرَانِ: أَجْرُ القِرَاءَةِ وَأَجْرُ المَشَقَّةِ، لَكِنْ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقُولَ: أَنَا سَأَبْقَى عَلَى الأَجْرَيْنِ وَلَنْ أَتَعَلَّمَ، بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَعَلَّمَ؛ حَتَّى يَكُونَ مَعَ السَّفَرَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ.

فَضْلُ حِفْظِ القُرْآنِ:

حَيْثُ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُقَالُ لِصَاحِبِ القُرْآنِ: اقْرَأْ وَارْقَ وَرَتِّلْ كَمَا كُنْتَ تُرَتِّلُ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّ مَنْزِلَتَكَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُهَا» (46) فَإِنَّكَ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحَدِّدَ مَنْزِلَتَكَ مِنَ الآنَ عِنْدَ آخِرِ آيَةٍ تَقْرَأُهَا؛ لِأَنَّ هَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ لِحَافِظِ القُرْآنِ؛ لِأَنَّهُ يَوْمَ القِيَامَةِ لَيْسَ هُنَاكَ مَصَاحِفُ حَتَّى يُمْسِكَ المُصْحَفَ وَيَقْرَأَ، وَلَوْ كَانَتْ تِلَاوَةً فَقَطْ لَكَانَ النَّاسُ كُلُّهُمْ سَوَاءً لَمْ يَتَفَاضَلُوا فِي ذَلِكَ، وَلَكِنَّهُمْ مُتَفَاضِلُونَ فِي الحِفْظِ مُتَفَاوِتُونَ فِي الحِفْظِ، فَهَذَا يَحْفَظُ جُزْءًا مَنْزِلَتُهُ عِنْدَ عَدَدِ آيِ هَذَا الجُزْءِ، وَهَذَا يَحْفَظُ جُزْأَيْنِ، وَهَذَا يَحْفَظُ ثَلَاثَةً، وَهَذَا يَحْفَظُ القُرْآنَ كُلَّهُ.

وَقِيلَ: إِنَّ عَدَدَ دَرَجِ الجَنَّةِ بِعَدَدِ آيِ القُرْآنِ، فَمَعْنَى هَذَا أَنَّ حَافِظَ القُرْآنِ سَيَكُونُ فِي أَعَلَى الدَّرَجَاتِ.

وَهُنَا نَقُولُ: لَوْ أَنَّنَا فِي الدُّنْيَا كُلَّمَا حَفِظْنَا جُزْءًا رُفِعْنَا دَرَجَةً فِي السُّلَّمِ الوَظِيفِيِّ، مَاذَا تَرَوْنَ أَيُّهَا الإِخْوَةُ؟ هَلْ سَنَقُولُ: لَا نَقْدِرُ، مَا عِنْدَنَا وَقْتٌ لِحِفْظِ القُرْآنِ، مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَحْفَظَ؟! وَاللهِ  كُلَّنَا نَتَسَابَقُ إِلَى حِفْظِ القُرْآنِ.

إِذَا كَانَ الإِنْسَانُ يَأْخُذُ دَوْرَةً لِمُدَّةِ سِتَّةِ شُهُورٍ وَيتْعَبُ فِيهَا مَا بَيْنَ بُحُوثٍ وَدِرَاسَةٍ؛ مِنْ أَجْلِ أَنْ يَرْقَى دَرَجَةً وَاحِدَةً، سِتَّةُ شُهُورٍ كَمْ تَحْفَظُ فِيهَا مِنْ أَجْزَاءِ القُرْآنِ؟ رُبَّمَا إِذَا كُنْتَ سَرِيعَ الحِفْظِ تَحْفَظُ فِيهَا سِتَّةً، أَوْ رُبَّمَا ثَلَاثَةً أَوْ رُبَّمَا اثْنَيْنِ، فَعَلَيْنَا أَنْ نُقْبِلَ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَنَنْظُرَ لِهَذِهِ الدَّرَجَةِ العَالِيَةِ فِي الجَنَّة؛ بَيْنَ كُلِّ دَرَجَةٍ وَالَّتِي تَلِيهَا كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ، يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّكُمْ تَرَاءَوْنَ الغُرَفَ فِي الجَنَّةِ كَمَا تَرَاءَوْنَ الكَوْكَبَ الدُّرِّيَّ غَابَ فِي السَّمَاءِ» يَعْنِي: كَمَا أَنَّ هَذَا الكَوْكَبَ، هَذَا النَّجْمَ اللَّامِعَ يَكُونُ بَعِيدًا- فَقَالَ الصَّحَابَةُ: تِلْكَ مَنَازِلُ الأَنْبِيَاءِ لَا يَبْلُغُهَا أَحَدٌ غَيْرُهُمْ؟ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَّا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، رِجَالٌ آمَنُوا بِاللهِ وَصَدَّقُوا المُرْسَلِينَ»(47).

أَيْضًا مُمْكِنٌ أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ، وَإِنْ شَاءَ اللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَكُونُ جَمِيعًا مِنْهُمْ، لَيْسَتْ خَاصَّةً بِالأَنْبِيَاءِ، دَرَجَاتٌ عَالِيَةٌ، وَهَذَا لِمَنْ وَفَّقَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ إِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَقُوَّةِ الإِيْمَانِ، وَحِفْظِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَفِي الحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «أَهْلُ القُرْآنِ هُمْ أَهْلُ اللهِ وَخَاصَّتُهُ»(48) وَهَذَا دَلِيلُ عَلَى عِظَمِ حِفْظِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. والحَدِيثُ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

بَلْ إِنَّ هُنَاكَ فَضْلًا لِمَنْ حَفَّظَ أَبْنَاءَهُ القُرْآنَ، قَدْ يَقُولُ قَائِلٌ: أَنَا كَبِيرٌ فِي السِّنِّ، وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْفَظَ، نَقُولُ: إِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَحْفَظَ القُرْآنَ كَامِلًا، فَكَوْنُهُ يُحَاوِلُ وَيَحْفَظُ آيَةً، فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ بِهَا دَرَجَةً؛ فَكُلَّمَا حَفِظَ ارْتَقَى فِي الجَنَّةِ، نَقُولُ: فَلْيَحْفَظْ عَشْرَ آيَاتٍ مَثَلًا، تَرْتَفِعْ دَرَجَتُهُ فِي الجَنَّة عَشْرَ دَرَجَاتٍ. .. وَهَكَذَا، لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ سَيَمُوتُ غَدًا لَكَانَ حَرِيًّا بِهِ أَنْ يَحْفَظَ وَلَوْ آيَةً وَاحِدَةً؛ لِيَرْتَفِعَ بِهَا دَرَجَةً، وَلَكِنْ نَقُولُ: قَدْ يُوجَدُ مِنْ كِبَارِ السِّنِّ وَغَيْرِهِمْ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ الحِفْظَ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَنْ يُحَفِّظَ أَبْنَاءَهُ القُرْآنَ؛ فَفِي هَذَا الحَدِيثِ العَظِيمِ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذٍ الجُهَنِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ القُرْآنَ وَعَمِلَ بِهِ البِسَ وَالِدَاهُ تَاجًا يَوْمَ القِيَامَةِ ضَوْءُهُ أَحْسَنُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ فِي بُيُوتِ دُنْيَاكُمْ»(49)، فَمَا ظَنُّكُمْ بِالَّذِي عَمِلَ بِهِ!!. حَدِيثٌ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالحَافِظُ قَالَ: صَحِيحُ الإِسْنَادِ.

إِذَا حَفِظَ وَلَدُكَ القُرْآنَ تَلْبَسُ تَاجًا يَوْمَ القِيَامَةِ ضَوْءُهُ أَعْظَمُ مِنْ ضَوْءِ الشَّمْسِ، فَاحْرِصْ عَلَى هَذِهِ الخَيْرِيَّةِ أَلَّا تَفُوتَكَ، فَإِنْ فَاتَتْكَ فِي نَفْسِكَ فَلَا تَفُوتَنَّكَ فِي وَلَدِكَ، فَمَا بَالُكَ بِوَلَدِكَ الَّذِي حَفِظَ؟! لَا شَكَّ أَنَّ وَلَدَكَ أَعْظَمُ جَائِزَةً.

نَأْتِي إِلَى فَضْلِ الِاسْتِمَاعِ إِلَى القُرْآنِ: يَجْتَمِعُ النَّاسُ لِتَعَلُّمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً، هِيَ الآنَ انْدَرَسَتْ -إِلَّا قَلِيلًا وَلِلَّهِ الحَمْدُ- لَكِنَّهَا عِنْدَ الشَّبَابِ الصِّغَارِ، أَمَّا كِبَارُ السِّنِّ وَرِجَالُ الأَعْمَالِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ جَمَاعَةِ المَسْجِدِ فَتَجِدُ وَكَأَنَّ القُرْآنَ خَاصٌّ بِالصِّغَارِ، يُسَلِّمُ وَلَدَهُ لِهَذِهِ الحَلَقَةِ- وَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ أَنْ يَحُثَّ وَلَدَهُ عَلَى حُضُورِ الحَلَقَاتِ- وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يَكُونَ هُوَ قُدْوَةً صَالِحَةً لِلْوَلَدِ، أَنْ يَحْرِصَ عَلَى أَنْ يَجْتَمِعَ مَعَ أَقْرَانِهِ مِنَْ كِبَارِ السِّنِّ إِلَى مُدَرِّسِ القُرْآنِ الَّذِي يُدَرِّسُ أَبْنَاءَهُمْ فِي العَصْرِ، فَيَجْعَلَ لَهُمْ حَلَقَةً بَعْدَ المَغْرِبِ أَوْ حَلَقَةً بَعْدَ العِشَاءِ أَوْ بَعْدَ الفَجْرِ، يَجْتَمِعُونَ وَيَتَحَلَّقُونَ؛ لِيَظْفَرُوا بِهَذِهِ الخَيْرِيَّةِ العَظِيمَةِ الَّتِي لَوْ طَافُوا البِلَادَ كُلَّهَا يَبْحَثُونَ عَنْهَا لَنْ يَجِدُوهَا إِلَّا فِي تَعَلُّمِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، واسْتَمِعْ إِلَى هَذَا الحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ: يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ يَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَحَفَّتْهُمُ المَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ»(50)، مَنْ مِنَّا لَا يُرِيدُ السَّكِينَةَ وَالطُّمَأْنِينَةَ؟! كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَشْكُو مِنَ القَلَقِ وَالِاضْطِرَابِ وَضِيقِ الصَّدْرِ، بَعْضُ كِبَارِ السِّنِّ تَجِدُهُمْ وَاقِفِينَ فِي الشَّارِعِ، وَاقِفِينَ فِي البَيْتِ، أَوْ تَرَى أَحَدَهُمْ عِنْدَ البَقَّالِ جَالِسًا عَلَى كُرْسِيٍّ يَقُولُ: ضَاقَ صَدْرِي، أَشْعُرُ بِقَلَقٍ، وَغَيْرَ ذَلِكَ، فَلَوْ أَنَّهُ جَلَسَ فِي حَلَقَةٍ مِنْ حِلَقِ العِلْمِ، وَلَوْ كَانَ عَامِيًّا يُلَقَّنُ بَعْضَ الآيَاتِ، هَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ مِنَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَنْزِلُ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَتَحُفُّهُمُ المَلَائِكَةُ وَتَغْشَاهُمُ الرَّحْمَةُ وَيَذْكُرُهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ، اللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَذْكُرُكَ!! لَوْ سَمِعَ أَحَدُنَا بِاسْمِهِ فِي الإِذَاعَةِ ذُكِرَ عَلَى المَلَإِ، أَوْ ذُكِرَ فِي الصَّحَافَةِ لَفَرِحَ بِذَلِكَ وَاسْتَبْشَرَ وَاحْتَفَظَ بِهَذِهِ المَجَلَّةِ أَوْ َهَذِهِ الجَرِيدَة الَّتِي فِيهَا اسْمُهُ، كَيْفَ إِذًا وَاللهُ جَلَّ وَعَلَا يَذْكُرُهُ فِي مَلَإٍ خَيْرٍ مِنْ مَلَإِهِ مِنَ الدُّنْيَا، يَذْكُرُهُ عِنْدَ المَلَائِكَةِ الكِرَامِ البَرَرَةِ، وَيُحَصِّلُ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةً وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَا نَقُولُ: «الم» حَرْفٌ، لَكِنْ أَلِفٌ حَرْفٌ وَلَامٌ حَرْفٌ وَمِيمٌ حَرْفٌ، ِمنَ المُمْكِنِ أَنْ يُحَصِّلَ ذَلِكَ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَهُوَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ الأُخْرَى، فَذَلِكَمُ الرِّبَاطُ وَهُوَ رِبَاطٌ فِي سَبِيلِ اللهِ ، إِذَا جَلَسَ بَعْدَ المَغْرِبِ إِلَى العِشَاءِ، فَهَذَا فِي رِبَاطٍ، فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ، فَذَلِكَمُ الرِّبَاطُ، فَذَلِكَمُ الرِّبَاطُ، وَتَعْرِفُ فَضْلَ الرِّبَاطِ فِي سَبِيلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِذَا كَانَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ، المَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَيْهِ، تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَادَامَ فِي مُصَلَّاهُ: «اللهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللهُمَّ ارْحَمْهُ»(51) هَذِهِ فَضَائِلُ كَثِيرَةٌ نَحْنُ عَنْهَا مُعْرِضُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَكَمَا مَرَّ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانُوا إِذَا صَلَّوُا الفَجْرَ جَلَسُوا حِلَقًا يَتَعَلَّمُونَ القُرْآنَ وَالسُّنَنَ؛ لِنَيْلِ هَذِهِ الأُجُورِ العَظِيمَةِ- نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَهْدِيَنَا.

