موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ - شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبدالسلام بن محمد الشويعر
  
 
 شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني)
 بَابُ صَلاةِ الْعِيدَيْنِ
 بَابُ صَلاةِ الْكُسُوفِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ صَلَاةِ الاسْتِسْقَاءِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابِ صَلَاةِ الجَنَازَةِ
 بَابُ أَحْكَامِ الجَنَازَةِ
 الأَسْئِلَةُ
 كِتَابُ الزَّكَاةِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ الْخَارِجِ مِنَ الأَرْضِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ زَكَاةِ النَّقْدَيْنِ
 بَابُ زَكَاةِ الْعُرُوضِ
 بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ
 بَابُ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ
 بَابُ أَهْلِ الزَّكَاةِ. وَهُمْ ثَمَانِيَةٌ، لا يَجُوزُ صَرْفُهَا إِلَى غَيْرِهِمْ
 الأَسْئِلَةُ
 الْغَارِمُونَ، وَهُمُ الْمَدِينُونَ
 وَصَدَقَةُ التِّطَوُّعِ مَسْنُونَةٌ كُلَّ وَقْتٍ
 كِتَابُ الصِّيَامِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ مُا يُفْسِدُ الصَّوْمَ
 وَأَفْضَلُ صِيَامِ التَّطَوُّعِ
شرح آداب المشي إلى الصلاة (الجزء الثاني) - بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ).

زَكَاةُ الفِطْرِ وَاجِبَةٌ، وَقَدْ ذَكَرَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ، وَقَدْ جَاءَ أَنَّ قَوْلَ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى(1). أَيْ: أَخْرَجَ زَكَاةَ الفِطْرِ.

وَثَبَتَ فِي (الصَّحِيحِ) مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةَ الفِطْرِ صَاعًا مِنْ بُرٍّ أَوْ شَعِيرٍ(2).

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَهِيَ طُهْرَةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ الْعِيدِ وَلَيْلَتَهُ صَاعٌ عَنْهُ وَعَمَّنْ يَمُونُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَلا تَلْزَمُهُ عَنِ الأَجِيرِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَنِ الْجَمِيعِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبُ، وَلا تَجِبُ عَنِ الْجَنِينِ إِجْمَاعًا، وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ مُسْلِمٍ شَهْرَ رَمَضَانَ لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ).

قَوْلُهُ: (وَهِيَ طُهْرةٌ لِلصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ). أَيْ: أَنَّهَا تُتَمِّمُ مَا نَقَصَ مِنَ الصَّائِمِ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ، وَمَا جَاءَ مِنْ حَدِيثِ البَرَاءِ كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا فَهُوَ ضَعِيفٌ، وَلَكِنَّهُ يُنْقِصُ الأَجْرَ، فَمَا كَانَ مِنْ نَقْصٍ مِنَ الصَّوْمِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ فَإِنَّ مَا يَفْعَلُهُ المَرْءُ مِنَ النَّوَافِلِ وَالوَاجِبَاتِ يُتَمِّمُ هَذَا النَّقْصَ، وَمِنَ النَّوَافِلِ صِيَامُ سِتٍّ مِنْ شَوَّالٍ، وَالوَاجِبُ هُوَ زَكَاةُ الفِطْرِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَهِيَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ)؛ لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ السَّابِقِ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ زَكَاةُ الفِطْرِ صَاعًا. مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ.

قَوْلُهُ: (إِذَا فَضَلَ عِنْدَهُ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ). أَيْ: إِذَا كَانَ عِنْدَهُ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ وَيَزِيدُ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ، وَالدَّلِيلُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ هَذَا الصَّاعُ الفَضْلَةُ عَنْ حَاجَتِهِ وَحَاجَةِ عِيَالِهِ يُسَمَّى فَقِيرًا، وَالفَقِيرُ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ»(3). فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حَاجَةَ النَّفْسِ وَالوَلَدِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى زَكَاةِ الفِطْرِ.

وَقَوْلُهُ: (يَوْمَ العِيْدِ وَلَيْلَتَهُ). أَيْ: أَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ تَخْرُجُ يَوْمَ العِيْدِ وَلَيْلَتَهُ، فَوَقْتُ وُجُوبِ زَكَاةِ الفِطْرِ هُوَ غِيَابُ شَمْسِ لَيْلَةِ العِيدِ، فَإِذَا غَابَتِ الشَّمْسُ الَّتِي يَكُونُ غَدُهَا يَوْمَ العِيدِ فَإِنَّهُ يَبْدَأُ وَقْتُ الوُجُوبِ، وَسَيَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ وَقْتُ انْتِهَائِهِ.

قَوْلُهُ: (صَاعٌ عِنْهُ وَعَمَّنْ يَمُونُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ).

