موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - مَفْهُومُ التَّقِيِّةِ عِنْدَهُمْ - شرح الرد على الرافضة
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح الرد على الرافضة لفضيلة الشيخ عبدالله بن عبدالعزيز العنقري
  
 
 شرح الرد على الرافضة
 مُقَدِّمَةٌ عَنِ الْكِتَابِ
 ثَلَاثَةُ أُمُورٍ مُهِمَّةٌ بَيْنَ يَدَيِ الْـكِتَابِ
 الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: كَلَامٌ عِلْمِيٌّ عَنِ الرُّدُودِ مِنْ حَيْثُ هِيَ وَالْـمَنْهَجِ فِيهَا
 الْأَمْرُ الثَّانِي- يَتَعَلَّقُ بِكُتُبِ الرُّدُودِ وَأَنْوَاعِ الْـمُصَنَّفَاتِ فِيهِ
 الْأَمْرُ الثَّالِثُ- خَصَائِصُ الْـمَذْهَبِ الشِّيعِيِّ
 التَّقِيَّةُ عِنْدَ الشِّيعَةِ
 ضَعْفُ حُجَّةِ الشِّيعَةِ
 أَسْبَابُ انْتِشَارِ مَذْهَبِ الرَّافِضَةِ
 تَعْلِيقٌ عَلَى اسْمِ الْـكِتَابِ
 أَنْوَاعُ التَّشَيُّعِ
 مَعْنَى الرَّفْضِ
 مَطْلَبُ الْـوَصِيَّةِ بِالْـخِلَافَةِ
 الأَسْئِلَةُ
 الرَّدُ عَلَى بُغْضِ الصَّحَابَةِ لِأَهْلِ البَيْتِ
 اعْتِقَادُ مَا يُخَالِفُ كَتَابَ اللهِ وَالحَدِيثَ المُتَوَاتِرَ كُفْرٌ
 َاعْتِقَادُ عَدَمِ تَوَكُّلِهِ عَلَى رَبِّهِ فِيمَا وَعَدَهُ نَقْصٌ، وَنَقْصُهُ كُفْرٌ
 بُطْلَانُ النَّصِّ عَلَى خِلَافَةِ عَلِيٍّ
 مَطْلَبُ إِنْكَارِ خِلَافَةِ الخُلَفَاءِ
 نُصُوصُ وَإِشَارَاتُ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
 الأَسْئِلَةُ (2)
 تَحَقُّقُ وَعْدِ اللهِ بِالاسْتِخْلَافِ عَلَى يَدِ الصَّحَابَة
 مَطْلَبُ دَعْوَاهُمُ ارْتِدَادَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ
 مَطْلَبُ دَعْوَاهُمْ نَقْصَ القُرْآنِ
 مَطْلَبُ السَّبِّ
 الحُكْمُ بِالإِسْلَامِ وَالحُكْمُ بِالكُفْرِ بِحَسَبِ أَحْكَامِ الشَّرْعِ
 تَكْذِيبَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ كُفْرٌ
 مَطْلَبُ التَّقِيَّةِ
 مَفْهُومُ التَّقِيِّةِ عِنْدَهُمْ
 مَطْلَبُ سَبِّهِمْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهَا- المُبَرَّأَة
 الأَسْئِلَةُ (3)
 مَعْنَى الخِيَانَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَخَانَتَاهُمَا﴾
 مَطْلَبُ تَكْفِيرِ مَنْ حَارَبَ عَلِيًّا
 تَوَاتُرُ الأَدَلَّةِ عَلَى إِيمَانِ الصَّحَابَةِ
 تَفْضِيلِ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى الْأَوْلِيَاءِ
 مَطْلَبُ نَفْيِ ذُرِّيَّةِ الحَسَنِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ
 مَطْلَبُ خِلَافِهِمْ فِي خُرُوجِ غَيْرِهِمْ مِنَ النَّارِ
 مَطْلَبُ مُخَالَفَتِهِمْ أَهْلَ السُّنَّةِ
 الْأَسْئِلَةُ (4)
 مَطْلَبُ الرَّجْعَةِ
 مَطْلَبُ زِيَادَتِهِمْ فِي الْأَذَانِ
 مَطْلَبُ الْـجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ
 مَطْلَبُ الْعِصْمَةِ
 مَطْلَبُ الْـمُتْعَةِ
 مَطْلَبُ النِّكَاحِ بِلَا وَلِيٍّ وَشُهُودٍ
 مَطْلَبُ وَطْءِ الْـجَارِيَةِ بِالْإِبَاحَةِ
 مَطْلَبُ الْـجَمْعِ بَيْنَ الْـمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا
 مَطْلَبُ إِبَاحَتِهِمْ -أَبْعَدَهُمُ اللهُ- إِتْيَانَ الْـمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا
 مَطْلَبُ مَسْحِ الرِّجْلَيْنِ
 مَطْلَبُ الطَّلَاقِ بِالثَّلَاثِ فِي لَفْظٍ وَاحِدٍ
 مَطْلَبُ نَفِي الْـقَدَرِ
 مَطْلَبُ مُشَابَهَتِهِمُ الْـيَهُودَ
 مَطْلَبُ تَرْكِهِمُ الْـجُمْعَةَ وَالْـجَمَاعَةَ
 مَطْلَبُ مُشَابَهَتِهِمُ النَّصَارَى
 مَطْلَبُ مُشَابَهَتِهِمُ الْـمَجُوسَ
 مَطْلَبُ الْـخَاتِمَةِ
شرح الرد على الرافضة - مَفْهُومُ التَّقِيِّةِ عِنْدَهُمْ