فَضَائِلُ بَعْضِ السُّوَرِ: نَأْتِي إِلَى فَضْلٍ عَامٍّ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ- وَكُلُّ كِتَابِ اللهِ فَضِيلٌ- لَكِنْ نَتَحَدَّثُ عَنْ فَضْلِ بَعْضِ السُّوَرِ عَلَى بَعْضٍ، فاللهُ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا فَضَّلَ بَعْضَ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ(52)، فَهُنَاكَ بَعْضُ السُّوَرِ مَخْصُوصَةٌ لَهَا أَفْضَلِيَّةٌ يَنْبَغِي أَنْ نَعْرِفَهَا، وَأَنْ نَحْفَظَ هَذِهِ السُّوَرَ مَهْمَا كَلَّفَنَا ذَلِكَ مِنْ جَهْدٍ، فَهِيَ وَلِلَّهِ الحَمْدُ سَهْلَةٌ مُيَسَّرَةٌ، وَمِنْهَا:

سُورَةُ الفَاتِحَةِ، وَهِيَ أُمُّ القُرْآنِ، هِيَ الَّتِي لَا تَصِحُّ صَلَاةٌ إِلَّا بِهَا؛ فَيَجِبُ عَلَيْنَا وُجُوبًا لَيْسَ نفْلًا بَلْ يَجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْفَظَهَا، وَرُبَّمَا قُلْنَا: إِنَّ الجَمِيعَ يَحْفَظُونَهَا، لَكِنْ رُبَّمَا يَلْحِنُ البَعْضُ فِيهَا لَحْنًا مُخِلًّا، قَدْ يَقْرَأُ: ﴿أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ(53): (أنعمتُ عَلَيْهِم) وَهُنَا تَبْطُلُ الفَاتِحَةُ وَتَبْطُلُ الصَّلَاةُ وَيَخْتَلُّ المَعْنَى اخْتِلَالًا عَظِيمًا، فَفِي هَذَا ذَكَرَ العُلْمَاءُ أَنَّهُ إِذَا لَحَنَ فِي الفَاتِحَةِ بِالذَّاتِ لَحْنًا يُحِيلُ المَعْنَى فَالصَّلَاةُ بَاطِلَةٌ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَا بُدَّ لَهَا مِنَ الفَاتِحَةِ؛ فَهِيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ، فَاهْتَمَّ بِالفَاتِحَةِ بِالذَّاتِ، ثُمَّ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ سُوَرِ القُرْآنِ، فَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ رَافِعِ بْنِ مُعَلَّى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُعَلِّمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ مِنَ المَسْجِدِ؟» قَالَ: قُلْتُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ - الصَّحَابَةُ يَبْغُونَ الخَيْرَ وَيَبْغُونَ الفَضْلَ- فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ كَانَتْ يَدِي فِي يَدِهِ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ، إِنَّكَ قُلْتَ: «لَأُعَلِّمَنَّكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ مِنَ القُرْآنِ» قَالَ: «بَلَى»، فَقَالَ: «﴿الحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ العَالَمِينَ(54) هِيَ السَّبْعُ المَثَانِي وَالقُرْآنُ العَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ»(55). رَوَاهُ البُخَارِيُّ.

كَذَلِكَ مِنَ السُّوَرِ الفَاضِلَةِ سُورَةُ البَقَرَةِ، فَسُورَةُ البَقَرَةِ لَهَا فَضْلٌ عَظِيمٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(56) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ مِنَ البَيْتِ الَّذِي تُقْرَأُ فِيهِ سُورَةُ البَقَرَةِ»(57). رَوَاهُ مُسْلِمٌ. فَيَنْبَغِي أَنْ نَقْرَأَ فِي بُيُوتِنَا سُورَةَ البَقَرَةِ، وَبَعْضُ النَّاسِ يَسْتَمِعُ إِلَى جِهَازِ تَسْجِيلٍ أَوْ مَحَطَّةِ إِذَاعَةِ القُرْآنِ، فَهَذَا طَيِّبٌ وَيَنْتَفِعُ بِهِ، وَلَكِنْ إِذَا كَانَ يَفْتَحُ التَّسْجِيلَ وَلَا يَسْتَمِعُ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَفِعُ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ التَّسْجِيلَ لَا يُتَعَبَّدُ بِسَمَاعِهِ. أَنْتَ تَقْرَأُ وَتَقْرَأُ الزَّوْجَةُ وَيَقْرَأُ الوَلَدُ وَتَقْرَأُ البِنْتُ، المُهِمُّ أَلَّا يَمُرَّ شَهْرٌ إِلَّا وَقَدْ قَرَأْتَ البَقَرَةَ فِي بَيْتِكَ؛ لَعَلَّ الشَّيَاطِينَ تَنْفِرُ مِنْ هَذَا، وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ نُنَظِّفَ البُيُوتَ مِنَ الأَشْيَاءِ الَّتِي تَجْلِبُ الشَّيَاطِينَ كالأَفْلَامِ وَالدُّشُوشِ وَالصُّوَرِ وآلَاتِ الغِنَاءِ وَالمُوسِيقَى، هَذِهِ كُلُّهَا أُمُورٌ تَجْلِبُ الشَّيَاطِينَ، وَلِذَلِكَ لَا نَلُومُ إِلَّا أَنْفُسَنَا إِذَا سَمِعْنَا بِأَنَّ البِنْتَ بِهَا مَسٌّ مِنَ الجِنِّ، أَوْ أَنَّ الوَلَدَ مُصَابٌ بِقَلَقٍ أَوِ اكْتِئَابٍ، أَوْ أَنَّ المَرْأَةَ مُصَابَةٌ بِمِزَاجٍ عَصَبِيٍّ وَغَيْرِ ذَلِكَ، هَذَا مِنْ أَسْبَابِهِ البُعْدُ عَنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ مَا وُجِدَ فِي هَذِهِ البُيُوتِ مِنْ مَصَائِبَ- نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُطَهِّرَ بُيُوتَ المُسْلِمِينَ.

كَذَلِكَ مِنَ السُّوَرِ العَظِيمَةِ- وَكُلُّ كِتَابِ اللهِ عَظِيمٌ- سُورَةُ الإِخْلَاصِ؛ فَهِيَ تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ» يَحْلِفُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»(58)، وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ: «أَيَعْجَزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَقْرَأَ ثُلُثَ القُرْآنِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ؟!» الصَّحَابَةُ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، ثُلُثُ القُرْآنِ عَشْرَةُ أَجْزَاءَ، فَقَالُوا: مَنْ يُطِيقُ ذَلِكَ؟! فَقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ(59) تَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»(60) وَهَذَا أَيْضًا بِشَارَةٌ لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ مِنَ القُرْآنِ إِلَّا القَلِيلَ.

رُبَّمَا تَجِدُ مَنْ لَا يُحْسِنُ قِرَاءَةَ المُصْحَفِ، يَقْدُمُ إِلَى المَسْجِدِ فَيَجْلِسُ لِيَتَكَلَّمَ مَعَ مَنْ بِجَانِبِهِ، أَوْ يَنْعَسُ مَثَلًا، وَيَقُولُ: وَاللهِ  مَا أُحْسِنُ القِرَاءَةَ، النَّاسُ-مَا شَاءَ اللهُ- يَحْفَظُونَ وَيَقْرَؤُونَ وَيُمْسِكُونَ المَصَاحِفَ، أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْفَظَ وَلَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْرَأَ لَوْ أَنَّهُ قَرَأَ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فَهِيَ سَهْلَةٌ يَسِيرَةٌ وَذَاتُ فَضْلٍ عَظيمٍ.

كَذَلِكَ أَثْنَاءَ شَهْرِ رَمَضَانَ نَجِدُ أَنَّ كَثِيرًا مِنَ العَوَامِّ يَخْرُجُونَ مِنَ المَسْجِدِ بَعْدَ الصَّلَاةِ مُبَاشَرَةً، وَنَقُولُ لَهُ: لِمَاذَا لَا تَجْلِسُ بَعْدَ العَصْرِ؟ يَقُولُ: مَا أُحْسِنُ القِرَاءَةَ، لَوْ جَلَسَ يُكَرِّرُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾!!

سَمِعَ رَجُلٌ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آخَرَ يَقْرَأُ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ فَذَهَبَ إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُهُ عَنْ حَالِ هَذَا الرَّجُلِ كَأَنَّهُ يَتَقَالُّهَا، فَسَأَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقَالَ: وَاللهِ  مَا أَعْرِفُ غَيْرَ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ مَا عِنْدَي غَيْرُهَا، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّهَا لَتَعْدِلُ ثُلُثَ القُرْآنِ»(61) اقْرَأْ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ عِشْرِينَ مَرَّةً. . اقْرَإِ الفَاتِحَةَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الفَلَقِ(62)، ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاس(63) فَكُلُّهَا يَسِيرَةٌ سَهْلَةُ القِرَاءَةِ وَالحِفْظِ، وَكُلُّ مَا تَقْرَأُ يُضَاعَفُ لَكَ ثَوَابُهُ، الحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا؛ حَتَّى يَحْصُلَ لَكَ الأَجْرُ العَظِيمُ.

كَذَلِكَ مِنَ الآيَاتِ العَظِيمَةِ- وَكُلُّ كِتَابِ اللهِ عَظِيمٌ- آيَةُ الكُرْسِيِّ، وَيَنْبَغِي عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَحْفَظَهَا ونُحَفِّظَهَا أَبْنَاءَنَا وَلَوْ كَانُوا صِغَارًا؛ لِأَنَّ فِيهَا حِفْظًا مِنَ الشَّيْطَانِ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ(64): «يَا أَبَا المُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّةُ آيَةٍ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللهُ لاَ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فَضَرَبَ بِصَدْرِي وَقَالَ: «لِيَهْنِكَ العِلْمُ أَبَا المُنْذِرِ»(65). هَذَا حَدِيثٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ

فَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ هَذِهِ الآيَةِ، وَهِيَ أَيْضًا لَوْ قَرَأَهَا عِنْدَ نَوْمِهِ لَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ، فَهِيَ عَظِيمَةٌ؛ لِأَنَّ فِيهَا صَفَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى.

كَذَلِكَ مِنَ السُّوَرِ أَوِ الآيَاتِ العَظِيمَةِ، آخِرُ آيَتَيْنِ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «مَنْ قَرَأَ الآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي لَيْلَتِهِ كَفَتَاهُ»(66). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

قِيلَ: مَعْنَى «كَفَتَاهُ» يَعْني: كَفَتَاهُ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ، يَعْنِي: حَصَلَ لَهُ أَجْرُ قِيَامِ اللَّيْلِ، وَقِيلَ: كَفَتَاهُ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ. وَأَيًّا كَانَ المَعْنَى مِمَّا تَقَدَّمَ فَنَحْنُ مُحْتَاجُونَ إِلَيْهِ؛ فَكِلَاهُمَا فَضْلٌ عَظِيمٌ، نَسْأَلُ اللهَ أَلَّا يَحْرِمَنَا ذَلِكَ الفَضْلَ. إِذًا يَحْفَظُ آخَرَ آيَتَيْنِ مِنَ البَقَرَةِ ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ(67) إِلَى آخَرِ السُّورَةِ، آيَتَانِ فَقَطْ حَاوِلْ أَنْ تَحْفَظَهُمَا وَتُحَفِّظَهُمَا أَبْنَاءَكَ، وَتَأْمُرَ الزَّوْجَةَ وَالوَلَدَ بِحِفْظِهِمَا؛ لَعَلَّهَا تَحْمِيكُمْ مِنْ كُلِّ سُوءٍ وَمَكْرُوهٍ، أَوْ يَكُونُ لَكُمْ أَجْرُ قِيَامِ لَيْلَةٍ، وَهَذَا فَضْلٌ مِنَ اللهِ عَظِيمٌ.

آدَابِ تِلَاوَةِ القُرْآنِ:

حَتَّى يَسْتَفِيدَ الإِنْسَانُ مِنَ القُرْآنِ العَظِيمِ، فِيهِ كُنُوزٌ عَظِيمَةٌ، وَفِيهِ عُلُومٌ عَظِيمَةٌ، وَهُوَ الهُدَى ﴿يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(68) وَهُوَ النُّورُ وَالشِّفَاءُ، وَلَكِنْ قَدْ لَا يَحْصُلُ لِكُلِّ مَنْ قَرَأَ بِالقُرْآنِ؛ لِأَنَّ العِلَاجَ لَا يُجْدِي مَا لَمْ يُسْتَخْدَمْ كَمَا وَصَفَ الطَّبِيبُ، فَلَا بُدَّ أَنْ تَقْرَأَ كَلَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَتَدَبَّرَ وَتَتَأَدَّبَ بِآدَابِ التِّلَاوَةِ، وَمِنْ أَعْظَمِ آدَابِ التِّلَاوَةِ إِخْلَاصُ النِّيَّةِ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَهَذَا يَنْبَغِي فِي كُلِّ عَمَلٍ ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ(69)، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الحَدِيثِ القُدُسِيِّ يَقُولُ: «أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فِيهِ غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ»(70).