(صَاعٌ) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الأَطْعِمَةِ جَمِيعًا، وَمَا جَاءَ مِنْ فِعْلِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَدَّرَ الحِنْطَةَ السَّمْرَاءَ بِنِصْفِ صَاعٍ أَيْ: مُدَّيْنِ فَهَذَا اجْتِهَادٌ مِنْهُ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَمَّا سَمِعَ بِفَتْوَى مُعَاوَيِةَ قَالَ: فَأَمَّا أَنَا فَلَا أَزَالُ أُخْرِجُهَا كَمَا كُنْتُ أُخْرِجُهَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ.

وَاسْتَدَلُّ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ عَلَى ضَعْفِ قَوْلِ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِمَا جَاءَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ»(4). وَكَلِمَةُ (طَعَامٍ) تَشْمَلُ سَائِرَ الأَطْعِمَةِ.

قَوْلُهُ: (وَعَمَّنْ يَمُونُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ). الَّذِي يُمَوِّنُهُ المَرْءُ عَلَى نَوْعَيْنِ: إِمَّا أَنْ تَكُونَ نَفَقُتُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الوُجُوبِ الشَّرْعِيِّ، وَهَؤُلَاءِ هُمُ الأَقَارِبُ وَالرَّقِيقُ، فَيَجِبُ إِخْرَاجُهَا عَنْهُمْ.

وَقَدْ تَكُونُ مِنْ بَابِ التَّطَوُّعِ، وَهُوَ أَنْ يَتَطَوَّعَ امْرُؤٌ عَنْ آخَرَ بِأَنْ يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّ الفُقَهَاءَ يَقُولُونَ وَسَتَأْتِي هَذِهِ المَسْأَلَةُ بَعْدَ قَلِيلٍ: إِنَّ المَرْءَ إِذَا تَطَوَّعَ عَنْ آخَرَ بِأَنْ يَكْفِيَهِ مُؤْنَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الفِطْرِ.

إِذَنْ قَوْلُهُ: (مَنْ يُمَوِّنُهُ)، عَلَى نَوْعَيْنِ: إِمَّا عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ وَهُوَ النَّفَقَةُ الوَاجِبَةُ، أَوْ عَلَى سَبِيلِ الاسْتِحْبَابِ وَسَتَأْتِي بَعْدَ قَلِيلٍ.

قَوْلُهُ: (وَلَا تَلْزَمُهُ عَلَى الأَجِيرِ). أَيِ: الأَجِيرُ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ قَبْلَهُ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ أَكْثَرَ، لَا تَلْزَمُهُ؛ لِأَنَّ الأَجِيرَ لَا تَجِبُ لَهُ النَّفَقَةُ وَإِنَّمَا تَجِبُ لَهُ الأُجْرَةُ، وَهَذَا الطَّعَامُ الَّذِي يَأْكُلُهُ الأَجِيرُ مِنْ أُجْرَتِهِ هُوَ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَكَ أَجِيرٌ وَعَمِلَ شَهْرًا وَأَعْطَيْتَهُ طَعَامًا؛ فَهَذَا الطَّعَامُ مِنَ الأُجْرَةِ؛ لِأَنَّ العُلَمَاءَ يَقُولُونَ: تَجُوزُ الأُجْرَةُ بِالأَكْلِ وَالشُّرْبِ.

قَوْلُهُ: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَنِ الجَمِيعِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ، ثُمَّ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ). فَإِنْ لَمْ يَجِدْ طَعَامًا يَكْفِيهِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبِ مِنْ قَرَابَتِهِ، وَالأَقْرَبُ مِنْ قَرَابَاتِ الرَّجُلِ لِلنَّفَقَةِ: زَوْجَتُهُ، فَيَبْدَأُ بِزَوْجَتِهِ، ثُمَّ بَعْدَ زَوْجَتِهِ يَنْتَقِلُ لِرَقِيقِهِ إِنْ كَانَ يَمْلِكُ رَقِيقًا، ثُمَّ أُمِّهِ، ثُمَّ يَنْتَقِلُ لِأَبِيهِ، وَالأُمُّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الأَبِ، فَإِنْ فَضُلَ فَإِنَّهُ يُخْرِجُ عَنْ وَلَدِهِ حَسَبَ تَسَاوِيهِمْ فِي الدَّرَجَةِ وَفِي القُوَّةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ سَائِرُ القَرَابَاتِ بِحَسَبِ مِيرَاثِهِمْ.

