موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الحج
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 

الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الكلمات والمحاضرات / الحج
الحج لـ الشيخ أبو بكر الجزائري
 
  
 

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ تَعَالَى وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ، مَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ، وَمَنْ يَعْصِي اللهَ وَرَسُولَهُ فَلا يَضُرُّ إِلَّا نَفْسَهُ وَلا يَضُرُّ اللهَ شَيْئًا، أَمَّا بَعْدُ:

فَمِنَ المَعْلُومِ أَنَّ الدِّينَ الإِسْلامِيَّ لَهُ أَرْكَانٌ وَلَهُ قَوَاعِدٌ، فَأَرْكَانُ الدِّينِ الإِسْلامِيِّ هِيَ السِّتَّةُ الَّتِي تُعْرَفُ بِأَرْكَانِ الإِيمَانِ، وَهِيَ الإِيمَانُ بِاللهِ، وَمَلائِكَتِهِ، وَكُتُبِهِ، وَرُسُلِهِ، وَاليَوْمِ الآخِرِ، وَالقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ.

وَأَمَّا الإِسْلامُ فَقَوَاعِدُهُ خَمْسٌ، جَاءَ ذَلِكَ فِي كِتَابِ اللهِ وَفِي سُنَّةِ رَسُول اللهِ وَأَجْمَعَ المُسْلِمُونَ أَهْلُ السُّنَّةِ وَالجَمَاعَةِ عَلَى هَذِهِ القَوَاعِدِ الخَمْسِ وَهِيَ: شِهَادَةِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصَوْمِ رَمَضَانَ، وَحَجِّ بَيْتِ اللهِ الحَرَامِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً.

وَاللهُ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ فِي الكِتَابِ العَزِيزِ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(1)، وَهَذِهِ الآيَةُ نَزَلَتْ فِي السَّنَةِ الثَّامِنَةِ مِنْ هِجْرَةِ الحَبِيبِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَلَمَّا كَانَ البَلَدُ الحَرَامُ يَحْكُمَهُ الظَّلَمَةُ وَالمُشْرِكُونَ، لَمْ يَحُجَّ رَسُول اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلا أَصْحَابُهُ، وَفِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ بَعْدَ أَنْ فَتَحَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ وَالمُؤْمِنِينَ مَكَّةَ وَأَصْبَحَتْ دَارَ إِسْلامٍ، حَجَّ أَبُو بَكْرٍ بِالمُسْلِمِينَ نِيَابَةً عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ فِي السَّنَةِ العَاشِرَةِ حَجَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالمُسْلِمِينَ حَجَّةَ الوَدَاعِ، وَلَمَّا حَجَّ قَالَ لِأُمَّتِهِ، لِمَنْ كَانُوا مَعَهُ وَمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ: «خُذُوا عَني مَناسِكَكُمْ»(2).

وَالحَجُّ لُغَةً: هُوَ المَشْيُ إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ وَتَرَدُّدُ ذَلِكَ المَشْيِ عَلَيْهِ، أَيِ القَصْدُ إِلَى مَكَانٍ مُعَيَّنٍ وَتَرَدُّدُ ذَلِكَ المَشْيِ إِلَيْهِ.

وَالحَجُّ لِبَيْتِ اللهِ الحَرَامِ، وَهَذَا البَيْتُ تَارِيخُهُ عَجِيبٌ عَظِيمٌ، فَيُرْوَى أَنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وَحَوَّاءُ عَلَيْهَا السَّلامُ لَمَّا نَزَلا مِنَ المَلَكُوتِ الأَعْلَى مِنَ الجَنَّةِ دَارِ السَّلامِ إِلَى هَذِهِ الأَرْضِ اسْتَوْحَشَا إِذْ لا أَنِيسَ لَهُمَا، وَمِنْ رَحْمَةِ اللهِ بِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَإِحْسَانِهِ إِلَيْهِمْ أَمَرَ المَلائِكَةَ أَنْ تَبْنِي لَهُ بَيْتًا يَأْتِيانِهِ يَسْأَلانِ حَاجَتَهُمَا عَنْدَ هَذَا البَيْتِ، وَهَذَا القَوْلُ مِنْ أَصَحِّ الأَقْوَالِ.

وَمِنْ ثَمَّ حَجَّ الأَنْبِيَاءُ وَالمُرْسَلُونَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ أَجْمَعُونَ هَذَا البَيْتَ، حَجَّ هُودٌ وَصَالِحٌ، وَحَجَّ مُوسَى وَعِيسَى، كَمَا أَخْبَرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ قَالَ: «وَأَمَّا مُوسَى فَرَجُلٌ آدَمُ جَعْدٌ عَلَى جَمَلٍ أَحْمَرَ مَخْطُومٍ بِخُلْبَةٍ، كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ إِذَا انْحَدَرَ فِى الْوَادِى يُلَبِّى»(3).

إذًا هَذَا الحَجُّ فَرِيضَةُ اللهِ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ عِنْدَمَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ، عِنْدَمَا يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ.

شُرُوطُ اسْتِطَاعَةِ الحَجِّ:

أَوَّلًا: أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى المَشْيِ أَوِ الرُّكُوبِ، فَإِنْ كَانَ مُلازِمًا لِلْفِرَاشِ كَالْمَشْلُولِ وَمَقْطُوعِ الرِّجْلِ مَثَلاً فَهُوَ غَيْرُ مُسْتَطِيعٍ.

ثَانِيًا: أَنْ يَكُونَ لَهُ قُدْرَةٌ مَالِيَّةٌ عَلَى أَنْ يَحُجَّ، أَيْ أَنْ تَكُونَ لَهُ نَفَقَةً يَسُوقُهَا لِأَهْلِهِ إِنْ كَانَ لَهُ أَهْلٌ مِنْ زَوْجَةٍ وَوَلَدٍ أَوْ أُمٍّ وَأَبٍ، لَهُ نَفَقَةً يُخَلِّفُهَا بَعْدَهُ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ. وَأَنْ يَكُونَ مَعَهُ قَدْرٌ مِنَ المَالِ يُنْفِقُهُ عَلَى نَفْسِهِ فِي سَفَرِهِ إِلَى بَيْتِ اللهِ ذَهابًا وَإِيَابًا، لا أَنْ يَشْحَذَ مِنَ النَّاسِ وَيَمُدَّ يَدَهُ.

ثَالِثًا: أَنْ لا يَكُونَ فِي الطَّرِيقِ مَانِعٌ مِنْ عَدُوٍّ قَاهِرٍ، أَوْ حَالَتْ حَائِلَةٌ مِنَ الحَوَائِلِ وَمَا أَكْثَرَهَا تَمْنَعُ النَّاسَ مِنَ الحَجِّ.

فَمَنْ كَانَ مُسْتَطِيعًا بِهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ، وَحَجُّهُ قَاعِدَةُ إِسْلامِهِ، وَمَنْ تَرَكَهُ مُتَهَاوِنًا هَلَكَ.

فَلِهَذَا قَوْلُهُمْ: الحَجُّ عَلَى التَّرَاخِي أَوْ عَلَى الفَوْرِ، فَالقَوْلُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى الفَوْرِ لِمَنِ اسِتَطَاعَ؛ لِأَنَّهُ لا يَدْرِي هَلْ يَعِيشُ إِلَى سَنَةٍ آتِيَةٍ أَوْ لا، هَلْ يَقْدِرُ أَوْ لا يَقْدِرُ، فَمَتَى حَصَلَتِ القُدْرَةُ البَدَنِيَّةُ وَالمَالِيَّةُ وَالأَمْنِيَّةُ وَجَبَ أَنْ يَحُجَّ عَبْدَ اللهِ وَأَمَةَ اللهِ.

اللَّهُمَّ إِلَّا المَرْأَةُ المُسْلِمَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مَحْرَمٌ تَحُجَّ مَعَهُ فَهِيَ مَعْذُورَةٌ سَاقِطٌ عَنْهَا الوَاجِبُ، حَتَّى تَسْتَطِيعَ بِوُجُودِ مَحْرَمٍ مِنْ أَقَارِبِهَا أَوْ مِنْ زَوْجٍ أَوْ وَلَدٍ، وَمَعَ هَذَا أَفْتَى مَالِكٌ(4) رَحِمَهُ اللهُ وَوَافَقَهُ كَثِيرُونَ كَالشَّافِعِيِّ(5) مِنْ أَهْلِ العِلْمِ وَغَيْرِهِمْ، إِذَا كَانَتْ الفَرِيضَةُ وَمَا اسْتَطَاعَتِ الحُصُولَ عَلَى مَحْرَمٍ لِعَدَمِ وُجُودِهِ، أَفْتَوْا أَنَّهَا تَحُجُّ فِي رُفْقَةٍ مُؤْمِنَةٍ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ بِحَيْثُ تَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهَا وَمَالِهَا وَعِرْضِهَا، وَمَا عَدَا الفَرِيضَةَ فَلا تَحُجُّ أَبَدًا بِدُونِ مَحْرَمٍ، سَوَاءً كَانَ جَمَاعَةً مِنَ النِّسَاءِ أَوِ الرِّجَالِ أَوْ مُخْتَلِطَةً بَيْنَهُمْ، وَمَعَ هَذَا إِذَا لَمْ تَحُجَّ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِدْ مَحْرَمًا فَهِيَ مَعْذُورَةٌ وَلا تُطَالَبُ بِهِ إِنْ شَاءَ اللهُ.

