موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - الطَّهَارَةُ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ - شرح المنتقى (الجزء الأول)
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح المنتقى (الجزء الأول) لفضيلة الشيخ عبد المحسن بن عبد الله الزامل
  
 
 شرح المنتقى (الجزء الأول)
 المقدمة
 بَابُ فَرْضِ الوُضُوءِ
 بَابُ الوُضُوءِ مِنَ الرِّيحِ
 بَابُ الوُضُوءِ مِنَ الغَائِطِ، وَالبَوْلِ، وَالنَّوْمِ
 بَابُ الوُضُوءِ مِنَ المَذْي
 بَابُ مَا جَاءَ فِي الوُضُوءِ مِنَ القَيْءِ
 بَابٌ فِي الوُضُوءِ مِنَ النَّوْمِ
 الطَّهَارَةُ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ
 طَهَارَةُ المُشْرِكِ إِذَا أَسْلَمَ
 الوُضُوءُ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ
 مَا رُوِيَ فِي إِسْقَاطِ الوُضُوءِ مِنْهُ
 مَا جَاءَ فِي تَرْكِ الوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ
 الوُضُوءُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ
 مَا جَاءَ فِي التَّبَاعُدِ لِلخَلَاءِ
 القَوْلُ عِنْدَ دُخُولِ الخَلَاءِ
 كَرَاهِيَةِ اسْتِقْبَالِ القِبْلَةِ لِلغَائِطِ، وَالبَوْلِ، وَالِاسْتِنْجَاءِ
 بَابُ مَا يُتَّقَى مِنَ المَوَاضِعِ لِلغَائِطِ وَالبَوْلِ
 الرُّخْصَةُ فِي البَوْلِ قَائِمًا وَقُرْبَ النَّاسِ
 كَرَاهِيَةِ التَّسْلِيمِ عَلَى مَنْ يَبُولُ
 اسْتِحْبَابُ الوِتْرِ فِي الاسْتِنْجَاءِ
 الاسْتِنْجَاءُ بِالمَاءِ
 فِي طَهَارَةِ المَاءِ وَالقَدْرِ الَّذِي يُنَجِّسُ وَلَا يُنَجِّسُ
 بَابِ طَهَارَةِ المَاءِ
 مَا جَاءَ فِي السِّوَاكِ
 فِي النِيةِ فِي الأَعْمَالِ
 لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طَهُورٍ
 بَابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْنِ
 فِي الجَنَابَةِ وَالتَّطَهُّرِ لَهَا
 بَابُ الحَيْضِ
 بَابُ التَّيمُّمِ
 بَابُ التَّنَزُّهِ فِي الأَبْدَانِ وَالثِّيَابِ عَنِ النَّجَاسَاتِ
شرح المنتقى (الجزء الأول) - الطَّهَارَةُ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ

(قَالَ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى:

الطَّهَارَةُ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ:
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، قَالَ: ثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرٍو(1)، قَالَ: ثَنَا زَائِدَةُ(2)، قَالَ: ثَنَا مُوسَى بْنُ أَبِي عَائِشَةَ(3)، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(4)، قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا فَقُلْتُ لَهَا: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَتْ: بَلَى ثَقُلَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا قَالَتْ: فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا قَالَتْ: فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ لِيَنُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ؟» فَقُلْنَا: لَا، هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنْ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ(5).