قَالَ الشَّيْخُ: (وَلَا تَجِبُ عَنِ الجَنِينِ إِجْمَاعًا). حَكَى الإِجْمَاعَ ابْنُ المُنْذِرِ، وَإِنَّمَا يُسْتَحَبُّ إِخْرَاجُهَا عَنِ الجَنِينِ وَلَوْ كَانَ ابْنَ يَوْمٍ لَمْ يُنْفَخْ فِيهِ الرُّوحُ؛ لِفِعْلِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنِ الجَنِينِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ: (وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ مُسْلِمٍ شَهْرَ رَمَضَانَ لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ). هَذِهِ هِيَ المَسْأَلَةُ الَّتِي قَالَ عَنْهَا الشَّيْخُ: (وَعَمَّنْ يُمَوِّنُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ)، فَالنَّفَقَةُ إِمَّا أَنْ تَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الوُجُوبِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ مِنْهُ، فَمَنْ تَبَرَّعَ بِنَفَقَةِ شَخْصٍ فِي رَمَضَانَ كَامِلًا فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ مَؤُنَتُهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِالصَّدَقَةِ عَمَّنْ يُمَوِّنُونَ. فَشَمِلَ هَذَا الحَدِيثُ مَنْ يُمَوِّنُونَ بِسَبَبِ النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ أَوْ بِسَبَبِ التَّبَرُّعِ.

أَسْأَلُ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ لِلجَمِيعِ التَّوْفِيقَ وَالسَّدَادَ، وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (يومَ العيدِ وَلَيْلَتَهُ صَاعٌ عَنْهُ وَعَمَّنْ يَمُونُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ).

قَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (إِذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ). هَذَا الظَّرْفُ أَعْنِي: يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: (إِذَا فَضَلَ). أَيْ: حَالَ يَوْمِ العِيدِ وَلَيْلَتِهِ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُ فِي هَذَا اليَوْمِ وَلَيْلَتِهِ مَا يَزِيدُ عَنْ حَاجَتِهِ مِقْدَارَ صَاعٍ، فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الحَالِ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ أَوْ عَمَّنْ يَمُونُ.

قَوْلُهُ: (وَعَمَّنْ يَمُونُهُ مِنَ المُسْلِمِينَ). ذَكَرَنْا أَنَّ مَنْ يَمُونُهُ المُسْلِمُ مِنَ المُسْلِمِينَ عَلَى نَوْعَيْنِ:

إِمَّا أَنْ تَكُونَ المُؤْنَةُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ بِنَصِّ الشَّارِعِ، وَذَلِكَ فِي النَّفَقَةِ الوَاجِبَةِ؛ إِمَّا عَلَى الزَّوْجَةِ أَوْ عَلَى الأَبْنَاءِ أَوْ القَرَابَاتِ أَوِ الرَّقِيقِ.

وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ المُؤْنَةُ وَاجِبَةً بِتَبَرُّعِ الشَّخْصِ، وَسَيَأْتِي مَعَنَا أَنَّ مَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ شَهْرِ رَمَضَانَ كُلَّهُ بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَكِسْوَتِهِ وَسَكَنِهِ... فَإِنَّهُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الفِطْرِ؛ لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: «عَمَّنْ يَمُونُ». مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ مَانَ امْرَءًا سَوَاءً كَانَ عَلَى الوُجُوبِ أَمْ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الفِطْرِ عَنْهُ.

قَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلا تَلْزَمُهُ عَنِ الأَجِيرِ).

لِأَنَّ الأَجِيرَ لَا يَمُونُهُ، وَلَوْ كَانَ طَعَامُهُ مِنْ أُجْرَتِهِ، أَوْ كَانَتْ نَفَقَتُهُ فِي السُّكْنَى وَنَحْوِهَا فَإِنَّهَا مَشْرُوطَةٌ عَلَيْهِ مِنَ الأُجْرَةِ، فَإِنَّ هَذَا لَا يُسَمَّى مُؤْنَةً وَلَا نَفَقَةً لَا وَاجِبَةً وَلَا بِالتَّبَرُّعِ، وَإِنَّمَا هِيَ عِوَضٌ فِي الإِجَارَةِ؛ فَلِذَا لَا يَلْزَمُ المُؤَجِّرُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الفِطْرِ عَنْ أَجِيرِهِ.

قَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (فَإِنْ لَمْ يَجِدْ عَنِ الْجَمِيعِ بَدَأَ بِنَفْسِهِ).

لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ابْدَأْ بِنَفْسِكَ، ثُمَّ بِمَنْ تَعُولُ»(5).

قَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (ثُمَّ الأَقْرَبِ فَالأَقْرَبُ مِنْ قَرَابَتِهِ).

