موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مَا جَاءَ فِي الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ - شرح المنتـقى (الجزء الثاني)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتـقى (الجزء الثاني) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتـقى (الجزء الثاني)
 كِتَابُ الصَّلاة / فَرْضُ الصَّلَوات الخَمس وأَبْحَاثها
 وَصَلَّيْتُ مَعَهُ العَصْرَ بِذِي الحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ
 حَدِيثُ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ»
 حَدِيثُ «مُرُوا الصَّبِيَّ بِالصَّلَاةِ»
 حَدِيثُ: «رُفِعَ القَلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ»
 مَوَاقِيتُ الصَّلَاةِ
 حَدِيثُ «وَقْتُ صَلَاتِكُمْ مَا بَيْنَ مَا رَأَيْتُمْ»
 بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ
 لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ
 عَلَامَةُ وَقْتِ الفَجْرِ
 المُحَافَظَةُ عَلَى الصَّلَاةِ الوُسْطَى
 بَابُ مَا جَاءَ فِي الأَذَانِ
 مَا جَاءَ فِي القِبْلَةِ
 السُّتْرَةُ فِي الصَّلَاةِ
 النَّهْيُ عَنِ المُرُورِ أَمَامِ المُصَلِّي
 سُتْرَةُ الإِمَامِ سُتْرَةٌ لِمَنْ خَلْفَهُ
 الصَّلاَةُ خَلْفَ النَّائِمِ
 مَا جَاءَ فِي الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ
 لِبَاسُ المَرْأَةِ فِي الصَّلَاة
 الصَّلَاةُ فِي النَّعْلَيْن
 مَا جَاءَ فِي المَسْجِدِ
 الصَّلَاةُ عَلَى الخُمْرَةِ
 صِفَةُ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 حُكْمُ تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ
 الأَدْعِيَةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الصَّلَاةِ
 مِنْ أَدْعِيَةِ الاسْتِفْتَاحِ فِي الصَّلَاةِ
 عَدَمُ الجَهْرِ بِالبَسْمَلَةِ
 قِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ فِي الصَّلَاةِ
 مَشْرُوعِيِّةُ القِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ السِّرِّيَّةِ
 مَسْأَلَةٌ خَاصَّةٌ بِقِرَاءَةِ الفَاتِحَةِ
 مَا يُجْزِئُ عَنْ قِرَاءَةِ القُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ
 مَشْرُوعِيَّةُ التَّأْمِينِ فِي الصَّلَاةِ
 صِفَةُ الجُلُوسِ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ
 حَدِيثُ: «ارْجِعْ فَصَلِّ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ»
 حَدِيثُ: «إِنَّهَا لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يُسْبِغَ الوَضُوءَ»
 صِفَةُ صَلَاةُ النَّبِي صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 حَديث «فَيُمَكِّنَ وَجْهَهُ مِنَ الأَرْضِ حَتَّى تَطْمَئِنَّ مَفَاصِلُهُ».
 القُنُوتُ
 حَدِيثُ: «وَلَا يَكُفَّ شَعْرًا أَوْ ثَوْبًا»
 صِفَةِ صَلَاةِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ
 جَوَازُ الإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ
 صِفَةُ التَّشَهُّدِ
 الدُّعَاءُ بَعْدَ التَّشْهُّدِ
 صِفَةُ الإِشَارَةِ بِالأُصْبُعِ فِي الصَّلَاةِ
 صِفَةُ التَّسْلِيمِ
 بَابُ الأَفْعَالِ الجَائِزَةِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِ الجَائِزَةِ
 كَيْفِيِّةُ رَدِّ السَّلَامِ فِي الصَّلَاةِ
 الصَّلَاةُ خَلْفَ الإِمَامِ وَهُوَ قَاعِدٌ
 مَسْحُ الحَصَى فِي الصَّلَاةِ
 الخَصْرُ فِي الصَّلَاةِ
 كَظْمُ التَّثَاؤُبِ فِي الصَّلَاةِ
 تَقْدِيمُ العَشَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ
 مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ المُسَافِرِ
 الجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ
 الصَّلَاةُ عَلَى الرَّاحِلَةِ فِي السَّفَرِ
 مَا جَاءَ فِي صَلَاةِ القَاعِدِ
 بَابٌ فِي صَلَاةِ الخَوْفِ
 صِفَةُ صَلَاةِ الخَوْفِ
 مَسْأَلَةُ الخَصْرِ في الصَّلَاةِ
 مَسْأَلَةٌ فِي صَلَاةِ المَرْأَةِ
 مَسْأَلَةٌ في الإِشَارَةِ في الصَّلَاةِ
 بَابُ النَّائِمِ فِي الصَّلَاةِ وَقَضَاءِ الفَوَائِتِ
 بَابُ السَّهْوِ
 السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ
 سُجُودُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ
 مَا جَاءَ فِي الكُسُوفِ
 صِفَةِ صَلَاةِ الكُسُوفِ
 العَتَاقَةُ فِي كُسُوفِ الشَّمْسِ
 الأَسْئِلَةُ
 الأَسْئِلَةُ (1)
 الأَسْئِلَةُ (2)
 الأَسْئِلَةُ (3)
شرح المنتـقى (الجزء الثاني) - مَا جَاءَ فِي الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ

مَا جَاءَ فِي الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ

حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ هَاشِمٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنََّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «وَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟»(1).

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ(6).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَرْزَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي مَسْجِدِهِ، وَذَكَرَ بَعْضَ الحَدِيثِ، قَالَ: وَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِيَ، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذْنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ يَعْنِي: شِدّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ»(11).


قَالَ: مَا جَاءَ فِي الثِّيَابِ لِلصَّلَاةِ: الأَصْلُ أَنَّ السِّتْرَ وَاجِبٌ، وَالزِّينَةَ مُسْتَحَبَّةٌ.

وَالثِّيَابِ: جَمْعُ ثَوْبٍ، وَيَشْمَلُ كُلَّ مَا يُلْبَسُ سَوَاءٌ كَانَ لِجَمِيعِ البَدَنِ مِثْلُ البَرَانِسِ الَّتِي تَكُونُ مِنَ الرَّأْسِ إِلَى أَسْفَلِ البَدَنِ، أَوِ القُمُصِ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الكَتِفَيْنِ إِلَى أَسْفَلِ البَدَنِ، أَوِ الأُزُرِ وَهِيَ تَكُونُ عَلَى النِّصْفِ الأَسْفَلِ لِلْبَدَنِ، وَكَذَلِكَ السَّرَاوِيلِ أَوِ الجُبَبِ وَنَحْوِهَا الَّتِي تَكُونُ لِأَعْلَى البَدَنِ، أَوِ العَمَائِمِ الَّتِي تَكُونُ لِلرَّأْسِ، أَوِ الرِّدَاءِ الَّذِي يَكُونُ لِجَمِيعِ البَدَنِ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصْنَعْ لِلْبَدَنِ فَهُوَ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ إِزَارًا وَيَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ رِدَاءً، فَهَذِهِ كُلُّهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الثِّيَابِ يُصَلَّى فِيهَا، وَذَلِكَ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي جِنْسِ الثِّيَابِ وَاجِبَةٌ، وَلَا يَجِبُ ثَوْبٌ مُعَيَّنٌ أَوْ ثِيَابٌ مُعَيَّنَةٌ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ أَنَّهُ يُصَلِّي وَلَوْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ.

وَالحَدِيثُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللهِ بْنِ هَاشِمٍ: تَقَدَّمَ أَنَّهُ الطُّوسِيُّ.

قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ سَعِيدٍ: وَهُوَ ابْنُ المُسَيَّبِ.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ: أَنَّ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ:

وَكَانُوا يَسْأَلُونَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيمَا أَشْكَلَ عَلَيْهُمْ وَكَانَ يُجِيبُهُمْ.

أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟

هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ المَرْأَةَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ لِأَنَّهَا يَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَسْتُرَ جَمِيعَ بَدَنِهَا إِلَّا الوَجْهَ، وَوَقَعُ الخِلَافُ فِي اليَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ، وَالجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ سِتْرَ الرِّجْلَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي وَاجِبٌ وَاليَدَانِ أَيْضًا كَذَلِكَ فِي حُكْمِهَا.

أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ يَعْنِي وَهُوَ يَجِدُ ثَوْبًا آخَرَ هَذَا هُوَ المَقْصُودُ.