وَهَذَا الحَدِيثُ حَدِيثٌ عَظِيمٌ وَمَلَئٌ بِالفَوَائِدِ، وَفِيهِ مَا أَشَارَ المُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللهُ الطَّهَارَةُ للْمُغْمِي عَلَيْهِ ذَكَرَهَا عَلَى سَبِيلِ العُمُومِ، يَشْمَلُ الطَّهَارَةَ الصُّغْرَى، وَالطَّهَارَةَ الكُبْرَى. مُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى هُوَ: مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ مُهَلَّبٍ الأَسَدِيِّ البَغْدَادِيُّ، ثِقَةٌ مِنَ رِجَالِ الجَمَاعَةِ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو قَالَ: حَدَّثَنَا زَائِدُ بْنُ قُدَامَةَ الثَّقَفِيُّ رَاوِي مِنَ الرُّوَاةِ المَشْهُورِينَ رَحِمَهُ اللهُ رِجَالٌ جَمَاعَةٌ، وَمُوَسَى بْنُ عَائِشَةَ الهَمْدَانِيِّ، ثِقَةٌ عَابِدٌ، وَقَالَ بَعْضُ الحُفَّاظِ كَأَبِي حَاتِمٍ: تَكَلَّمَ فِي رِوَايَتِهِ قَالُوا: إِنَّ هَذَا الحَدِيثَ رُبَّمَا زَادَ فِيهِ زِيَادَاتٌ، وَقَالُوا: إِنَّهُ جَاءَ فِي رِوَايَةِ «الصَّحِيحَيْنِ» بِغَيْرِ هَذِهِ الزِّيَادَاتِ، لَكِنَّهُ ثِقَةٌ رَحِمَهُ اللَّهُ، وَرَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ، وَعُبَيْدُ اللهِ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ، وَعُبَيْدُ اللهِ هَذَا ابْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَحَدُ الفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا، فَقُلْتُ: أَلَا تُحَدِّثِينِي عَنْ مَرَضِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِيهِ العِبَرُ وَالفَوَائِدُ، المَرَضُ الَّذِي تُوفِّيَ فِيهِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ، قَالَتْ: بَلَى؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهَا عَنِ العِلْمِ، وَمَا أَدْرَكَ ذَلِكَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا؛ وَلِأَنَّهَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِذَلِكَ، وَمَاتَ فَقَالَتْ: بَيْنَ حَاقِنَتِي وَذَاقِنَتِي تَقْوَى عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ؛ لِأَنَّ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ فِي هَذَا المَرَضِ، فَقَالَ: أَصَلَّى النَاسُ يَعْنِي: تَقُولُ: عَنِ الخُرُوجِ فَسَأَلَ: «أَصَلَّى النَّاسُ»، وَفِيهِ: أَنَّهُ كَانَ هَمَّ أَمْرَهُ الصَّلَاةُ، وَكَانَ يَقُولُ: «الصَّلَاةُ الصَّلَاةُ، وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانَكُمْ»(6) فِي مِثْلِ هَذِهِ الحَالِ كَانَ يَقُولُ: «أَصَلَّى  النَّاسُ»، وَكَانَ يُرِيدُ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُدْرِكَهُ، وَهُوَ رَسُولُ اللهُ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ... الجَنَّةُ بَلْ هُوَ فِي أَعْلَى مَنْزِلَةٍ فِي الجَنَّةِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، لَكِنْ مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ: «أَصَلَّى النَّاسُ»، يُرِيدُ أَنْ يَحْضُرَ هَذِهِ الصَّلَاةَ، وَأَنْ يَشْهَدَهَا عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ «أَصَلَّى النَّاسُ»، فَقُلْنَا: لَا وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنْ يُخْضِعَ لِلْجَمَاعَةِ أَنْ يَنْتَظِرُوا الإِمَامَ إِذَا حَصَلَ العُذْرُ، وَأَنْ لَا يُبَادِرُوا بِالصَّلَاةِ، وَأَنْ لَا يَسْتَعْجِلُوا، وَذَلِكَ أَنِ انْتِظَارَهُ فِيهِ مَصْلَحَةٌ، وَفِيهِ اجْتِمَاعٌ، وَفِيهِ أَيْضًا مَعَ أَنَّهُ حِينَمَا يُصَلُّونَ سَوِيًا، أَيْضًا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَعْرِفَةُ حَقّ الإِمَامَةِ قَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ»، فَقُلْنَا لَهُ: هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ، وَهَذَا الانْتِظَارُ عَلِمُوهُ إِمَّا هُوَ المَشْرُوعُ، أَوْ أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَيْضًا أَنْ يَعْلَمُوا مَاذَا يَأْمُرُ بِهِ؟ لَكِنْ هَذَا الانْتِظَارُ كَمَا نَبَّهَ أَهْلُ العِلْمِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَحْصُلُ فِيهِ التَّأْخِيرُ، وَإِذَا كَانَ الإِمَامُ قَرِيبٌ يُمْكِنُ أَنْ يُرَاسِلَ، يُمْكِنُ أَنْ يَحْضُرَ مَثَلًا، أَمَّا إِذَا كَانَ بَعِيدًا أَوْ عَلِمَ عُذْرُهُ، وَلَا يُمْكِنُ حُضُورُهُ، أَوْ كَانَ قَرِيبًا، لَكِنَّهُ سَوْفَ يَتَأَخَّرَ تَأَخُّرًا يَشُقُّ عَلَى الجَمَاعَةِ، فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ، لَكِنِ هَذَا إِذَا أَمْكَنَ مَجِئِيهِ، أَوْ مُرَاسَلْتُهُ؛ وَلِهَذَا قَالَ: إِنْ هُمْ يَنْتَظِرُونَ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، يَعْنِي: فِي إِنَاءٍ، قَالَتْ: فَفَعَلْنَا، وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ الإِنْسَانَ إِذَا شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ لَا يَكُونُ مَعَ أَهْلِهِ يُشْرَعُ أَنْ يَطْلُبَ ذَلِكَ، وَيَكُونُ أَجْرُهُ وَأَجْرُ مَنْ قَالَ ذَلِكَ تَامًا، وَلَا يُنْقِصُهُ شَيْئًا، فَكَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ، وَإِذَا مَرِضَ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُ لَهُ، وَهُوَ صَحِيحٌ مُقِيمٌ، فَاغْتَسَلَ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَنَّهُ إِنْ مَنْ ثَقُلَ فِي مَرَضٍ إِنَّ مِنْ أَسْبَابِ النَّشَاطِ الغُسْلَ، وَأَنَّهُ مِنَ الأَسْبَابِ المُعِينَةِ عَلَى حُضُورِ الجَمَاعَةِ؛ وَلِهَذَا اغْتَسَلَ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حَتَّى يُنَشِّطَ عَلَى حُضُورِ الجَمَاعَةِ، وَهَذَا فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ، الاغْتِسَالُ لِحُضُورِ الجَمَاعَةِ حِينَمَا يُضْعِفُ الإِنْسَانُ إِذَا ضَعُفَ فِي بَدَنِهِ لِمَرَضٍ، أَوْ تَعَبٍ وَأَرَادَ وَحَسَّ بِضَعْفٍ يُعْذَرُ مَعَهُ، فَإِذَا اغْتَسَلَ لِأَجْلِ أَنْ يَحْضُرَ الجَمَاعَةَ كَانَ مِنَ الغَسْلِ المَشْرُوعِ؛ فَلِهَذَا اغْتَسَلَ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ ذَهَبَ؛ لِينُوءَ، يَعْنِي: يَقُومُ قِيَامًا فِيهِ ثُقْلٌ، فَأُغْمِيَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فِيهِ أَنَّ الإِغْمَاءَ يَجُوزُ عَلَى الأَنْبِيَاءِ، وَأَنَّ الَّذِي يَمْتَنِعُ هُوَ الجُنُونُ، أَمَّا الإِغْمَاءُ هُوَ نَوْعٌ من المَرَضِ؛ وَلِهَذَا أُغْمِيَ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، ثُمَّ أَفَاقَ، وَلِهَذَا جُمْهُورُ أَهْلِ العِلْمِ قَالُوا: إِنَّ المُغْمِيَ عَلَيْهِ مُكَلَّفٌ فِي بَعْضِ الأَحْوَالِ، وَأَنَّهُ يَقْضِي عَلَى خِلَافِ كَثِيرٍ مَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَالصِّيَامُ فِي مَسَائِلَ مَعْرُوفَةٍ، فَقَالُوَا: إِنَّ الفَرْقَ بَيْنَ الإِغْمَاءِ وَالجُنُونِ عَلَى خِلَافٍ، ثُمَّ أَفَاقَ، ثُمَّ قَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ»، فَقُلْنَا لَهُ: هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ»، فَفَعَلْنَا فَقَالَتْ: فَاغْتَسَلَ، يَعْنِي: ثَانِيَةً، ثُمَّ ذَهَبَ لِينُوءَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ، يَعْنِي: يَقُومُ، وَكَانَ مَعَ شَيْءٍ مِنَ الثُّقْلِ لِشِدَّةِ مَرَضِهِ صَلَوَاتُ اللَّهْ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، ثُمَّ أَفَاقَ، فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ»، فَقُلْنَا لَهُ: هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ كُلَّمَا أَفَاقَ قَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ» مُعَلَّقٌ قَلْبُهُ بِهَذِهِ الصَّلَاةِ، يُرِيدُ أَنْ يُدْرِكَهَا، وَيُصَلِّيَ مَعَ النَّاسِ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: «ضَعُوا لِي مَاءً فِي المِخْضَبِ» قَالَتْ: فَاغْتَسَلَ، ثُمَّ ذَهَبَ فَأُغْمِيَ عَلَيْهِ –الثَّلَاثَةُ-، ثُمَّ أَفَاقَ قَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ»، وَالثَّلَاثَ هِيَ الحَدُّ الأَقْصَى حَتَّى فِي لُغَةِ العَرَبِ فِي تَكْرَارِ الكَلَامِ يَكُونُ ثَلَاثًا؛ وَلِهَذَا ذَهَبُوا فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ: أَنَّهُ مَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ وَدَعَى التَّكْرَارَ لَا يُقْبَلَ مِنْهُ فِي أَبْوَابٍ تَتَعَلَّقُ بِالطَّلَاقِ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ قَرِينَةٌ أَوْ شَيْءٌ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ؛ لِأَنَّ العَرَبَ لَا تَزِيدُ عَلَى ثَلَاثٍ إِذَا ذُكِرَتْ، وَكَانَ النَّبِيُّ إِذَا سَلَّمَ سَلَّمَ ثَلَاثًا، وَإِنْ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ كَلَامًا أَعَادَهُ ثَلَاثًا إِلَّا إِذَا كَانَ هَذَا مِنْ عَادَتِهِ، أَوْ مِنْ عَادَةِ قَوْمِهِ، أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، فَالشَّأْنُ أَنَّ الثَّلاثَ لَا فِي الأَقْوَالِ وَلَا فِي الأَفْعَالِ هِيَ الحَدُّ؛ وَلِهَذَا جَاءَتْ كَثِيرًا ثَلَاثًا، وَالثُّلُثَ، وَفِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ.

