موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ - شرح مختصر في فقه الإمام أحمد (الجزء الأول)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح مختصر في فقه الإمام أحمد (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ حمد بن عبد الله الحمد
  
 
 شرح مختصر في فقه الإمام أحمد (الجزء الأول)
 قَالَ وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ
 فَالأَوَّلُ هَذَا هُوَ الطَّهُورُ
 كَمَاءِ الأَمْطَارِ
 الثَّالِثُ نَجِسٌ
 كُلُّ إِنَاءٍ طَاهِرٍ يُبَاحُ اتِّخَاذُهُ وَاسْتِعْمَالُهُ
 وَأَوَانِي الكُفَّارِ وَثِيَابُهُمْ طَاهِرَةٌ إِذَا لَمْ تُعْلَمُ نَجَاسَتُهَا
 بَابُ الاسْتِنْجَاء
 بَابُ الفُرُوضِ
 وَمِنْ سُنَنِهِ السِّوَاكُ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابَ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ
 بَابُ الغُسْلِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ التَّيَمُّمِ
 بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ
 الأَسْئِلَةُ
 بَابُ الحَيْضِ
 الأَسْئِلَةُ
 كِتَابُ الصَّلَاةِ
 بَابُ الأَذَانِ وَالإِقَامَةِ
 الأَسْئِلَةُ
 وَشُرُوطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ تِسْعَةٌ
 وَاسْتِقْبَالُ القِبْلَةِ
 بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
 الأَسْئِلَةُ
 تابع بَابُ صِفَةِ الصَّلَاةِ
 الأَسْئِلَةُ
 يُكْرَهُ فِي الصَّلَاِة الْتِفَاتٌ
 وَقِرَاءَةُ الفَاتِحَةِ
شرح مختصر في فقه الإمام أحمد (الجزء الأول) - بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ

ثُمَّ قَالَ: (بَابُ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ)، النَّجَاسَةُ هِيَ الشَّيْءُ المُسْتَقْذَرُ شَرْعًا، وَهَذَا احْتِرَازٌ مِنَ الشَّيْءِ المُسْتَقْذَرِ طَبْعًا، فَمَثَلًا النُّخَامَةُ مُسْتَقْذَرَةٌ طَبْعًا، وَلَيْسَتْ نَجِسَةً، وَلِذَا جَاءَ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتَنَخَّعُ فِي ثَوْبِهِ، كَمَا جَاءَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"(1)، وَعَلَى ذَلِكَ فَالنُّخَاعَةُ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَقْذَرَةً فِي الحِسِّ، فَلَيْسَتْ مُسْتَقْذَرَةً فِي الشَّرْعِ.

ثُمَّ قَالَ: (يَكْفِي فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا، وَإِنْ كَانَتْ نَجَاسَةَ كَلْبٍ، إِذَا كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ غَسْلَةً وَاحِدَةً تَذْهَبُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ بِالمُكَاثَرَةِ مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ) هَذَا فِي الأَرْضِ، يَعْنِي إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى الأَرْضِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الحَائِطُ كَمَا هُوَ المَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ الفُرُشُ، كَمَا أَفْتَتْ بِذَلِكَ اللَّجْنَةُ الدَّائِمَةُ، فَالفُرُشُ وَالحَائِطُ وَالأَرْضُ، إِذَا أَصَابَتْهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ يَكْفِي صَبُّ المَاءِ بِطَرِيقَةِ المُكَاثَرَةِ، بِحَيْثُ إِنَّ النَّجَاسَةَ تَزُولُ، تَزُولُ عَيْنُهَا، وَيَزُولُ أَثَرُهَا، فَلَا يَبْقَى لِلنَّجَاسَةِ لَا طَعْمٌ وَلَا رَائِحَةٌ وَلَا لَوْنٌ.

 لَكِنْ إِنْ عَجَزَ عَنْ إِزَالَةِ الرَّائِحَةِ وَإِزَالَةِ اللَّوْنِ، فَإِنَّ هَذَا يُعْفَى عَنْهُ، لِمَا ثَبَتَ فِي "مُسْنَدِ أَحْمَدَ" وَ"سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ": أَنَّ خَوْلَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ – وَالحَدِيثُ حَسَنٌ-: يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ؟ قَالَ: « يَكْفِيكِ المَاءُ وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ»(2)، وَهَذَا فِي الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ، أَمَّا الطَّعْمُ فَلَا؛ لِأَنَّ الطَّعْمَ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، الطَّعْمُ إِذَا كَانَ مَوْجُودًا بَاقِيًا فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى بَقَاءِ عَيْنِ النَّجَاسَةِ، إِذَنْ إِنَّمَا يُعْفَى عِنْدَ العَجْزِ عَنِ الرَّائِحَةِ وَاللَّوْنِ، هَذَا فِي الأَرْضِ، وَكَذَلِكَ أَيْضًا فِي الثَّوْبِ.