فَإِنْ تَوَفَّرَتِ الشُّرُوطُ وَانْتَفَتِ المَوَانِعُ يَجِبُ أَنْ يَحُجَّ المَرْءُ وَلا يَتَرَاخَى أَبَدًا وَلا يُؤَخِّرُ إِلَى عَامِ كَذَا أَوْ عَامِ كَذَا، التَّأْخِيرُ فَقَطْ لِلْعَاجِزِ، لِمَنْ لَمْ يَسْتَوْفِ الشُّرُوطَ الَّتِي ذَكَرْتُ، أَمَّا القَادِرُ فَمَا يُدْرِيهِ أَنَّهُ سَيَحْيَى لِلْعَامِ المُقْبِلِ، نَحْنُ لا نَمْلِكُ أَنْ نُصْبِحَ غَدًا أَحْيَاءً، فَكَيْفَ بِالسَّنَةِ كَامِلَةً، فَلِهَذَا عَلَى أَبْنَائِنَا القَادِرِينَ عَلَى الحَجِّ أَنْ يَحُجُّوا، وَليْسَ مِنْ مَعْنًى أَبَدًا لِتَرَاخِيهِمْ، وَذَلِكَ اسْتِجَابَةً لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ﴾، صيغة الإلزام والوجوب ﴿حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا(6)، وَالسَّبِيلُ القُدْرَةُ عَلَى النَّفَقَةِ وَأَمْنِ الطَّرِيقِ.

فَوَائِدُ الحَجِّ:

هَذَا الحَجُّ قَاعِدَةُ الإِسْلامِ الخَامِسَةِ، لَهُ فَوَائِدٌ عِظَامٌ:

مِنْهَا قَوْلُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَمَا وَلَدَتْهُ أمُّهُ»(7)، عَمَلِيَّةُ تَطْهِيرٍ، لَمَّا تَتَّسِخُ ثِيَابُ الإِنْسَانِ وَجِسْمُهُ، يَرْغَبُ فِي أَنْ يَغْتَسِلَ وَيَتَطَيَّبَ وَيَطْهُرَ، هَذَا فِي بَدَنِهِ، وَالنَّفْسُ بِمَا يَغْسِلُهَا؟ لا المَاءُ وَلا الصَّابُونُ يَنْفَعُ فِي ذَلِكَ، وَإِنَّمَا تُغْسَلُ فَتَنْظُفُ وَتَطِيبُ وَتَطْهُرُ بِمَا شَرَعَ اللهُ تَعَالَى مِنْ أَنْوَاعِ العِبَادَاتَ.

قَوْلُكَ: سُبْحَانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ، سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ، مَرَّةً أَوْ مَرَّاتٍ، عَلَى الفَوْرِ يَنْعَكِسُ نُورُ ذَلِكَ اللَّفْظِ عَلَى القَلْبِ وعَلَى الرُّوحِ فَتَسْكُنُ، صَلاةُ رْكْعَتَيْنِ تُؤَدِّيهِمَا بِشُرُوطِهِمَا وَأَنْتَ عَلَى طَهَارَةٍ فِي مَكَانٍ طَاهِرٍ مَسْتُورِ العَوْرَةِ خَاشِعًا فَتُصَلِّيهِمَا، تَفْعَلانِ فِي نَفْسِكَ العَجَبُ مِنْ الزَّكَاةِ وَالطُّهْرِ، صِيَامُ يَوْمٍ فَقَطْ يَفْعَلُ العَجَبَ فِي تَزْكِيَةِ الرُّوحِ وَتَطْهِيرِهَا، صَدَقَةُ رِيَالٍ أَوْ نِصْفِهُ تُوضَعُ فِي يَدِ مُحْتَاجٍ مِنَ المُؤْمِنِينَ تَفْعَلُ العَجَبَ فِي تَزْكِيَةِ النَّفْسِ البَشَرِيَّةِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ وَكَلَ إِلَيْنَا تَزْكِيَةَ أَنْفُسِنَا وَلَمْ يَكِلْهَا إِلَى غَيْرِنَا، قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(8)، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّى نَفْسَهُ وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّ نَفْسَهُ، فَالَّذِي يُزَكِّي نَفْسَهُ وَيُدَسِّيِهَا هُوَ العَبْدُ، وَكَلَ اللهُ ذَلِكَ إِلَيْكَ، وَوَضَعَ لَكَ هَذِهِ العِبَادَاتِ صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا مِنْ أَجْلِ تَزْكِيَةِ نَفْسِكَ وَتَطْهِيرِهَا، قَدْ أَفْلَحَ: فَازَ وَنَجَا مِنَ النَّارِ، وَدَخَلَ الجَنَّةَ دَارَ الأَبْرَارِ، خَابَ: خَسِرَ مَنْزِلَتَهُ فِي الجَنَّةِ وَدَخَلَ النَّارَ.

وَالحَجُّ مِنْ أَعْظَمِ العِبَادَاتِ تَزْكِيَةً لِلنَّفْسِ البَشَرِيَّةِ عَلَى شَرْطِ أَنْ يُؤَدَّى عَلَى الوَجْهِ الَّذِي شَرَعَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيَّنَهُ: «خُذُوا عَني مَناسِكَكُمْ»(9) وَهَذَا لَيْسَ شرطًا فِي الحَجِّ فَقَطْ، بَلْ فِي كُلِّ العِبَادَاتِ، إِذَا لَمْ تُؤَدَّى عَلَى الوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَ اللهُ وَرَسُولُهُ مَا تُزَكَّي النَّفْسُ، إِنْ صَلَّيْتَ وَلَمْ تَطْمَئِنَّ فِي رُكُوعِكَ أَوْ سُجُودِكَ يَقُولُ لَكَ الفَقِيهُ: صَلاتُكَ بَاطِلَةٌ، أَعِدْ صَلاتَكَ، لِمَ؟ لِأَنَّكَ نَقَصْتَ رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِهَا، إِنْ صَلَّيْتَ وَمَا قَرَأْتَ الفَاتِحَةَ وَقَرَأْتَ السُّورَةَ ثُمَّ رَكَعْتَ وَصَلَّيْتَ، وَاللهِ يَقُولُ لَكَ الفَقِيهُ صَلاتُكَ بَاطِلَةٌ، مَا مَعْنَى بَاطِلَةٌ؟ مَا تُفِيدُكَ مَا تُعَوِضُكَ شَيْئًا، أَيْ مَا تُزَكِّي نَفْسَكَ وَلا تُطَيِّبُهَا وَلا تُطَهِّرُهَا وَهَكَذَا، حَتَّى الصِّيَامُ، صَامَ عَنْ شَهْوَتَيِ البَطْنِ وَالفَرْجِ ثُمَّ يَلَغُ النَّاسَ وَيَأْكُلُهُمْ بِلِسَانِهِ، يَغْتَابُ وَيَنِمُّ، صِيَامُهُ بَاطِلٌ.

إذًا العِبَادَاتُ مَشْرُوعَةٌ مِنْ أَجْلِ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ وَتَطْهِيرِهَا؛ وَلِأَنَّ دَارَ السَّلامِ الجَنَّةَ الَّتِي بِهَا أَبَوَانَا وَالأَنْبِياءُ وَالمُرْسَلُونَ وَالصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ لا يَدْخُلُهَا ذُو نَفْسٍ خَبِيثَةٍ أَبَدًا، لا بُدَّ وَأَنْ تَكُونَ النَّفْسُ زَكِيَّةً، أَيْ طَاهِرَةً نَقِيَّةً.

بِمَ نُزَكِّي أَنْفُسَنَا إِذًا، وَمَا هِيَ مَوَادُّ التَّزْكِيَةِ؟

إِنَّهَا العِبَادَاتُ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ وَبَيَّنَهَا رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَمَّا أَنْ تَخْتَرِعَ عِبَادَةً كَابْتِدَاعِ المُبْتَدِعَةِ، وَاللهِ مَا تُزَكِّي نَفْسَكَ بَلْ تُدَسِّيهَا، الَّذِي جَعَلَ فِي المَاءِ مَا يُطْفِئُ الظَّمَأَ وَيُذْهِبُ العَطَشَ، وَجَعَلَ فِي الطَّعَامِ وَالفَوَاكِهِ وَاللَّحْمِ مَا يُذْهِبُ الجُوعَ، هُوَ الَّذِي جَعَلَ هَذِهِ العِبَادَاتِ تُزَكِّي النَّفْسَ وَتُطَهِّرُهَا، فَلَوْ قَامَ مُبْتَدِعٌ وَاخْتَرَعَ لَنَا عِبَادَةً، افْعَلُوا كَذَا أَوِ اجْتَمِعُوا عَلَى كَذَا وَاللهِ مَا تُزَكَّي النَّفْسُ، وَلِهَذَا يَقُولُ الرَسُولُ الكَرِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الأُمُورِ فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَةٌ»(10)، إِيَّاكُمْ أَيِ احْذَرُوا مُحْدَثَاتِ الأُمُورِ الَّتِي أُحْدِثَتْ وَلَمْ تَكُنْ عَلَى عَهْدِي وَعْهْدِ نُزُولِ القُرْآنِ وَعَهْدِ أَصْحَابِي، صَاحِبُ البِدْعَةِ ضَالٌّ، مَا يَعْرِفُ طَرِيقَ الجَنَّةِ أَبَدًا، مَا عَرَفَ كَيْفَ يُزَكِّي نَفْسَهُ، فَلِهَذَا السُّنَّةَ السُّنَّةَ، وَكَمَا قَالَ الرَسُولُ الكَرِيمُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ تَمَسَّكُوا بِهَا وَعَضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ»(11).

إذًا الحَجُّ عِبَادَةٌ مِنْ أَعْظَمِ العِبَادَاتِ، لا بُدَّ وَأَنْ يُؤَدَّى كَمَا بَيَّنَ الرَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَّا مَا يُزَكِّي النَّفْسَ كَالصَّلاةِ وَالصِّيَامِ وَغَيْرِهِمَا.