وَالأَقْرَبُ مِنْ قَرَابَةِ المَرْءِ زَوْجُهُ، ثُمَّ إِنْ فَضَلَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ يُنْفِقُ عَلَى وَالِدَيْهِ، وَتُقَدَّمُ الأُمُّ عَلَى الأَبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعَلَهَا أَوْلَى بِحَقِّ البِرِّ، فَإِذَا كَانَتْ أَحَقَّ بِالبِرِّ كَانَتْ أَحَقَّ فِي النَّفَقَةِ، ثُمَّ بَعْدَ الوَالِدَيْنِ الأَبْنَاءُ، ثُمَّ سَائِرُ القَرَابَاتِ أَعْنَي بِهِمُ العَصَبَةَ؛ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ تَجِبُ لَهُمُ النَّفَقَةُ دُونَ مَنْ عَدَاهُمْ بِحَسَبِ قُرْبِهِم فِي المِيرَاثِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلا تَجِبُ عَلَى الْجَنِينِ إِجْمَاعًا).

حَكَاهُ ابْنُ المُنْذِرِ إِجْمَاًعا، وَدَلِيلُ اسْتِحْبَابِهِ: فِعْلُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ فِي إِخْرَاجِهَا عَنِ الجَنِينِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَمَنْ تَبَرَّعَ بِمُؤْنَةِ مُسْلِمٍ شَهْرَ رَمَضَانَ لَزِمَتْهُ فِطْرَتُهُ).

أَيْ: مَنْ تَبَرَّعَ عَنْ مُسْلِمٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهِ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَكِسْوَتِهِ وَسَكَنِهِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَامِلًا؛ فَإِنَّهُ تَلْزَمُهُ زَكَاةُ الفِطْرِ عَنْهُ؛ لِأَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَهْرِ رَمَضَانَ، فَقَدْ جَعَلَهَا اللهُ عَزَّ وَجَلَّ طُهْرَةَ مِنَ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ.

وَلِذَلِكَ فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يُخْرِجَ المَرْءُ زَكَاةَ الفِطْرِ فِي البَلَدِ الَّتِي صَامَ فِيهَا، مِمَّا يَدُلُّنَا عَلَى أَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ مُتَعَلِّقَةٌ بِشَهْرِ رَمَضَانَ، وَهِيَ مُكَمِّلَةٌ لَهُ وَمُتَمِّمَةٌ، فَمَنْ تَطَوَّعَ بِالتَّبَرُّعِ بِالنَّفَقَةِ لِشَخْصٍ مَا شَهْرَ رَمَضَانَ كُلَّهُ؛ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ عَنْهُ زَكَاةَ الفِطْرِ، وَلِذَا ذَكَرْتُ لَكُمْ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ عَمَّنَ يَمُونُونَ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ الْعِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ).

الأَمْرُ الأَوَّلُ: دَلِيلُ جَوَازِ تَقْدِيمِ زَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: وَكُنَّا نُخْرِجُهَا قَبْلَ العِيْدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.

وَقَوْلُنَا: بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. أَيْ: مَعَ لَيْلَتَيْهِمَا، فَيَجُوزُ إِخْرَاجُهَا قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ مَعَ لَيْلَتَيْهِمَا؛ لِأَنَّ اليَوْمَ إِذَا أُطْلِقَ مُنْفَرِدًا فَفِي الغَالِبِ يَشْمَلُ اليَوْمَ مَعَ لَيْلَتِهِ.

الأَمْرُ الثَّانِي: أَنَّ قَوْلَهُمْ: بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ. (أَوْ) لَيْسَتْ لِمُطْلَقِ التَّخْيِيرِ، وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّخْيِيرِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الشُّهُورِ، فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا جَازَ لِلمَرْءِ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الفِطْرِ قَبْلَ يَوْمِ العِيْدِ بِيَوْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا أَيْ: أَنَّهُ لَمْ يُتَمِّمُ الثَّلَاثِينَ وَإِنَّمَا هُوَ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا، فَإِنَّهُ يُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنْ بَابِ الرُّخْصَةِ قَبْلَهَا بِيَوْمٍ وَاحِدٍ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِنَّنَا نَقُولُ: سَوَاءٌ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا أَمْ غَيْرَ تَامٍّ، إِذَا غَابَتْ شَمْسُ يَوْمِ الثَّامِنِ وَالعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ جَازَ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الفِطْرِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ الشَّهْرُ تَامًّا فَإِنَّهُ يَكُونُ قَدْ أَخْرَجَ زَكَاةَ الفِطْرِ قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمَيْنِ، وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا يَكُونُ قَدْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ يَوْمَ التَّاسِعِ وَالعِشْرِينَ، فَيَكُونُ قَدْ أَخْرَجَهَا قَبْلَ العِيدِ بِيَوْمٍ وَاحِدٍ.

إِذَنْ فَقَوْلُهُ: (أَوْ) تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الأَشْهُرِ وَلَيْسَتْ مُطْلَقَةً.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَلا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ).