وَهُنَا تَكْفِي فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ كُلِّهَا، قَوْلُهُ: (كُلِّهَا) يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ نَجَاسَةُ الكَلْبِ، لِمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ وَ"مُسْنَدِ أَحْمَدَ" وَ"سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ"، وَهَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: كُنْتُ أَنَامُ فِي المَسْجِدِ وَأَنَا شَابٌّ، وَكَانَتِ الكِلَابُ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي المَسْجِدِ، فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئً(3)، يَعْنِي الشَّمْسَ تُطَهِّرُهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَجَاسَةَ الكَلْبِ عَلَى الأَرْضِ كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ، بِخِلَافِ الوِعَاءِ، وَنَحْوِهِ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللهُ.

إِذَنِ النَّجَاسَاتُ كُلُّهَا إِذَا كَانَتِ عَلَى الأَرْضِ فَيَكْفِي فِي ذَلِكَ الصَّبُّ بِالمُكَاثَرَةِ حَتَّى تَزُولَ عَيْنُ النَّجَاسَةِ، يَكْفِي مِنْ ذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، لَكِنْ إِذَا لَمْ تَذْهَبِ النَّجَاسَةُ بِغَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ، فَنَحْتَاجُ إِلَى غَسْلَةٍ ثَانِيَةٍ، فَإِذَا لَمْ تَذْهَبْ غَسَلْنَا ثَالِثَةً وَهَكَذَا، حَتَّى يَطْهُرَ المَحَلُّ، وَلَا يُشْتَرَطُ كَمَا تَقَدَّمَ العَصْرُ، هَذَا فِي الأَرْضِ وَفِي الحَائِطِ، وَفِي الفُرُشِ كَذَلِكَ، لَكِنَّ الفُرُشَ إِنْ أَمْكَنَ عَصْرُهَا، أَوْ أَمْكَنَ سَحْبُ المَاءِ، كَمَا يُوجَدُ هَذَا فِي الآلَاتِ الَّتِي تَسْحَبُ المَاءَ ـ فَيَلْزَمُ ذَلِكَ، إِذَا كَانَ يُمْكِنُ ذَلِكَ بِلَا مَشَقَّةٍ، يُمْكِنُ أَنْ يُعْصَرَ المَاءَ أَوْ يُسْحَبَ بِآلَةٍ؛ لِأَنَّ الفِرَاشَ تَحْتَهُ بَلَاطٌ أَوْ إِسْمَنْتٌ، وَلِذَا فَإِنَّهُ بِخِلَافِ الأَرْضِ، الأَرْضُ تَشْرَبُ النَّجَاسَةَ إِلَى أَسْفَلَ، وَأَمَّا الفِرَاشُ فَإِنَّ النَّجَاسَةَ تَكُونُ فِيهِ، إِذَا صُبَّ المَاءُ فَالنَّجَاسَةُ بَاقِيَةٌ، لَكِنْ إِنْ كَانَ يَشُقُّ أَنْ يُعْصَرَ فَلَا نَحْتَاجُ إِلَى عَصْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَشُقُّ العَصْرُ فَإِنَّنَا نَعْصُرُهُ، أَوْ نَسْحَبُهُ بِالآلَاتِ الَّتِي يُسْحَبَ بِهَا المَاءُ.

ثُمَّ قَالَ: (وَعَلَى غَيْرِهَا سَبْعٌ)، إِنْ كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى غَيْرِ الأَرْضِ، عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ عَلَى بَدَنٍ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ غَسْلَاتٍ، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ، إِذَنْ إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى الأَرْضِ وَنَحْوِهَا، فَتَكْفِي غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ تَذْهَبُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ وَأَثَرِهَا، وَأَمَّا إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ عَلَى البَدَنِ، فَلَا بُدَّ مِنْ سَبْعِ غَسْلَاتٍ، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ.

قَالُوا لِمَا رَوَى ابْنُ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا أَنْ نَغْسِلَ الأَنْجَاسَ سَبْعًا. ذَكَرَهُ فِي "المُغْنِي" وَلَمْ يَعْزُهُ، وَقَالَ الشَّيْخُ نَاصِرُ الدِّينِ الأَلْبَانِيِّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: لَمْ أَجِدْهُ بِهَذَا اللَّفْظِ.

وَاخْتَارَ المُوَفَّقُ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، وَهُوَ الرَّاجِحُ، وَهُوَ قَوْلُ الجُمْهُورِ، أَنَّ النَّجَاسَاتُ يَكْفِي فِي غَسْلِهَا إِنْ كَانَتْ عَلَى ثَوْبٍ، أَوْ كَانَتْ عَلَى البَدَنِ، يَكْفِي فِي ذَلِكَ غَسْلَةٌ وَاحِدَةٌ، تَذْهَبُ بِعَيْنِ النَّجَاسَةِ، وَهَذَا هُوَ الرَّاجِحُ؛ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ": أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ فِي دَمِ الحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، قَالَ: « تَحُتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، ثُمَّ تَنْضَحُهُ، ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ»(4)، وَهَذَا فِي دَمِ الحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ، لَمْ يُعَيِّنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَدَدًا.