أَرْكَانُ الحَجِّ:

وَأَرْكَانُ الحّجِّ الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا أَرْبَعَةٌ، بِهَذَا جَاءَ الكِتَابُ وَبَيَّنَ الحَبِيبُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ :

الرُّكْنُ الأَوَّلُ: الإِحْرَامُ مِنَ المِيقَاتِ، والإِحْرَامُ أَيِ الدُّخُولُ فِي الحَرَمِ مِنَ المِيقَاتِ، وَقَدْ بَيَّنَ الرَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المَوَاقِيتَ مِيقَاتًا مِيقَاتًا وقَالَ: «هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ» (12)، فَبَيَّنَ لِنَجْدٍ قَرْنَ المَنَازِلِ، فَلَوْ جَاءَ رَجُلٌ مِنَ الرِّيَاضِ أَوْ مِنَ القَصِيمِ أَوْ مِنَ الشَّرْقِيَّةِ وَزَارَ المَدِينَةَ، يُحْرِمُ مِنَ المَدِينَةِ وَلا حَرَجَ، المَدَنِيُّ مَا أَحْرَمَ مِنَ المَدِينَةِ وَذَهَبَ إِلَى الطَّائِفِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِ، يُحْرِمُ مِنَ الطَّائِفِ وَلا حَرَجَ، لَكِنْ لا يَتَجَاوَزُ المِيقَاتَ إِلَّا وَهُوَ مُحْرِمٌ؛ لِأَنَّ الإِحْرَامَ رُكْنٌ.

وَالإِحْرَامُ التَّجَرُّدَ مِنَ المَخِيطِ وَكَشْفِ الرَّأْسِ وَتَرْكِ الحِذَاءِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ التَّلْبِيَةُ مَعَ النِّيَّةِ الصَّادِقَةِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ حَجًا، أَوْ حَجًا وَعُمْرَةً، أَوْ عُمْرَةً وَحَجًا.

وَقَدْ يَقُولُ القَائِلُ أَيُّهُمَا أَفْضَلُ؟ هَذِهِ ثَلاثُ نُسُكٍ: الإِفْرَادُ وَالقِرَانُ وَالتَّمَتُّعُ، بِالإِجْمَاعِ هِيَ ثَلاثَةٌ، وَمَنْ قَالَ بِغَيْرِهَا مَا عَرَفَ دِينَ اللهِ.

والإِفْرَادُ: أَنْ يَقُولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ حَجًا لا رِيَاءَ فِيهِ وَلا سُمْعَةَ وَقَدْ تَجَرَّدَ وَدَخَلَ فِي أَرْضِ الحِجَازِ وَمَشَى إِلَى مَكَّةَ يُطُوفُ طَوافَ القُدُومِ وَيَبْقَى عَلَى إِحْرَامِهِ يُلَبِّي أُسْبُوعًا أَوْ أُسْبُوعَيْنِ أَوْ شَهْرًا، بِحَسَبِ قُدُومِهِ، وَهُوَ عَارِي الرَّأْسِ مُلْتَفِّ الإِزَارِ وَالرِّدَاءِ إِلَى أَنْ يَأْتِيَ اليَوْمُ الثَّامِنُ مِنْ شَهْرِ ذِي الحَجَّةِ، حِينَئِذٍ يَمْشِي قَبْلَ الظُّهْرِ لِيُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَالعَصْرَ وَالمَغْرِبَ وَالعِشَاءَ وَالصُّبْحَ فِي مِنًى، وَيَسْتَرِيحُ فِي مِنًى عِدَّةَ سَاعَاتٍ، هَذِهِ سُنَّةُ أَبِي القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وهَذَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ، هَذِهِ مِنَ العِبَادَاتِ المَشْرُوعَةِ، مِنَ السُّنَنِ ذَاتِ الأَجْرِ العَظِيمِ.

الرُّكْنُ الثَّانِي: الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، فِي اليَوْمِ التَّاسِعِ يَذْهَبُ إِلَى عَرَفَةَ وَهِيَ الَّتِي تَعَارَفَ فِيهَا آدَمُ وَحَوَّاءُ، فَيُرْوَى أَنَّهُمَا لَمَّا نَزَلا، مَا نَزَلا مَعَ بَعْضِهِمَا بَعْضًا، بَلْ آدَمُ نَزَلَ فِي مَنْطِقَةٍ وَحَوَّاءُ فِي مَنْطِقَةٍ، وَطَلَبَ كُلٌّ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ فَتَلاقَيَا فِي مَكَانٍ يُسَمَّى الآنَ عَرَفَةَ، تَعَارَفَ فِيهِ الأَبَوَانِ آدَمُ وُحَوَّاءُ، وَقَالَ أَبُو القَاسِمِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «الحَجُّ عَرَفَةُ»(13)، وَالوُقُوفُ بِعَرَفَةَ يَبْتَدِئُ مِنَ الزَّوَالِ، مِنَ الظُّهْرِ، وَيَسْتَمِرُّ إِلَى أَنْ يَدْخُلَ جُزْءٌ مِنَ اللَّيْلِ، وَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الحَاجُّ أَنْ يَأْتِي مِنَ الظُّهْرِ يَأْتِي مَثَلاً بَعْدَ العَصْرِ، أَوْ بَعْدَ المَغْرِبِ وَيَقِفُ بِعَرَفَةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، هَذَا الوُقُوفُ بِعَرَفَةَ رُكْنُ الحَجِّ، «الحَجُّ عَرَفَةُ».

بَعْدَ ذَلِكَ نَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ، طَلَبَ اللهُ مِنَّا ذَلِكَ وَرَغَّبَنَا فِيهِ لِلاسْتِرَاحَةِ وَالتَّعَبُّدِ، ثُمَّ نَمْشِي صَبَاحًا بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ الَّتِي نُصَلِّيهَا مَعَ إِمَامِ المُسْلِمِينَ هُنَاكَ أَوْ جَمَاعَاتٍ وَنَذْهَبَ إِلَى مِنًى لِنَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وَالجَمْرَةُ: الحُجَيْرَةُ ، الحُجَيْرَةُ الصَّغِيرَةُ تُسَمَّى جَمْرَةٌ، وَتُسَمَّى العَقَبَةُ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ فِي عَقَبَةٍ بَيْنَ جَبَلَيْنِ، وَالآنَ أُزِيلَتِ العَقَبَةُ وَلَكْنْ مَكَانُهَا مَكَانُ العَقَبَةِ، وَجَمْرَةُ العَقَبَةِ هَذِهِ تَمَّ فِيهَا بَيْعَتَانِ لِلأنْصَارِ مِنْ أَهْلِ المَدِينَةِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَيَرْمِي الجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، بِسْمِ اللهِ، سَبْعُ حَصَيَاتٍ تَقَعُ فِي نَفْسِ الحَوْضِ أَوْ تُصِيبُ ذَاكَ الهَدَفَ المَنْصُوبَ، بَعْدَ ذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ، دَمٌ، كَالمُتَمَتِّعُ وَالقَارِنُ فَيَذْبَحُ ذَبِيحَتَهُ أَوْ يُسَاهِمْ فَيِهَا مَعَ بَعْضِ الإِخْوَانِ، إِذْ سَبْعَةُ أَنْفَارٍ يَذْبَحُونَ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً، بَعْدَ الذَّبْحِ الحَلْقُ أَوِ التَّقْصِيرِ، وَالحَلْقُ أَفْضَلُ، إِذْ قَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ». قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ»(14). قَالُوا: وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ: «وَالْمُقَصِّرِينَ». فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ الحَلْقَ أَفْضَلَ، أَيْ أَعْظَمَ أَجْرًا، وَالتَّقْصِيرُ يَجُوزُ، وَفِي القُرْآنِ: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ(15)، فَقَدَّمَ الحَلْقَ عَلَى التَّقْصِيرِ فَدَلَّ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهِ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ: طَوَافُ الإِفَاضَةِ، إِذَا رَمَى الجَمْرَةَ وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ، يَأْتِي مَكَّةَ لِيَطُوفَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ، وَهُوَ طَوافُ الزِّيَارَةِ، وَهُوَ وَاللهِ رُكْنٌ بِالإِجْمَاعِ، لَوْ مَا طَافَهُ مَا صَحَّ حَجُّهُ، لَوْ مَا طَافَ وَجَاءَ إِلَى بَلَدِهِ يَجِبُ أَنْ يَعُودَ لِيَطُوفَهُ، فَهُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الحَجِّ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِعَجْزٍ، يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ عَنْ يَوْمِ العِيدِ يَوْمِ رَمْيِ الجَمْرَةِ، لِلْيَوْمِ الثَّانِي أَوِ الثَّالِثِ وَلا حَرَجَ، لَكِنْ الأَفْضَلُ المُزَكِّي لِلنَّفْسِ هُوَ أَنْ يَكُونَ كَمَا فَعَلَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذْ هُوَ رَمَى الجَمْرَةَ بِنَفْسِهِ وَذَبَحَ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ نِسَائِهِ ثُمَّ حَلَقَ، وَحَلْقُهُ مَعْلُومٌ بِالضَّرُورَةِ، ثُمَّ طَافَ طَوَافَ الإِفَاضَةِ فِي نَفْسِ اليَوْمِ.