مَفْهُومُ التَّقِيِّةِ عِنْدَهُمْ

يَقُولُ الشَّيخُ:

وَالمَفْهُومُ مِن كَلَامِهِمْ أَنَّ مَعْنَى التَّقِيَّةِ عِنْدَهُمْ كِتْمَانُ الحَقِّ، أَو تَرْكُ اللَّازِمِ، أَوِ ارْتِكَابُ المَنْهِيِّ خَوفًا مِنَ النَّاسِ، وَاللهُ أَعْلَمُ، فَانْظُرْ إِلَى جَهْلِ هَؤُلَاءِ الكَذَبَةِ.

وَبَنَوْا عَلَى هَذِهِ التَّقِيَّةِ المَشْئُومَةِ كَتْمَ عَلِيٍّ نَصَّ خِلَافَتِهِ، وَمُبَايَعَةَ الخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَعَدَمَ تَخْلِيصِهِ حَقَّ فَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، مِن إِرْثِهَا ـ عَلَى زَعْمِهِمْ ـ وَعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِعُمَرَ حِينَ اغْتَصَبَ بِنْتَهُ مِن فَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَغَيرَ ذَلِكَ، قَالُوا: فَعَلَ ذَلِكَ تَقِيَّةً. قَبَّحَهُمُ اللهُ.

وَقَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ عَن عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيتِهِ دَالَّةٌ عَلَى بَرَاءَتِهِمْ عَنْهَ

وَإِنَّمَا افْتَرَاهَا عَلَيهِمُ الرَّافِضَةُ لِتَرْوِيجِ مَذْهَبِهِمْ البَاطِلِ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الوُثُوقِ بِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ أَهْلِ البَيتِ وَأَفْعَالِهِمْ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ قَالُوهَا أَو فَعَلُوهَا تَقِيَّةً.

وَإِنْ أَرَادُوا بِقَولِهِ: وَدِينُ آبَائِي. النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُ، فَقَدْ جَوَّزُوا عَلَيهِ عَدَمَ تَبْلِيغِ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَبْلِيغَهُ خَوفًا مِنَ النَّاسِ، وَمُخَالَفَةَ أَمْرِ اللهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ خَوفًا مِنْهُمْ، وَيَلْزَمُ مِن هَذَا عَدَمُ الوُثُوقِ بِنُبُوَّتِهِ، حَاشَاهُ عَن ذَلِكَ، وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيهِ ذَلِكَ فَقَدْ تَنَقَّصَهُ، وَتَنَقُّصُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ كُفْرٌ، مَا أَشْنَعَ قَولَ قَومٍ يَلْزَمُ مِنْهُ نَقْصُ أَئِمَّتِهِمُ المُبَرَّئِينَ عَن ذَلِكَ.


هَذَا تَعْرِيفٌ دَقِيقٌ جَدًّا لِلتَّقِيَّةِ عِنْدَهُمْ، فِي هَذِهِ الأُمُورِ الثَّلاثَةِ، يَقُولُ: حَقِيقَةُ التَّقِيَّةِ الَّتِي يَنْسُبُونَهَا إِلَى عَلِيٍّ، وَيَنْسُبُونَهَا إِلَى جَعْفَرٍ، أَنَّهَا تَعْنِي ثَلَاثَةَ أَشْيَاءَ: كِتْمَانُ الحَقِّ لِمُجَرَّدِ أَدْنَى خَوفٍ، وَتَرْكُ اللَّازِمِ، أَي تَرْكُ الوَاجِبَ الشَرْعِيِّ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهِ، وَارْتِكَابُ المَنْهِيِّ عَنْهُ، أَي فِعْلُ المُحَرَّمِ. وَهَذِهِ عَظَائِمُ، كَمَا تَعْلَمُ، لَا تَحِلُّ إِلَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ، أَمَّا عِنْدَ مُجَرَّدِ الخَوفِ فَلَا شَكَّ أَنَّ هَذَا لَا يَحِلُّ.

يَقُولُ الشَّيخُ:

وَبَنَوْا عَلَى هَذِهِ التَّقِيَّةِ المَشْئُومَةِ كَتْمَ عَلِيٍّ نَصَّ خِلَافَتِهِ، وَمُبَايَعَةَ الخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَعَدَمَ تَخْلِيصِهِ حَقَّ فَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، مِن إِرْثِهَا ـ عَلَى زَعْمِهِمْ ـ وَعَدَمَ التَّعَرُّضِ لِعُمَرَ حِينَ اغْتَصَبَ بِنْتَهُ مِن فَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، وَغَيرَ ذَلِكَ، قَالُوا: فَعَلَ ذَلِكَ تَقِيَّةً. قَبَّحَهُمُ اللهُ.

ذَكَرَ الشَّيخُ، رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى، هُنَا هَذِهِ الطَّرِيقَةَ المُتْعِبَةَ جَدًّا مَعَ الشِّيعَةِ، فَإِنَّهُمْ إِذَا قِيَلَ لَهُمْ: لِمَاذَا فَعَلَ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، كَذَا وَكَذَا؟ قَالُوا: تَقِيَّةً.