فَمَنْ قَرَأَ القُرْآنَ لِيُقَالَ: قَارِئٌ يُسْحَبُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- كَمَا قَالَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوَّلُ مَنْ تُسَعَّرُ بِهِمُ النَّارُ يَوْمَ القِيَامَةِ ثَلَاثَةٌ»، وَذَكَرَ مِنْهُمْ قَارِئَ القُرْآنِ: «يُؤْتَى بِهِ فَيَعْرِفُ فِعْلَهُ، قَالَ: فَيَقُولُ اللهُ لَهُ: مَا فَعَلْتَ؟ قَالَ: فَيَقُولُ: قَرَأْتُ القُرْآنَ، تَعَلَّمْتُ العِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ القُرْآنَ، يَقُولُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: كَذَبْتَ، وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَهُ لِيُقَالَ: عَالِمٌ، وَقَرَأْتَهُ لِيُقَالَ: قَارِئٌ» حَتَّى يَأْتِيَ النَّاسُ يَصُفُّونَ خَلْفَكَ الصُّفُوفَ، وَتَفْخَرَ بِذَلِكَ «فَقَدْ نِلْتَ هَذَا فِي الدُّنْيَا، فَيُسْحَبُ فَيُطْرَحُ عَلَى وَجْهِهِ فِي النَّارِ»(71) -نَسْأَلُ اللهَ السَّلَامَةَ وَالعَافِيَةَ- وَأَيُّ إِنْسَانٍ كَثُرَ عِنْدَهُ المُصَلُّونَ، نَسْأَلُ اللهَ أَنْ يُحْسِنَ النِّيَةَ؛ فَالمُعَوَّلُ عَلَى النِّيَةِ، عَلَى مَا يَقْصِدُ هَذَا الإِنْسَانُ، هَلْ قَصَدَ بِالتِّلَاوَةِ فَخْرًا بَيْنَ النَّاسِ؟ وَإِنْ كَانَ قَصَدَ جَمْعَ النَّاسِ وَأَنْ يَسْتَفِيدُوا مِنْ تِلَاوَتِهِ، فَهَذَا لَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَكِنْ يَنْبَغِي لِتَالِي القُرْآنِ وَقَارِئِ القُرْآنِ أَنْ يُخْلِصَ النِّيَةَ لِلهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَإِنَّ القُرْآنَ فِيهِ أَجْرٌ عَظيمٌ، كَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَضُوْءٍ، وَهَذَا يَكُونُ وَاجِبًا لَوْ كَانَ يَقْرَأُ مِنَ المُصْحَفِ؛ لِأَنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿لاَّ يَمَسُّهُ إِلَّا المُطَهَّرُونَ(72) وَإِنْ قِيلَ: إِنَّ المَقْصُودَ بِهَذَا هُوَ اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، أَنَّ الضَّمِيرَ يَرْجِعُ إِلَى اللَّوْحِ المَحْفُوظِ، فَهُنَاكَ حَدِيثٌ أَيْضًا وَاضِحٌ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَتَبَ إِلَى عَامِلِهِ عَمَرِو بْنِ حَزْمٍ: «لَا يَمَسُّ المُصْحَفَ إِلَّا طَاهِرٌ»(73) فَهَذَا الحَدِيثُ وَاضِحٌ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ لِمَسِّ المُصْحَفِ مِنَ الحَدَثِ الأَكْبَرِ والأَصْغَرِ: أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَكْبَرُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ حَتَّى التِّلَاوَةُ مِمَّا يَحْفَظُ، أَمَّا إِذَا كَانَ عَلَيْهِ حَدَثٌ أَصْغَرُ فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ مِمَّا يَحْفَظُ، لَكِنِ الأَفْضَلُ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَذَلِكَ خَيْرٌ، كَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ وَعَلَى هِيَئَةٍ حَسَنَةٍ بِأَنْ يَسْتَاكَ وَيُنَظِّفَ فَاهُ؛ فَإِنَّهُ طَرِيقُ القُرْآنِ، وَيَقْرَأَ بَعِيدًا عَنِ أَمَاكِنِ الضَّوْضَاءِ والَّتشْويِشِ وَغَيْرِ ذَلِكَ حَتَّى يَتَدَبَّرَ، وَلَكَنْ هَذَا لَا يَلْزَمُ، حَتَّى لَا يَقُولَ قَائِلٌ: أَنَا لَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَجْلَسَ، نَقُولُ: مِنَ المُمْكِنِ أَنْ تَقْرَأَ وَأَنْتَ مُضْطَجِعٌ، أَوْ تَقْرَأَ وَأَنْتَ مُسْتَنِدٌ، لَكِنْ نَقُولُ: هَذِهِ الهِيَئَةُ هِيَ الأَفْضَلُ، وَالنَّبِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَرَأَ وَرَأْسُهُ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ(74) وَهِيَ حَائِضُ، كَانَ يَقْرَأُ القُرْآنَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُضْطَجِعٌ وَاضِعٌ رَأَسَهُ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهَا. الشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقْرَأُ وَهُوَ نَائِمٌ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ(75) وَذِكْرُ اللهِ : قِرَاءَةُ كِتَابِهِ.

كَذَلِكَ الِاسْتِعَاذَةُ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، يَعْنِي: إِذَا بَدَأْتَ فِي القِرَاءَةِ تَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ العَلِيمِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْثِهِ، وَتُبَسْمِلُ إِذَا كُنْتَ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ إِلَّا سُورَةَ التَّوْبَةِ فَلَا تُبَسْمِلْ، وَإِنْ كُنْتَ تَقْرَأُ الأَنْفَالَ قَبْلَهَا فَإِنَّكَ تَصَلُهَا بالأَنْفَالِ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ لَمَّا جَمَعُوا القُرْآنَ فِي عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ شَكُّوا هَلِ التَّوْبَةُ تَابِعَةٌ لِلْأَنْفَالِ أَوْ مُسْتَقِلَّةٌ؟ فَلِذَلِكَ وَضَعُوا بَيْنَهُمَا حَاجِزًا سَطْرًا وَلَمْ يَضَعُوا البَسْمَلَةَ، حَتَّى تَكُونَ مُسْتَقِلَّةٌ أَوْ تَابِعَةً لَهَا، فَعَلَى أَيَّةِ حَالٍ إِذَا كُنْتَ تَقْرَأُ الأَنْفَالَ، وَوَصَلْتَ إِلَى التَّوْبَةِ فَإِنَّكَ لَا تُبَسْمِلَ، وَأَمَّا إِذَا بَدَأْتَ بِالتَّوْبَةِ، فَإِنَّكَ تَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ، بِدُونِ بَسْمَلَةٍ.

كَذَلِكَ التَّرْتِيلُ: أَنْ تُحَسِّنَ صَوْتَكَ بِالقُرْآنِ؛ حَتَّى تَخْشَعَ وَتَسْتَفِيدَ مِنْهُ، أَنْتَ وَمَنْ يَسْمَعُكَ، وَالنَّبِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقولُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ»(76) يَعْنِي: يُحَسِّنُ صَوْتَهُ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «زَيِّنُوا القُرْآنَ بِأَصْوَاتِكُمْ؛ فَإِنَّ الصَّوْتَ الحَسَنَ يَزِيدُ القُرْآنَ حُسْنًا»(77). رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالإِمَامُ أَحْمَدُ، وَصَحَّحَهُ الأَلبَانِيُّ.

وَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيٍّ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ أَنْ يَتَغَنَّى بِالقُرْآنِ»(78) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. يَعْنِي: أَنْ يَجْهَرَ بِهِ وَيَتَغَنَّى ويُحَسِّنَ صَوْتَهُ، وَقَدْ وَقَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا مَرَّ بِدَارِ الأَشْعَرِيِّينَ وَسَمِعَ أَبَا مُوسَى الأَشْعَرِيَّ يَقْرَأُ وَقَفَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَمِعُ وَيُنْصِتُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أَخَبَرَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «لَوْ رَأَيْتَنِي البَارِحَةَ وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»(79). فَقَالَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: وَاللهِ  لَوْ عَلِمْتُ أَنَّكُ تَسْتَمِعُ لِتِلَاوَتِي لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا. وَهَذَا لَيْسَ مِنْ بَابِ الرِّيَاءِ- حَاشَا- لَكِنْ مِنْ بَابِ إِدْخَالِ السُّرُورِ عَلَى القَائِدِ العَظِيمِ المُعَلِّمِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي عَلَّمَهُ القُرْآنَ، فَلِذَلِكَ يُرِيدُ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ أَنَّ قِرَاءَتَهُ جَيِّدَةٌ وَمُمْتَازَةٌ، وَهَذَا مِنْ بَابِ أَنَّ التِّلْمِيذَ يُبَيِّنُ لِشَيْخِهِ أَنَّ قِرَاءَتَهُ جَيِّدَةٌ، وَأَنَّهُ فَهِمَ هَذَا العِلْمَ؛ لِأَنَّ هَذَا يُدْخِلُ السُّرُورَ عَلَى العَالِمِ.

وَكَذَلِكَ الِابْنُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ لِوَالِدِهِ وَيُزَيِّنَ صَوْتَهُ بِالقِرَاءَةِ مِنْ أَجْلِ وَالِدِهِ؛ لِيُخْبِرَ وَالِدَهُ بِأَنَّهُ حَفِظَ؛ لِأَنَّ هَذَا فِيهِ إِدْخَالَ السُّرُورِ عَلَى الوَالِدِ وَعَلَى المُعَلِّمِ، فَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الرِّيَاءِ- حَاشَا- وَالنَّبِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ، حِينَ َقَالَ لَهُ: لَحَبَّرْتُهُ لَكَ تَحْبِيرًا، أَي: زَيَّنْتُهُ أَكْثَرَ وَتَلَوْتُهُ بِصَوْتٍ أَحْسَنَ.

فَالشَّاهِدُ مِنْ ذَلِكَ حُبُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَمَاعِ القُرْآنِ، وَتَأْتِينَا قِصَّةُ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ. وَالمُهِمُّ فِي ذَلِكَ أَيْضًا تَدَبُّرُ آيَاتِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، المُهِمُّ فِي ذَلِكَ أَنْ نَتَدَبَّرَ؛ حَتَّى نَسْتَفِيدَ. قِفْ عِنْدَ الآيَاتِ وَحَرِّكْ بِهَا قَلْبَكَ. يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ(80) مِنْ أَجْلِ التَّدَبُّرِ ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُو الأَلْبَابِ(81)، فَإِذَا تَدَبَّرْتَ تَذَكَّرْتَ، أَمَّا إِذَا قَرَأْتَ هَزًّا كَهَزِّ الشِّعْرِ، فَإِنَّكَ لَا تَسْتَفِيدُ، صَحِيحٌ قَدْ تَحْصُلُ عَلَى الأَجْرِ، كُلُّ حَرْفٍ بِحَسَنَةٍ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَكِنْ يَفُوتُكَ خَيْرٌ عَظِيمٌ، يَفُوتُكَ أَجْرُ التَّدبُّرِ وَيَفُوتُكَ فَائِدَةُ التَّدَبُّرِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ نَعَى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يَتَدَبَّرُونَ القُرْآنَ: ﴿وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: لَا تَنْثُرُوهُ نَثْرَ الرَّمَلِ- وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ: نَثْرَ الدَّقَلِ، يَعْنِي: رَدِيءَ التَّمْرِ- وَلَا تَهُزُّوهُ هَزَّ الشِّعْرِ، قِفُوا عِنْدَ عَجَائِبِهِ وَحَرِّكُوا بِهِ القُلُوبَ وَلَا يَكُنْ هُمُّ أَحَدِكُمْ آخِرَ السُّورَةِ.

بَعْضُ النَّاسِ يَنْظُرُ كَمْ بَقِيَ مِنَ السُّورَةِ كَأَنَّهُ يَعْمَلُ أَمْرًا لَا بُدَّ مِنْهُ، يَقُولُ: مَتَى أَنْتَهِي مِنْ هَذِهِ السُّورَة؟ فَلَوْ وَقَفْتَ مَعَ نَفْسِكَ بِتَدَبُّرٍ وَقَرَأْتَ نِصْفَ السُّورَةِ أَوْ نِصْفَ جُزْءٍ بِتَدبُّرٍ وَتَمَعُّنٍ، رُبَّمَا يَكُونُ أَفْضَلَ لَكَ وَأَفْضَلَ لِقَلْبِكَ وَأَخْشَعَ لِقَلْبِكَ، وَأَيْضًا قَدْ تَتَغَيَّرُ حَيَاتُكَ بِآيَةٍ تُرَدِّدُهَا كَمَا كَانَ يُرَدِّدُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ بَعْضَ الآيَاتِ لِلِاسْتِفَادةِ مِمَّا يَكُونُ فِي كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

كَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي: الخُشُوعُ عِنْدَ التِّلَاوَةِ، وَإِنْ حَصَلَ البُكَاءُ فَهَذَا خَيْرٌ، بُكَاءٌ حَقِيقِيٌّ لَيْسَ لِلرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ- نَعُوذُ بِاللهِ مِنْ ذَلِكَ- فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «عَيْنَانِ لَا تَمَسُّهُمَا النَّارُ: عَيْنٌ بَاتَتْ تَحْرُسُ فِي سَبِيلِ اللهِ ، وَعَيْنٌ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ»(82) وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَصَفَ عِبَادَهُ المُؤْمِنِينَ بِأَنَّهُمْ ﴿إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا(83)، فَهَذِهِ صِفَاتُ عِبَادِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿اللهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ ذَلِكَ هُدَى اللهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ(84).

وهَذَا نَبِيُّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ، يَقُولُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ: ٍ «اقْرَأْ عَلَيَّ القُرْآنَ» يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أَقَرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟! قَالَ: «إِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي»، يَقُولُ: فَقَرَأَتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا(85) قَالَ: «حَسْبُكَ الآنَ»، فَالتَفَتُّ فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ(86). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ابْنُ مَسْعُودٍ مَا سَمِعَ بُكَاءَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَلَمَّا التَفَتَ وَجَدَ عَيْنيْهِ تَذْرِفَانِ الدُّمُوعَ.

وَعَنْ ثَابِتٍ البَنَانِيِّ: عَنْ مَقْرِنٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي وَبِصَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ مِنَ البُكَاءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. رَوَاهُ أَحْمَدُ.

وهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَصْرُخُ، وَلَمْ يَكُنْ يَشْحَطُ، وَلَمْ يَكُنْ يُخْرِجِ الصُّوَاتَ، بَلْ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ المِرْجَلِ، يَعْنِي: القِدْرَ الَّذِي عَلَى المِرْجَلِ -المَوقِدِ- يَغْلِي فَتَسْمَعُ لَهُ صَوْتًا خَافِتًا، هَكَذَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِنْ صَدْرِهِ فَحِيحٌ وَنَشِيجٌ لَا يَكُونُ فِيهِ شهِيَقٌ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ صَوْتُ.

يَقُولُ ابْنُ القَيِّمِ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- وَبُكَاؤُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِنْسِ ضَحِكِهِ، كَمَا أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَجْمِعْ ضَحِكَهُ حَتَّى تَبْدُوَ لَهَاتُهُ، كَمَا أُثِرَ عَنْهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بَلْ كَانَ جُلُّ ضَحِكِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَسُّمَ، يَعْنِي: كَانَ يَتَبَسَّمُ، وَكَذَلِكَ البُكَاءُ لَمْ يَكُنْ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَصْرُخُ كَمَا يَفْعَلُ بَعْضُ الصُّوفِيَّةِ، تَجِدُهُمْ يَصْرُخُونَ وَيَسْقُطُونَ وَيَحْصُلُ لَهُمْ مِنَ الحالَاتِ الَّتِي رُبَّمَا تُشَوِّشُ عَلَى المُصَلِّينَ وَتُشَوِّشُ عَلَى التَّالِينَ، لَمْ يَحْصُلْ لِلنَّبِيِّ وَلَا لِلصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَهَذَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ يَقُولُ: قُلْتُ لِجَدَّتِي أَسْمَاءَ: كَيْفَ كَانَ أَصَحَابُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا سَمِعُوا القُرْآنَ؟ فَتَقُولُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: تَدْمَعُ عُيُونُهُمْ وَتَقْشَعِرُّ قُلُوبُهُمْ، كَمَا نَعَتَهُمُ اللهُ، كَمَا وَرَدَ فِي الآيَةِ الكَرِيمَةِ: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهِ(87) مَا كَانُوا يَصْرُخُونَ وَلَا تَحْصُلُ لَهُمْ هَذِهِ الحالَاتُ، مَعَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَبْكُونَ، هَذَا أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ كَانَ لَهُ بَيْتٌ فِي مَكَّة، وَلَمَّا أَسْلَمَ ابْتَنَى لَهُ مَسْجِدًا فِي مَكَّةَ، فَكَانَ يَقْرَأُ وَيَأْتِي المُشْرِكُونَ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ يَبْكِي- رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَأَرْضَاهُ- فَكَانَ لَا يَمْلِكُ دَمْعَهُ إِذَا قَرَأَ القُرْآنَ، وَفِي حَادِثِ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ»، قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ رَجُلٌ لَا يُسْمِعُ النَّاسَ إِذَا قَرَأَ مِنَ البُكَاءِ(88).

وَعُمَرُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ -كَمَا يَقُولُ هِشَامُ بْنُ الحَسَنِ- كَانَ يَمُرُّ بالآيَةِ وَيُرَدِّدُهَا فَتَخْنُقُهُ -أَيِ: العَبْرَةُ- فَيَبْكِي وَرُبَّمَا يَلْزَمُ بَيْتَهُ اليَوْمَ أَوِ اليَوْمَيْنِ يَحْسَبُونَهُ مَرِيضًا يَعُودُونَهُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ. وَهَذَا عَلِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وُصِفَ أَنَّ فِي وَجْهِهِ خَطَّيْنِ مِنَ البُكَاءِ، وَغَيْرُهُمْ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا يَقُولُ القَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ابْنُ أَخِيهَا: جَلَسْتُ مَعَهَا حَتَّى مَلِلْتُ فَخَرَجْتُ- يَعْنِي: مَلَّ مِنَ الجُلُوسِ- وَهِيَ تُكَرِّرُ هَذِهِ الآيَةَ. .. إلخ.

وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا(89)، يَقُولُ عَنْهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ- وَكاَنَ صَاحِبَهُ -: كُنَّا فِي أَحَدِ أَسْفَارِنَا فَلَمَّا بَاتَ القَوْمُ، قَعَدَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَبْكِي وَقَامَ يُصَلِّي، وَلَمَّا مَرَّ بِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَجَاءتْ سَكْرَةُ المَوْتِ بِالحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنتَ مِنْهُ تَحِيدُ(90) أَخَذَهُ النَّشِيجُ وَالبُكَاءُ.

وَنَافِعٌ يَصِفُ ابْنَ عُمَرَ بِأَنَّهُ مَا مَرَّ بِهَذِهِ الآيَةِ إِلَّا بَكَى: ﴿وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ(91)، وَقَرَأَ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ(92) فَبَكَى، وَمَرَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ العَالَمِينَ(93) فَبَكَى.

ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالتَّابِعِينَ مَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ، كَانُوا يَبْكُونَ عِنْدَ سَمَاعِ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

تَرْدِيدُ بَعْضِ الآيَاتِ: نأتي إِلَى قَضِيَّةٍ أُخْرَى، وَهِيَ تَرْدِيدُ بَعْضِ الآيَاتِ حَتَّى تُؤَثِّرَ فِي القَلْبِ؛ رُبَّمَا تَمُرُّ بِآيَةٍ تَكُونُ مُخَالِفًا لَهَا، تَهْتَدِي بِذِكْرِهَا، وَتُؤَثِّرُ فِي قَلْبِكَ، فَيَنْبَغِي أَنْ تُرَدِّدَهَا كَثِيرًا، قِفْ عِنْدَ هَذِهِ الآيَةِ وَرَدِّدْهَا؛ لَعَلَّ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَرْزُقُكَ دَمْعَةً تَمْحُو ذُنُوبَكَ وَتُحَرِّمُ عَيْنَيْكَ عَلَى النَّارِ، فَمَثَلًا قَوْلُ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(94)، ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ(95) ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ(96)، ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَّا أُخْفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعْيُنٍ(97) قِفْ عِنْدَ هَذِهِ الآيَاتِ وَتَصَوَّرْ حَالَكَ. اقْرَأْ قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿فَرِيقٌ فِي الجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ مِنْ أَيِّ الفَرِيقَيْنِ أَنْتَ؟ ؟ ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ مِنْ أَيِّ النَّوْعَيْنِ أَنْتَ؟ فَلَوْ كَرَّرَ المُسْلِمُ هَذِهِ الآيَةَ فِي لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ؛ لَعَلَّهَا تُؤَثِّرُ فِي قَلْبِهِ وَفِي عَيْنِهِ! فَالعَيْنُ لَا تَدْمَعُ إِلَّا إِذَا لَانَ القَلْبُ؛ لِأَنَّ القَلْبَ هُوَ الَّذِي يَمُدُّ العَيْنَ بِالدُّمُوعِ، فَإِذَا قَسَا القَلْبُ أَصَبْحَ كَالحِجَارَةِ، فَإِذَا لَانَ انْهَمَرَتِ العُيُونُ بِالبُكَاءِ، وَالنَّبِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ»، وَذَكَرَ مِنْهُمْ: «رَجُلًا ذَكَرَ اللهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ»(98)، وَأَمَّا تَرْدِيدُ بَعْضِ الآيَاتِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قَامَ لَيْلَةً كَامِلَةً يُرَدِّدُ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ(99) رَدَّدَهَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَسَأَلَ لِأُمَّتِهِ الشَّفَاعَةَ، وَرَدَّدَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا(100)، وَرَدَّدَ تَمِيمٌ الدَّارِيُّ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ(101) مِنْ بَعْدِ العِشَاءِ حَتَّى سَمِعَ أَذَانِ الفَجْرِ.

وَهَذَا عُمَرُ بْنُ عَبْدِ العَزِيزِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَأَنذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى(102)، فَيُكَرِّرُهَا وَيَبْكِي حَتَّى يَسْقَطَ، وَأَتَتْهُ زَوْجَتُهُ فَاطِمَةُ تَظُنُّ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ وَرَحِمَهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً.

وَكَذَلِكَ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ البَكَّاءُ، هُوَ وَابْنُهُ عَلِيٌّ كَانَا مِنَ البَكَّائِينَ إِذَا قَرَؤُوا القُرْآنَ، فَقَرَأَ يَوْمًا بِالحَاقَّةِ حَتَّى بَلَغَ قَوْلَ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ(103)، فَغَلَبَهُ البُكَاءُ. وَهَذَا ثَابِتٌ البَنَانِيُّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقْرَأُ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا(104)، فَيَبْكِي وَيُرَدِّدُهَا مِرَارًا، وَقَدِ اشْتَكَى عَيْنَيْهِ، فَأَتَاهُ الطَّبِيبُ وَقَالَ: إِنْ تَضْمَنْ لِي أَمْرًا أَضْمَنْ لَكَ شِفَاءَ عَيْنَيْكَ، فَقَالَ: مَا هو؟ قَالَ: أَلَّا تَبْكِي- يَعْني: الَّذِي سَبَّبَ مَرَضَ عَيْنَيْكَ هُوَ البُكَاءُ- فَقَالَ ثَابِتٌ: لَا خَيْرَ فِي عَيْنٍ لَا تَبْكِي، يَعْني: لَمْ يُطَاوِعْهُ عَلَى ذَلِكَ.

تِلْكَ أَمْثِلَةٌ مِنْ بُكَاءِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ مِنْ خَشْيَةِ اللهِ .

نَتَطَرَّقُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى جَانِبٍ آخَرَ ذِي أَهَمِّيَّةٍ قُصْوَى، وَهُوَ: آدَابُ حَامِلِ القُرْآنِ:

القَارِئُ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، سَوَاءً كَانَ حَافِظًا أَوْ غَيْرَ حَافِظٍ، َيَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَأَدَّبَ بِهَذِهِ الآدَابِ، وَيُخَصُّ بِذَلِكَ الحَافِظُ وَمِنْ أَعْظَمِهَا وَأَهَمِّهَا: العَمَلُ بِالقُرْآنِ؛ لَا بُدَّ أَنْ يَعْمَلَ بِالقُرْآنِ، فَإِذَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ كَانَ حَالُهُ كَحَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ: ﴿كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا(105) -وَالعِيَاذُ بِاللهِ- ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِيَ آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث(106) إِذًا المَقْصُودُ هُنَا هُوَ العَمَلُ وَحِفْظُ الحُدُودِ قَبْلَ الحُرُوفِ، أَمَّا أَنْ تَحْفَظَ الحُرُوفَ، وَقَرَاءَتُكَ لَا تُجَاوِزُ تُرْقُوَتَكَ، فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ الخَوَارِجَ فَقَالَ فِيهِمْ: «تَحْقِرُونَ صَلَاتَكُمْ عِنْدَ صَلَاتِهِمْ، وَصِيَامَكُمْ عِنْدَ صِيَامَهِمْ، وَقِرَاءَتَكُمْ عِنْدَ قِرَاءَتِهِمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ»(107) -وَالعِيَاذُ بِاللهِ.

فَالمَقْصُودُ إِذًا العَمَلُ وَلَوْ لَمْ يَحْفَظْ؛ فَالحَافِظُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِالقُرْآنِ، كَمَثَلِ الحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلَكِنَّهُ يَعْمَلُ فَهَذَا هُوَ المَقْصُودُ، وَإِذَا اجْتَمَعَ النُّورَانِ: نُورُ العَمَلِ وَنُورُ الحِفْظِ فَهَذَا ﴿نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ(108)، وَقَدْ دَلَّتِ الأَحَادِيثُ عَلَى أَنَّ المَقْصُودَ مِنْ حِفْظِ القُرْآنِ هُوَ العَمَلُ بِهِ، فَيَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِ- الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ» أَيِ: المُؤْمِنُ العَامِلُ بِالقُرْآنِ، «كَمَثَلِ الأَتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ»- يَعْنِي: مَخْبَرُهُ وَمَظْهَرُهُ، حَافِظٌ لِكِتَابِ اللهِ وَأَعْمَالُهُ طَيِّبَةٌ، هَذَا مِثْلُ الأَتْرُجَّةِ طَعْمُهَا رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ- «وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَحْفَظُ القُرْآنَ لَكِنَّهُ لَا يَعْمَلُ بِهِ كَمَثَلِ الرَّيْحَانَةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لَا يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ لَا رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا مُرٌّ»(109). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا(110) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ القُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ» يَعْني: يُصَلِّي وَيَقُومُ بِهِ وَيَعْمَلُ بِهِ، فَهَذَا مَعْنَى القِيَامِ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ «وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ»(111) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَسَمِعْنَا الحَدِيثَ السَّابِقَ: «الَّذِي يَحْفَظُ القُرْآنَ يَلْبَسُ وَالِدَاهُ تَاجًا ضَوْءُهُ مِثْلُ ضَوْءِ الشَّمْسِ»(112) فَكَيْفَ بِالَّذِي يَعْمَلُ بِالقُرْآنِ؟!

يَقُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يُؤْتَى بِالقُرْآنِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا تَقْدُمُهُ سُورَتَا البَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا».

فَلَا بُدَّ مِنَ العَمَلِ بِالقُرْآنِ وَالتَّحَاكُمِ إِلَيْهِ وَتَحْكِيمِهِ: ﴿فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ(113).