الرُّكْنُ الرَّابِعُ: هُوَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، الصَّفَا جَبَلٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ مَكَّةَ وَالمَرْوَةُ كَذَلِكَ، جَبَلانِ مُتَقَابِلانِ وَبَيْنَهُمَا وَادٍ أَيَّامَ كَانَتْ مَكَّةَ وَادٍ، هَذَا السَّعْيُ فِيهِ إِحْيَاءٌ لِذِكْرَى هَاجَرَ أُمِّ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِمَا السَّلامُ، فَإِبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلامُ جَاءَ بِهَاجَرَ مَعَ طِفْلِهَا الصَّغِيرِ إِسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ الشَّامِ، وَتَرَكَهُمَا فِي مَكَّةَ، وَمِنْ لَطَائِفِ هَذِهِ الحَادِثَةِ التَّارِيخِيَّةِ، لَمَّا تَرَكَهَا مَعَ وَلَدِهَا إِسْمَاعِيلَ قَفَلَ رَاجِعًا نَادَتْهُ فَقَالَتْ: «يَا إِبْرَاهِيمُ أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الْوَادِى الَّذِى لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَىْءٌ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا ، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا فَقَالَتْ لَهُ آللَّهُ الَّذِى أَمَرَكَ بِهَذَا قَالَ: نَعَمْ . قَالَتْ إِذًا لاَ يُضَيِّعُنَا»(16) ، هَذِهِ الكَلِمَةُ تُسَاوِي الدُّنْيَا بِمَا فِيهَا، وَهَكَذَا شَأْنُ المُؤْمِنِ مَا يِعْصِي رَبَّهُ مِنْ أَجْلِ الدُّنْيَا وَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ لا بِتَرْكِ وَاجِبٍ وَلا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ، وَيُفَوِّضُ أَمْرَهُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَتَجَلَّتْ هَذِهِ الحَقِيقَةُ، فَمَا هِيَ إِلَّا سَاعَاتٌ أَوْ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَنَفَدَ المَاءُ الَّذِي كَانَ فِي السِّقَايَةِ عِنْدَهَا وَبَكَى الطِّفْلُ وَتَلَوَّى مِنِ شِدَّةِ العَطَشِ فَنَظَرَتْ إِلَى أَقْرَبِ جَبَلٍ مِنْهَا فَوَجَدَتِ الصَّفَا فَعَلَتْهُ وَأَخَذَتْ تَنْظُرُ يَمِينًا وَشَمَالاً وَأَمَامَهَا لَعَلَّهَا تُشَاهِدُ أَحَدًا مِنَ النَّاسِ، مَا شَاهَدَتْ شَيْئًا، وَوَجَدَتْ جَبَلَ المَرْوَةِ أَمَامَهَا لَكِنْ بَعِيدًا عَنْهَا فَهَبَطَتِ الوَادِي، لَمَّا هَبَطَتِ الوَادِي أَسْرَعَتْ بِسُرْعَةٍ حَتَّى تَخْرُجَ مِنْهُ لِتُطَالِعَ هَلْ تَرَى أَحَدًا عِنْدَهُ مَاءٌ لِابْنِهَا وَنَفْسِهَا، حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى المَرْوَةِ فَصَعِدَتِ المَرْوَةَ، فَنَظَرَتْ يَمِينًا وَشَمَالاً وَأَمَامَهَا مَا رَأَتْ شَيْئًا، هَبَطَتْ، لَمَّا تَصِلُ الوَادِي تُسْرِعُ، وَأَحْيَا اللهُ ذِكْرَاهَا فَشَرَعَ لِأُمَّةِ الإِسْلامِ أَنَّ أَحَدَنَا إِذَا سَعَى يَعْلُو أَوَّلاً الصَّفَا وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ ثُمَّ يُسْرِعُ فِي الوَادِي، وَالآنَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ أَخْضَرَيْنِ حَتَّى يُعْرَفَ مَكَانُ الإِسْرَاعِ، وَهَذِهِ السُّرْعَةُ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ، النِّسَاءُ مَعْذُورَاتٍ مَا يُسْرِعْنَ، أَمَّا الفُحُولُ يُهَرْوِلْنَ حَتَّى يَخْرُجْنَ مِنَ الوَادِي، ثُمَّ إِلَى المَرْوَةِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ؛ لِأَنَّ هَذَا حَصَلَ مَعَهَا سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ.

فَهَذَا السَّعْيُ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الحَجِّ وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ ، وَخَالَفَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ وَقَالَ بِعَدَمِ الرُّكْنِيَّةِ، وَالقَوْلُ قَوْلُ الجُمْهُورِ لا قَوْلُ مَنْ خَالَفَهُمْ، وَنَسْتَفِيدُ مِنْ هَذَا القَوْلُ أَنَّهُ إِذَا نَسِيَ شَخْصٌ السَّعْيَ وَمَضَى وَلا يَسْتَطِعُ الرُّجُوعَ، نَقُولُ: يَذْبَحُ شَاةً لِلْفُقَرَاءِ وَالمَسَاكِينِ وَقَدْ تُجْزِئُهُ إِنْ شَاءَ اللهِ، وَلَكِنَّ الحَقِيقَةَ أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الحَجِّ الأَرْبَعَةِ.

هَذِهِ أَرْكَانُ الحَجِّ، مَنْ تَرَكَ رُكْنًا مِنْهَا بَطَلَ حَجُّهُ، وَيَوْمُ عَرَفَةَ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُ اليَوْمُ الأَعْظَمُ، وَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «الحَجُّ عَرَفَةُ»(17)، لِأَنَّ الطَّوَافَ يُمْكِنُكَ أَنْ تَطُوفَ فِي أَيِّ يَوْمٍ مِنَ الأَيَّامِ، تَعُودُ مِنْ بَلَدِكَ وَتَقْضِي طَوَافَكَ إِذَا مَا طُفْتَ، وَالسَّعْيُ كَذَلِكَ وَالإِحْرَامُ كَذَلِكَ، تَسْتَطِيعُ أَنْ تُحْرِمَ وَتَأْتِيَ مِنْ بَلِدَكَ، لِتُتِمَّ ذَاكَ الرُّكْنَ، لَكِنْ عَرَفَةُ إِذَا فَاتَتْ لا بُدَّ مِنْ عَامٍ آخَرَ، لا بُدَّ مِنْ حَجٍّ جَدِيدٍ.

أَنْوَاعُ النُّسُكِ:

وَالسُّؤَالُ الآنَ: أَيُّ أَنْوَاعِ النُّسُكِ أَفْضَلُ؟

فَأَنْوَاعُ النُّسُكِ ثَلاثَةٌ وَهِيَ: القِرَانُ، الإِفْرَادُ، التَّمَتُّعُ.

الأَحْنَافُ قَالُوا القِرَانُ، الشَّافِعِيَّةُ قَالُوا الإِفْرَادُ، الحَنَابِلَةُ قَالُوا التَّمَتُّعُ، إِذًا بِمَاذَا نَأْخُذُ؟

القِرَانُ: أَنْ يَقَولَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ حَجًا وَعُمْرَةً إِذَا سَاقَ الهَدْيَ مِنْ بَلَدِهِ، سَاقَ الشَّاةَ أَوِ البَعِيرِ، فَهَذَا القِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ إِذْ هَذَا حَجُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، الرَسُولُ خَرَجَ مِنَ المَدِينَةِ يُرِيدُ الحَجَّ فَقَطْ، فَلَمَّا وَصَلَ العَقِيقَ نَزَلَ جِبْرِيلُ: «صَلِّ فِى هَذَا الْوَادِى الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِى حَجَّةٍ»(18) ، فَأَدْخَلَ العُمْرَةَ وَسَاقَ مِنَ الهَدْيِ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ يَسُوقَ، بَلْ جَاءَ عَلِيٌّ بِمِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، فَالَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَحُجَّ حَجًا قَوِيًّا يَسُوقُ الهَدْيَ مَعَهُ، وَيَبْقَى مُحْرِمًا حَتَّى يَقِفَ بِعَرَفَةَ وَيَرْمِي جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وَهَذَا الَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُ الإِسْلامِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الحَقُّ. القَارِنُ إِذَا لَمْ يَسُقِ الهَدْيَ حَجُّهُ لَيْسَ بِأَفْضَلَ وَاللهِ العَظِيمِ.

وَالَّذِي يُفْرِدُ مَتَى يَكُونُ إِفْرَادُهُ أَفْضَلَ؟ إِذَا اعْتَمَرَ فِي رَمَضَانَ أَوْ فِي شَوَّالٍ أَوْ فِي رَجَبٍ عُمْرَةً، ثُمَّ عَادَ إِلَى بَلَدِهِ ثُمَّ حَجَّ مِنْ عَامِهِ فَهَذَا إِفْرَادُهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ اعْتَمَرَ وَأَنْفَقَ عَلَى عُمْرَتِهِ مَالاً وَوَقْتًا ثُمَّ حَجَّ فِي نَفْسِ العَامِ فَهَذَا إِفْرَادُهُ أَفْضَلُ، وَالَّذِي لم يَعْتَمِرْ فِي غَيْرِ الحَجِّ وَلَمْ يَسُقِ الهَدْيَ فَالتَّمَتُّعُ وَاللهِ أَفْضَلُ لَهُ مِنَ الإِفْرَادِ بِلا عُمْرَةٍ، وَمِنَ القِرَانِ بِلا هَدْيٍ.

التَّمَتُّعُ: هُوَ أَنْ يَدْخُلَ بِعُمْرَةٍ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ عُمْرَةً، يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيُقَصِّرُ أَوْ يُحَلِّقُ وَالتَّقْصِيرُ هُنَا أَوْلَى لَهُ، ثُمَّ يَتَحَلَّلُ وَيَبْقَى فِي مَكَّةَ حَتَّى يَأْتِيَ اليَوْمُ الثَّامِنُ فَيُحْرِمُ بِالحَجِّ مِنْ بَيْتِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، وَلَيْسِ شَرْطًا أَنْ يَأْتِيَ إِلَى المَسْجِدِ وَلا إِلَى التَّنْعِيمِ، وَهَذَا التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّ فِيهِ عِبَادَتَيْنِ وَهُمَا: عُمْرَةٌ وَحَجٌ، وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى ذَلِكَ هَدْيٌ ذَبْحُ شَاةٍ أَوْ شَرِكَةٌ فِي بَعِيرٍ أَوْ بَقَرَةٍ مَعَ سَبْعَةِ أَنْفَارٍ.

الَّذِي يُقْرِنُ بِالحَجِّ وَالعُمْرَةِ وَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا إِنْ سَاقَ الهَدْيَ، فَهَذَا حَجُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَالَّذِي لا يَسُوقُ الهَدْيَ القِرَانُ جَائِزٌ لَكِنْ مَا هُوَ بِأَفْضَلَ.