وَلِمَاذَا لَمْ يَفْعَلْ كَذَا؟

قَالُوا: تَقِيَّةً.

وَيُقَالُ لَهُمْ: لِمَ بَايَعَ الحَسَنُ مُعَاوِيَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ ؟

يَقُولُونَ: تَقِيَّةً.

هَكَذَا يَتَعَامَلُونَ بِمِثْلِ هَذَا الأُسْلُوبِ، فَلَا يُوصَلُ مَعَهُمْ إِلَى حَقٍّ أَبَدًا، وَهَكَذَا يَسْتَرْسِلُونَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقَةِ، وَلَا شَكَّ أَنَّهَا طَرِيقَةُ مَنْ لَا يُرِيدُ الحَقَّ.

وَالتَّقِيَّةُ بِالتَّعْرِيفِ السَّابِقِ لَا شَكَّ أَنَّهَا تَعْنِي الجُبْنَ وَالخَوَرَ، وَقَدْ أَجَلَّ اللهُ تَعَالَى عَلِيًّا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُ بِهَذِهِ المَثَابَةِ، وَهَكَذَا أَبْنَاؤُهُ الكِرَامُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ وَأَرْضَاهُمْ.

ذَكَرَ الشَّيخُ، رَحِمَهُ اللهُ، هُنَا أَرْبَعَةَ أُمُورٍ، يَقُولُ:

أَنَّهُمْ يَنْسُبُونَ إِلَى عَلِيٍّ أَنَّهُ كَتَمَ نَصَّ الخِلَافَةِ، وَلِمَاذَا لَمْ يُظْهِرْ عَلِيٌّ ذَلِكَ؟ وَلِمَ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ؟ قَالُوا: هَذِهِ تَقِيَّةٌ.

مَا دَامَتِ الإِمَامَةُ هِيَ أُسُّ الدِينُ، كَمَا تَزْعُمُونَ، وَقَدْ كَتَمَ عَلِيٌّ خَبَرَهَا، فَكَيفَ يَعْرِفُ النَّاسُ؟ وَكَيفَ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَيهِمْ؟ هَلْ تَقُومُ الحُجَّةُ عَلَى أُنَاسٍ قَدْ كُتِمَ عَنْهُمْ النَّصُّ؟ فَإِذَا قِيَلَ: لِمَاذَا كَتَمَ أَصْلَ الإِسْلَامِ؟ قَالُوا: تَقِيَّةً. أَي خَوفًا وَجُبْنًا.

ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ بَايَعَ الخُلَفَاءَ الثَّلاثَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ: أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ، مَعَ أَنَّ بَيْعَتَهُمْ فِي زَعْمِهِمْ بَاطِلَةٌ، فَلِمَاذَا بَايَعَهُمْ؟ وَلِمَاذَا نَصَرَهُمْ فِي المَوَاقِفِ؟ وَلِمَاذَا كَانَ مُسْتَشَارًا أَمِينًا عِنْدَهُمْ؟ وَلِمَاذَا صَلَّى خَلْفَهُمْ؟ بَلْ لِمَاذَا نَفَّذَ الحُدُودَ بِنَفْسِهِ إِذَا طَلَبُوَا إِقَامَتَهَا؟ قَالُوا: تَقِيَّةً.

سُبْحَانَ اللهِ! يَجْلِدُ النَّاسَ وَيُقِيمُ الحُدُودَ بِأَمْرِ كُفَّارٍ - فِي زَعْمِكُمْ - مِن بَابِ التَّقِيَّةِ!

الأَمْرُ الثَّالِثُ: هُوَ عَدَمُ تَخْلِيصِ مِيرَاثِ فَاطِمَةَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، قَالُوا: إِنَّ فَاطِمَةَ لَمْ تَأْخُذْ حَقَّهَا فِي المِيرَاثِ، وَأَنَّهَا مُنِعَتْ مِنْهُ ظُلْمًا. وَالمَعْلُومُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَإِخْوَانِهِ مَنْ الأَنْبِيَاءِ وَالمُرْسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِمْ وَسَلَّمَ لَمْ يُبْعَثُوا لِلدُّنْيَا؛ وَلِهَذَا لَا يُورَثُونَ، كَمَا رَوَى عَلِيٌّ نَفْسُهُ، وَكَمَا رَوَى العَبَّاسُ (1) نَفْسُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « إِنَّا، مَعْشَرَ الأَنْبِيَاءِ، لَا نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فَهُوَ صَدَقَةٌ»(2) فَجَمِيعُ مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةٌ وَلَيسَ إِرْثًا، وَ لَمَّا سَأَلْتُ فَاطِمَةُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، أَبَا بَكْرٍ نَصِيبَهَا مِنَ الإِرْثِ احْتَجُّوا عَلَيهَا بِالحَدِيثِ. وَالحَدِيثُ رَوَاهُ مَعَ عَلِيٍّالعَبَّاسُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَطَلْحَةُ وَسَعْدٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ.

فَيَقُولُ الشِّيعَةُ: إِنِ أَبَا بَكْرٍ مَنَعَهَا إِرْثَهَا وَظَلَمَهَا.