كَذَلِكَ مِمَّا يَنْبَغِي عَلَى صَاحِبِ القُرْآنِ: أَنْ يَهْتَدِيَ بِهَدْيِهِ وَيَتَأَدَّبَ بِآدَابِهِ وَيَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِهِ: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى(114) يَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ: تَكَفَّلَ اللهُ لِمَنِ اتَّبَعَ القُرْآنَ أَلَّا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الآخِرَةِ، فلَا بُدَّ أَنْ نَتَأَدَّبَ بِآدَابِ القُرْآنِ، وَأَنْ نَتَخَلَّقَ بِأَخْلَاقِ القُرْآنِ كَمَا وُصِفَ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ؛ لَمَّا سُئِلَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا. وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ(115) لَا يَسْتَوِي حَافِظُ القُرْآنِ وَمُتَعَلِّمُ القُرْآنِ الَّذِي عَرَفَ كِتَابَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، بِالجَاهِلِ بِذَلِكَ. وَيَقُولُ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ: يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ أَنْ يُعْرَفَ بِلَيْلِهِ إِذِ النَّاسُ نِيَامٌ -يَعْني: أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي- وَبِنَهَارِهِ إِذِ النَّاسُ مُنْشَغِلُونَ، وَبِحُزْنِهِ إِذِ النَّاسُ فَرِحُونَ، وَبِبُكَائِهِ إِذِ النَّاسُ يَضْحَكُونَ، وَبِصَمْتِهِ إِذِ النَّاسُ يَخُوضُونَ، وَبِخُشُوعِهِ إِذِ النَّاسُ يَخْتَالُونَ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَافِيًا وَلَا غَافِلًا وَلَا صَخَّابًا وَلَا حَدِيدًا -صَخَّابًا يَعْني: كَثِيرَ الكَلَامِ وَشَدِيدَ الصَّوْتِ، وَحَدِيدًا بِمَعْنَى: شَدِيدِ الغَضَبِ.

يَقُولُ الفُضَيْلُ بْنُ عِيَاضٍ -رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى- يَقُولُ: حَامِلُ القُرْآنِ حَامِلُ رَايَةِ الإِسْلَامِ؛ لِأَنَّ القُرْآنَ هُوَ رَايَةُ الإِسْلَامِ، لَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْغُوَ مَعَ مَنْ يَلْغُو، وَلَا أَنْ يَسْهُوَ مَعَ مَنْ يَسْهُو، وَلَا أَنْ يَلْهُوَ مَعَ مَنْ يَلْهُو؛ تَعْظِيمًا لِلهِ تَعَالَى.

كَذَلِكَ يَنْبَغِي لِحَامِلِ القُرْآنِ البُعْدُ كُلَّ البُعْدِ عَنْ سَفَاسِفِ الأُمُورِ مِنْ سَمَاعِ الغِنَاءِ وَمِنَ المُحَرَّمَاتِ وَالغِيبَةِ وَالنَّمِيمَةِ وَالكَلَامِ الفَاحِشِ البَذِيءِ وَغَيْرِ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَحْمِلُ كِتَابَ اللهِ بَيْنَ جَنْبَيْهِ، وَ«مَنْ حَفِظَ القُرْآنَ فَقَدِ اسْتَدْرَجَ النُّبُوَّةَ َبَيْنَ جَنْبَيْهِ إِلَّا أَنَّهُ لَا يُوحَى إِلَيْهِ» -كَمَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ.

كَذَلِكَ الدَّعْوَةُ إِلَى كِتَابِ اللهِ ، يَنْبَغِي أَنْ يَدْعُوَ لِكِتَابِ اللهِ ، وَيَدْعُوَ النَّاسَ إِلَى تَحْكِيمِ كِتَابِ اللهِ وَالتَّخَلُّقِ بِأَخْلَاقِ القُرْآنِ وَالتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ، وَأَنْ يُبَيِّنَ كَذَلِكَ لِأَوْلَادِهِ، وَيُرَبِّيَهِمْ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَعَلَى سُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَعَلَى حُبِّ كِتَابِ اللهِ وَتَعْظِيمِهِ وَتَوْقِيرِهِ فِي النُّفُوسِ، وَيَكُونَ قُدْوَةً صَالِحَةً لَهُمْ، وَكَذَلِكَ أَنْ يُذَكِّرَ النَّاسَ بِالقُرْآنِ ﴿فَذَكِّرْ بِالقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ(116) بَعْضُ النَّاسِ إِذَا وَقَفَ يَعِظُ أَتَى بِالقِصَصِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَاكَ وَاللهُ أَعْلَمُ بِصَحِيحِهَا مِنْ غَيْرِهِ، وَعِنْدَهُ مِنَ القَصَصِ القُرْآنِيِّ، عِنْدَهُ مِنَ الآيَاتِ العَظِيمَةِ الَّتِي فِيهَا أَعْظَمُ المُزْدَجَرِ، وَتَجِدُهُ لَا يَأْتِي بِهَا. فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ دَاِئمًا أَنْ تَكُونَ مَوَاعِظُهُ وَكَلَامُهُ مِنْ كَلَامِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ فَهُوَ أَعْظَمُ الهَدْيِ وَخَيْرُ الهَدْيِ، وَكَذَلِكَ سُنَّةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَهَّدَ القُرْآنَ بِالِاسْتِذْكَارِ- فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنَ الإِبِلِ فِي عِقَالِهَا- بِأَنْ يَقُومَ بِهِ فِي اللَّيْلِ وَيَقْرَأَهُ وَهُوَ مُسَافِرٌ، وَهُوَ مُضْطَجِعٌ، وَفِي كُلِّ وَقْتٍ وَحَالٍ؛ حَتَّى لَا يَتَفَلَّتَ مِنْهُ.

وَمِنْ فَضَائِلِ القُرْآنِ قِرَاءَتُهُ فِي رَمَضَانَ، وَالنَّبِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُبَشِّرُ أَصْحَابَهُ بِقُدُومِ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرُ القُرْآنِ ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ القُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الهُدَى وَالفُرْقَانِ(117)، فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الشَّهْرِ العَظِيمِ نَصِيبٌ مِنْ كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالمُؤْمِنُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لِكِتَابِ اللهِ نَصِيبٌ مِنْ وَقْتِهِ- هَذَا فِي العُمُومِ، وَمَا أَقَلَّ أَنْ يَخْتِمَ كُلَّ شَهْرٍ- أَمَّا إِذَا أَقْبَلَ رَمَضَانُ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ كَمَا كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَعَلَى رَأْسِهِمُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا يَقُولُ ابْنُ عَبَّاسٍ كَمَا جَاءَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» يَقُولُ: كَانَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ- هَذَا فِي العُمُومِ، كَانَ أَجْوَدَ النَّاسِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَكاَنَ أَجْوَدَ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ فَيُدَارِسُهُ الوَحْيُ كُلَّ لَيْلَةٍ(118) – يَعْني: يُدَارِسُهُ القُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ- وَهَذِهِ سُنَّةٌ مُهْدَرَةٌ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ- اسْتَدَلَّ كَثِيرٌ مِنَ العُلْمَاءِ عَلَى سُنِّيَّةِ وَاسْتِحْبَابِ مُدَارَسَةِ القُرْآنِ فِي لَيَالِي رَمَضَانَ، تَكُونُ مُدَارَسَةً بَيْنَ اثْنَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ يَتَدَارَسُونَ القُرْآنَ، يَجْتَمِعُونَ بَعْدَ التَّرَاوِيحِ أَوْ بَعْدَ المَغْرِبِ أَوْ فِي أيِّ وَقْتٍ مِنَ الأَوْقَاتِ، فَيَتَدَارَسُونَ كِتَابَ اللهِ ، إِمَّا تَفْسِيرًا أَوْ تِلَاوَةً أَوْ حِفْظًا، كَمَا كَانَ جِبْرِيلُ يَقْرَأُ فَيُنْصِتُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَقْرَأُ النَّبِيُّ وَيُنْصِتُ جِبْرِيلُ.

وَكاَنَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ القُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً، وَفِي آخَرِ رَمَضَانَ صَامَهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ لَهُ جِبْرِيلُ القُرْآنَ مَرَّتَيْنِ؛ وَذَلِكَ لِيَثْبُتَ فِي فُؤَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْتِيبِ سُوَرِهِ وَآيَاتِهِ.

رُبَّمَا يَقْرَأُ البَعْضُ مِنَّا فِي نَهَارِ رَمَضَانَ لَكِنْ فِي اللَّيْلِ يَنْشَغِلُ بِأُمُورٍ كَثِيرَةٍ فَلَا يَقْرَأُ، وَالقِرَاءَةُ تَكُونُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَقَدْ كاَنَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى يَتْرُكُونَ كَثِيرًا مِنَ الأَعْمَالِ الفَاضِلَةِ الخَيِّرَةِ كَتَدْرِيسِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -ولَا شَكَّ أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ الأَعْمَالِ- كَانَ أَئِمَّةُ الحَدِيثِ كَمَالِكٍ وَالزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى يَتْرُكُونَ تَدْرِيسَ الحَدِيثِ وَيُقْبِلُونَ عَلَى القُرْآنِ مِنْ أَجْلِ التَّفَرُّغِ لِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَكاَنَ مِنْهمْ مَنْ كَانَ يَخْتِمُ فِي رَمَضَانَ كُلَّ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتِمُ كُلَّ سَبْعٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتِمُ كُلَّ عَشْرٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتِمُ فِي اللَّيَالِي العَشْرِ كُلَّ لَيْلَةٍ- وَفِي هَذَا حَدِيثٌ وَرَدَ: «لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ»(119)، فَعَلَّلَ العُلَمَاءُ -رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى- بِأَنَّ ذَلِكَ فِي الأَيَّامِ العَادِيَّةِ، أَمَّا فِي الأَيَّامِ الفَاضِلَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَنْتَهِزَ الإِنْسَانُ فِيهَا فُرْصَةَ الفَضْلِ، فَرُبَّمَا يَزِيدُ وَيَخْتِمُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، لَكِنْ مَنْ خَتَمَ كُلَّ ثَلَاثِ لَيَالٍ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، فَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ وَلَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ؛ فَيَنْبَغِي عَلَيْنَا أَنْ نُقْبِلَ عَلَى كِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ، وَأَنْ نُكْثِرَ التِّلَاوَةَ وَالحِفْظَ فِي رَمَضَانَ؛ فَهُوَ فُرْصَةٌ عَظِيمَةٌ لِمَنْ لَمْ يَحْفَظْ أَوْ كَانَ حَفِظُهُ غَيْرَ قَوِيٍّ؛ أَنْ يَزْدَادَ وَأَنْ يُرَاجِعَ هَذَا الحِفْظَ حَتَّى يُثَبِّتَهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ، وَأَنْ يَتَعَهَّدَ القُرْآنَ بِذَلِكَ.

وَاللهُ الهَادِي إِلَى سَوَاءِ السَّبِيلِ، وَصَلِّ اللهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

الأَسْئِلَةُ

السُّؤَالُ: أَيَّهُمَا أَفْضَلُ: كَثْرَةُ القِرَاءَةِ، أَمْ قِلَّةُ القِرَاءَةِ مَعَ التَّدَبُّرِ- حَبَّذَا بِالتَّفْسِيرِ -؟

الجَوَابُ: كُلُّهَا خَيْرٌ، لَكِنْ إِذَا صَاحَبَ كَثْرَةَ القِرَاءَةِ التَّدَبُّرُ فَهَذَا نُورٌ عَلَى نُورٍ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فَلَوْ قَرَأْتَ فِي آيَاتٍ قَلِيلَةٍ وَتَدَبَّرْتَهَا كَانَ هَذَا أَفْضَلَ مِنْ حَيْثُ المَنْفَعَةِ الَّتِي تَحْصُلُ لَكَ، فَلَا يَكُنْ هَمُّكَ فَقَطْ أَنْ تَحْصُلَ عَلَى الأَجْرِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «لَا أَقُولُ: ﴿الم﴾ حَرْفٌ. .. الحَدِيثِ»(120) يَجِبُ أَنْ تَتَدَبَّرَهَا وَتَفْهَمَ مَعْنَاهَا مِنَ المُتَشَابِهِ الَّذِي احْتَفَظَ اللهُ بِعِلْمِهِ.

 فَهَذِهِ الآيَةُ: ﴿الم﴾ لَا تَفْهَمُهَا، وَمَعَ ذَلِكَ تُؤْجَرُ عَلَيْهَا ثَلَاثِينَ حَسَنَةً، فَإِذَا قَرَأْتَ القُرْآنَ- فَهِمْتَ مَعْنَاهُ أَوْ لَمْ تَفْهَمْهُ- فَلَكَ بِكُلِّ حَرْفٍ حَسَنَةٌ، وَالحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا، لَكِنْ يَفُوتُكَ أَجْرُ التَّدَبُّرِ وَيفُوتُكَ أَجْرُ المَنْفَعَةِ. . حَتَّى تَسْتَفِيدَ وَحَتَّى تَنْتَفِعَ وَحَتَّى يَخْشَعَ قَلْبُكَ وَحَتَّى تَدْمَعَ عَيْنُكَ لَا بُدَّ مِنَ التَّدَبُّرِ؛ فَلِلتَّدَبُّرِ شَأْنٌ عَظِيمٌ.

فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ تَتَدَبَّرَ، وَإِنْ جَمَعْتَ بَيْنَ الكَثْرَةِ وَالتَّدَبُّرِ، فَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: نَحْنُ شَبَابٌ نَجْلِسُ مَعًا فِي بَعْضِ أَيَّامِ الأُسْبُوعِ، فَفِي بِدَايَةِ الجِلْسَةِ نَقْرَأُ مِنَ القُرْآنِ، وَبَعْدَ ذَلِكَ نَلْهُو لِفَتْرَةٍ مِنَ الزَّمَنِ، فَهَلْ هَذَا المَجْلِسُ تَحُفُّهُ المَلَائِكَةُ؟

الجَوَابُ: أَوَّلًا: مَا نَوْعُ هَذَا اللَّـهْوِ؟ أَبُو الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يَقُولُ: يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَسْتَجِمَّ بِشَيْءٍ مِنَ اللَّـهْوِ؛ حَتَّى يَقْوَى قَلْبُهُ عَلَى الحَقِّ، لَكِنِ اللَّـهْوُ فِي عُرْفِ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ غَيْرُ اللَّـهْوِ الَّذِي فِي عُرْفِنَا، فَفِي عُرْفِ أَبِي الدَّرْدَاءِ: السُّؤَالُ مَعَ الأَصْحَابِ، مَعَ الأَصْدِقَاءِ، مَعَ أَهْلِكَ، مَعَ أَوْلَادِكَ، مَعَ زَوْجَتِكَ، فِي سُؤَالِكَ كَلَامٌ بَرِيءٌ، يَعْنِي: فُكَاهَاتٌ طَيِّبَةٌ لَا كَذِبَ فِيهَا وَلَا فِيهَا كَلَامٌ فَاحِشٌ بَذِيءٌ وَلَا غَيْرُ ذَلِكَ، هَذَا هُوَ اللَّـهْوُ عِنْدَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، أَمَّا لَوْ كَانَ اللَّـهْوُ سَمَاعَ غِنَاءٍ وَلَعِبَ وَرَقٍ مَثَلًا أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الأُمُورِ المُحَرَّمَةِ، فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ، وَهَذَا المَجْلِسُ حَتَّى لَو بَدَأْنَاهُ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ سَوْفَ تَحْضُرُهُ الشَّيَاطِينُ وَتَذْهَبُ المَلَائِكَةُ، فَلِذَلِكَ نَقُولُ: إِذَا افْتَتَحْتُمْ بِشَيْءٍ مِنَ القِرَاءَة لِلْفَائِدَةِ وَمُرَاجَعَةِ الحِفْظِ مَثَلًا، ثُمَّ بَدَأَ الكَلَامُ بِسُؤَالٍ فِيمَا بَيْنَكُمْ بِلَا غَيْبَةَ وَلَا نَمِيمَةَ وَلَا كَلَامٍ فَاحِشٍ بَذِيءٍ وَلَا سَمَاعِ غِنَاءٍ، وَلَا لَعِبِ مَا حَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلّ، فَإِنْ شَاءَ اللهُ تَحْضُرُ المَلَائِكَةُ، وَنَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التَّوْفِيقَ وَيَكُونُ هَذَا المَجْلِسُ إِنْ شَاءَ اللهُ طَيِّبًا، وَلَا شَيْءَ فِيهِ بِإِذْنِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ. وَنَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التَّوْفِيقَ.

السُّؤَالُ: هَلْ كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِرْدٌ يَوْمِيٌّ لِقِرَاءَةِ القُرْآنِ الكَرِيمِ؟ وَمَا مِقْدَارُهُ؟ وَهَلْ وَرَدَ نَهْيٌ عَنْ خَتْمِ القُرْآنِ فِي أَقَلَّ مِنْ أُسْبُوعٍ؟ بَيِّنُوا ذَلِكَ؟.

الجَوَابُ: مَا ذُكِرَ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاللهُ أَعْلَمُ، وَلَا أَعْرِفُ شَيْئًا، وَالَّذِي يَعْرِفُ شَيْئًا يُفِيدُنَا فِي هَذَا، فَلَمْ يُذْكَرْ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ وِرْدٌ مُعَيَّنٌ، لَكِنْ لَا شَكَّ أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ كَلَامَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ وَيُكْثُرُ مِنَ التِّلَاوَةِ، فَهُوَ الَّذِي- كَمَا وَرَدَ- افْتَتَحَ البَقَرَةَ ثُمَّ آلَ عِمْرَانِ ثُمَّ النِّسَاءَ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ، فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ مِنَ القُرْآنِ وَيُحِبُّ أَنْ يَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ، كَمَا جَاءَ فِي قِصَّةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، فَكَانَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الجُمْلَةِ أَنَّهُ يُكْثِرُ مِنْ تِلَاوَةِ القُرْآنِ، أَمَّا كَمْ؟ فَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ، وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى يُحَزِّبُونَ القُرْآنَ، فَكَانُوا يَخْتِمُونَهُ كُلَّ أُسْبُوعٍ، فَيَقْرَؤُونَ فِي اليَوْمِ الأَوَّلِ ثَلَاثَ سُوَرٍ: البَقَرَةَ وَآلَ عِمْرَانَ وَالنِّسَاءَ، ثُمَّ فِي اليَوْمِ الثَّانِي خَمْسًا، وَفِي اليَوْمِ الثَّالِثِ سَبْعًا، ثُمَّ تِسْعًا، ثُمَّ إِحْدَى عَشْرَةَ، ثُمَّ ثَلَاثَ عَشْرَةَ، ثُمَّ المُفَصَّلَ. وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْصَى عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ العَاصِ لَمَّا قَالَ لَهُ: أَخْتِمُ كُلَّ لَيْلَةٍ؟ قَالَ: «اخْتِمْ كُلَّ شَهْرٍ»، فَقَالَ: أَطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «كُلَّ أُسْبُوعٍ». . إِلَى أَنْ قَالَ: كُلَّ ثَلَاثٍ، قَالَ: أَطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، قَالَ: «لَمْ يَفْقَهْ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ»(121)، فَالنَّبِّيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّدَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ حَتَّى يَتَدَبَّرَ الإِنْسَانُ، وَكَمَا مَرَّ بِشَأْنِ الأَوْقَاتِ الفَاضِلَةِ، لَوْ أَنَّ الإِنْسَانَ خَتَمَ فِي لَيْلَةِ القَدْرِ، مَثَلًا خَتَمَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، أَوْ فِي لَيْلَتَيْنِ فَلَا مَحْظُورَ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَلَوْ أَنَّهُ اكْتَفَى بِخَتْمِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مَعَ التَّدَبُّرِ، كَانَ خَيْرًا عَظِيمًا بِإِذْنِ اللهِ . وَاللهُ أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: مَا حُكْمِ الصَّلَاةِ خَلْفَ الَّذِي يَلْحِنُ فِي القِرَاءَةِ؟

الجَوَابُ: ذَكَرْنَا سَابِقًا فِي أَوَّلِ الكَلَامِ أَنَّ الَّذِي يَلْحِنُ فِي الفَاتِحَةِ لَحْنًا مُخِلًّا بِالمَعْنَى- وَذَكَرَ العُلَمَاءُ مِثَالًَا عَلَى ذَلِكَ: مَنَ قَالَ: (أَنْعَمْتُ) فَقَدْ وَجَّهَ الكَلَامَ إِلَى نَفْسِهِ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَنْعَمَ، وَاللهُ هُوَ المُنْعِمُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى، فَهَذَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ وَلَا يُصَلَّى خَلْفَهُ، أَمَّا إِذَا لَحَنَ فِي الفَاتِحَةِ لَحْنًا لَا يُخِلُّ بِالمَعْنَى فَصَلَاتُهُ صَحِيحَةٌ، وَمَنْ صَحَّتْ صَلَاتُهُ لَهُ صَحَّتْ لِغَيْرِهِ، وَلَكِنِ الأَوْلَى بذَلِكَ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ»(122) فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ أَنْ يُقَدِّمُوا مَنْ هُوَ أَقْرَأُ، وَيَنْبَغِي لِهَذَا الَّذِي يَلْحِنُ بِالفَاتِحَةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا أَلَّا يَتَقَدَّمَ إِذَا كَانَ هُنَاكَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ، أَمَّا إِذَا كَانَ هُوَ أَفْضَلَ مِنْ كُلِّ الَّذِينَ مَعَهُ، فَهُوَ يُصَلِّي بِهِمْ، أَمَّا إِذَا كَانَ اللَّحْنُ فِي غَيْرِ الفَاتِحَةِ فَهَذَا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةِ، وَلَكِنْ أَيْضًا نَرْجِعُ إِلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «يَؤُمُّ القَوْمَ أَقْرَؤُهُمْ لِكِتَابِ اللهِ» وَاللهُ أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: أَنَا شَابٌّ عَزَمْتُ عَلَى حِفْظِ القُرْآنِ، وَوَضَعْتُ لِنَفْسِي طَرِيقَةً مُعَيَّنَةً، وَهِيَ أَنْ أَقْرَأَ تَفْسِيرَ وَجْهٍ وَاحِدٍ مِنَ القُرْآنِ، ثُمَّ أَحْفَظَ ذَلِكَ الوَجْهَ؛ حَتَّى يَرْسَخَ التَّفْسِيرُ مَعَ الحِفْظِ، فَمَا الرَّأْيُ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ؟ وَمَا هُوَ أَفْضَلُ تَفَاسِيرِ القُرْآنِ؟

الجَوَابُ: لَا شَكَّ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ عَظِيمَةٌ وَمُفِيدَةٌ، وَهِيَ طَرِيقَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُ- كَمَا ذَكَرَ ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ -: أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَتَجَاوَزُونَ عَشْرَ آيَاتٍ حَتَّى يَتَعَلَّمُوهَا وَيَعْمَلُوا بِمَا فِيهَا، يَقُولُ: فَتَعَلَّمْنَا العِلْمَ وَالعَمَلَ. هَذَا هُوَ الأَصْلُ، فَإِذَا جَعَلْتَ لِنَفْسِكَ وَجْهًا تَحْفَظُهُ وَتَقْرَأُهُ قِرَاءَةً سَلِيمَةً صَحِيحَةً وَتَعْرِضُهُ عَلَى شَيْخٍ مُتْقِنٍ، فَإِذَا أَتْقَنْتَ التِّلَاوَةَ السَّلِيمَةَ تَبْدَأُ فِي الحِفْظِ وَإِذَا حَفِظْتَ تَرْجِعُ إِلَى تَفْسِيرِهِ أَوْ يَكُونُ التَّفْسِيرُ قَبْلَ كُلِّ ذَلِكَ، أَوْ إِذَا حَفِظْتَ أَوْ أَتْقَنْتَ هَذَا الجُزْءَ أَوْ هَذَا الوَجْهَ نُطْقًا وَتِلَاوَةً، وَاطَّلَعْتَ عَلَى تَفْسِيرِهِ وَحَفِظْتَهُ، فَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ، فَإِذَا دَاوَمْتَ عَلَى هَذَا تَحْفَظُ القُرْآنَ بِإِذْنِ اللهِ تَعَالَى فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ مَعَ تَفْسِيرِهِ، فَيَكُونُ بِذَلِكَ الخَيْرُ العَظِيمُ: حِفْظُ المَعَانِي وَحِفْظُ الآيَاتِ، ثُمَّ المُهِمُّ فِي ذَلِكَ هُوَ حِفْظُ الحُدُودِ قَبْلَ حِفْظِ الحُرُوفِ، وَهُوَ العَمَلُ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، أَمَّا أَحْسَنُ التَّفَاسِيرِ فَقَدْ ذَكَرَ العُلَمَاءُ رَحِمَهُمُ اللهُ أَنَّ مِنْ أَفْضَلِ التَّفَاسِيرِ تَفْسِيرَ ابْنِ كَثِيرٍ، وَإِنْ كَانَ تَفْسِيرُ ابْنِ جَرِيرٍ أَفْضَلَ، لَكِنَّهُ طَوِيلٌ جِدًّا وَفِيهِ أَسَانِيدُ طَوِيلَةٌ، لَكِنْ تَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ كَأَنَّهُ اخْتِصَارٌ لِتَفْسِيرِ ابْنِ جَرِيرٍ، فَتَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ مِنْ أَفْضَلِ التَّفَاسِيرِ، وَإِذَا اطَّلَعْتَ أَيْضًا عَلَى مُخْتَصَرَاتِهِ، فَمِنْ أَحْسَنِ مَنِ اخْتَصَرَهُ وَهَذَّبَهُ نَسِيبٌ الرِّفَاعِيُّ، اخْتَصَرَهُ اخْتِصَارًا طَيِّبًا- إِذَا كَانَ الوَقْتُ لَا يُسْعِفُكَ أَنْ تَقْرَأَ- وَلَكِنْ لَوْ رَجَعْتَ إِلَى التَّفْسِيرِ الأَصْلِيِّ، فَهَذَا خَيْرٌ عَظِيمٌ، كَذَلِكَ تَفْسِيرُ السَّعْدِيِّ رَحِمَهُ اللهُ فَهُوَ تَفْسِيرٌ سَهْلٌ مُيَسَّرٌ يَسْتَطِيعُ العَامِيُّ وَغَيْرُهُ أَنْ يَفْهَمَهُ، فَإِذَا كُنْتَ مَثَلًا مِنَ العَوَامِّ فَاطَّلِعْ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ، وَإِذَا كُنْتَ مِنْ طَلَبَةِ العِلْمِ فَتَفْسِيرُ ابْنِ كَثِيرٍ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ العِلْمَ الَّذِي فِيهِ أَغْزَرُ. وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: مَا حُكْمُ صِيَامِ يَوْمَ الجُمْعَةِ؟

الجَوَابُ: صِيَامُ يَوْمِ الجُمُعَةِ نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، إِلَّا مَنْ صَامَ يَوْمًا قَبْلَهُ أَوْ يَوْمًا بَعْدَهُ، فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ عَلَى إِحْدَى زَوْجَاتِهِ وَكَانَتْ صَائِمَةً يَوْمَ الجُمُعَةِ، فَقَالَ: «صُمْتِ أَمْسِ؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «تَصُومِينَ غَدًا؟» قَالَتْ: لَا، قَالَ: «فَأَفْطِرِي»(123) أَمَرَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالفِطْرِ، فَمَنْ صَامَ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَكَانَ قَدْ صَامَ قَبْلَهُ الخَمِيسَ، أَوْ صَامَ الجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ، فَلَا مَحْظُورَ فِي ذَلِكَ، أَمَّا إِفْرَادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ فَإِنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْهُ. وَاللهُ أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: هَلْ أَهْلُ الجَنَّةِ يَنَامُونَ؟

الجَوَابُ: اللهُ أَعْلَمُ، لَكِنِ الظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ، وَقرَأْتُ فِي بَعْضِ الكُتُبِ أَنَّهُمْ لَا يَنَامُونَ، ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ(124) قِيلَ: شُغُلُهُمْ هُوَ النِّكَاحُ والأَكْلُ أَوِ الجِمَاعُ وَالأَكْلُ، فَهُمْ مَشْغُولُونَ بِهَذَا وَلَيْسُوا بِحَاجَةٍ إِلَى النَّوْمِ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَتْعَبُونَ فِي الجَنَّةِ، لَيْسَ فِيهَا تَعَبٌ، وَالنَّوْمُ إِنَّمَا يَكُونُ مِنَ التَّعَبِ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَشَّرَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا «بِقَصْرٍ فِي الجَنَّةِ لَا نَصَبَ فِيهِ وَلَا صَخَبَ»(125) لَا نَصَبَ يَعْنِي: لَا تَعَبَ، وَمَادَامَ لَيْسَ فِيهِ تَعَبٌ فَلِمَاذَا يَنَامُونَ وَيَنْشَغِلُونَ عَنْ زَوْجاَتِهِمْ وَعَنْ حُورِهِمْ وَعَمَّا أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ فِي الجَنَّةِ مِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ؟! وَاللهُ أَعْلَمُ.