وَالَّذِي يُفْرِدُ الحَجَّ فَقَطْ وَيَعْتَمِرُ بَعْدَ ذَلِكَ، لَيْسَ حَجُّهُ بِأَفْضَلَ، وَالأَفْضَلُ أَنْ يَعْتَمِرَ أَوَّلاًَ وَيَعُودَ إِلَى بَلَدِهِ أَيَّامًا ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ هَذَا إِفْرَادُهُ أَفْضَلُ؛ لِأَنَّهُ أَنْفَقَ نَفَقَتَيْنِ، اعْتَمَرَ مَرَّةً وَحَجَّ أُخْرَى، وَهَذَا أَجْرُهُ أَعْظَمُ، وَالَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَمِرَ وَيَعُودَ إِلَى أَهْلِهِ ثُمَّ يُحْرِمُ بِالحَجِّ مِنْ عَامِهِ فَالقِرَانُ أَفْضَلُ لَهُ مِنْ قِرَانٍ بِلا سَوْقِ هَدْيٍ وَمِنْ إِفْرَادٍ بِدُونِ عُمْرَةٍ سَابِقَةٍ.

وَالتَّمَتُّعُ: أَنْ يَدْخُلَ بِعُمْرَةٍ مِنَ المِيقَاتِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ عُمْرَةً، وَيَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يُقَصِّرُ وَيَبْقَى فِي مَكَّةَ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يَذْهَبُ فِي اليَوْمِ الثَّامِنِ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ إِلَى مِنًى، وَيَقِفُ بِعَرَفَاتٍ فَإِذَا نَزَلَ فِي يَوْمِ العِيدِ يَجِبُ أَنْ يَذْبَحَ شَاةً فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ مَا عِنْدَهُ مَكْرُوهٌ، فَلْيَصُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ، ثَلاثَةٍ فِي مَكَّةَ وَسَبْعَةٍ فِي بَلَدِهِ، عَشَرَةُ أَيَّامٍ مُقَابِلُ الذَّبِيحَةِ لِأَنَّهُ مَا ذَبَحَ، وَإِذَا أَخَّرَ الأَيَّامَ هَذِهِ، نَسِيَ أَوْ عَجَزَ يَجُوزُ أَنْ يَصُومَهَا أَيَّامَ التَّشْرِيقِ بَعْدَ العِيدِ بِثَلاثَةِ أَيَّامٍ، يَصُومُهَا وَلا حَرَجَ، وَالأَفْضَلُ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ فِي مَكَّةَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ(19)، لَكِنْ فَرَضْنَا شَخْصًا نَسِيَ أَوْ مَرِضَ أَفْتَتْ عَائِشَةُ(20) بِنَفْسِهَا وَالصَّحَابَةُ بِجَوَازِ أَنْ يَصُومَ أَيَّامَ التَّشْرِيقِ.

الَّذِي يَسُوقُ الهَدْيَ يَسُوقُ قَطِيعًا مِنَ الغَنَمِ أَوْ بَعِيرًا أَوْ بَقَرَةً وَاللهِ الإِفْرَادُ أَفْضَلُ لَهُ لِأَنَّهُ حَجُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، القِرَانُ حَجُّ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

وَالَّذِي لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسُوقَ الهَدْيَ لِمَ يُقْرِنْ؟ يُوَفِّرُ عَلَى نَفْسِهِ التَّعَبَ.

وَالَّذِي يَسْتَطِيعُ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ يَنْوِي الحَجَّ يَعْتَمِرُ عُمْرَةً وَيُكْمِلُهَا ثُمَّ يُفْرِدُ، الإِفْرَادُ أَفَضَلُ لَهُ.

وَالَّذِي لا يَسْتَطِيعُ القِرَانَ أَوِ الإِفرَادَ التَّمَتُّعُ أَفْضَلُ لَهُ وَفِيهِ يُسْرٌ وَلَيْسَ فِيهِ عُسْرٌ.

يُلَبِّي بِالعُمْرَةِ، يَصِلُ إِلَى مَكَّةَ، يَتَحَلَّلُ وَيَظَلُّ فِي حِلِّهِ، إِذَا جَاءَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ اغْتَسَلَ وَأَحْرَمَ بِالحَجِّ وَعَلَيْهِ ذَبْحُ شَاةٍ أَوْ المُشَارَكَةِ فِي بَقَرَةٍ أَوْ بَعِيرٍ مَعَ سَبْعَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَسَتَطِعْ صَامَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي مَكَّةَ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعَ إِلَى بِلادِهِ.

وَاجِبَاتُ الحَجِّ:

الوَاجِبَاتُ فِي الإِحْرَامِ: التَّجَرُّدُ، أَحْرَمَ وَمَا تَجَرَّدَ تَرَكَ وَاجِبًا، أَوْ لَبِسَ مَخِيطًا ، كَشَفُ الرَّأْسِ فِي الإِحْرَامِ وَاجِبٌ، غَطَّى رَأْسَهُ لِمَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ، تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، مَثَلاً أَحْرَمَ مِنْ دَاخِلِ المَوَاقِيتِ، إِمَّا أَنْ يَرْجِعَ وَإِمَّا فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ أَوْ صِيَامُ عَشَرَةِ أَيَّامٍ.

 إِذًا الوَاجِبُ فِي الحَجِّ مَنْ تَرَكَهُ عَاجِزًا أَوْ قَادِرًا يَتَعَيَّنُ عَلَيْهِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَذْبَحَ شَاةً، وَإِمَّا أَنْ يَصُومَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. إذًا لا بُدَّ مِنَ التَّجَرُّدِ وَكَشْفِ الرَّأْسِ.

وَيَجُوزُ الحِزَامُ لِوَضْعِ نُقُودٍ أَوْ أَوْرَاقٍ وَيُوضَعُ عَلَى الِإزَارِ وَإِنْ جَعَلَهُ الحَاجُّ دُونَ أَيْ عَلَى لَحْمِهِ ذَلِكَ أَفْضَلُ.

طَوَافُ القُدُومِ وَاجِبٌ، كَيْفَ تَدْخُلُ إِلَى بَيْتِ رَبِّكَ أَوْ إِلَى بَلَدِهِ وَجِئْتَ لِزِيَارَتِهِ وَلا تَطُوفُ، يَنْبَغِي أَنْ تَطُوفَ بِالبَيْتِ تُعْلِنُ عَلَى أَنَّكَ جِئْتَ زَائِرًا حَاجًا، وَمَنْ تَرَكَهُ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ ، مَا اسْتَطَاعَ فَلْيَصُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

المَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ، إِلا مَنْ كَانَ عَاجِزًا مَا اسْتَطَاعَ لِأَمْرٍٍ مَا فَبَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ يُعْفُونَهُ مِنْ أَدَاءِ هَذَا الوَاجِبِ ، أَمَّا القَادِرُ عَلَى أَنْ يَبِيتَ فِي مُزْدَلِفَةَ يَجِبُ أَنْ يَبِيتَ، وَأَذِنَ الشَّارِعُ لَنَا أَنْ نَخْرُجَ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ إِذَا كَانَ مَعَنَا نِسَاءٌ أَوْ أَطْفَالٌ، هَذَا المَبِيتُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ العَزِيزِ: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ(21)، أَيُّ مَشْعَرٍ حَرَامٍ هُوَ وَاللهِ مُزْدَلِفَةَ، إِذ فِيهَا مَكَانٌ كَانَ العَرَبُ فِي الجَاهِلِيَّةِ يُشْعِرُونَ إِبِلَهُمْ الَّتِي يُهْدُونَهَا إِلَى اللهِ فِي ذَلِكَ المَكَانِ، ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾، أَيْ خَرَجْتُمْ مِنْهَا بَعْدَ المَغْرِبِ، فَأَيْنَ نَذْهَبُ؟ إِلَى مُزْدَلِفَةَ، ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ﴾، فَالمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ لِلصَّلاةِ فِيهَا وَذِكْرِ اللهِ وَالدُّعَاءُ وَاجِبٌ مَنْ تَرَكَهُ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ ، مَا اسْتَطَاعَ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

مِنَ الوَاجِبَاتِ رَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ، العَاجِزُ يُوَكِّلُ وَيُنِيبُ شَخْصًا يَرْمِي عَنْهُ، الَّذِي لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ العَقَبَةَ مُتَعَمِّدًا وَهُوَ قَادِرٌ اخْتَلَّ حَجُّهُ وَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ ، مَا اسْتَطَاعَ يَصُومُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

رَمْيُ الجَمَرَاتِ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلاثَةً وَاجِبٌ، إِمَّا أَنْ تُنِيبَ إِذَا كُنْتَ عَاجِزًا، أَوْ بِنَفْسِكَ مَنْ تَرَكَ الرَّمْيَ فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ، أَوْ صِيَامُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

المَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ مِنْ وَاجِبَاتِ عَرَفَةَ، المَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ ثَلاثَةَ لَيَالٍ أَوْ لَيْلَتَيْنِ لِمَنْ تَعَجَّل، إِنْ لَمْ يَبِتْ وَهُوَ قَادِرٌ فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ ، مَا اسْتَطَاعَ فَلْيَصُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

طَوَافُ الوَدَاعِ، مِنَ العَيْبِ وَمِنْ سُوءِ الأَدَبِ أَنَّكَ أَتَيْتَ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَزُرْتَ بَيْتَهُ بِطَوَافِ القُدُومِ وَذَهَبْتَ إِلَى الاجْتِمَاعِ العَامِّ لِتَأْخُذَ الجَائِزَةَ العُظْمَى بِأَنْ يُغْفَرَ ذَنْبُكَ مَا قَدَّمْتَ وَأَخَّرْتَ، ثُمَّ كَانَ لَكَ رَاحَةٌ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ تَأْكُلُ وَتَشْرَبُ وَتَسْتَرِيحُ، فَأَيَّامُ مِنًى أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، فَتَجْلِسُ هُنَاكَ تَأْكُلُ اللَّحْمَ وَتَسْتَرِيحُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ رَأْسًا تَذْهَبُ إِلَى بِلادِكَ، وَاللهِ سُوءُ أَدَبٍ لا بُدَّ وَأَنْ تَعُودَ إِلَى اللهِ وَتَطُوفَ بِبَيْتِهِ كَالمُوَدِّعِ، وَلِهَذَا سُمِّيَ طَوَافَ الوَدَاعِ. فَإِذَا فَرَغْنَا مِنْ هَذِهِ الضِّيَافَةِ نَمْشِي رَأْسًا إِلَى بِلادِنَا، مَا نَرْجِعُ إِلَى رَبِّنَا، نَقُولُ أَكْرَمْتَنَا لَكَ الحَمْدُ وَلَكَ الشُّكْرُ وَنُوَدِّعُ بَيْتَهُ، فَلِهَذَا مَنْ تَرَكَ طَوَافَ الوَدَاعِ عَامِدًا غَيْرَ عَاجِزٍ فَقَدْ تَرَكَ وَاجِبًا وَعَلَيْهِ هَدْيٌ ، مَا اسْتَطَاعَ فَلْيَصُمْ عَشَرَةَ أَيَّامٍ.