فَقَالَ: «أَصَلَّى النَّاسُ» قَفَلْنَا لَهُ: هُمْ يَنْتَظِرُونَكَ يَا رَسُولَ اللهِ قَالَتْ: وَالنَّاسُ عُكُوفٌ فِي المَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَكَ، وَالعُكُوفُ هُوَ: المُلَازِمُ لِلْشَّيْءِ لَيْسَ المُرَادُ عُكُوفٌ أَنَّهُ مُعْتَكِفٌ لَا عُكُوفٌ، يَعْنِي: أَنَّهُ يُبَيِّنُ أَنَّهُ طَالَ انْتِظَارَهُمْ لَهُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُمْ- يُرِيدُونَ أَنْ يَظْفَرُوا بِحُضُورِهِ عَلَيْهِ الَصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالعُكُوفُ عَلَى الشَّيْءِ هُوَ مُلَازَمَتُهُ، وَالنَّاسُ عُكُوفٌ يَنْتَظِرُونَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَلَاةِ العِشَاءِ الآخِرَةِ، وَأَيْضًا وَافَقَ صَلَاة العِشَاءِ، وَهَذَا أَيْضًا اخْتُلِفَتْ بِصَلَاةِ العِشَاءِ أَوْ صَلَاةِ الظُّهْرِ، جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى: أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ قَالَتْ: فَأَرْسَلَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ أَنَّ يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ، وَفِيهِ أَيْضًا: أَنَّهُ يَشْرُعُ لِمَنْ شَقَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ خَشْيَةَ أَنْ يَتَأَخَّرَ عَلَى النَّاسِ أَنْ يُنِيبَ مَنْ يُصَلِّي بِالنَّاسِ، وَهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ فِي الصَّحِيحِ وَفِي غَيْرِهِمَا، وَمَنْ حَيْثُ مَا تَقَدَّمَ فِي « الصَّحِيحَيْنِ» بِنَحْوٍ مِنْ هَذَا السِّيَاقِ، وَفِيهِ دَلَالَةَ كَمَا تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّهُ يُشْرَعُ الغُسْلُ لِلْمُغْمِي عَلَيْهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ، الوَاجِبُ الوُضُوءُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا كَانَ النَّوْمُ المُسْتَغْرِقُ يَنْقُضُ فَالإِغْمَاءُ أَشَدُّ؛ لِأَنَّ النَّائِمَ إِذَا نُبِّهَ تَنَبَّهَ، وَالمُغْمِي عَلَيْهِ لَا يَتَنَبَّهَ فَإِنَّ هَذَا حَكَاهُ جَمْعُ مِنْ أَهْلِ الاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّ الإِغْمَاءَ نَاقَضٌ لِلْوُضُوءِ.