السُّؤَالُ: أَرْجُو تَوْضِيحَ حُكْمِ الدِّشِّ؟

 الجَوَابُ: الدِّشُّ ابْتُلِيَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وهَذَا يَعْرِفُهُ الكَثِيرُ، لَكِنِ الشَّهَوَاتُ تُلْبِسُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ، وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ(126)، فَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ يَقُولُ: أَسْمُعُهُ مِنَ أَجْلِ أَنْ أَسْمَعَ الأَخْبَارَ، أَخْبَارَ العَالِمِ الإِسْلَامِيِّ، أَخْبَارَ الإِخْوَانِ المُسْلِمِينَ، وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الكَلَامِ الَّذِي لَا طَائِلَ مِنْهُ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى ذَلِكَ مِنَ الإِذَاعَةِ، يَأْتِي بِهَذِهِ الحُجَّةِ أَوْ بِغَيْرِهَا ثُمَّ يَتَأَثَّرُ بِهِ أَبْنَاؤُهُ وَتَتَأَثَّرُ بِهِ ابْنَتُهُ وَتَتَأَثَّرُ بِهِ زَوْجَتُهُ، وَيَتَأَثَّرُونَ بِمَا يُعْرَضُ فِي هَذِهِ الأَفْلَامِ مِنَ الخِزْيِ وَالعَارِ وَالخَلَاعَةِ وَالنِّسَاءِ المُتَبَرِّجَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا شَكَّ أَنَّهُ أَثَّرَ عَلَى المُسْلِمِينَ تَأْثِيرًا عَظِيمًا بَلِيغًا فِي أَخْلَاقِهِمْ، وَاسْأَلِ الهَيْئَاتِ فَعِنْدَ جُهَيْنَةَ الخَبَرُ اليَقِينُ، يَشْكُونَ الآنَ كَثِيرًا مِنْ بَنَاتِ المُسْلِمِينَ اللّاتِي كُنَّ قَبْلَ ذَلِكَ مُحَافِظَاتٍ، وَكَانَتِ المَرْأَةُ لَا تَخْرُجُ إِلَّا بِمَحْرَمٍ، وَقَدْ وَجَدُوا بَعْضَ بَنَاتِهِمْ مَعَ السَّائِقِ أَوْ مَعَ فُلَانٍ وَقَدِ اخْتَلَى بِهَا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، وَإِذَا سُئِلَتْ هَذِهِ البِنْتُ فَإِذَا بِهَا تَلُومُ وَالِدَهَا الَّذِي أَدْخَلَ الدِّشَّ، أَوْ أَخَاهَا الَّذِي جَاءَ بِالدِّشِّ وَسَمَحَ لَهَا بِمُشَاهَدَتِهِ، وَأَنَّهَا رَأَتْ فِي ذَلِكَ الدِّشِّ تِلْكَ المَنَاظِرَ، وَهِيَ امْرَأَةٌ وَعِنْدَها غَرِيزَةٌ، فَلذَلِكَ حَصَلَ لَهَا مَا حَصَلَ مِنْ هَذَا الخِزْيِ- وَالعِيَاذُ بِاللهِ- فَلِذَلِكَ وَصِيَّتِي لِنَفْسِي وَإِخْوَتِي فِي اللهِ أَنْ نَتَعَاوَنَ جَمِيعًا عَلَى إِنْكَارِ هَذَا المُنْكَرِ، وَنَزُورَ جِيرَانَنَا الَّذِينَ عِنْدَهُمْ هَذِهِ المُنْكَرَاتِ وَنُبَيِّنَ لَهُمْ مَا فِيهَا مِنْ أَضْرَارٍ، وَأَيْضًا مَنْ كَانَ عِنْدَهُ دِشٌّ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْتَهِزَ فُرْصَةَ رَمَضَانَ وَيَجْتَمِعَ هُوَ وَأَوْلَادُهُ وَيَقُولَ: رَمَضَانُ قَدْ أَقْبَلَ وَفِيهِ الخَيْرُ العَظِيمُ، فَلَا يُمْكِنُ وَلَا يَستَقِيمُ أَنْ نَقْضِيَ هَذَا الشَّهْرَ العَظِيمَ وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَى هَذِهِ المُلْهِيَاتِ. وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ يَتْرُكُونَ تَدْرِيسَ الحَدِيثِ مِنْ أَجْلِ الإِقْبَالِ عَلَى القُرْآنِ، أَفَلَا يَتْرُكُونَ الأَفْلَامَ وَالتَّمْثِيلِيَّاتِ وَالمَسْرَحِيَّاتِ الَّتِي فِيهَا السُّمُّ الزُّعَافُ وَفِيهَا الضَّرَرُ بِالمُسْلِمِينَ وَبِعُلَمَاءِ المُسْلِمِينَ وَعَقِيدَة ِالمُسْلِمِينَ وَشَرِيعَتِهِمْ؟! فَيَنْبَغِي أَنْ نُصْلِحَ الأَهْلَ وَالزَّوْجَةَ وَالأَبْنَاءَ؛ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ فُرْصَةً لِلتَّوْبَةِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَنَا الأَجَلُ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ»(127) وَلَوْ قُلْتَ: إِنَّ الأَبْنَاءَ هُمُ الَّذِينَ أَحْضَرُوا هَذَا الشَّيْءَ، فَأَنْتَ مَسْئُولٌ؛ لِأَنَّكَ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِكَ، لِمَاذَا يُوجَدُ فِي بَيْتِكَ وَمَمْلِكَتِكَ الَّتِي تَحْكُمُهَا وَالَّتِي تَمْلِكُهَا شَيْءٌ لَا تُرِيدُهُ، وَلَا يُرِيدُهُ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ؟! فَيَنْبَغِي عَلَيْكَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَكَ مِنَ القُوَّةِ وَالصَّرَامَةِ فِي الحَقِّ بِأَنْ تُبْعِدَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ عَنْ بَيْتِكَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ هَادِمُ اللَّذَّاتِ وَمُفَرِّقُ الجَمَاعَاتِ- نَسْأَلُ اللهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يَحْمِيَ أَبْنَاءَ المُسْلِمِينَ- وَاللهُ أَعْلَمُ، وَصَلِّ اللهُمَّ وَسَلِّمْ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

السُّؤَالُ: أَنَا شَابٌّ مُلْتَزِمٌ وَالحَمْدُ لِلَّهِ، وَقَدِ انْتَقَلْتُ إِلَى مَدِينَةِ الرِّيَاضِ لِإِكْمَالِ دِرَاسَتِي بِالجَامِعَةِ، وَلَا أَعْرِفُ أَحَدًا مِنَ المُلْتَزِمِينَ هُنَا، وَقَدْ ضَعُفَ إِيْمَانِي وَقَسَا قَلبِْي، وَلَا أَجِدُ مَنْ أقْرَأُ عَلَيْهِ، وَالجَامِعَةُ تَأْخُذُ أَكْثَرَ وَقْتِي، فَبِمَاذَا تَنْصَحُونَنِي؟ َ

الجَوَابُ: نَنْصَحُكَ بِأَنْ تُحَاوِلَ أَنْ تَبْحَثَ عَنْ أَهْلِ الخَيْرِ وَالصَّلَاحِ، وَهُمْ وَالحَمْدَ لِلهِ كُثْرٌ، وَهُمْ مَوْجُودُونَ فِي كَثِيرٍ مِنَ المَسَاجِدِ وَكَثِيرٍ مِنَ المَكْتَبَاتِ، بَلْ فِي الجَامِعَةِ الَّتِي تَدْرُسُ فِيهَا- أَيًّا كَانَتْ هَذِهِ الجَامِعَةُ- فكُلُّ الجَامِعَاتِ وَكُلُّ الكُلِّيَاتِ- وَلِلَّهِ الحمدُ- لَا تَخْلُو مِنْ خَيْرٍ وَلَا تَخْلُو مِنْ شَبَابٍ صَالِحِينَ تَرَى آثَارَهُمْ، وَتَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ كَلَامِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَعَلَيْكَ أَنْ تَكُونَ مَعَهُمْ؛ لِأَنَّ الإِنْسَانَ قَلِيلٌ بِنَفْسِهِ كَثِيرٌ بِإِخْوَانِهِ، ثُمَّ إِنْ لَمْ يَحْصُلْ- وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ- فَعَلَيْكَ أَنْ تَلْتَزِمَ بِكِتَابِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَشْغَلَ نَفْسَكَ بِحِفْظِ كِتَابِ اللهِ ، وَتَشْغَلَ نَفْسَكَ ِبالعِلْمِ النَّافِعِ وَالحَلَقَاتِ المَوْجُودَةِ فِي الكُلِّيَاتِ الخَاصَّةِ، سَواءً كَانَتْ كُلِّيَةَ الشَّرِيعَةِ أَوْ أُصُولِ الدِّينِ أَوِ الكُلِّيَاتِ الشَّرْعِيَّةِ، فِيهَا خَيْرٌ عَظِيمٌ وَفِيهَا عِلْمٌ غَزِيرٌ، عَلَيْكَ أَنْ تَتَعَلَّمَ وَعَلَيْكَ أَنْ تَحْرِصَ عَلَى حِفْظِ هَذِهِ المُتُونِ وَفَهْمِ هَذِهِ العُلُومِ الَّتِي تُسْدَى إِلَيْكَ، كَذَلِكَ حَاوِلْ أَنْ تُنَمِّيَ ذَلِكَ، أَيْضًا عَنْ طَرِيقِ حِلَقِ العِلْمِ، فَهُنَاكَ حِلَقُ الشَّيْخِ عَبْدِ اللهِ بْنِ جِبْرِينِ- حَفِظَهُ اللهُ- وَهُنَاكَ حِلَقُ الشَّيْخِ عَبْدِ العَزِيزِ السَّرْحَانِ، وَهُنَاكَ حِلَقُ الشَّيْخِ عَبْدِ المُحْسِنِ الزَّامِلِ وَغَيْرُهَا، لَعَلَّكَ تَسْأَلُ. وَاللهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَعْلَمُ.


(1) أخرجه مسلم في كتاب الجمعة- باب تخفيف الصلاة والخطبة (867)، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.

(2) أخرجه الحاكم في «المستدرك على الصحيحين» (1/172/319)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (2937).

(3) سورة الحجر: 9.

(4) سورة البروج: 21، 22.

(5) سورة الفرقان: 1.

(6) سورة البقرة: 1، 2.

(7) سورة البقرة: 163.

(8) سورة الإخلاص: 1- 4.

(9) سورة الكافرون: 1-6.

(10) سورة الأنعام: 38.

(11) سورة الشورى: 52.

(12) سورة الحديد: 16.

(13) سورة الحديد: 16.

(14) سورة الحديد: 17.

(15) سورة النساء: 174.

(16) سورة الفرقان: 1.

(17) سورة يونس: 57.

(18) سورة ق: 45.

(19) سورة يونس: 57، 58.

(20) سورة الإسراء: 82.

(21) أخرجه البخاري في كتاب الطب- باب الرقى بفاتحة الكتاب (5736)، ومسلم في كتاب السلام- باب جواز أخذ الأجرة على الرقية بالقرآن والأذكار (2201).

(22) سورة ص: 29.

(23) سورة الزخرف: 44.

(24) سورة هود: 1.

(25) سورة النساء: 82.

(26) سورة الأنبياء: 50.

(27) سورة الأنعام: 153.

(28) سورة آل عمران: 103.

(29) تقدم تخريجه.

(30) سورة الزمر: 23.

(31) سورة يوسف: 3.

(32) سورة المائدة: 48.

(33) سورة فاطر: 29.

(34) سورة آل عمران: 195.

(35) هو: الصحابي أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب، الأنصاري، أبو أمامة، مشهور بكنيته، ولد قبل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم بعامين، وأتي به النبي صلى الله عليه وسلم فحنكه وسماه باسم جده لأمه أبي أمامة أسعد بن زرارة، وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أحاديث أرسلها، وروى عن جماعة من الصحابة كعمر، وعثمان، وزيد بن ثابت، وأبيه، وعمه عثمان، وغيرهم. مات سنة مئة. انظر: أسد الغابة (1/ 87 ترجمة 100)، والإصابة (1/ 181 ترجمة 414).