وَهَذَا مَا يُسَمَّى بِوَقْتِ الوُجُوبِ؛ فَإِنَّ وَقْتَ الوُجُوبِ يَبْدَأُ بِغِيَابِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ، كَمَا لَا يَخْفَى، وَيَنْتَهِي وَقْتُ الوُجُوبِ عِنْدَ الفُقَهَاءِ مَعَنَا هُنَا بِغِيَابِ شَمْسِ يَوْمِ العِيدِ؛ أَيْ أَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ يَجُوزُ إِخْرَاجُهَا فِي هَذَا اليَوْمِ إِلَى مُنْتَهَى غِيَابِ الشَّمْسِ.

وَدَلِيلُهُمْ عَلَى أَنَّ مُنْتَهَى وَقْتِهَا وَقْتِ الوُجُوبِ المَشْرُوعِ فِيهِ غِيَابُ الشَّمْسِ: مَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «أَغْنُوهُمْ عَنِ السُّؤَالِ فِي هَذَا الْيَوْمِ»(6). وَاليَوْمُ يَشْمَلُ اليَوْمَ مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ إِلَى غِيَابِ الشَّمْسِ، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إِغْنَاءَهُمْ يَمُدُّ الوَقْتَ فِي وَقْتِ زَكَاةِ الفِطْرِ إِلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ، وَهَذَا هُوَ المَذْهَبُ، وَعَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَانْتَصَرَ لَهُ الشَّيْخُ.

وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى يَرَى أَنَّ نَهَايَةَ وَقْتِ المَشْرُوعِيَّةِ وَالوُجُوبِ الأَصْلِيِّ إِنَّمَا هُوَ الصَّلَاةُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «وَمَنْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ الصَّلاةِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ»(7). فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ وَقْتَهَا يَنْتَهِي بِالصَّلَاةِ.

وَالجُمْهُورُ يَرَوْنُ أَنَّهُ بِانْتِهَاءِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ. أَيْ: تَبْقَى عَلَى كَوْنِهَا صَدَقَةَ الفِطْرِ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَقَضَى).

أَيْ: فَإِنْ أَخَّرَهَا عَنْ يَوْمِ الفِطْرِ فَأْخَرَجَهَا لَيْلَةَ الثَّانِي مِنَ العِيدِ، أَوْ يَوْمَ الثَّانِي مِنَ العِيدِ. (فَإِنْ فَعَلَ أَثِمَ وَقَضَى). أَيْ أَنَّهَا تَبْقَى فِي ذِمَّتِهِ، وَيَلْزَمُ الشَّخْصُ أَنْ يُخْرِجَهَا وَلَوِ انْقَضَى يَوْمُ العِيدِ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُخْرِجَ زَكَاةَ الفِطْرِ وَلَوْ تَرَاخَى، فَإِنْ كَانَ تَأَخُّرُهُ عَنْ هَذَا اليَوْمِ بِعُذْرٍ فَإِنَّهُ يَرْتَفِعُ عَنْهُ الإِثْمُ؛ لِقَوْلِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَ(8). وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: قَدْ فَعَلْتُ»(9). قَالَ الصَّحَابَةُ: فَمَا فَرِحُوا بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ اليَوْمِ.

وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَنْ تَفْرِيطٍ مِنْهُ أَوْ قَصْدٍ مِنْهُ فَلَا شَكَّ أَنَّ الإِثْمَ بَاقٍ، وَالقَضَاءُ لَازِمٌ عَلَيْهِ فِي الحَالَتَيْنِ مَعًا، بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ وَاجِدًا لِهَذَا الصَّاعِ، فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ يَوْمَ العِيدِ وَلَيْلَتَهُ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَالأَفْضَلُ يَوْمَ الْعِيدِ).

أَيْ: وَالأَفْضَلُ إِخْرَاجُ زَكَاةِ الفِطْرِ قَبْلَ الصَّلَاةِ.

وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الأَفْضَلِيَّةَ فِي إِخْرَاجِهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي (الصَّحِيحِ) أَنَّهُ قَالَ: أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَهَا أَيْ: زَكَاةَ الفِطْرِ قَبْلَ صَلَاةَ العِيدِ.

نُلَخِّصُ مِنْ كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: أَنَّ زَكَاةَ الفِطْرِ لَهَا خَمْسَةُ أَوْقَاتٍ:

الوَقْتُ الأَوَّلُ وَهُوَ أَفْضَلُ وَقْتٍ لِإخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ: أَنْ يَكُونَ بَعْدَ طُلُوعِ الفَجْرِ مِنْ يَوْمِ العِيدِ وَقَبْلِ صَلَاةِ العِيدِ. هَذَا هُوَ أَفْضَلُ أَوْقَاتِ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ.