قَالَ: «وَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟»:

هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ أَفْضَلُ، وَأَنَّ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ جَائِزٌ، وَالصَّلَاةُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إِمَّا أَنْ يَسْتُرَ جَمِيعَ البَدَنِ، أَوْ يَسْتُرَ بَعْضَ البَدَنِ؛ فَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ بَعْضَ البَدَنِ فَالأَفْضَلُ أَنْ يَسْتُرَ أَسْفَلَهُ، وَإِنْ كَانَ يَسْتُرُ جَمِيعَ البَدَنِ فهَذَا هُوَ الأَكْمَلُ، ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ(2) وَمِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ(3) هَذَا المَعْنَى، وَثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّلَاةِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ(4)، وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «وَلَا يَشْتَمِلِ اشْتِمَالَ اليَهُودِ»(5) بِمَعْنَى أَنَّهُ يَلُفُّهُ عَلَيْهِ لَفًّا.

أَيُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: «وَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟»:

المَقْصُودُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبَيْنِ، إِذَا كَانَ الثَّوْبُ سَاتِرًا لِأَعْلَى البَدَنِ وَلِأَسْفَلِ البَدَنِ، فَإِذَا كَانَ يَسْتُرُ الكَتِفَيْنِ فَهَذَا مُجْزِيءٌ، وَسَيَأْتِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يُبَيِّنُ هَذِهِ المَسْأَلَةَ.

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ، قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ(6).

حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: هُوَ الدَّوْرَقِيُّ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الجَمَاعَةِ.

حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، عَنْ سُفْيَانَسُفْيَانُ هُوَ الثَّوْرِيُّ.

عَنْ أَبِي الزِّنَادِ: عَبْدِ اللهِ بْنِ ذِكْوَانَ، وَلَهُ ابْنٌ مَشْهُورٌ لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنَّهُ وَسَطٌ فِي الرِّوَايَةِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ، رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ وَهُوَ فِي رُتْبَةِ الحَسَنِ رَحِمَهُ اللهُ.

عَنِ الأَعْرَجِ: عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزٍ، وَهَذِهِ النُّسْخَةُ تَأْتِي كَثِيرًا.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ فِي الثَّوْبِ الوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ:

وَالحَدِيثُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»، لَكِنْ هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ فَزِيَادَةُ كَلِمَةِ «مِنْهُ» عِنْدَ مُسْلِمٍ، وَفِي البُخَارِيِّ: لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ بِدُونِ كَلِمَةِ «مِنْهُ»، فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ وَضَّحَتْ، وَهَذَا يُبَيِّنُ فَائِدَةَ الزِّيَادَاتِ؛ وَلِهَذَا أَخَذَ أَكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ مِنْ هَذَا القَيْدِ وَهُوَ «مِنْهُ» أَنَّهَا مُقَيِّدَةٌ لِلْإِطْلَاقِ فِي قَوْلِهِ: لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ شَيْءٌ؛ وَلِهَذَا قَالُوا: إِنَّهُ يَكْفِي أَنْ يَكُونَ عَلَى بَعْضِ العَاتِقِ، وَالأَكْمَلُ أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِلْعَاتِقَيْنِ، وَفِي هَذَا دِلَالَةٌ لِقَوْلِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللهُ: إِنَّهُ يَجِبُ سِتْرُ المِنْكَبَيْنِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ، وَذَهَبَ الجُمْهُورُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ سِتْرُ المِنْكَبَيْنِ، وَقَالُوا: إِنَّ الوَاجِبَ هُوَ أَنْ يَسْتُرَ أَسْفَلَ البَدَنِ، وَسِتْرُ المِنْكَبَيْنِ مُسْتَحَبٌّ؛ لَكِنْ ظَاهِرَ الخَبَرِ أَنَّهُ يَجِبُ، وَلِهَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «إِنْ كَانَ الثَّوْبُ ضَيِّقًا فَأْتَزِرْ بِهِ وَإِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ»(7)، وَفِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِثَوبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ»(8)، هَذَا أَمْرٌ، وَالمُخَالَفَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ تَكُونُ بِأَنْ يَجْعَلَ طَرَفًا مِنْ هُنَا وَطَرَفًا مِنْ هُنَا عَلَى الكَتِفَيْنِ، فَهِيَ مُؤَيِّدَةٌ وَمُوَافِقَةٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَأَنَّهُ يُغَطِّي كَتِفَيْهِ مِنْ هُنَا وَمِنْ هُنَا، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يَجِبُ، وَاخْتَارَهُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللهُ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ؛ لَكِنْ إِنْ كَانَ لَمْ يَجِدْ فَلَا بَأْسَ، وَلِهَذَا قَالَ: «وَكُلُّكُمْ يَجِدُ ثَوْبَيْنِ؟» فَلِذَلِكَ نَقُولُ: إِنَّ هَذَا هُوَ الوَاجِبُ، وَهُنَاكَ فَرْقٌ بَيْنَ حَالِ الِاخْتِيَارِ وَحَالِ السَّعَةِ، لَكِنَّ هَذَا هُوَ الأَكْمَلُ وَهُوَ التَّزَيُّنُ لِلصَّلَاةِ وَالتَّزَيُّنُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ بِمَعْنَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ ثِيَابٌ زِيَادَةً عَلَى هَذِهِ الثِّيَابِ، وَقَدْ رَوَى البَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: «إِنَّ اللهَ أَحَقُّ أَنْ يُتَزَيَّنَ لَهُ»(9)، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ(10)، وَالمُرَادُ بِـ﴿كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أَيْ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ، وَالتَّزَيُّنُ يَكُونُ بِأَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ كَامِلَةً مِنْ جِهَةِ وَصْفِ الثِّيَابِ، وَمِنْ جِهَةِ سِتْرِهَا لِعُمُومِ البَدَنِ.