إِذَنِ الرَّاجِحُ أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الثَّوْبِ أَوْ عَلَى البَدَنِ لَا يُشْتَرَطُ فِي غَسْلِهَا عَدَدٌ، بَلْ مَتَى زَالَتْ فَإِنَّ المَحَلَّ يَطْهُرُ، لَكِنْ هُنَا لَا بُدَّ مِنْ عَصْرٍ؛ بِخِلَافِ الأَرْضِ، فَالأَرْضُ قُلْنَا إِنَّهَا تَشْرَبُ النَّجَاسَةَ فَلَا تَحْتَاجُ إِلَى عَصْرٍ، وَلِذَا جَاءَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ" لَمَّا بَالَ الأَعْرَابِيُّ فِي طَائِفَةِ المَسْجِدِ، أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُهْرَاقَ عَلَى بَوْلِهِ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ(5)، فَإِذَا كَانَتْ عَلَى الأَرْضِ لَا تَحْتَاجُ إِلَى عَصْرٍ، بِاسْتِثْنَاءِ الفِرَاشِ كَمَا تَقَدَّمَ إِذَا كَانَ يُمْكِنُ عَصْرُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَلَى ثَوْبٍ، فَلَا بُدَّ مِنَ العَصْرِ.

قَالَ: (إِحْدَاهَا بِتُرَابٍ فِي نَجَاسَةِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ)، إِذَا كَانَتِ النَّجَاسَةُ نَجَاسَةَ كَلْبٍ، أَوْ خِنْزِيرٍ، فَلَا بُدَّ مَعَ السَّبُعِ مِنَ التُّرَابِ، لِمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ»(6)، وَفِي التِّرْمِذِيِّ: « أُولَهُنَّ أَوْ آخِرُهُنَّ»(7).

« طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ» الوُلُوغُ هُوَ أَنْ يُحَرِّكَ الكَلْبُ لِسَانَهُ، يَعْنِي طَرَفَ لِسَانِهِ بِالمَاءِ الَّذِي يَكُونُ فِي الإِنَاءِ، وَقَوْلُهُ: (طَهُورُ)، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ رِيقَ الكَلْبِ نَجِسٌ، وَهَكَذَا سَائِرُ فَضَلَاتِ الكَلْبِ، كُلُّهَا نَجِسَةٌ.

فَإِذَا وَلَغَ الكَلْبُ، أَوْ بَالَ فِي الإِنَاءِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا، إِحْدَى هَذِهِ الغَسَلَاتِ بِالتُّرَابِ، وَالأَفْضَلُ أَنْ تَكُونَ الأُولَى؛ لِتَكُونَ الغَسَلَاتُ السِّتُّ الَّتِي تَتْبَعُ الأُولَى تُزِيلُ التُّرَابَ، وَلَا يَبْقَى مِنَ التُّرَابِ شَيْءٌ، لَكِنْ لَوْ جَعَلَهَا الأَخِيرَةَ فَلَا بَأْسَ.

فَإِنْ كَانَ الكَلْبُ كَلْبَ صَيْدٍ، وَصَادَ لَهُ طَيْرًا أَوْ نَحْوَهُ، هَلْ يَجِبُ أَنْ يُغْسَلَ المَوْضِعُ مِنَ الصَّيْدِ الَّذَِي أَصَابَهُ الكَلْبُ؟

أَصَحُّ القَوْلَيْنِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلَامِ وَرِوَايَةٌ عِنْدَ أَحْمَدَ، وَمَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ، وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، وَتَأْخِيرُ البَيَانِ عَنْ وَقْتِ الحَاجَةِ لَا يَجُوزُ، فَلَا يَجِبُ غَسْلُ المَوْضِعِ مِنَ الصَّيْدِ الَّذِي هُوَ مَحَلٌّ لِرِيقِ الكَلْبِ، لَا يَلْزَمَ أَنْ يَغْسِلَ سَبْعًا وَلَا مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ، وَهَذَا مَحَلُّ عَفْوٍ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلَامِ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، وَهُوَ مَذْهَبُ المَالِكِيَّةِ.

قَوْلُهُ هُنَا: (وَخِنْزِيرٍ)، هَذَا هُوَ المَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ؛ لِأَنَّ الخِنْزِيرَ أَخْبَثُ مِنَ الكَلْبِ، وَقَالَ الجُمْهُورُ – وَهُوَ الرَّاجِحُ – إِنَّ الخِنْزِيرَ لَا يَلْحَقُ بِالكَلْبِ فِي هَذِهِ المَسْأَلَةِ؛ لِأَنَّ المَسْأَلَةَ تَعَبُّدِيَّةٌ.

وَالخِنْزِيرُ وَإِنْ كَانَ أَخْبَثَ مِنَ الكَلْبِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَغْسِلَ سَبْعًا إِحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ، ذَلِكَ لِأَنَّ هَذَا الحُكْمَ فِي الكَلْبِ تَعَبُّدِيُّ، وَمَا دَامَ أَنَّهُ تَعَبُّدِيٌّ لَا يُلْحَقُ بِهِ غَيْرُهُ، وَهَذَا أَصَحُّ.

قَوْلُهُ هُنَا: (بِالتُّرَابِ)، المَشْهُورُ مِنَ المَذْهَبِ أَنَّهُ يَكْفِي عَنِ التُّرَابِ الصَّابُونُ وَنَحْوُ ذَلِكَ، وَالأَصَحُّ، وَهُوَ قَوْلُ فِي المَذْهَبِ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا التُّرَابُ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَيَّنَهُ، وَالعِلَّةُ تَعَبُّدِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ، إِذَنْ لَا يُقَاسُ عَلَى التُّرَابِ غَيْرُهُ.