ثُمَّ نَسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ: لِمَ لَمْ يَأْخُذْ عَلِيٌّ إِرْثَ فَاطِمَةَ؟

قَالُوا: تَقِيَّةً.

هُنَا سُؤَالٌ مُهِمٌّ جِدًّا: لَو كَانَ يَصِحُّ أَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُورَثُ، فَمَنْ الَّذِي يَرِثُهُ؟

يَرِثُهُ ابْنَتُهُ فَاطِمَةُ وَنِسَاؤُهُ، وَمِنْهُنَّ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ.

فَهَلْ وَرَّثَ أَبُو بَكْرٍ عَائِشَةَ؟ وَهَلْ وَرَّثَ عُمَرَ حَفْصَةَ؟ وَهَلْ وَرَّثُوا أُمَّهَاتِ المُؤْمِنِينَ؟

لَا، لَمْ يُوَرِّثُوهُنَ، فَلَمْ يَمْنَعُوا فَاطِمَةَ وَأَعْطَوْا بَقِيَّةَ الوَرَثَةِ، وَإِنَّمَا قَالُوا: هَذَا سَبِيلُ إِرْثِ المُرْسَلِينَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِمْ وَسَلَّمَ. وَلَو كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُورَثُ لَكَانَ العَاصِبُ هُوَ العَبَّاسُ عَمُّهُ، وَلَيسَ عَلِيًّا، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهِ، وَالعَمُّ يَحْجُبُ الأَخَ بِلَا شَكٍّ، وَمَعَ ذَلِكَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الإِرْثَ لِعَلِيٍّ وَلِفَاطِمَةَّ! تَغْيِيرٌ كَامِلٌ لِسُنَّةِ المِيرَاثِ لَو كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُورَثُ.

هُنَاكَ قِصَّةٌ حَسَنَةٌ جَدًّا:

 لَمَّا تَوَلَّى أَوَّلُ خَلِيفَةٍ عَبَّاسِيٍّ، وَكَانَ يُدْعَى « السِّفَاحَ» خَطَبَ خُطْبَةً، فَقَامَ رَجُلٌ وَادَّعَى أَنَّهُ مِن نَسْلِ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَقَالَ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، عِنْدِي شِكَايَةٌ، وَهِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ ظَلَمَنِي. كَمْ بَيْنَهُ وَبَينَ أَبِي بَكْرٍ عَامَ وَاحِدٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ!

مَا الَّذِي ظَلَمَكَ بِهِ؟

قَالَ: لَمْ يُعْطِنِي المِيرَاثَ.

قَالَ: مَن الَّذِي تَوَلَّى بَعْدَهُ؟

قَالَ: عُمَرُ.

قَالَ: وَمَا أَنْصَفَك؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: وَمَن الَّذِي تَوَلَّى بَعْدَهُ؟

قَالَ: عُثْمَانُ.

قَالَ: مَا أَنْصَفَك؟

قَالَ: لَا.

قَالَ: مَن تَوَلَّى بَعْدَهُ؟

فَوَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ وَفَرَّ.

لَمَّا تَوَلَّى عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَصَارَ أَمِيرًا لِلمُؤْمِنِينَ، لَمْ يَأْخُذْ المِيرَاثَ وَيُعْطِهِ لِمَنْ بَقِيَ مِن نَسْلِ فَاطِمَةَ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ الأَنْبِيَاءَ لَا يُورَثُونَ.

وَذَكَرَ الشَّيخُ، رَحِمَهُ اللهُ، أَمْرًا رَابِعًا، وَهُوَ أَخْبَثُ وَأَخَسُّ مَا قَالَهُ الشِّيعَةُ فِي عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ.

قَالُوا: إِنَّ عُمَرَ اغْتَصَبَ أَمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ. نَعُوذُ بِاللهِ مِمَّا قَالُوا.

وَلِهَذَا نَقُولُ إِنَّ كَلَامَ الشِّيعَةِ فِي أَهْلِ البَيتِ هُوَ أَشَدُّ مَا يَكُونُ سَبًّا وَتَنْقِيصًا لَهُمْ، وَإِنْ كَانَ حَدَثَ مَا يَزْعُمُونَ فِلَمَ لَمْ يَدْفَعْ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، عَن عِرْضِهِ!

قَالُوا: تَقِيَّةً.

سُبْحَانَ اللهِ! وَصَلَتْ الأُمُورُ إِلَى هَذَا الحَدِّ مَنْ السُّخْرِيَةِ!

كَانَتْ هُنَاكَ حَرْبٌ ضَرُوسٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ قَامَتْ بَينَ العَرَبِ وَالفُرْسِ لَمَّا أَرَادَ كِسْرَى أَنْ يَتَزَوَّجَ زَوَاجًا مِن العَرَبِ، أَرَادَ أَنْ يَتَزَوَّجَ بِنْتَ النُّعْمَانِ بْنِ المُنْذِرِ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ المُنْذِرِ جَاهِلِيٌّ، لَكِنَّ النُّعْمَانَ أَبِى أَن يُزَوِّجَ ابْنَتَهُ لِرَجُلٍ فَارِسِيٍّ، وَقَالَ كَلِمَةً شَدِيدَةً فِي كِسْرَى، فَحَفِظَهَا لَهُ كِسْرَى، ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يَقَدِمَ، فَعَلِمَ النُّعْمَانُ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ تَحْتَ إِمْرَةِ كِسْرَى فِي الحَيرَةِ، فَاسْتَجَارَ النُّعْمَانُ بِهَانِئِ بْنِ مَسْعُودٍ، مَنْ بَنِي شَيْبَانَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُ نِسَاءَهُ، وَقَالَ لَهُ هَانِئٌ: نِسَاؤُكَ لَا يَخْلُصُ إِلَيهِنَّ إِلَّا إِذَا خَلَصَ إِلَى بَنَاتِي، حَتَّى إِن قَتْلَكَ فَلْيَقْتُلْكَ قَتْلَ الكِرَامِ.