الوَقْتُ الثَّانِي هُوَ وَقْتُ الوُجُوبِ: وَيَبْدَأُ مِنْ غِيَابِ شَمْسِ آخِرِ يَوْمٍ مِنْ أَيَّامِ رَمَضَانَ، وَيَكُونُ مُنْتَهَاهُ أَيْ وَقْتُ الوُجُوبِ عَلَى المَذْهَبِ غِيَابَ شَمْسَِ يَوْمِ العِيدِ، وَعَلَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَكُونُ مُنْتَهَاهُ بِأَدَاءِ صَلَاةِ العِيدِ.

وَلَكِنْ: مَا الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ الوُجُوبِ؟

يَتَعَلَّقُ بِوَقْتِ الوُجُوبِ أَنَّ هَذَا الوَقْتَ هُوَ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ مِلْكُ مَا فَضَلَ عَنْ قُوتِهِ وَمُؤْنَةِ عِيَالِهِ.. وَنَحْوِ ذَلِكَ.

الوَقْتُ الثَّالِثُ: هُوَ الوَقْتُ الَّذِي يَجُوزُ لِلمَرْءِ فَهُوَ وَقْتُ جَوَازٍ، أَيْ: رُخْصَةٌ لِلمَرْءِ أَنْ يُخْرِجَ الزَّكَاةَ فِيهِ، وَهَذَا الَّذِي سَبَقَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تُقَدَّمَ زَكَاةُ الفِطْرِ قَبْلَ يَوْمِ العِيدِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ.

الوَقْتُ الرَّابِعُ: هُوَ مَا يُسَمَّى بِوَقْتِ الكَرَاهَةِ، وَوَقْتُ الكَرَاهَةِ إِنَّمَا يَتَحَقَّقُ عَلَى وَقْتِ الحَنَابِلَةِ فَقَطْ، فَإِنَّهُمْ يَرَوْنَ وَقْتَ كَرَاهَةِ إِخْرَاجِ زَكَاةِ الفِطْرِ يَكُونُ بَعْدَ صَلَاةِ العِيدِ، وَذَكَرْتُ لَكُمْ أَنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينَ يُلْحِقُ وَقْتَ الكَرَاهَةِ بِالوَقْتِ الخَامِسِ.

الوَقْتُ الخَامِسُ: وَهُوَ وَقْتٌ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا إِلَيْهِ، وَمَنْ قَدْ فَعَلَهَا فِيهِ فَإِنَّمَا فَعَلَهَا مِنْ بَابِ القَضَاءِ لَا مِنْ بَابِ الأَدَاءِ، وَهُوَ فِعْلُهَا بَعْدَ غِيَابِ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ العِيدِ، وَمَنْ فَعَلَهَا عَامِدًا فَقَدْ أَثِمَ، وَعَلَى اخْتِيَارِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ أَنَّ مَنْ فَعَلَهَا بَعْدَ صَلَاةِ العِيدِ فَقَدْ أَثِمَ. وَالأَدِلَّةُ سَبَقَ بَيَانُهَا قَبْلَ قَلِيلٍ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَالْوَاجِبُ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ).

أَي: الوَاجِبُ عَلَى المَرْءِ أَنْ يُخْرِجَ صَاعًا، وَسَوَاءٌ كَانَ المُخْرَجُ عَنْهُ ذَكَرًا أَمْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ كَانَ المُخْرَجُ عَنْهُ حَيًّا أَمْ جَنِينًا لَمْ تَسْتَقِرُّ الحَيَاةُ فِيهِ، فَإِنَّهُم سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ كَانَ حُرًّا أَمْ عَبْدًا.. فَالكُلُّ يَجِبُ عَلَيْهِ الصَّاعُ.

قَوْلُهُ: (الوَاجِبُ صَاعٌ). تَكَلَّمْنَا عَلَى مِقْدَارِ الصَّاعِ، وَأَنَّ الَّذِي صَدَرَ بِهِ قَرَارُ هَيْئَةِ كِبَارِ العُلَمَاءِ قَرِيبًا أَنَّ الصَّاعَ وَحْدَةُ كَيْلٍ، وَيُعَادِلُ إِنَاءً يَكُونُ فِيهِ ثَلَاثَةُ لِتْرَاتٍ مِنَ المَاءِ.

وَقَوْلُهُ: (صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ). فَهُوَ أَفْضَلُ مَا تُخْرَجُ مِنْهُ زَكَاةُ الفِطْرِ، فَقَدْ كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ يُخْرِجُ زَكَاةَ الفِطْرِ مِنَ التَّمْرِ، فَأَفْضَلُ مَا تُخْرَجُ زَكَاةُ الفِطْرِ مِنَ التَّمْرِ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّمَا أَخْرَجَ زَكَاةَ الفِطْرِ تَمْرًا.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (أَوْ بُرٍّ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ أَقِطٍ).

وَهَذِهِ الأُمُورُ الخَمْسَةُ ثَابِتَةٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يُخْرِجُوهَا مِنْ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ، وَأَمَّا غَيْرُ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ مِنَ المَطْعُومَاتِ فَإِنَّ المَذْهَبَ كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ قَالَ: فَإِنْ عَدِمَهَا أَخْرَجَ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا مِنْ قُوتِ البَلَدِ.