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ، قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ أَبِي حَرْزَةَ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ، قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي مَسْجِدِهِ، وَذَكَرَ بَعْضَ الحَدِيثِ، قَالَ: وَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي، فَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، فَلَمْ تَبْلُغْ لِيَ، وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا، فَجِئْتُ فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ، وَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَخَذْنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ يَعْنِي: شِدّ وَسَطَكَ، فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ»(11).

حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: هُوَ الذِّهْلِيُّ.

حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ: هُوَ المَرْوَزِيُّ أَبُو عَلِيٍّ الخَزَّازُ رَحِمَهُ اللهُ ثِقَةٌ مِنْ رِجَالِ الشَّيْخَيْنِ.

قَالَ: حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ: هُوَ مِنْ رِجَالِ الجَمَاعَةِ صَدُوقٌ رُبَّمَا يَهِمُ رَحِمَهُ اللهُ كَمَا قَالَ عَنْهُ الحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ رَحِمَهُ اللهُ.

 عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ: وَهُوَ أَبُو حَرْزَةَ مِنْ رِجَالِ مُسْلِمٍ.

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ: وَهُوَ ابْنُ الصَّامِتِ ثِقَةٌ رَحِمَهُ اللهُ مِنْ رِجَالِ الجَمَاعَةِ.

خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي حَتَّى أَتَيْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا فِي مَسْجِدِهِ، وَذَكَرَ بَعْضَ الحَدِيثِ:

حَدِيثُ جَابِرٍ رَحِمَهُ اللهُ حَدِيثٌ طَوِيلٌ جَاءَ فِي آخِرِ «صَحِيحِ مُسْلِمٍ»، يُعْتَبَرُ هَذَا الحَدِيثُ مِنْ أَطْوَلِ الأَحَادِيثِ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» وَمَا جَاءَ فِي هَذَا الحَدِيثِ بَعْضٌ مِنْهُ، وَفِيهِ مِنَ الفَوَائِدِ وَالقَصَصِ وَالعِبَرِ الكَثِيرُ.

قَالَ: وَقَامَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي: أَيْ جَاءَ إِلَى الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَرْسَلَهُ فِي حَاجَةٍ فَجَاءَ إِلَيْهِ، وَكَانَ يُصَلِّي وَكَانَ الوَقْتُ بَارِدًا.

فَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ: وَهِيَ الشَّمْلَةُ الَّتِي فِيهَا خُطُوطٌ.

ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا: يَعْنِي لِكَيْ يَجْمَعَهَا.

فَلَمْ تَبْلُغْ لِيَ: لِقِصَرِهَا وَصِغَرِهَا.