وَذَهَبَ النُّعْمَانِ بِنَفْسِهِ إِلَى كِسْرَى، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ، وَأَبَى أَنْ يُزَوِّجَهُ مِن بِنْتِهِ، وَهُوَ مَنْ؟ جَاهِلِيٌّ لَمْ يُشَرِّفْهُ اللهُ بِكَرَامَةِ الإِسْلَامِ، فَاعْتَقَلَهُ كِسْرَى، وَرَمَاهُ بِمَوضِعٍ يُدْعَى "خانِقِينَ" حَتَّى أَتَى مَرَضُ الطَّاعُونُ، فَمَاتَ فِيمَنْ مَاتَ، ثُمَّ طَلَبَ كِسْرَى مِن هَانِئٍ أَنَّ يَدْفَعَ إِلَيهِ بَنَاتِ النُّعْمَانِ، فَأَبَى هَانِئٌ، وَقَالَ لَهُ الَّذِي تَوَلَّى عَلَى الحِيرَةِ بَعْدَهُ: سَيَسْبِيكَ وَيَسْبِي ذُرِّيَّتَكَ، وَيَسْتَبِيحُ قَتْلَكَ، فَسَلِّمْ بَنَاتِ النُّعْمَانِ. فَقَالَ: لَا. وَأَبَى، وَالتَفَّتِ مَجْمُوعَةٌ مِنَ القَبَائِلِ العَرَبِيَّةِ، وَوَقَعَ يَومٌ مَشْهُودٌ مِن القِتَالِ، يُدْعَى "يَومَ ذَي قَارٍ" وَأَرْسَلَ كِسْرَى عَدَدًا عَرَمْرَمًا مِنَ الجَيشِ، فَكُسِرَ الفُرْسُ فِي هَذِهِ المَوْقِعَةِ.

كُلُّ ذَلِكَ لِأَنَّ النُّعْمَانَ لَا يُرِيدُ أَنْ يُزَوِّجَ كِسْرَى مَنْ ابْنَتِهِ، لَا لِأَنَّ النُّعْمَانَ يَعْتَقِدُ بِأَنَّ كِسْرَى كَافِرٌ، فَمَا بَالُكُمْ إِذَا كَانَ الشِّيعَةُ يَزْعُمُونَ أَنَّ عَلِيًّا، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، يُكَفِّرُ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ، فَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ - عَلَى زَعْمِهِمْ - يُسَلِّمُ عِرْضَهُ وَفَلْذَةَ كَبِدِهِ لِأَيِّ أَحَدٍ!

فَانْظُرْ الآنَ، الرِّوَايَةُ الشِّيعِيَّةُ مَاذَا تَقُولُ؟ تَقُولُ إِنَّ عَلِيًّا سَكَتَ عَلَى اغْتِصَابِ بِنْتِهِ! فَبِاللهِ عَلَيكُمْ مِن الَّذِي يَسُبُّ عَلِيًّا!

أَمَّا عَن حَقِيقَةِ هَذَا الأَمْرِ، فَإِنَّ عُمَرَ (3) رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، طَلَبَ مِن عَلِيٍّ أَنْ يُزَوِّجَهُ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ، وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ قَالَ: « كُلُّ سَبَبٍ وَنَسَبٍ مُنْقَطِعٌ يَومَ القِيَامَةِ، إِلاَّ مَا كَانَ مِن سَبَبِي وَنَسَبِي» (4) فَأَرَادَ عُمَرُ أَنْ يَتَزَوَّجَ مَنْ لَهَا مَنْزَعٌ إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَزَوَّجَهُ عَلِيٌّ ابْنَتَهُ كَمَا يُزَوِّجُ أَيُّ مُؤْمِنٍ أَخَاهُ المُؤْمِنَ زَوَاجًا شَرْعِيًّا لَا شَكَّ فِيهِ. لَكِنَّ الشِّيعَةَ قَالُوا: لَا، بَلْ اغْتَصَبَهَا اغْتِصَابًا!

سُبْحَانَ اللهِ العَظِيمِ! بِهَذَا الأُسْلُوبِ وَبِهَذِهِ المَقَالَةِ يُذَمُّ عَلِيٌّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَنَّهُ يَسْكُتُ حَتَّى لَو اغْتُصِبَ عِرْضُهُ!

لَكِنَّ بَعْضَ الشِّيعَةِ لِشِدَّةِ هَذَا المَوْقِفِ عِنْدَهُمْ قَالُوا: إِنَّ عُمَرَ لَمْ يَتَزَوَّجْ بَنِتَ عَلِيٍّ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَأَنْ القِصَّةَ غَيرُ صَحِيحَةٍ.