فَمَشْهُورُ المَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الصَّيْرُورَةُ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ المَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ إِلَّا أَنْ يَعْدِمَهَا المَرْءُ، وَيَعْجَزُ عَنِ التَّمْرِ أَوِ الشَّعِيرِ أَوِ البُرِّ أَوِ الأَقِطِ أَوِ الزَّبِيبِ. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ هَذِهِ الأُمُورِ الخَمْسَةِ جَازَ لَهُ الانْتِقَالُ إِلَى غَيْرِهَا؛ كَالأُرْزِ وَالذُّرَةِ.. وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الحُبُوبِ الَّتِي يَقْتَاتُهَا النَّاسُ. فَلَا يَجُوزُ الانْتِقَالُ إِلَيْهَا إِلَّا عِنْدَ هَذَا.

وَالقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الفَتْوَى، وَهُوَ اخْتِيَارُ جَمْعٍ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ، وَمِنْهُمُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ: أَنَّهُ يَجُوزُ الصَّيْرُورَةُ لِغَيْرِهَا، وَإِنْ وُجِدَتْ هَذِهِ الأُمُورُ الخَمْسَةُ، وَدَلِيلُ ذَلِكَ قَالُوا: مَا جَاءَ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: (أَوْ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ)(10). فَصَاعٌ مِنْ طَعَامٍ تَشْمَلُ كُلَّ مَا يَطْعَمُهُ النَّاسُ وَيَتَنَاوَلُونَهُ وَيَجْعَلُونَهُ قُوتًا لَهُمْ.

وَإِنْ كَانَ مَشْهُورُ المَذْهَبِ وَالَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ المُؤَلِّفُ: أَنَّهُم حَمَلُوا قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَوْ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ». عَلَى البُرِّ خَاصَّةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا فِي لُغَةِ قُرَيْشٍ يُسَمُّونَ البُرَّ طَعَامًا؛ لِأَنَّهُ أَكْرَمُ طَعَامِهِمْ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَأَحَبَّ أَحْمَدُ تَنْقِيَةَ الطَّعَامِ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ(11)).

أَيْ: يُسْتَحَبُّ لِلمَرْءِ إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا أَنْ يُخْرِجَهُ مُنَقًّى نَظِيفًا؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَبْقَى فِي بَعْضِ الحُبُوبِ كَالبُرِّ وَغَيْرِهِ بَعْضُ الشَّوَائِبِ، فَالسُّنَّةُ لِلمَرْءِ إِذَا أَخْرَجَ طَعَامًا فِي زَكَاةِ الفِطْرِ أَنْ يُخْرِجَهُ مُنَقًّى تَنْقِيَةً قَرِيبَةً مِنَ التَّمَامِ؛ لِكَيْ يَكُونَ أَكْمَلَ فِي صَدَقَتِهِ، وَالمَرْءُ كُلَّمَا أَخْرَجَ مَالًا طَيِّبًا كَانَ أَعْظَمَ أَجْرًا لَهُ وَلَا شَكَّ.

وَهُنَا مَسْأَلَةٌ: أَنَّهُ إِذَا نُقِّيَ الصَّاعُ مِنْ طَعَامٍ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ وَزْنُهُ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ أَوْ كَيْلُهُ بَعْدَ التَّنْقِيَةِ صَاعًا.

المَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ قَرِيبَةٌ مِنْهَا، وَلَمْ يَذْكُرْهَا الشَّيْخُ وَهِيَ: هَلْ يُشْرَعُ رِفْقًا بِالفَقِيرِ أَنْ أُخْرِجَ هَذَا الصَّاعَ بَدَلًا مِنْ أَنْ يَكُونَ حَبًّا أَنْ يَكُونَ مَطْحُونًا عَلَى هَيْئَةِ دَقِيقٍ وَنَحْوِهِ؟

يَقُولُ الفُقَهَاءُ: لَا يُشْرَعُ؛ لِأَنَّكَ عِنْدَمَا تَطْحَنُ صَاعًا مِنْ بُرٍّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الطَّحْنِ يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ صَاعٍ، وَغَالِبًا بَعْدَ الطَّحْنِ تَذْهَبُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ وَتَطِيرُ فِي الهَوَاءِ كَالنُّخَالَةِ وَغَيْرِهَا، مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْقُصُ، فَهُنَا لَا تَطْحَنْهَا لِلفَقِيرِ، وَإِنَّمَا أَخْرِجْهُ صَاعًا؛ فَرُبَّمَا انْتَفَعَ بِهِ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.