هَذِهِ أَرْكَانُ الحَجِّ وَهَذِهِ وَاجِبَاتُهُ.

يَبْقَى قَوْلُ رَبِّنَا عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ(22).

هُنَا نَعْرِفُ أَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْصِي اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فِي الحَجِّ بِمَعْصِيَةٍ يُفْسِدُ حَجَّهُ عَلَى نَفْسِهِ وَلا يَعُودُ إِلَّا بِذَنْبِهِ، مَنْ حَجَّ هَذَا الْبَيْتَ ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَومِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ، فَمِنْ هُنَا الحَجُّ المَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الجَنَّةَ، وَأَيُّ شَيْءٍ أَعْظَمُ مِنَ الجَنَّةِ؟

مَا الحَجُّ المَبْرُورُ؟

أَوَّلًا: هُوَ الَّذِي تُؤَدَّي فِيهِ الأَرْكَانُ وَالوَاجِبَاتُ وَالسُّنَنُ وَالآدَابُ عَلَى الوَجْهِ المَطْلُوبِ.

ثَانِيًا: لا تَفْسُقُ بِمَعْصِيَةِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ لا بِتَرْكِ رَكْعَةٍ مِنَ الصَّلاةِ وَلا بِنَظْرَةٍ مُحَرَّمَةٍ وَلا بِكَلِمَةِ سُوءٍ وَلا بِمَدِّ يَدِكَ إِلَى مَا لا يَحِلُّ لَكَ بِحَالٍ مِنَ الأَحْوَالِ.

وَالرَّفَثُ مُقَدِّمَاتُ الجِمَاعِ مِنَ النَّغْزِ وَالغَمْزِ وَالكَلامِ وَالضَّحِكِ مَعَ النِّسَاءِ، أَمَّا الجِمَاعُ نَفْسُهُ قَبْلَ عَرَفَةَ فَإْنَّهُ يُفْسِدُ الحَجَّ، مَنْ جَامَعَ زَوْجَتَهُ قَبْلَ يَوْمِ عَرَفَةَ حَجُّهُ بَاطِلٌ وَيَمْضِي فِيهِ وَعَلَيْهِ أَنْ يَحُجَّ مِنْ عَامٍ آخَرَ، أَمَّا إِذَا كَانَ بَعْدَ عَرَفَةَ وَوَقَعَ عَلَى امْرَأَتِهِ فِي مِنًى أَوْ فِي مَكَّةَ فِي أَيَّامِ الحَجِّ فَعَلَيْهِ ذَبْحُ بَعِيرٍ بَدَنَةٍ وَيَتُوبُ إِلَى اللهِ عَزَّ وَجَلَّ.

إِذًا فَلْنُحَافِظْ أَوَّلًا: عَلَى الأَرْكَانِ وَالوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنِ نُؤَدِّيهَا كَمَا شَرَعَهَا اللهُ وَبَيَّنَهَا رَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

ثَانِيًا: أَلَّا نَغْشَى مُحَرَّمًا لا بِتَرْكِ وَاجِبٍ مِنَ الوَاجِبَاتِ وَلا بِفِعْلِ مُحَرَّمٍ مِنَ المُحَرَّمَاتِ.

وَاعْلَمُوا أَنَّ مِنَ المُحَرَّمَاتِ الغِيبَةُ وَالنَّمِيمَةُ وَغَيْرُ ذَلِكَ، وَالنَّظَرُ إِلَى النِّسَاءِ وَالتَّمَتُّعُ بِذَلِكَ، أَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ(23)، فَكَوْنُكَ تَنْظُرُ لِمَا لا يَحِلُّ لَكَ، أَفْسَدْتَ حَجَّكَ عَلَى نَفْسِكَ، وَعَصَيْتَ رَبَّكَ، غُضَّ بَصَرَكَ. وَلا تَسْلُبْ شَخْصًا مَالَهُ وَلا رُبْعَ رِيَالٍ مِنْ يَدِهِ أَوْ مِنْ جَيْبِهِ، وَلا تَسُبَّ وَلا تَشْتُمْ أَحَدًا وَلا تَقُلْ كَلِمَةَ سُوءٍ، فَإِنَّ الَّذِي يَسُبُّ المُؤْمِنِينَ أَوْ يَطْعَنُ فِيهِمْ، ارْتَكَبَ إِثْمًا حَرَّمَهُ اللهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ(24)، كَيْفَ يَكُونُ أَخُوكَ وَتُؤْذِيهِ بِلِسَانِكَ أَوْ بِيَدِكَ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ ، لا يَظْلِمُهُ وَلا يَخْذُلُهُ ، وَلا يَحْقِرُهُ ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ دَمُهُ وَمَالُهُ وَعِرْضُهُ»(25).

خُلاصَةُ القَوْلِ أَنَّ الحَجَّ أَدَاةُ غَسْلٍ كَامِلَةٍ لِلذُّنُوبِ البَشَرِيَّةِ، «مَنْ حَجَّ فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أمُّهُ»(26).

وَلَطِيفَةٌ هُنَا أَنَّهُ إِذَا غُفِرَ ذَنْبُكَ وَعُدْتَ كَيَوْمِ وَلَدَتْكَ أُمُّكَ، آيَةُ ذَلِكَ أَنَّكَ تَعُودُ إِلَى بَلَدِكَ وَفِي طَرِيقِكِ لا تَقْوَى عَلَى مَعْصِيَةِ اللهِ، أَمَّا الَّذِي يَعُودُ وَفِي طَرِيقِهِ وَأَثْنَاءِ وُصُولِهِ يَرْتَكِبُ مَا حَرَّمَ اللهُ، وَاللهِ مَا غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ، مَازَالَتْ نَفْسُهُ خَبِيثَةٌ مُظْلِمَةٌ مُنْتِنَةٌ، عَلامَةُ أَنَّكَ غُسِلْتَ وَنُظِّفْتَ وَطُيِّبْتَ، نَفْسُكَ تَصْبِحُ مُشْرِقَةً كَالنُّورِ، فَصَاحِبُ النَّفْسِ المُشْرِقَةِ لا يَقُولُ السُّوءَ وَلا يَمُدُّ يَدَيْهِ لِسُوءٍ وَلا يَرْتَكِبُ مَا حَرَّمَ اللهُ وَلا يَتْرُكُ وَاجِبًا، وَاللهِ مَا يَسْتَطِيعُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ يُشَاهِدُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ فَكَيْفَ يَعْصِيهِ. مَا وَجْهُ ذُلِكَ؟ لِأَنَّ نَفْسَهُ طَابَتْ وَطَهُرَتْ، أَنْتَ عِنْدَمَا تَكُونُ أَمَامَ اللهِ هَكَذَا تَعْصِيهِ؟ عِنْدَمَا تَكُونُ أَمَامَ الحَاكِمِ تَعْصِيهِ؟ مَا تَعْصِيهِ، فَصَاحِبُ النَّفْسِ المُشْرِقَةِ الزَّكِيَّةِ مَا يَقْوَى عَلَى أَنْ يَقُولَ كَلِمَةً تُغْضِبُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ يَخْطُو خُطْوَةً لا يُحِلُّهَا اللهُ؛ لِأَنَّهً مَعَ اللهِ وَصَاحِبُ الظُّلْمَةِ وَالإِثْمِ وَالنَّفْسِ الخَبِيثَةِ لا يَرَى شَيْئًا، إِذَا شَهَتْ نَفْسُهُ شَهْوَةَ فَعَلَهَا. آيَةُ غُفْرَانِ الذُّنُوبِ أَنْ تَجِدَ فِي نَفْسِكَ نُورًا مَا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَعْصِيَ اللهَ وَلا أَنْ تَخْرُجَ عَلَى طَاعَتِهِ أَبَدًا، كَالَّذِي بَيْنَ يَدَيِ اللهِ، وَاللهُ مَعَنَا حَيْثُمَا كُنَّا لَكِنَّهَا الغَفْلَةُ وَالنِّسْيَانُ.