فَيُقَالُ لَهُمْ: كَذَّبْتُمْ، فَفِي فُرُوعِ "الكَافِي" عِنْدَهُمْ، فِي المُجَلَّدِ السَّادِسِ صَفْحَةَ 115 فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ، بَابِ المُتَوَفَّى عَنْهَا زَوجُهَا أَينَ تَعْتَدُّ ـ أَنَّ أَمَّ كُلْثُومٍ ظَلَّتْ عِنْدَ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، حَتَّى قُتِلَ، وَأَنَّ أَبَاهَا لَمَّا قُتِلَ عُمَرُ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَتَى وَأَخَذَهَا إِلَى مَنْزِلِهِ. هَذَا عَلَى اعْتِبَارِ صِحَّةِ الخَبَرِ، لَكِنْ نُحَاكِمُهُمْ إِلَى خَبَرِهِمْ هُمْ.

يَقُولُ الشَّيخُ:

وَقَدْ وَرَدَتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ عَن عَلِيٍّ وَأَهْلِ بَيتِهِ دَالَّةٌ عَلَى بَرَاءَتِهِمْ عَنْهَ

لَا شَكَّ فِي هَذَا، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَيسَ عِنْدَهُمْ أَدْنَى تَرَدُّدٍ فِي أَنَّ هَذَا الكَلَامَ غَيرُ صَحِيحٍ، وَالنُّصُوصُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ دَالَّةٌ عَلَى شَجَاعَةِ أَبِي الحَسَنِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لَا تَسْمَحُ لِلنِّقَاشِ، فَأَبُو الحَسَنِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، قَاتَلَ الخَوَارِجَ، وَهُمْ أَشْرَسُ النَّاسِ وَأَشَدُّهُمْ، وَأَبَادَ خَضْرَاءَهُمْ فِي النَّهْرَوَانِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، فَشَجَاعَةُ أَبِي الحَسَنِ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، لَيسَتْ مَحَلَّ نِقَاشٍ، لَكِنْ لِنَعُدْ إِلَى كَلَامِ الشِّيعَةِ أَنْفُسِهِمْ حَتَّى نُقَابِلَ هَذَا الكَلَامَ البَاطِلَ الَّذِي قَالُوهُ فِي أَبِي الحَسَنِ؛ لِيَعْلَمَ كُلُّ مُنْصِفٍ أَنَّهُمْ فِيهِ كَاذِبُونَ مَنْ نَفْسِ مَرَاجِعِهِمْ، وَنَحْنُ سَنُورِدُ مِن الآثَارِ عِنْدَهُمْ لَيسَ عَلَى سَبِيلِ تَأْيِيدِهَا وَتَصْحِيحِهَا، وَلَكِنْ لِنَرُدَّ كَلَامَهُمْ مِن نْقُولَاتِهِمْ، نَحْنُ نُرِيدُ أَن نُحَاكِمَهُمْ إِلَى كُتُبِهِمْ هُمْ.

رَوَى الطَّبْرَسِيُّ فِي "الِاحْتِجَاجِ" فِي المُجَلَّدِ الأَوَّلِ صَفْحَةِ 79 يَقُولُ إِنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، أَغْضَبَ عَلِيًّا مَرَّةً، فَأَخَذَ عَلِيٌّ بِمَجَامِعِ ثَوبِ عُمَرَ فَجَلَدَ بِهِ الأَرْضَ. وَفِي المُجَلَّدِ الأَوَّلِ مِنْهُ صَفْحَةِ 195 أَنَّهُ غَضِبَ عَلَى خَالِدِ بْنِ الوَلِيدِ فَأَخَذَ بِخَالِدٍ وَضَرَبَ بِهِ الأَرْضَ.

سُبْحَانَ اللهِ! مَا دَامَ بِهَذِهِ الشَّجَاعَةِ فَلِمْ سَكَتَ عَلَى عِرْضِهِ أَن يُدَنَّسَ كَمَا زَعَمُوا!

ثُمَّ الخَبَرُ السَّابِقُ الَّذِي قَالُوا فِيهِ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عِنْدَ جَعْفَرٍ، وَأَنْ جَعْفَرًا تَوَضَّأَ وَغَسَلَ رِجْلَيهِ، وَأَنَّهُ رَفَعَ يَدَيهِ عَلَى صَدْرِهِ وَلَمْ يَسْدِلْهَا، كُلُّهُ مِن بَابِ التَّقِيَّةِ! نُعْطِيهِمْ ضِدَّهُ مِن كُتُبِهِمْ.

فِي "الكَافِي" فِي المُجَلَّدِ الرَّابِعِ فِي الصَّحِيفَةِ 293 فِي فُرُوعِ "الكَافِي" أَنَّ جَعْفَرًا قَالَ: إِنَّا لَا نَتَّقِي فِي التَّمَتُّعِ بِالعُمْرَةِ إِلَى الحَجِّ سُلْطَانًا، وَاجْتِنَابِ المُسْكِرِ وَالمَسْحِ عَلَى الخُفَّينِ.

وَعِنْدَ الطَّبْرَسِيِّ فِي "الاسْتِبْصَارِ" فِي المُجَلَّدِ الثَّانِيَ نَقَلَ هَذَا الكَلَامَ وَبَيَّنَهُ، وَقَالَ: المَسْحُ عَلَى الخُفَّيْنِ مَعْنَاهُ أَنَّا لَا نَمْسَحُ.