قَالَ: (فِي نَجَاسَةِ كَلْبٍ وَخِنْزِيرٍ، وَفِي نَجَاسَةِ غَيْرِهِمَا سَبْعٌ بِلَا تُرَابٍ، كَمَا تَقَدَّمَ)، قَالَ: (وَالخَمْرَةُ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا طَهُرَتْ، إِجْمَاعًا)، الخَمْرَةُ إِذَا انْقَلَبَتْ بِنَفْسِهَا خَلّاً، فَإِنَّهَا تَطْهُرُ بِالإِجْمَاعِ؛ لَكِنْ إِنْ خَلَّلَهَا المُكَلَّفُ لَمْ تَطْهُرْ؛ لِمَا رَوَى الإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَنِ الخَمْرِ تُتَّخَذُ خَلّاً؟ قَالَ: "لَا"(8)، لَكِنَّ هَذَا الحَدِيثَ فِيهِ تَحْرِيمُ ذَلِكَ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهَا تَبْقَى نَجِسَةً، عَلَى أَنَّ الخَمْرَةَ فِيهَا خِلَافٌ بَيْنَ العُلَمَاءِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ العُلَمَاءُ فِي الخَمْرَةِ هَلْ هِيَ نَجِسَةٌ أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ؛ فَذَهَبَ الجَمَاهِيرُ، وَعَلَيْهِ المَذَاهِبُ الأَرْبَعَةُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ، حَتَّى حُكِيَ إِجْمَاعًا ـ أَنَّ الخَمْرَةَ نَجِسَةٌ.

وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ شَيْءٌ مِنْهَا فَلَا بُدَّ مِنْ تَطْهِيرِهِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ اللهِ جَلَّ وَعَلَا: ﴿ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، قَالُوا: وَالرِّجْسُ هُوَ النَّجَسُ.

وَالقَوْلُ الثَّانِي فِي المَسْأَلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ دَاوُدَ وَالمُزَنِيِّ، وَرَبِيعَةَ، وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ، وَاخْتَارَهُ الصَّنْعَانِيُّ، وَاخْتَارَهُ كَذَلِكَ الشَّيْخُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثَيْمِينَ، أَنَّ الخَمْرَةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، بَلْ هِيَ طَاهِرَةٌ، قَالُوا لِمَا ثَبَتَ فِي البُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ: لَمَّا حُرِّمَتِ الخَمْرُ، أَرَاقَهَا النَّاسُ فِي الطُّرُقَاتِ(9)، قَالُوا: وَلَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ تُرَقْ فِي الطُّرُقَاتِ، لِأَنَّ هَذَا يُنَجِّسُ الطُّرُقَاتِ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْمُرِ النَّاسَ فِي ذَلِكَ اليَوْمِ أَنْ يَغْسِلُوا قَبْلَ الصَّلَاةِ مَا أَصَابَهُمْ مِنْ تِلْكَ الخَمْرَةِ الَّتِي أُرِيقَتْ فِي طُرُقَاتِ المُسْلِمِينَ.

وَهَذَا الاسْتِدْلَالُ فِيهِ نَظَرٌ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِرَاقَتَهَا فِيهَا مَصْلَحَةٌ، وَإِنْ كَانَتْ نَجِسَةً، وَالمَصْلَحَةُ هِيَ إِظْهَارُ تَرْكِهَا وَاجْتِنَابِهَا، فَلَوْ قُلْنَا إِنَّهَا نَجِسَةٌ وَأُرِيقَتْ فِي الطُّرُقَاتِ مَعَ نَجَاسَتِهَا، فَإِنَّ هَذَا لَا مَانِعَ مِنْهُ فِي الشَّرْعِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ إِرَاقَتَهَا فِيهَا مَصْلَحَةٌ كَبِيرَةٌ، وَهُوَ إِظْهَارُ تَرْكِهَا، لَكِنَّ الأَظْهَرَ مِنْ جِهَةِ الاسْتِدْلَالِ أَنْ يُقَالَ إِنَّهُ هُوَ الأَصْلُ، فَالأَصْلُ فِي الأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ، وَأَمَّا الآيَةُ فَلَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الخَمْرَةَ نَجِسَةٌ، مِنْ وَجْهَيْنِ: الوَجْهُ الأَوَّلُ أَنَّ مَا ذُكِرَ مَعَهَا لَيْسَ بِنَجِسٍ فِي الحِسِّ، وَإِنَّمَا هُوَ نَجِسٌ فِي المَعْنَى، قَالَ اللهُ جَلَّ وَعَلَا: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ﴾، وَالمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلَامُ نَجَاسَتُهَا نَجَاسَةٌ مَعْنَوِيَّةٌ إِجْمَاعًا، فَكَذَلِكَ الخَمْرُ.