مُسْتَحَبَّاتُ الحَجِّ:

مِنَ المُسْتَحَبَّاتُ فِي الإِحْرَامِ أَنْ يُكْثِرَ مِنْ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، يُسْتَحَبُّ أَلَّا نَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ إِلَّا عِنْدَ الحَاجَةِ مَا دُمْنَا رَاكِبِينَ فَارِغِينَ، لا كَلامَ أَحَادِيثٍ وَأَبَاطِيلَ، التَّلْبِيَةُ إِذَا نَزَلْنَا مِنَ السَّيَّارَةِ، إِذَا تَوَضَّأْنَا لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، إِذَا رَكِبْنَا لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، حَتَّى نَصِلَ إِلَى البَيْتِ هَذِهِ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الإِحْرَامِ. التَّلْبِيَةُ بِهَذَا اللَّفْظِ الوَارِدِ: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ إِنَّ الحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ لا شَرِيكَ لَكَ، هَذِهِ التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الحَجِّ مَا هِيَ بِوَاجِبَةٍ، لَكِنْ لا بُدَّ مِنَ الإِكْثَارِ مِنْهَا، الوَاجِبُ مَرَّةً. وَنُكْثِرُ مِنْهَا فِي العُمْرَةِ أَيْضًا مَا نَتْرُكُهَا إِلَّا عِنْدَ حَاجَةٍ إِلَى تَرْكِهَا حَتَّى نَدْخُلَ المَسْجِدَ الحَرَامَ وَنُشَاهِدَ البَيْتَ فَتَنْتَهِي التَّلْبِيَةُ، هَذِهِ التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الحَجِّ وَالعُمْرَةِ.

سُنَنُ الحَجِّ:

السُّنَّةُ فِي الطَّوَافِ: أَنَّنَا نَبْدَأُ بِالرُّكْنِ اليَمَانِيِّ، نَسْتَلِمُهُ بِأَفْوَاهِنَا أَوْ بِأَيْدِينَا إِنْ عَجَزْنَا أَوْ بِالإِشَارَةِ إِلَيْهِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ وَنَطُوفُ وَفِي الأَشْوَاطِ الثَّلاثَةِ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُهَرْوِلُوا فِيهَا لا يَمْشُونَ كمَشْيَتِهِمِ العَادِيَّةِ بَلْ وَلا بُدَّ وَأَنْ يُسْرِعُوا فِي الأَشْوَاطِ الثَّلاثَةِ.

وَالاضْطِبَاعُ مِنْ سُنَنِ الإِحْرَامِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَ طَرَفَ إِزَارِهِ تَحْتَ إِبْطِهِ وَيَكْشِفَ الكَتِفَ الأَيْمَنَ.

وَمِنَ اللَّطَائِفِ فِي الهَرْوَلَةِ أَوِ الخَبَبِ وَكْشْفِ الضَّبْعِ الأَيْمَنَ، أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ عَامَ سَبْعٍ لَمَّا مُنِعَ الرَسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ العُمْرَةِ مَعَ رِجَالِهِ وَكَانَ صُلْحُ الحُدَيْبِيَةِ، أَذِنُوا لَهُمْ فِي العَامِ المُقْبِلِ سَنَةَ سَبْعٍ يَعْتَمِرُونَ، فَجَاءَ الحَبِيبُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجَالُهُ سَنَةَ سَبْعٍ فَلَمَّا دَخَلُوا كَانَتْ مَكَّةَ فَارِغَةً أَخْلَوْهَا لَهُمْ، لَكِنَّ المُشْرِكِينَ عَلَى السُّطُوحِ وَعَلَى المَنَازِلِ وَالنَّوَافِذِ، فَالرَّسُولُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَصْحَابِهِ «أَنْ يَرْمُلُوا ثَلاَثَةَ أَشْوَاطٍ وَيَمْشُوا مَا بَيْنَ الرُّكْنَيْنِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ»(27)، لِأَنَّهُمْ تَحَدَّثُوا أَنَّ حُمَّى المَدِينَةِ حُمَّى يَثْرِبَ أَنْهَكَتْهُمْ، فَهُمُ الآنَ مَهْزُولُونَ ضِعَافٌ، نَسْتَطِيعُ أَنْ نَنْصَبَّ وَنَنْكَبَّ عَلَيْهِمْ وَنُنْهِيهِمْ وَليْسَ مَعَهُمْ سِلاحٌ فِي أَيْدِيهِمْ، وَسْوَسَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ بِهَذَا وأُعْلِمَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: رَحِمَ اللهُ امْرَءًا أَرَاهُمُ اليَوْمَ مِنْ نَفْسِهِ قُوَّةً، فَكَشَفَ عَنْ سَاعِدِهِ وَهَرْوَلَ الأَشْوَاطَ الثَّلاثَةَ، وَاللهِ مَا إِنْ شَاهَدُوا هَذَا حَتَّى انْهَزَمُوا مَعْنَوِيًا، وَمَا فَكَّرُوا فِي الانْصِبَابِ عَلَيْهِمْ، وَمِنْ ثَمَّ بَقِيَتْ هَذِهِ السُّنَّةُ كَسُنَّةِ هَاجَرَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، مَا نَنْسَى هَذِهِ السُّنَنَ.

مِنْ سُنَنِ الطَّوَافِ الرَّكْعَتَيْنِ خَلْفَ المَقَامِ، لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ مَنْ تَرَكَهَا لا هَدْيَ عَلَيْهِ ، لَكِنَّهَا سُنَّةٌ، إِذَا طُفْنَا الأَشْوَاطَ السَّبْعَةِ نُصَلِّي خَلْفَ المَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، إِنْ قَرُبْنَا مِنْهُ أَمْكَنَ وَإِلَّا مِنْ بَعِيدٍ وَلا حَرَجَ.

وَهُنَا لَطِيفَةٌ، لِمَ نُصَلِّي وَرَاءَ حَجَرٍ؟ المَقَامُ حَجَرٌ كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَقِفُ عَلَيْهِ وَيَبْنِي البَيْتَ، فَلَمَّا أَخَذَ يَبْنِي البَيْتَ وَارْتَفَعَ البِنَاءُ، جِيءَ بهَذِهِ الصَّخْرَةِ مِنْ جَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ يَعْلُو فَوْقَهُ وَيَبْنِي، فَلَمَّا قَدَّمَ هَذَا الحَجَرُ للهِ هَذِهِ الخِدْمَةَ شَرَعَ اللهُ لَنَا الصَّلاةَ خَلْفَهُ، الصَّلاةُ للهِ وَالحَجَرُ نَالَ فَضِيلَةً، نَظِيرُ هَذَا، لَمَّا أَمَرَ اللهُ المَلائِكَةَ أَنْ يَسْجُدُوا لآدَمُ عَلَيْهِ السَّلامُ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ(28)، فهَذَا السُّجُودُ للهِ، وَآدَمُ تَشَرَّفَ بِأَنْ سَجَدُوا دُونَهُ، فَهَذَا الحَجَرُ بِمَا قَدَّمَ مِنْ خِدْمَةٍ لِبَيْتِ اللهِ شَرَعَ اللهُ لَنَا أَنْ نُصَلِّيَ أَفْضَلَ عِبَادَةٍ وَرَائَهُ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

وَمِنْ سُنَنِ السَّعْيِ إِذَا عَلا عَلَى الصَّفَا لا بُدَّ مِنَ التَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ أَوْ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ يَنْحَدِرُ، وَعِنْدَمَا يَصِلُ إِلَى الوَادِي مَا بَيْنَ المِيلَيْنِ يُسْرِعُ بِالمَشْيِ، سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ، وَإِنْ وَصَلَ إِلَى المَرْوَةِ يَفْعَلُ كَمَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا يَسْتَقْبِلُ البَيْتَ وَيُهَلِّلُ وَيُكَبِّرُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ وَيَنْزِلُ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ.

وَمِنْ سُنَنِ الحَجِّ فِي مِنًى كَمَا قَدَّمْنَا المَبِيتُ لَيْلَةَ عَرَفَةَ فِي مِنَى وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ بَلْ سُنَّةٌ فَقَطْ.

وَمِنْ سُنَنِ عَرَفَةَ كَثْرَةُ الدُّعَاءِ وَالذِّكْرِ وَالتَّهْلِيلِ عِنْدَمَا تَصِلُ إِلَى عَرَفَةَ وَخَاصَّةً بَعْدَ صَلاةِ الظُّهْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَمِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ يَقِفَ تَحْتَ جَبَلِ الرَّحْمَةِ فهَذَا أَيْضًا مِنْ سُنَنِ الحَجِّ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلا حَرَجَ عَلَيْهِ.

أَمَّا الطُّلُوعَ عَلَى الجَبَلِ فَبِدْعَةٌ وَتَعَوَّدَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَلَيْسَتْ بِمَشْرُوعَةٍ وَمَا طَلَعَ الرَسُولُ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الجَبَلِ وَلَكِنْ لَبُّوا وَذَكَرُوا اللهَ وَدَعَوا تَحْتَ الجَبَلِ.

وَمِنْ سُنَنِ عَرَفَةَ أَنْ نَخْرُجَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لا نَخْرُجَ قَبْلَهُ، وَمِنْ سُنَنِ عَرَفَةَ أَنْ نَجْمَعَ بَيْنَ المَغْرِبِ وَالعِشَاءِ فِي مُزْدَلِفَةَ، عِنْدَمَا نُفِيضُ مِْن عَرَفَةَ نُلَبِّي وَنُكَبِّرُ وَنَدْعُو، عِنْدَمَا نَصِلُ إِلَى مُزْدَلِفَةَ نَتَوَضَّأُ وَنُصَلِّي المَغْرِبَ وَالعِشَاءَ جَمْعًا، المَغْرِبَ ثَلاثَ رَكَعَاتٍ وَالعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ هَذِهِ سُنَّةٌ.

المَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ وَاجِبٌ وَالدُّعَاءُ فِيهِ وَالقِيَامُ بَعْدَ صَلاةِ الصُّبْحِ وَرَفْعُ اليَدَيْنِ إِلَى اللهِ مِنْ سُنَنِ المُزْدَلِفَةَ.

الْتِقَاطُ الحَصَى لَيْسَ بِسُنَّةٍ، لَكِنَّهُ الأَفْضَلُ؛ لِأَنَّ الرَسُولَ الْتَقَطَهَا مِنْ مُزْدَلِفَةَ حَتَّى لا تَبْقَى فِي مِنًى تَبْحَثُ عَنْ حِجَارَةٍ وَأَنْتَ مُتَمَكِّنٌ مِنْهَا فِي مُزْدَلِفَةَ، لَكِنْ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلا سُنَّةٍ بَلْ مُسْتَحَبٌّ وَأَرْفَقُ بِكَ.