(36) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة (804).

(37) عبد الله بن مسعود بن غافل، أبو عبد الرحمن، الهذلي، حليف بني زهرة. كان إسلامه قديمًا في أول الإسلام، وضمه إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان يلج عليه، ويلبسه نعليه، ويمشي أمامه، ويستره إذا اغتسل، ويوقظه إذا نام، وكان يعرف في الصحابة بـ«صاحب السواد والسواك» شهد بدرًا والحديبية وهاجر الهجرتين جميعًا؛ الأولى إلى أرض الحبشة، والهجرة الثانية من مكة إلى المدينة، فصلى القبلتين، وشهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجنة. انظر الاستيعاب (1/302-304) أسد الغابة (2/171-174) الإصابة (4/233).

(38) أخرجه الترمذي في كتاب فضائل القرآن- باب ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر (2910)، وقال : «حديث حسن صحيح»، وصححه الألباني في «صحيح الترغيب والترهيب» (1416).

(39) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب خيركم من تعلم القرآن وعلمه (5027).

(40) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (817).

(41) أنس بن مالك بن النضر بن ضمضم بن زيد بن حرام بن جندب بن عامر بن غنم بن عدي بن النجار. الإمام، المفتي، المقرئ، المحدث، راوية الإسلام، أبو حمزة الأنصاري الخزرجي النجاري المدني، خادم رسول الله صلى الله عليه وسلم وآخر أصحابه موتًا، روى عنه علمًا جما، وغزا معه غير مرة، وبايع تحت الشجرة. دعا له النبي بالبركة، فرأى من ولده وولد ولده نحوًا من مائة نفس. مات سنة إحدى وتسعين. انظر: الاستيعاب (1/53) الإصابة (1/126).

(42) هو: الصحابي عويمر بن عامر، ويقال: عويمر بن قيس بن زيد. وقيل: عويمر بن ثعلبة بن عامر بن زيد بن قيس بن أمية بن مالك بن عامر بن عدي بن كعب بن الخزرج بن الحارث بن الخزرج، أبو الدرداء، الأنصاري، مشهور بكنيته. تأخر إسلامه قليلاً، وكان آخر أهل داره إسلامًا. حسن إسلامه، وكان فقيهاً عاقلاً حكيمًا، وآخى رسول الله صلى الله عليه وسلم بينه وبين سلمان الفارسي. توفي سنة اثنتين وثلاثين بدمشق في خلافة عثمان. انظر: الاستيعاب (ص: 798 ترجمة 2916)، والإصابة (4/ 747 ترجمة 6121).

(43) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه (803)، من حديث عقبة بن عامر رضي الله عنه.

(44) تقدم تخريجه.

(45) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن- باب عبس وتولى كلح وأعرض (4937)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل الماهر بالقرآن والذي يتتعتع فيه (798).

(46) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/192)، وأبو داود في كتاب الصلاة- باب استحباب الترتيل في القراءة (1464)، والترمذي في كتاب فضائل القرآن- باب ما جاء فيمن قرأ حرفا من القرآن ما له من الأجر (2914)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ».

(47) أخرجه البخاري في كتاب الرقاق- باب صفة الجنة والنار (6556) ، ومسلم في كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها- باب ترائي أهل الجنة أهل الغرف كما يرى الكوكب (2830).

(48) أخرجه أحمد في «مسنده» (3/127)، والنسائي في «سننه الكبرى» (8031)، وابن ماجة في كتاب المقدمة- باب فضل من تعلم القرآن وعلمه (215)، والدارمي في كتاب فضائل القرآن- باب فضل من قرأ القرآن (3326).

(49) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب في ثواب قراءة القرآن (1453)، وضعفه الألباني في «صحيح الجامع» (5762)، وقال: «ضعيف».

(50) أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر (2699).

(51) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب فضل صلاة الجماعة (647)، ومسلم في كتاب المساجد- باب فضل صلاة الجماعة وانتظار الصلاة (649).

(52) سورة البقرة: 253.

(53) سورة الفاتحة: 7.

(54) سورة الفاتحة: 1.

(55) أخرجه البخاري في كتاب تفسير القرآن- باب وسميت أم الكتاب (4474).

(56) عبد الرحمن بن صخر الدوسي، أبو هريرة. مشهور بكنيته، وهذا أشهر ما قيل في اسمه واسم أبيه. قال أبو عمر بن عبد البر: اختلفوا في اسم أبي هريرة واسم أبيه اختلافًا كثيرًا لا يحاط به ولا يضبط في الجاهلية والإسلام. وقال النووي: اسم أبي هريرة عبد الرحمن بن صخر على الأصح من ثلاثين قولًا. وسمي بأبي هريرة لما روى الترمذي من حديث عبد الله بن رافع أنه قال له: لم سميت بأبي هريرة؟ قال: ألا تهابني! قال: والله إني لأهابك، قال: كنت أرعى غنمًا لأهلي، ومعي هرة، فكنت إذا جئت إليهم عشاءً وضعتها في شجرة، فإذا أصبحت أخذتها. فسميت بأبي هريرة. وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا أبا هر» وقد أجمع أهل الحديث على أنه أكثر الصحابة حديثًا، وقال البخاري: روى عنه نحو ثمانمائة من أهل العلم، وكان أحفظ من روى الحديث في عصره. أخرج البخاري من طريق سعيد المقبري عنه قلت: يا رسول الله، إني لأسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه! فقال: «ابسط رداءك» فبسطته، فغرف بيده ثم قال: «ضمه إلى صدرك» فضممته، فما أنسيت حديثًا بعد. كان مقدمه عام خيبر سنة سبع. ومات سنة تسع وخمسين. انظر: الاستيعاب (2/69-71) أسد الغابة (3/257-259) الإصابة (7/425-444).

(57) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب استحباب صلاة النافلة في بيته (780).

(58) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب فضل قل هو الله أحد (5014).

(59) سورة الإخلاص: 1.

(60)أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب فضل قل هو الله أحد (5015).

(61) تقدم تخريجه.

(62) سورة الفلق: 1.

(63) سورة الناس: 1.

(64) هو: الصحابي الجليل أبي بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، سيد القراء، أبو منذر، الأنصاري، النجاري، المدني، المقرئ، البدري، ويكنى أيضًا: أبا الطفيل. شهد العقبة وبدرًا، وجمع القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وعُرض على النبي -عليه السلام- وحفظ عنه علمًا مباركًا، وكان رأسًا في العلم والعمل -رضي الله عنه. قال له النبي -صلى الله عليه وسلم: «ليهنك العلم أبا المنذر». مات سنة اثنتين وثلاثين. انظر: الاستيعاب (ص: 42 ترجمة 2)، وأسد الغابة (1/ 168 ترجمة 34).

(65) أخرجه مسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل سورة الكهف وآية الكرسي (810).

(66) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب فضل سورة البقرة (5010)، ومسلم كتاب صلاة المسافرين- باب فضل الفاتحة وخواتيم سورة البقرة (807).

(67) سورة البقرة: 285.

(68) سورة الإسراء: 9.

(69) سورة البينة: 5.

(70) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق- باب من أشرك في عمله غير الله (2985).

(71) أخرجه مسلم في كتاب الإمارة- باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار (1905)، من حديث أبي هريرة.

(72) سورة الوقعة: 79.

(73) أخرجه مالك في «موطئه» في كتاب النداء للصلاة- باب الأمر بالوضوء لمن مس المصحف (468).

(74)عائشة بنت أبي بكر الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر نسائه، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين، وهي بنت سبع، وابتني بها بالمدينة وهي ابنة تسع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أري عائشة في المنام في سرقة من حرير فقال: «إن يكن هذا من عند الله يمضه» فتزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين، ولم ينكح صلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، وتوفي عنها صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة سنة وكان مكثها معه صلى الله عليه وسلم تسع سنين. قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. توفيت سنة ثمان وخمسين، ودفنت بالبقيع. انظر: الاستيعاب (2/108-110) أسد الغابة (3/383-385) الإصابة (8/16-20).

(75) سورة آل عمران: 191.

(76) أخرجه البخاري في كتاب التوحيد- باب قوله تعالى: ﴿وأسروا قولكم أو اجهروا به﴾ (7527).

(77) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب استحباب الترتيل في القراءة (1468)، والنسائي في كتاب الافتتاح- باب تزيين القرآن بالصوت (1015)، (1016)، وابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها- باب في حسن الصوت بالقرآن (1342)، من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه، وصححه الألباني في «السلسلة الصحيحة» (771).

(78) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب من لم يتغن بالقرآن (5024)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن (792).

(79) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن - باب حسن الصوت بالقراءة للقرآن (5048)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها - باب استحباب تحسين الصوت بالقرآن (793).

(80) سورة ص: 29.

(81) سورة ص: 29.

(82) أخرجه الترمذي في «جامعه»: كتاب فضائل الجهاد- باب ما جاء في فضل الحرس في سبيل الله (1639)، وقال: «حديثٌ حسنٌ»، والقضاعي في «مسند الشهاب» (320).

(83) سورة الإسراء: 107- 109.

(84) سورة الزمر: 23.

(85) سورة النساء: 41.

(86) أخرجه البخاري في كتاب فضائل القرآن- باب البكاء عند قراءة القرآن (5055)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل استماع القرآن وطلب القراءة من حافظه (800).

(87) سورة الزمر: 23.

(88) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (687)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر (418)، من حديث عائشة رضي الله عنها.

(89) عبد الله بن عباس البحر أبو العباس الهاشمي حبر الأمة، وفقيه العصر، وإمام التفسير، أبو العباس عبد الله، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم العباس بن عبد المطلب شيبة بن هاشم، واسمه عمرو بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر القرشي، الهاشمي، المكي، الأمير رضي الله عنه. مولده: بشعب بني هاشم، قبل عام الهجرة بثلاث سنين. صحب النبي صلى الله عليه وسلم نحوًا من ثلاثين شهرًا، وحدث عنه بجملة صالحة. توفي سنة ثمان وستين، وله إحدى وسبعين سنة. انظر: سير أعلام النبلاء (5/330-353).

(90) سورة ق: 19.

(91) سورة البقرة: 284.

(92) سورة الحديد: 16.

(93) سورة المطففين: 6.

(94) سورة الشورى: 7.

(95) سورة هود: 107.

(96) سورة النساء: 56.

(97) سورة السجدة: 17.

(98) أخرجه البخاري في كتاب الحدود- باب فضل من ترك الفواحش (6806)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب فضل إخفاء الصدقة (1031).

(99) سورة المائدة: 118.

(100) سورة طه: 101.

(101) سورة المؤمنون: 104.

(102) سورة الليل: 14.

(103) سورة الحاقة: 30.

(104) سورة الكهف: 37.

(105) سورة الجمعة: 5.

(106) سورة الأعراف: 175، 176.

(107) أخرجه البخاري في كتاب المغازي- باب بعث علي بن أبي طالب عليه السلام، وخالد بن الوليد رضي الله عنه إلى اليمن قبل حجة الوداع (4351)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب ذكر الخوارج وصفاتهم (1064).

(108) سورة النور: 35.

(109) عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل، أبو عبد الرحمن، القرشي العدوي. أسلم مع أبيه وهو صغير لم يبلغ الحلم، لم يشهد بدرًا، واختلف في شهوده أحدًا، والصحيح أن أول مشاهده الخندق، وشهد غزوة مؤتة مع جعفر بن أبي طالب، وشهد اليرموك وفتح مصر وإفريقية. كان رضي الله عنه من أهل الورع والعلم، وكان كثير الاتباع لآثار رسول الله صلى الله عليه وسلم شديد التحري والاحتياط والتوقي في فتواه وكل ما يأخذ به نفسه، وكان لورعه قد أشكلت عليه حروب علي وقعد عنه، وندم على ذلك حين حضرته الوفاة، وكان لا يتخلف عن السرايا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم كان بعد موته مولعًا بالحج إلى أن مات سنة ثلاث وسبعين، بعد قتل ابن الزبير بثلاثة أشهر. انظر: الاستيعاب (1/289-291) أسد الغابة (2/153-155) الإصابة (4/181-187).

(110) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب الاغتباط في العلم والحكمة (73)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (816).

(111) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب الاغتباط في العلم والحكمة (73)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب فضل من يقوم بالقرآن ويعلمه (816).

(112) تقدم تخريجه.

(113) سورة النساء: 59.

(114) سورة طه: 123.

(115) سورة الزمر: 9.

(116) سورة ق: 45.

(117) سورة البقرة: 185.

(118) أخرجه البخاري في كتاب المناقب- باب في صفة النبي صلى الله عليه وسلم (3554)، ومسلم في كتاب فضائل- باب كان النبي | أجود الناس (2308).

(119) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب في كم يقرأ القرآن (1390)، وصححه الألباني في «صحيح أبي داود».

(120) تقدم تخريجه.

(121) تقدم تخريجه.

(122) أخرجه مسلم في كتاب المساجد- باب من أحق بالإمامة (673).

(123) أخرجه أحمد في «مسنده» (6/368)، وقال شعيب الأرنؤوط: «إسناده ضعيف».

(124) سورة يس: 55.

(125) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب متى يحل المعتمر (1792)، ومسلم في كتاب فضائل الصحابة- باب فضائل خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها (2433).

(126) سورة البقرة: 42.

(127) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب ما يقتل المحرم من الدواب (1829)، ومسلم في كتاب الحج- باب ما يندب للمحرم وغيره قتله من الدواب (1198).