وَأَمَّا الوَجْهُ الثَّانِي، أَوِ القَرِينَةُ الثَّانِيَةُ فِي الآيَةِ، فَهِيَ أَنَّ اللَه جَلَّ وَعَلَا قَالَ: ﴿ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وَالنَّجَاسَةُ الحِسِّيَّةُ لَا يُقَالُ إِنَّهَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهَا نَجَاسَةٌ طَبِيعِيَّةٌ خَلْقِيَّةٌ، يَعْنِي خُلِقَتْ كَذَلِكَ نَجِسَةً، وَأَمَّا الرِّجْسُ الَّذِي يَكُونُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فَهُوَ الرِّجْسُ المَعْنَوِيُّ؛ لِأَنَّهَا تُثِيرُ العَدَاوَةَ بَيْنَ المُسْلِمِينَ، تُثِيرُ البَغْضَاءَ، فَهِيَ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ، فَاللهُ جَلَّ وَعَلَا قَالَ: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾، وَالرِّجْسُ الحِسِّيُّ لَا يُقَالُ فِيهِ إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ؛ لِأَنَّهُ طَبِيعِيٌّ مِنْ جِهَةِ الخِلْقَةِ، فَهُوَ مَخْلُوقٌ كَذَلِكَ، فَلَا يُقَالُ إِنَّهُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ.

فَالأَظْهَرُ القَوْلُ بِأَنَّ الخَمْرَةَ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمْ مِنْ أَهْلِ العِلْمِ.

ثُمَّ قَالَ: (وَيَطْهُرُ مِنْ بَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ بِنَضْحِهِ)، وَيَطْهُرُ، يَعْنِي المَحَلَّ، الثَّوْبَ وَنَحْوَهُ، مِنْ بَوْلِ غُلَامٍ لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ بِنَضْحِهِ، النَّضْحُ هُوَ الصَّبُّ، مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ، لَا كَمَا يَفْهَمُ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ المُرَادَ بِهِ الرَّشُّ، هَكَذَا بِاليَدِ، بَلْ لَا بُدَّ مِنْ صَبٍّ.

فَقَدْ جَاءَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ"، وَالحَدِيثُ أَصْلُهُ فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، مِنْ حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ لَمَّا أَتَتْ لِلنَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَأَجْلَسَهُ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ فِيهِ.. ، وَفِيهِ: أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ(10)، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ.

وَجَاءَ فِي "سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ" وَالنَّسَائِيِّ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: « يُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الغُلَامِ، وَيُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجَارِيَةِ»(11).

وَالنَّضْحُ قَدْ فُسِّرَ كَمَا تَقَدَّمَ بِالصَّبِّ، وَهَذَا مَا قَرَّرَهُ أَيْضًا أَهْلُ العِلْمِ كَالمُوَفَّقِ وَغَيْرِهِ، إِذَنْ لَا بُدَّ مِنْ صَبٍّ يُصَبُّ عَلَى المَحَلِّ، لَيْسَ المَقْصُودُ أَنْ يُرَشَّ هَكَذَا، يَعْنِي قَطَرَاتٍ تُرَشُّ عَلَى المَكَانِ كَمَا يَفْهَمُ بَعْضُ العَامَّةِ، هَذَا لَا يُجْزِئُ، لَا بُدَّ أَنْ يُصَبَّ المَاءُ صَبًّا، لَكِنَّ التَّخْفِيفَ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَصْرُهُ، وَأَمَّا بَوْلُ الجَارِيَةِ فَلَا بُدَّ أَنْ يُعْصَرَ مِنْهُ، يَعْنِي يُصَبُّ المَاءُ ثُمَّ يُعْصَرُ، هَذَا فِي بَوْلِ الجَارِيَةِ.

وَالغُلَامُ كَمَا قَالَ المُؤَلِّفُ هُنَا الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، يَعْنِي يَشْرَبُ لَبَنَ أُمِّهِ، أَوْ اللَّبَنَ الصِّنَاعِيَّ، وَلَا يَشْتَهِي الطَّعَامَ، يَعْنِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِاخْتِيَارٍ مِنْهُ، لَكِنْ لَوْ وُضِعَ الطَّعَامُ فِي فِيهِ أَكَلَهُ أَوْ مَصَّهُ، لَكِنْ هُوَ لَا يَطْلُبُ الطَّعَامَ، فَلَا يَشْتَهِي الطَّعَامَ، وَلَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِاخْتِيَارِهِ، فَإِنْ قِيلَ مَا هِيَ الحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ؟ فَالجَوَابُ أَنَّ بَوْلَ الغُلَامِ يُصِيبُ أَمَاكِنَ مُتَفَرِّقَةً، وَيَكْثُرُ حَمْلُهُ، بِخِلَافِ بَوْلِ الجَارِيَةِ، فَإِنَّ بَوْلَ الجَارِيَةِ يَكُونُ عَادَةً فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ، وَلِأَنَّ الجَارِيَةَ لَا يَكْثُرُ حَمْلُهَا كَالغُلَامِ الَّذِي يَحْمِلُهُ الضَّيْفُ، وَيَحْمِلُهُ القَرِيبُ، وَيَحْمِلُهُ الجَارُ، بِخِلَافِ الجَارِيَةِ فِي العَادَةِ، وَعَلَى كُلٍّ فَإِنَّ الشَّرْعَ فَرَّقَ بَيْنَ الأَمْرَيْنِ، فَيَجِبُ التَّفْرِيقُ بَيْنَهُمَا كَمَا فَرَّقَ الشَّارِعُ.