رَمْيُ الجَمَرَاتِ وَاجِبٌ، يَوْمُ العِيدِ مَا عِنْدَنَا إِلَّا جَمْرَةُ العَقَبَةِ، وَالأَيَّامُ البَاقِيَةُ اثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ، نَبْتَدِئُ بِالجَمْرَةِ القَرِيبَةِ مِنْ مَسْجِدِ الخَيْرِ، أَيِ الصُّغْرَى ثُمَّ الوُسْطَى ثُمَّ الكُبْرَى، فَمَنْ عَكَسَ أَسَاءَ السُّنَّةِ، ، هَذَا التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ لا نُخَالِفُهُ.

وَمِنْ سُنَنِ الرَّمْيِ أَنَّكَ تَقُولُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ: بِسْمِ اللهِ، وَإِنْ فَرَغْتَ مِنَ الرَّمْيِ تَسْتَقْبِلُ البَيْتَ وَتَدْعُو اللهَ عَزَّ وَجَلَّ وَتَرْفَعُ يَدَيْكَ بِمَا شِئْتَ مِنْ خَيْرِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ ثُمَّ تَمْضِي إِلَى الجَمْرَةِ الوُسْطَى فَتَرْمِيهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ ثُمَّ تَقْفُ وَتَرْفَعُ يَدَيْكَ وَتَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ تَأْتِي إِلَى جَمْرَةِ العَقَبَةِ فَتَرْمِي وَلا دُعَاءَ، إِذْ لَمْ يَدْعُو عِنْدَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

كَذَلِكَ المَبِيتُ هَذِهِ اللَّيَالِي وَنَقْضِيهَا فِي ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، نَعَمْ نَأْكُلُ وَنَشْرَبُ وَنَسْتَرِيحُ وَلَكِنَّ الذِّكْرَ دَائِمًا بَعْدَ كُلِّ صَلاةٍ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ وَللهِ الحَمْدُ، حَتَّى إِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ إِنْ رَأَى النَّاسَ هَادِئِينَ وَسَاكِتِينَ، يَقِفُ بَيْنَ النَّاسِ وَيُهَلِّلُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ فَيُهَلِّلُونَ وَيَرْفَعُونَ صَوْتَهُمْ، أَيَّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، وَالغَافِلُونَ يَمْشُونَ فِي الأَسْوَاقِ وَيَبِيعُونَ وَيَشْتَرُونَ وَيَغْفُلُونَ عَنِ الدُّعَاءِ.

هَذَا واللهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا نَعْلَمُ وَأَنْ نَحُجَّ إِنْ شَاءَ اللهُ حَجًّا مَبْرُورًا.

وَأُنَبِّهُ إِخْوَانَنَا وَأَبْنَاءَنَا الشَّبِيبَةَ الَّذِينَ مَا حَجُّوا أَنْ يَغْتَنِمُوا الفُرْصَةَ، قَدْ لا يَسْتَطِيعُونَ الحَجَّ مِنْ عَامٍ آخَرَ، فَالحَجُّ عَلَى الفَرِيضَةِ عَلَى المُسْتَطِيعِينَ، وَنَحْنُ وَالحَمْدُ للهِ مُسْتَطِيعُونَ، فَالسَّيَارَاتُ وَالطَّائِرَاتُ وَالطَّعَامُ وَالشَّرَابُ وَالمَأْوَى الآمِنُ، فَلا يَحِلُّ لِأَحَدِنَا أَنْ يُؤَخِّرَ الحَجَّ إِلَى عَامٍ آخَرَ بَعْدَهُ إِلَّا مَا كَانَ ذَا عُذْرٍ حَقِيقِيٍّ كَمَا قَدَّمْنَا فهو.

هَذَا واللهَ تَعَالَى أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَنِي وَإِيَّاكُمْ بِمَا عَلِمْنَا، وَصَلَّى اللهُ وَسَلِّمَ عَلَى نَبِيَّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ.


(1) سورة آل عمران: 97.

(2) أخرجه مسلم من حديث جابر بن عبد الله في كتاب الحج- باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا (1297).

(3) أخرجه البخاري في كتاب اللباس- باب الجعد (5913)، ومسلم في كتاب الإيمان- بابالإسراء برسول الله صلى الله عليه و سلم إلى السماوات وفرض الصلوات (166).

(4) مالك بن أنس بن مالك الأصبحي الحميري، أبو عبد الله: إمام دار الهجرة، وأحد الأئمة الأربعة، وإليه تنسب المالكية، مولده ووفاته في المدينة 93 - 179 هـ. كان صلبا في دينه، بعيدا عن الأمراء والملوك، وشي به فضربه أمير المدينة ما بين ثلاثين الي مائه سوط ومدت يداة حتي انحلت كتفاه وكان سبب ذلك أنه أبي إلا أن يفتي بعدم وقوع طلاق المكره. ووجه إليه الرشيد العباسي ليأتيه فيحدثه، فقال: العلم يؤتى، فقصد الرشيد منزله واستند إلى الجدار، فقال مالك: يا أمير المؤمنين من إجلال رسول الله إجلال العلم، فجلس بين يديه، فحدثه. وسأله المنصور أن يضع كتابا للناس يحملهم على العمل به، فصنف الموطأ. انظر: تهذيب التهذيب (10/5)، وفيات الأعيان (1/439)، سير أعلام النبلاء (15/43– 135).

(5) محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان ابن شافع الهاشمي القرشي المطلبي، أبو عبد الله: أحد الأئمة الأربعة. وإليه نسبة الشافعية كافة. ولد في غزة (بفلسطين) سنة150هـ، وحمل منها إلى مكة وهو ابن سنتين. وزار بغداد مرتين. قال المبرد: كان الشافعي أشعر الناس وآدبهم وأعرفهم بالفقه والقراآت. وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما أحد ممن بيده محبرة أو ورق إلا وللشافعي في رقبته منة. وكان من أحذق قريش بالرمي، يصيب من العشرة عشرة، برع في ذلك أولا كما برع في الشعر واللغة وأيام العرب، ثم أقبل على الفقه والحديث، وأفتى وهو ابن عشرين سنة. وكان ذكيا مفرطا. وقصد مصر سنة 199هـ فتوفي بها سنة 204هـ، وقبره معروف في القاهرة. انظر: وفيات الأعيان (4/163-169)، سير أعلام النبلاء (19/2-80)، الوافى بالوفيات (2/171-181)، تهذيب التهذيب (9/25-31).

(6) سورة آل عمران: 97.

(7) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب قول الله تعالى: ﴿فلا رفث﴾ (1819)، ومسلم في كتاب الحج- باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة (1350).

(8) سورة الشمس: 9، 10.

(9) تقدم تخريجه.

(10) أخرجه أبو داود في كتاب السنة- باب فى لزوم السنة، (4607)، والترمذي في كتاب العلم- باب ما جاء في الأخذ بالسنة واجتناب البدع (2676)، من حديث العرباض بن سارية، وصححه الألباني «صحيح أبي داود».

(11) ما قبله.

(12) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب مهل أهل مكة للحج والعمرة (1524)، ومسلم في كتاب الحج- باب مواقيت الحج والعمرة (1181).

(13) أخرجه أبو داود في كتاب الحج- باب من لم يدرك عرفة (1949)، والترمذي في كتاب الحج- باب ما جاء فيمن أدرك الإمام بجمع فقد أدرك الحج (889)، والنسائي في كتاب الحج- باب فرض الوقوف بعرفة (3016)، وابن ماجه في كتاب الحج- باب من أتى عرفة قبل الفجر ليلة الجمع (3015)، من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلى، وصححه الألباني في صحيح الجامع (3172).

(14) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب الحلق والتقصير عند الإحلال(1727)، ومسلم في كتاب الحج- باب تفضيل الحلق على التقصير وجواز التقصير(1301).

(15) سورة الفتح: 27.

(16) أخرجه البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء- باب9 (3364) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(17) تقدم تخريجه.

(18) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب قول النبى صلى الله عليه وسلم: «العقيق واد مبارك»، (1534)، من حديث ابن عباس.

(19) سورة البقرة: 196.

(20) عائشة بنت أبي بكر الصديقة بنت الصديق أم المؤمنين، زوج النبي صلى الله عليه وسلم وأشهر نسائه، تزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة قبل الهجرة بسنتين، وهي بنت سبع، وابتني بها بالمدينة وهي ابنة تسع، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أري عائشة في المنام في سرقة من حرير فقال: «إن يكن هذا من عند الله يمضه» فتزوجها بعد موت خديجة بثلاث سنين، ولم ينكح صلى الله عليه وسلم بكرًا غيرها، وتوفي عنها صلى الله عليه وسلم وهي بنت ثمان عشرة سنة وكان مكثها معه صلى الله عليه وسلم تسع سنين. قال الزهري: لو جمع علم عائشة إلى علم جميع أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وعلم جميع النساء لكان علم عائشة أفضل. توفيت سنة ثمان وخمسين، ودفنت بالبقيع. انظر: الاستيعاب (2/108–110) أسد الغابة (3/383-385) الإصابة (8/16-20).

(21) سورة البقرة: 198.

(22) سورة البقرة: 197.

(23) سورة النور: 30.

(24) سورة الحجرات: 10.

(25) أخرجه مسلم في كتاب البر والصلة والآداب- باب تحريم ظلم المسلم وخذله واحتقاره ودمه وعرضه وماله (2564).

(26) تقدم تخريجه.

(27) أخرجه البخاري في كتاب الحج: باب استلام الحجر الأسود حين يقدم مكة (1602)، ومسلم في كتاب الحج باب استحباب الرمل في الطواف للعمرة وفي الطواف الأول من الحج (1266).

(28) سورة البقرة: 34.