لَكِنْ لَوْ أَرَادَ امْرُؤٌ أَنْ يُخْرِجَ صَاعًا كَامِلًا مَطْحُونًا، فَقَالَ: سَآتِي بِصَاعِ هَذَا الإِنَاءِ الَّذِي يَحْوِي ثَلَاثَةَ لِتْرَاتٍ وَسَأَمْلَؤُهُ دَقِيقًا مَطْحُونًا. فَيَجُوزُ فِي هَذِهِ الحَالَةِ، وَكَلَامُ الفُقَهَاءِ عَلَى أَنْ تَأْخُذَ الصَّاعَ ثُمَّ تَطْحَنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ.

يَقُولُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: (وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ الْجَمَاعَةَ مَا يَلْزَمُ الْوَاحِدَ وَعَكْسُهُ).

أَيْ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعْطِيَ مَجْمُوعًا مِنَ النَّاسِ مَا يَلْزَمُ الوَاحِدَ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ، مِثْلَ أَنْ يُعْطِيَ جَمَاعَةً صَاعًا وَاحِدًا فَيَقْسِمَهُ بَيْنَهُمْ، أَوْ يَقْسِمَ هَذَا الصَّاعَ بَيْنَ ثَلَاثَةِ أَشْخَاصٍ أَوْ أَكْثَرَ.

قَالُوا: لَكِنْ يُسْتَحَبُّ أَلَّا يُنْقِصَ كُلَّ فَقِيرٍ عَنْ مُدٍّ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَبُ مَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي الشَّخْصَ مُدًّا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ.

وَكَذَلِكَ العَكْسُ: فَيَجُوزُ أَنْ يَأْخُذَ فَقِيرٌ وَاحِدٌ زَكَاةَ عَشَرَةٍ، فَيُعْطِيهِ عَشَرَة آصُعٍ. وَمَا يُقَالُ فِي زَكَاةِ الفِطْرِ يُقَالُ أَيْضًا فِي زَكَاةِ المَالِ، فَيَجُوزُ لِي أَنْ أَقْسِمَ زَكَاةَ مَالِي بَيْنَ فَقِيرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ أَوْ عَشَرَةٍ، وَلَوْ كَانَ الَّذِي أُعْطِيهِ لَا يَكْفِيهِ مُؤْنَةَ سَنَةٍ كَمَا سَيَأْتِي مَعَنَا وَيَجُوزُ لِي أَيْضًا أَنْ أُعْطِيَ فَقِيرًا وَاحِدًا مَا يَكْفِي فَقِيرَيْنِ فِي مُتَوَسِّطِ الحَاجَةِ وَسَنَتَكَلَّمُ فِيمَا يُعْطَى الفَقِيرُ بَعْدَ قَلِيلٍ.


(1) سورة الأعلى: 14.

(2) أخرجه البخاري في كتاب الزكاة- باب فرض صدقة الفطر (1503)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير (984).

(3) أخرجه البخاري في كتاب البيوع- باب كسب الرجل وعمله بيده (2074)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب كراهة المسألة للناس (1042).

(4) أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها- باب قبول الهدية من المشركين (2618)، ومسلم في كتاب الأشربة- باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (2056)، من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما.

(5) أخرجه البخاري في كتاب البيوع- باب كسب الرجل وعمله بيده (2074)، ومسلم في كتاب الزكاة- باب كراهة المسألة للناس (1042).

(6) أخرجه البيهقي في (السنن الكبرى) (4/175)، وضعفه. وضعفه الألباني في (تمام المنة) (ص388).

(7) أخرجه أبو داود في كتاب الزكاة- باب زكاة الفطر (1609)، وابن ماجه في كتاب الزكاة- باب صدقة الفطر (1837)، والدارقطني في (سننه) (2/138)، والحاكم في (المستدرك على الصحيحين) (2/568)، والبيهقي في (السنن الكبرى) (4/162).

(8) سورة البقرة: 286.

(9) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان- باب بيان أنه سبحانه لم يكلف نفسًا إلا وسعها (126)، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما.

(10) أخرجه البخاري في كتاب الهبة وفضلها والتحريض عليها- باب قبول الهدية من المشركين (2618)، ومسلم في كتاب الأشربة- باب إكرام الضيف وفضل إيثاره (2056)، من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنهما.

(11) هو: محمد بن سيرين، أبو بكر، الأنصاري، الأنسي، البصري. مولى أنس بن مالك، خادم رسول الله -صلى الله عليه وسلم. التابعي الجليل. ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، كان نسيجَ وحده، لم يكن بالبصرة أعلم منه، وكان حسن العلم بالفرائض، والقضاء، والحساب. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت عابد كبير القدر. توفي بعد موت الحسن البصري بمئة يوم سنة عشر ومئة. انظر: تهذيب الكمال (25/ 344 ترجمة 5280)، وسير أعلام النبلاء (4/ 606 ترجمة 246).