يُنْضَحُ – كَمَا تَقَدَّمَ – يَعْنِي يُصَبُّ، وَمِثْلُهُ قَالُوا: القَيْءُ، يَعْنِي قَيْءَ الغُلَامِ الَّذِي لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ، فَكَذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ، وَمِثْلُهُ كَذَلِكَ وَهُوَ أَصَحُّ القَوْلَيْنِ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلَامِ خِلَافًا لِلمَذْهَبِ. ويَكفي فِي المَذْيِ النَّضْحُ، المَذْيُ يَكْفِي فِيهِ النَّضْحُ، لَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَعْصِرَ المَاءَ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ: « انْضَحْ فَرْجَكَ وَتَوَضَّأْ»(12). كَمَا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ".

وَفِي التِّرْمِذِيِّ: « إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَصُبَّ مِنْهُ عَلَى ثَوْبِكَ»(13)، يَعْنِي يَكْفِي أَنْ تَصُبَّ المَاءَ فَقَطْ عَلَى الثَّوْبِ.

إِذَنِ المَذْيُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كَذَلِكَ العَصْرُ، وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيَّةَ خِلَافًا لِلمَشْهُورِ مِنَ المَذْهَبِ، فَتَحَصَّلَ لَنَا أَنَّ بَوْلَ الغُلَامِ الَّذِي لَا يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَكَذَلِكَ قَيْئُهُ، وَكَذَلِكَ المَذْيُ مِنَ النَّجَاسَاتِ المُخَفَّفَةِ، الَّتِي يَكْفِي فِيهَا النَّضْحُ.

وَمِثْلُ ذَلِكَ النَّجَاسَةُ الَّتِي تَكُونُ عَلَى الأَرْضِ، هَذِهِ كَذَلِكَ يَكْفِي فِيهَا الصَّبُّ وَالمُكَاثَرَةُ مِنْ غَيْرِ عَصْرٍ.

قَالَ: (وَمَا أُكِلَ لَحْمُهُ مِنْ حَيَوَانٍ فَهُوَ طَاهِرٌ)، الحَيَوَانُ الَّذِي يُؤْكَلُ لَحْمُهُ هُوَ طَاهِرٌ، فَكُلُّ حَيَوَانٍ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَهَذَا بِالإِجْمَاعِ.

وَمِثْلُهُ كَذَلِكَ الهِرَّةُ، وَمَا دُونَهُ فِي الخِلْقَةِ، فَالهِرَّةُ طَاهِرَةٌ، وَعَلَى ذَلِكَ فَسُؤْرُ الهِرَّةِ طَاهِرٌ، لَكِنْ إِنْ أَكَلَتْ فَأْرَةً، فَإِنَّا لَا نَغْسِلُ مِنْ سُؤْرِهَا إِذَا كَانَ هُنَاكَ فَاصِلٌ تَزُولُ مَعَهُ النَّجَاسَةُ فِي العَادَةِ، يَعْنِي إِذَا كَانَ فَاصِلٌ طَوِيلٌ فِي العُرْفِ تَزُولُ مَعَهُ النَّجَاسَةُ بِالرِّيقِ، يَعْنِي تَبْتَلِعُ هَذِهِ النَّجَاسَةَ وَتَزُولُ، فَإِنَّ الرِّيقَ يَكُونُ طَاهِرًا، لَكِنْ لَوْ أَكَلَتْ فَأْرَةً ثُمَّ إِنَّهَا مُبَاشَرَةً شَرِبَتْ مِنَ المَاءِ، وَلَمْ يَكُنْ هُنَاكَ فَاصِلٌ طَوِيلٌ، أَوْ كَانَ هُنَاكَ فَاصِلٌ قَصِيرٌ، أَوْ مُبَاشَرَةً، فَلَا، فَإِنَّ هَذَا الرِّيقَ نَجِسٌ، لِأَنَّ النَّجَاسَةَ فِيهِ.

وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الهِرَّةَ طَاهِرَةٌ مَا رَوَاهُ الخَمْسَةُ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: « إِنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ، إِنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيْكُمْ»(14).

وَمِثْلُ ذَلِكَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً، يَعْنِي لَيْسَ لَهُ دَمٌ يَسِيلُ مِنَ الحَشَرَاتِ، كَالذُّبَابِ، وَلِذَا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَمَا فِي البُخَارِيِّ: « إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إِنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الآخَرِ شِفَاءً»(15).

فَالحَشَرَاتُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا دَمٌ يَسِيلٌ، فِيهَا دَمٌ لَكِنَّهُ لَا يَسِيلُ، هَذِهِ كَذَلِكَ طَاهِرَةٌ، وَيَلْحَقُ بِالهِرَّةِ فِي أَصَحِّ القَوْلَيْنِ خِلَافًا لِلمَذْهَبِ، وَهُوَ اخْتِيَارُ المُوَفَّقِ، وَاخْتِيَارُ الشَّيْخِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِيٍّ، الحِمَارُ وَالبَغْلُ، لِمَشَقَّةِ التَّحَرُّزِ مِنْ نَجَاسِتِهِمَا، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُبَيِّنْ ذَلِكَ، مَعَ أَنَّ الحَاجَةَ دَاعِيَةٌ إِلَى ذَلِكَ، فَالرَّاجِحُ أَنَّ الحِمَارَ طَاهِرٌ وَكَذَلِكَ البَغْلُ، وَلَيْسَ المُرَادُ أَنَّ لَحْمَهُ حَلَالٌ، بَلْ لَحْمُهُ نَجِسٌ، لَكِنَّ الكَلَامَ فِي رِيقِهِ وَفِي رُطُوبَتِهِ، يَعْنِي فِي عَرَقِهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ طَاهِرٌ عَلَى الصَّحِيحِ.

وَأَمَّا السِّبَاعُ فَإِنَّهَا نَجِسَةٌ، فَسُؤْرُ السِّبَاعِ نَجِسٌ ؛ لِمَا رَوَى الخَمْسَةُ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَنِ المَاءِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ، فَقَالَ: « إِذَا بَلَغَ المَاءُ القُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلِ الخَبَثَ»(16)، فَقَوْلُ السَّائِلِ: وَمَا يَنُوبُهُ مِنَ السِّبَاعِ، هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ عِنْدَهُ أَنَّ السِّبَاعَ نَجِسَةٌ، وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ بَلْ أَقَرَّهُ، وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السِّبَاعَ نَجِسَةٌ.

قَالَ: (وَمَا أُكِلَ لَحْمُهُ مِنْ حَيَوَانٍ فَهُوَ طَاهِرٌ، وَكَذَا مَا يَخْرُجُ مِنْهُ) مَا يَخْرُجُ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ، فَرَوَثُ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرَانِ، وَلِذَا النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَمَرَ العُرَانِيِّينَ أَنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَأَبْوَالِهَا، كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ"، لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِغَسْلِ أَفْوَاهِهِمْ مِنْ أَبْوَالِهَا، فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ أَبْوَالَهَا طَاهِرَةٌ.

وَكَذَلِكَ مَا تَقَدَّمَ لَكُمْ فِي "الصَّحِيحِ" مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: « صَلُّوا فِي مَرَابِضِ الغَنَمِ»(17)، وَكَذَلِكَ أَيْضًا البَقَرُ تَدْوُسُ الزَّرْعَ، وَلَمْ يَأْتِ أَمْر بِتَطْهِيرِ مَا يُصِيبُ الحَبَّ مِنْهَا، لِأَنَّ ذَلِكَ يُصِيبُ، الرَّوَثُ يُصِيبُ الحَبَّ، وَلَمْ يُؤْمَرِ النَّاسُ بِتَطْهِيرِ ذَلِكَ.

إِذَنْ رَوَثُ وَبَوْلُ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ هَذَا طَاهِرٌ، كَذَلِكَ فَضَلَاتُ الحَمَامِ، وَفَضَلَاتُ الدَّجَاجِ، وَهَذَا كُلُّهُ طَاهِرٌ، وَأَمَّا مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَرَوَثُهُ وَبَوْلُهُ نَجِسَانِ، قِيَاسًا عَلَى الآدَمِيِّ، فَالآدَمِيُّ وَبَوْلُهُ وَغَائِطُهُ نَجِسَانِ، إِجْمَاعًا، وَيُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَرَوَثُ الهِرَّةِ مَثَلًا نَجِسٌ، وَرَوَثُ الحِمَارِ نَجِسٌ، وَهَكَذَا، وَتَقَدَّمَ لَكُمْ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لَمَّا قَالَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رَوْثَةِ الحِمَارِ: « إِنَّ ذَلِكَ رِجْسٌ»(18)، وَعَلَى ذَلِكَ رَوَثُ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ نَجِسٌ.

قَالَ: (وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ)، فَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ وَهَذَا هُوَ أَصَحُّ القَوْلَيْنِ، وَهُوَ المَذْهَبُ ؛ لِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا: كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَرْكًا فَيُصَلِّي فِيهِ(19)، وَالنَّجِسُ لَا يَكْفِي فِيهِ الفَرْكُ، وَفِي "المُسْنَدِ": أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَسْلِتُ المَنِيَّ مِنْ ثَوْبِهِ بِعُودِ الإِذْخِرِ(20)، وَالسَّلْتُ لَا يَكْفِي فِي النَّجِسِ، وَكَانَ يَفْرُكُهُ يَابِسًا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، كَمَا جَاءَ فِي "مُسْنَدِ أَحْمَدَ" كَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ المُتَقَدِّمِ، وَلِأَنَّ أَصْلَ بَنِي آدَمَ مِنْهُ، وَقَدْ كَرَّمَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ بَنِي آدَمَ، وَمَعَ تَكْرِيمِهِمْ لَا يُنَاسِبُ أَنْ يُخْلَقُوا مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ، وَفِيهِمُ الأَنْبِيَاءُ، وَفِيهِمُ الصِّدِّيقُونَ، وَفِيهِمُ الشُّهَدَاءُ وَالصَّالِحُونَ، وَعَلَى ذَلِكَ فَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ، بِخِلَافِ المَذْيِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنَّ المَذْيَ نَجِسٌ، وَلِذَا أَمَرَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُغْسَلَ مِنْهُ الثَّوْبُ، يَعْنِي مِنَ المَذْيِ، وَأَمَرَ كَمَا فِي "سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ": أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ(21)، هَذَا فِي المَذْيِ، وَأَمَّا المَنِيُّ فَهُوَ طَاهِرٌ.