وَكَانَتْ لَهَا ذَبَاذِبُ: أَيْ أَهْدَابٌ فِي طَرَفِهَا.

فَنَكَّسْتُهَا، ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا:

أَيْ جَمَعَ ثِيَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِئَلَّا تَسْقُطَ.

فَقُمْتُ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَهُوَ يُصَلِّي.

فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ:

فِيهِ أَنَّ المُصَافَّةَ مَعَ الإِمَامِ تَكُونُ عَنِ اليَمِينِ فَالمَأْمُومُ يَكُونُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ وَلَا يَكُونُ عَنْ يَسَارِهِ إِذَا كَانَ وَحْدَهُ، وَفِيهِ أَنَّ مَنْ صَفَّ عَنْ يَسَارِ الإِمَام فَلَا تَبْطُلُ صَلَاتُهُ، وَيَنْتَقِلُ إِلَى يَمِينِ الإِمَامِ وَيَكُونُ انْتِقَالُهُ مِنْ خَلْفِ الإِمَامِ كَمَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ جَاءَ وَصَفَّ عَنْ يَسَارِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: فَأَخَذَنِي وَأَدَارَنِي خَلْفَهُ فَجَعَلَنِي عَنْ يَمِينِهِ فَجَعَلَ كُلَّمَا أَغْفَيْتُ يَأْخُذُ بِشَحْمَةِ أُذُنِي فَفَرَكَهَا، وَفِي لَفْظٍ عَرَكَهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ(12). وَفِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُعِيدَ مَا مَضَى فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ، وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ العِلْمِ: إِنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا كَرَاهَةَ، لَكِنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ، وَالصَّوَابُ أَنَّهُ يَكُونُ عَنْ يَمِينِ الإِمَامِ إِذَا كَانَ وَاحِدًا، وَإِذَا كَانَا اثْنَيْنِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا عَنْ يَمِينِهِ وَالآخَرُ عَنْ يَسَارِهِ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَا خَلْفَ الإِمَامِ كَمَا سَيَأْتِي.

فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ:

فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالفِعْلِ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ عَمَلِ الخَيْرِ بِأَنْ يُغَيِّرَ أَمْرًا لَا بُدَّ مِنْ تَغْيِيرِهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ، وَلِهَذَا فَعَلَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَذَلِكَ مَعَ جَابِرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إِنْسَانٌ يُصَلِّي بِجَانِبِ صَبِيٍّ مَثَلًا فَحَرَّكَهُ أَوْ أَمْسَكَهُ لَا بَأْسَ بمِثْلِ هَذَا، وَثَبَتَ فِي أَخْبَارٍ عِدَّةَ صَحِيحَةٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَدَّمَ وَأَخَّرَهُ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِ مَصْلَحَةٍ.

وَجَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ جَاءَ، فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:

وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ عَنْ يَمِينِهِ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ عَنْ يَسَارِهِ حَتَّى يَحْظَى بِمَقَامِ جَنْبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، كَمَا حَظِيَ جَابِرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

فَأَخَذَنَا بِيَدَيْهِ جَمِيعًا، فَدَفَعَنَا:

وَهَذَا هُوَ السُّنَّةُ إِذَا كَانَا اثْنَيْنِ، فَإِنَّ السُّنَّةَ أَنْ يَكُونَا خَلْفَ الإِمَامِ، وَلِهَذَا ثَبَتَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ صَلَّيْتُ أَنَا وَيَتِيمٌ خَلْفَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالعَجُوزُ أُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا(13) أَيْ صَلَّيَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَا اثْنَيْنِ.

حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ:

فِيهِ دِلَالَةٌ عَلَى أَنَّ المُنْفَرِدَ لَا يُصَلِّي وَحْدَهُ، وَلِهَذَا لَمْ يَجْعَلْهُ يُصَلِّي خَلْفَهُ بَلْ صَلَّى عَنْ يَمِينِهِ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الأَخْبَارِ الصَّحِيحَةِ مِنْ حَدِيثِ طَلْقِ بْنِ عَدِِيٍّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَهُ: «اسْتَقْبِلْ صَلاَتَكَ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمُنْفَرِدٍ خَلْفَ الصَّفِّ»(14)، وَفِي الحَدِيثِ الآخَرِ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ، وَإِذَا جَاءَ إِنْسَانٌ وَالإِمَامُ يُصَلِّي فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُبَادِرَ وَيَصُفَّ، وَإِنْ وَجَدَهُ رَاكِعًا فَإِنَّهُ لَا يَرْكَعُ حَتَّى يَصُفَّ عَلَى خِلَافٍ وَتَفْصِيلٍ كَبِيرٍ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ، فَالشَّاهِدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَصُفَّ وَلَا يُصَلِّي وَحْدَهُ، وَلَوْ جَاءَ وَوَجَدَ قَوْمًا يَصُفُّونَ فِي صَفٍّ آخَرَ وَأَمَامَهُ صَفٌّ لَيْسَ بِتَامٍّ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُتِمَّ الصَّفَّ الَّذِي لَمْ يَتِمَّ وَلَوْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ.

فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لَا أَشْعُرُ، ثُمَّ فَطِنْتُ، فَقَالَ: هَكَذَا بِيَدِهِ يَعْنِي: شِدّ وَسَطَكَ:

لِأَنَّهُ تَوَاقَصَ عَلَيْهِ وَجَمَعَ ثِيَابَهُ عَلَى نَفْسِهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ لِقَصَرِهَا، فَقَالَ: شِدّ وَسَطَكَ، كَمَا جَاءَ فِي لَفْظٍ آخَرَ فِي «الصَّحِيحَيْنِ»: «إِنْ كَانَ وَاسِعًا فَالْتَحِفْ بِهِ» يَعْنِي ضَعْهُ كَاللِّحَافِ عَلَيْكَ عَلَى بَدَنِكَ كُلِّهِ، «وَإِنْ كَانَ ضَيِّقًا فَأْتَزِرْ بِهِ» وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَلَا يَضُرُّ وَلَوْ كَانَ أَعْلَى البَدَنِ مَكْشُوفًا.

فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا جَابِرُ»، قُلْتُ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَ: «إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ، وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ»:

وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» مُخْتَصَرَةٌ، وَجَاءَتْ هُنَا مُطَوَّلَةً.

«إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ»: مِثْلُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ: «إِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ بِثَوبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ»(15) يَعْنِي إِذَا كَانَ وَاسِعًا. «وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ» وَهَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هَارُونَ بْنِ مَعْرُوفٍ الَّذِي هُوَ شَيْخُ شَيْخِ المُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللهُ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب الصلاة في الثوب الوَاحِد ملتحفًا به (358)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (515).

(2) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفًا به (354)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (517).

(3) أخرجه البخاري في كتاب الجزية- باب أمان النساء وجوارهن (280)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين- باب استحباب صلاة الضحى وأن أقلها ركعتان (336).

(4) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب إذا كان الثوب ضيقًا (361)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (518).

(5) أخرجه أبو داود في كتاب الصلاة- باب إذا كان الثوب ضيقًا يتزر به (635).

(6) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب إذا صلى في الثوب الوَاحِد فليجعل على عاتقيه (359)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (516).
 

(7) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب إذا كان الثوب ضيقًا (360)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (518).

(8) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب إذا صلى في الثوب الوَاحِد فليجعل على عاتقيه (360)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (516).

(9) أخرجه الطبراني في «المعجم الأوسط» (7/127/7062).

(10)  سورة الأعراف 31.

(11) أخرجه مسلم في كتاب الزهد والرقائق- باب حديث جابر الطويل وقصة أبي اليسر (3014).

(12) أخرجه البخاري في كتاب اللباس- باب الذوائب (5919)، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها- باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه (763).

(13) أخرجه البخاري في كتاب الصوم- باب من زار قومًا فلم يفطر عندهم (1982)، ومسلم في كتاب المساجد ومواضع الصلاة- باب جواز الجماعة في النافلة، والصلاة على حصير وخمرة وثوب وغيرها من الطاهرات (660).

(14) أخرجه ابن ماجه في كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها- باب صلاة الرجل خلف الصف وحده (1003)، من حديث علي بن شيبان رضي الله عنه.

(15) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب إذا صلى في الثوب الوَاحِد فليجعل على عاتقيه (360)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه (516).