المَقْصُودُ مِن إِيرَادِ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَن يُعْلَمَ أَنَّ مَا يَنْسُبُهُ الشِّيعَةُ لِهَؤُلَاءِ الأَخْيَارِ مِن البَاطِلِ الَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُعْرَفَ بُطْلَانُهُ، حَتَّى مِن كُتُبِهِمْ هُمْ، أَمَّا نُصُوصُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي هَؤُلَاءِ الأَخْيَارِ السَّادَاتِ الكِرَامِ فَهِيَ وَاضِحَةٌ وَجَلَّيَّةٌ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ هُمْ أَحْسَنُ مَن يَتَكَلَّمُونَ فِي أَهْلِ البَيتِ بِإِنْصَافٍ، فَلَا يُبَالِغُونَ فِيهِمْ، وَلَا يُلْحِقُونَ بِهِمْ مِثْلَ هَذِهِ المَقُولَاتِ الخَبِيثَةِ السَّيِّئَةِ الَّتِي وَصَلَتْ إِلَى حَدِّ الأَعْرَاضِ.

يَقُولُ الشَّيخُ:

وَإِنَّمَا افْتَرَاهَا عَلَيهِمُ الرَّافِضَةُ لِتَرْوِيجِ مَذْهَبِهِمْ البَاطِلِ، وَهَذَا يَقْتَضِي عَدَمَ الوُثُوقِ بِأَقْوَالِ أَئِمَّةِ أَهْلِ البَيتِ وَأَفْعَالِهِمْ؛ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُمْ قَالُوهَا أَو فَعَلُوهَا تَقِيَّةً.

نَعَمْ، هَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ، فَعَلَى فَرْضِ أَنَّهُمْ يُصَحِّحُونَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ - وَإِنْ كُنَّا، وَلِلهِ الحَمْدُ، نُبْطِلَهَا - إِذًا فَهَذَا الَّذِي تَنْقُلُونَهُ عَن أَهْلِ البَيتِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ تَقِيَّةً، فَالدِّينُ لَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ أَسْرَارًا وَغَوَامِضَ وَأُمُورًا غَيْرَ وَاضِحَةٍ، لَابُدَّ مِنَ الوُضُوحِ فِي الدِّينِ، أَمَّا أَنْ يَكُونَ الدِّينُ جُمْلَةً مِن الأَلْغَازِ فَهَذَا أَمْرٌ خَطِيرٌ لِلغَايَةِ؛ إِذْ كَيفَ تُرْبَطُ القُلُوبُ وَتُعْقَدُ عَلَى عَقِيدَةٍ بَيِّنَةٍ وَاضِحَةٍ بِهَذِهِ الطَّرِيقَةِ المُلْتَوِيَةِ!

وَقَدْ أَدَّى بِهِمْ هَذَا الأَمْرُ إِلَى الِاضْطِرَابِ الكَبِيرِ فِيمَا بَينَهُمْ، فَقَدْ تَقَعُ أُمُورٌ فِيمَا بَينَهُمْ، فَيَقُولُونَ: يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الإِمَامُ فَعَلَهَا تَقِيَّةً. وَيَقُولُ آخَرُونَ: بَلْ فَعَلَهَا عَلَى سَبِيلِ الصَّوَابِ. فَلَا تَنْتَهِي المَسْأَلَةُ.

وَقُلْنَا إِنَّ التَّقِيَّةَ تَكُونُ مَعَ الكُفَّارِ، فِي حَالِ الِاضْطِرَارِ التَّامِّ المَحْضِ، وَالدَّينُ لَا يُرَبِّي عَلَى الُجْبِنِ، بَلْ يُرَبِّي عَلَى الشَّجَاعَةِ وَالوُضُوحِ وَالصَّفَاءِ، فَمَا مَعْنَى كَلِمَةِ الحَقِّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ! وَمَا مَعْنَى الأَمْرِ بِالمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَن المُنْكَرِ إِلَّا بِالصَّدْعِ وَإِظْهَارِ الدِّينِ! مَا مَعْنَى هَذَا إِذَا كَانَتِ المَسْأَلَةُ كُلُّهَا تَقِيَّةً، وَأَنَّ الإِنْسَانَ يُمْكِنُ أَنْ يَسْكُتَ عَلَى عِرْضِهِ، وَيُضَيِّعَ أُمُورَ الدِّينِ وَأَسَاسَ الاعْتِقَادِ تَقِيَّةً! فَلَا يَصْلُحُ هَذَا الأَمْرُ، بَلْ لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ جَلَيًّا وَاضِحًا، هَكَذَا رَبَّى الشَّرْعُ أَبْنَاءَهُ، وَهَكَذَا رَبَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ العَصَبَةَ المُبَارَكَةَ، وَلَئِنْ كَانَ الخَوَارِجُ يُسِيئُونَ القَولَ فِيهِمْ بِصَرِيحِ العِبَارَةِ، فَإِنْ هَذِهِ المَقُولَاتِ تُؤَدِّي إِلَى سُوءِ القَولِ فِيهِمْ وَلَو بِطَرِيقِ الإِشَارَةِ، بَلْ حَتَّى بِصَرِيحِ العِبَارَةِ؛ لِأَنَّ مِثْلَ هَذَا الأَمْرِ إِذَا نُسِبَ إِلَى هَؤُلَاءِ الأَخْيَارِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ مِن أَخْبَثِ مَا يُنْسَبُ إِلَيهِمْ، وَمَنْ أَسْوَأِ مَا يُقَالُ فِيهِمْ.