وَمِثْلُ المَنِيِّ رُطُوبَةُ المَرْأَةِ، فَمَا يَخْرُجُ مِنَ المَرْأَةِ مِنْ رُطُوبَةٍ، مِنْ مَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ ـ طَاهِرٌ، قِيَاسًا عَلَى مَنِيِّ الآدَمِيِّ وَتَمَسُّكًا بِالأَصْلِ، فَإِنَّ الأَصْلَ فِي الأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الرُّطُوبَةُ إِذَا بَرَزَتْ وَسَالَتْ فَإِنَّهَا تَنْقُضُ الوُضُوءَ، لَكِنْ مَا يُصِيبُ الثَّوْبَ مِنْهَا لَا يُنَجِّسُ الثَّوْبَ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ، قِيَاسًا عَلَى المَنِيِّ، وَنَقِفُ عِنْدَ هَذَا القَدْرِ، وَاللهُ أَعْلَمُ وَصَلَّى اللهُ وَسَلَّمَ وَبَارَكَ عَلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.


(1) أخرجه البخاري في كتاب الصلاة- باب دفن النخامة في السجد (416)، مسلم: المساجد مواضع الصلاة- باب النهى عن البصاق في المسجد في الصلاة وغيرها (550)، من حديث أبي هريرة.

(2) أخرجه أحمد في "مسنده" (2/364)، وأبو داود في كتاب الطهارة- باب المرأة تغسل ثوبها الذي تلبسه في حيضها (365).

(3) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة- باب في طهور الأرض إذا يبست (382).

(4) أخرجه البخاري في كتاب الحيض- باب غسل دم الحيض (308)، ومسلم في كتاب الطهارة- باب نجاسة الدم وكيفية غسله (291).

(5) أخرجه البخاري في الوضوء- باب ترك النبي صلى الله عليه وسلم والناس الأعرابي حتى فرغ من بوله في المسجد (219)، ومسلم في كتاب الطهارة - باب غسل البول وغيره من النجاسات إذا حصلت في المسجد وأن الأرض تطهر بالماء من غير حاجة إلى حفرها (284) من حديث أنس بن مالك.

(6) أخرجه البخاري في كتاب الوضوء- باب الماء الذي يغسل به شعر الإنسان (172)، ومسلم في كتاب الطهارة- باب حكم ولوغ الكلب (279).

(7) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة- باب ما جاء في سؤر الكلب (91)، وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وصححه الألباني في "صحيح الترمذي".

(8) أخرجه مسلم في كتاب الأشربة- باب تحريم تخليل الخمر (1983).

(9) أخرجه البخاري في كتاب المظالم والغضب- باب صب الخمر في الطريق (2464)، ومسلم في كتاب الأشربة- باب تحريم الخمر، وبيان أنها تكون من عصير العنب، ومن التمر والبسر والزبيب وغيرها مما يسكر (1980).

(10) أخرجه البخاري في كتاب العقيقة- باب تسمية المولود غداة يولد لمن لم يعق عنه وتحنيكه (5468)، ومسلم في كتاب الطهارة- باب حكم بول الطفل الرضيع وكيفية غسله (286).

(11) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة- باب بول الصبي يصيب الثوب، الحديث (375)، وابن ماجه في كتاب الطهارة- باب ما جاء في بول الصبي الذي لم يطعم، الحديث (522)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".

(12) أخرجه البخاري في كتاب العلم- باب من استحيا فأمر غيره بالسؤال (132)، ومسلم في كتاب الحيض- باب المذي (303) من حديث علي بن أبي طالب.

(13) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة- باب ما جاء في المذي يصيب الثوب (115).

(14) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة- باب سؤر الهرة (75)، والترمذي في كتاب الطهارة- باب ما جاء في سؤر الهرة (92)، قال الترمذي: "حسن صحيح"، والنسائي في كتاب الطهارة- باب سؤر الهرة (68)، وابن ماجه في كتاب الطهارة وسننها- باب الوضوء بسؤر الهرة والرخصة في ذلك (367)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".

(15) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق- باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم فليغمسه (3320).

(16) أخرجه الترمذي في كتاب الطهارة- باب منه آخر (67)، والنسائي في كتاب المياه- باب التوقيت في المياه (328)، وابن ماجة في كتاب الطهارة- باب مقدار الماء الذي لا ينجس (517). وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".

(17) تقدم تخريجه.

(18) تقدم تخريجه.

(19) أخرجه مسلم في كتاب الطهارة- باب حكم المني (288).

(20) أخرجه أحمد في "مسنده" (6/243)، وقال شعيب الأرنؤوط: "حديث صحيح دون قولها: بعرق الإذخر".

(21) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة- باب في المذي (208)، وصححه الألباني في "صحيح أبي داود".