(1) هو: معاوية بن عمرو بن المهلب بن عمرو بن شبيب الازدي المعني، أبو عمرو البغدادي. أخو الكرماني بن عمرو. كوفي الأصل. قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة، روى له الجماعة، مات سنة ثلاث عشرة في جمادى الاولى، وقيل: سنة أربع عشرة. انظر تهذيب الكمال (28/207/ترجمة6064)، وسير أعلام النبلاء (10/214/ترجمة53).

(2) هو: زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي. قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة ثبت صاحب سنة، روى له الجماعة. مات في أرض الروم عام غزا الحسن بن قحطبة، سنة ستين، أو إحدى وستين ومئة. انظر تهذيب الكمال (9/273/ترجمة1950)، وسير أعلام النبلاء (7/375/ترجمة139).

 

(3) هو: موسى بن أبي عائشة الهمداني، أبو الحسن الكوفي، مولى آل جعدة بن هبيرة المخزومي. قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة عابد وكان يرسل، من طبقة صغار التابعين، روى له الجماعة. انظر تهذيب الكمال (29/90/ترجمة6271)، وسير أعلام النبلاء (6/150/ترجمة63).

(4) هو: عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الباهلي، أبو عبد الله المدني الفقيه الأعمى أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، وهو أخو عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. قال عنه الحافظ في التقريب: ثقة فقيه ثبت، مات سنة أربع أو خمس وتسعين. انظر تهذيب الكمال (19/73/ترجمة3653)، وسير أعلام النبلاء (4/475/ترجمة179).

(5) أخرجه البخاري في كتاب الأذان- باب إنما جعل الإمام ليؤتم به (687)، ومسلم في كتاب الصلاة- باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر (418).

(6) أخرجه أبو داود في كتاب الأدب- باب في حق المملوك (5156)، وابن ماجة في كتاب الوصايا- باب هل أوصى رسول الله (2698)، من حديث علي. وصححه الألباني في « صحيح أبي داود».