يَقُولُ الشَّيخُ:

وَإِنْ أَرَادُوا بِقَولِهِ: وَدِينُ آبَائِي. النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُ، فَقَدْ جَوَّزُوا عَلَيهِ عَدَمَ تَبْلِيغِ مَا أَمَرَهُ اللهُ تَبْلِيغَهُ خَوفًا مِنَ النَّاسِ، وَمُخَالَفَةَ أَمْرِ اللهِ فِي أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ خَوفًا مِنْهُمْ، وَيَلْزَمُ مِن هَذَا عَدَمُ الوُثُوقِ بِنُبُوَّتِهِ، حَاشَاهُ عَن ذَلِكَ، وَمَنْ جَوَّزَ عَلَيهِ ذَلِكَ فَقَدْ تَنَقَّصَهُ، وَتَنَقُّصُ الأَنْبِيَاءِ عَلَيهِمُ السَّلَامُ كُفْرٌ، مَا أَشْنَعَ قَولَ قَومٍ يَلْزَمُ مِنْهُ نَقْصُ أَئِمَّتِهِمُ المُبَرَّئِينَ عَن ذَلِكَ.

إِذَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا الافْتِرَاءِ عَلَى جَعْفَرٍ، مِن أَنَّهُ قَالَ: التَّقِيَّةُ دِينِي وَدِينُ آبَائِي. فَيُقَالُ: إِنْ كَانَ قَصَدَ أَبَاهُ مُحَمَّدًا وَعَلِيَّ بْنَ الحُسَينِ، وَيَقْصِدُ الحُسَينَ بْنَ عَلِيٍّ، وَيَقْصِدُ عَلِيَّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَيَقْصِدُ أُبُوَّتَهُ مِن جِهَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ فَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَقْصِدُ دِينَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا قِيلَ بِذَلِكَ فَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ يُمْكِنُ أَنْ يَفْعَلَ التَّقِيَّةَ بِالأُسْلُوبِ الَّذِي تَفْعَلُهُ الشِّيعَةُ، وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الوُثُوقِ بِالنُّبُوَّةِ، فَيُقَالُ: قَولُ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ كَذَا تَقِيَّةً. وَهَذَا يُؤَدِّي إِلَى رَفْعِ الثِّقَةِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! وَقَدْ قُلْنَا إِنَّ أَشْجَعَ النَّاسِ هُوَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ قَالَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ المُؤْمِنِينَ(5) أَي كَمَا قَالَ البَغَوِيُّ رَحِمَهُ اللهُ: قَاتِلْهُمْ وَلَو كُنْتَ وَحْدَكَ، وَمَنْ لَمْ يُطِعْكَ فَلَا عَلَيكَ مِنْهُ. وَكَيفَ يُقَالُ هَذَا فِي رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ الَّذِي جَاهَرَ بِالحَقِّ فِي مَكَّةَ، وَأُوذِيَ الأَذَى العَظِيمَ، وَثَبَتَ وَصَبَرَ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ!

فَالحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ المَقُولَاتِ تُؤَدِّي إِلَى أَسْوَأِ مَا يُقَالُ فِي أَهْلِ البَيتِ الرَّفِيعِ، الَّذِي لَا بَيتَ أَطْيَبُ وَلَا أْطَهَرُ مِن بَيتِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ! فَكَيفَ يُقَالُ فِيهِ وَفِي عَلِيٍّ وَبَنِيهِ مِثْلُ هَذِهِ المَقُولَاتِ السَّيِّئَةِ القَبِيحَةِ، أَجَلَّ اللهُ مَقَامَهُمْ عَنْهَا.


(1) هو:العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أبو الفضل: عم النبي صلى الله عليه وسلم، من أكابر قريش في الجاهلية والإسلام، وجد الخلفاء العباسيين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في وصفه: أجود قريش كفا وأوصلها، هذا بقية آبائي ! وكان محسنا لقومه، سديد الرأي، واسع العقل، مولعا بإعتاق العبيد، كارها للرق، وشهد فتح مكة. مات سنة 32هـ. (الإصابة في تمييز الصحابة: 3/631).

(2) أخرجه البخاري في أول كتاب فرض الخمس (3093) ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب: حكم الفيء (1757).

(3) هو: عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي أبو حفص أمير المؤمنين ولد بعد الفيل بثلاث عشرة سنة. أسلم بمكة قديما وهاجر إلى المدينة قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم وشهد بدرا والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي الخلافة عشر سنين وخمسة أشهر وقتل يوم الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة وهو أول من اتخذ الدرة. (أسد الغابة: 1/814).

(4) أخرجه الإمام أحمد في "فضائل الصحابة" (2/627) والطبراني في "المعجم الكبير" (20/27) والبيهقي في "السنن الكبرى" (7/94).

(5) سورة النساء: 84.