موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - بيان خطر العالم الفاجر - شرح إبطال الحيل
جدول الدورة العلمية السادسة والعشرين  البث المباشر للدورة العلمية السادسة والعشرين 
الصفحة الرئيسة / المكتبة الإلكترونية / الشروح / شرح إبطال الحيل لفضيلة الشيخ عبدالرحمن بن صالح الحجي
  
 
 شرح إبطال الحيل
 مقدمة الشارح
 مقدمة المؤلف
 صفة من يحق له الفتوى
 تعريف الفقه والفقيه
 فضل العلم والعلماء
 صفة الفقيه الحق
 من صفات الفقيه الحق
 تابع صفات الفقيه الحق
 تابع صفات الفقيه
 من صفات الفقيه الخشية
 من صفات الفقيه العمل بالعلم
 خصال المفتي
 بيان خطر العالم الفاجر
 الجواب على مسألة السائل
 نموذج للفتوى عند أهل الحديث (مسألة الخلع)
 صور من الحيل
 بيع العينة والتورق
 الأدلة على إبطال الحيل
 حكم الحيل
 علماء السوء
 الحيل ليست من مسائل الاجتهاد
 الطلاق أو الخلع من غير حاجة
 الورع في الفتوى
 اعتبار القصد وعلاقته بالحيل
شرح إبطال الحيل - بيان خطر العالم الفاجر

(قَدْ اقْتَصَرْتُ يَا أَخِي -صَانَكَ اللهُ- مِنْ صِفَةِ الْفَقِيهِ عَلَى مَا أَوْرَدْتُ، وَكَفَفْتَ عَنْ أَضْعَافِ مَا أَرَدْتُ، فَإِنِّي رَأَيْتُ الإِطَالَةَ بِالرِّوَايَةِ فِي هَذَا الْبَابِ مَتَجَاوِزَةً مَا قَصَدْنَا مِنْ جَوَابِ الْمَسْأَلَةِ، نَعَمْ، أَيْضًا وَتَهْجِينٌ لَنَا وَسُبَّةٌ عَلَيْنَا وَغَضَاضَةٌ عَلَى الْمَوْسُومِينَ بِالْعِلْمِ وَالْمَتَصَدِّرِينَ لِلْفَتْوَى مِنْ أَهْلِ عَصْرِنَا مَعَ عَدَمِ العَالِمِينَ لِذَلِكَ وَالْعَامِلِينَ بِهِ، فَأَسْأَلُ اللهَ أَلاَ يَمْقُتَنَا، فَإِنَّا نَعُدُّ أَنْفُسَنَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الرَّبَّانِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ الَفُهَمَاءِ الْعَارِفِينَ).


أي أن الناس يعدوننا أئمة متصدرين، وعلماء ربانيين، ولعلنا عند الله كذا وكذا.

(وَنَحْسَبُ أَنَّا أَئِمَةٌ مُتَصَدِّرُونَ عِلْمًا وَفُتْيَا، وَقَادَةُ أَهْلِ زَمَانِنَا، وَلَعَلَّنَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْفَاجِرِينَ، وَمِنْ شِرَارِ الْفَاسِقِينَ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِالْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ(1) -رَحِمَهُ اللهُ- قَالَ: إِنَّا نَتَكَلَّمُ بِكَلاَمٍ أَحْسَبُ أَنَّ الْمَلاَئِكَةَ تَسْتَحْسِنُهُ، وَلَعَلَّهَا تَلْعَنُ عَلَيْهِ).


نحسب أن الملائكة تستحسنه ولعلها تلعن عليه، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم: « ... الْكَلِمَةُ لاَ يُلْقِي لَهَا بَالاً قَدْ تَهْوِي بِهِ فِي النَّارِ»(2)، فيقول الشيخ -رحمه الله: نكتفي بهذه الآثار لأسباب:

أولاً: أن الكتاب كان بسبب فتوى الخلع، ونحن أكثرنا في صفة المفتي، فهذا يخرجنا عن جواب المسألة.

ثانيًا: أنه تهجين لنا وسبة علينا، أي أن هذه الآثار كأنها موجهة للموسومين بالعلم والفتوى، قال: (فنسألُ اللهَ ألاَّ يمقتنا)، لأن الناس يعدوننا قادة، ولعلنا عند الله من الفاجرين ومن شرار الفاسقين.

(وَرُوِيَ أَنَّ قَائِلاً قَالَ لِلنَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ شَرُّ النَّاسِ؟ فَقَالَ: « اللَّهُمَّ غَفْرَى، شَرُّ النَّاسِ الْعُلَمَاءُ إِذَا فَسَدُوا»(3)).


روي بصيغة التمريض، ونسبه للنبي -عليه الصلاة والسلام، الآثار نحن لا نتشدد فيها؛ لأنها حكمة وليست من الوحي، ولكن هذا الحديث بصيغة التمريض وسنده فيه ضعف، لكن المعنى صحيح، لكنا لا ننسبه للنبي -عليه الصلاة والسلام، وإلا فالأدلة تدل على أن شر الناس العلماء إذا فسدوا؛ لأن العامة إذا فسدوا فسادهم على أنفسهم، لكن العالم إذا فسد فسد بفساده خلق كثير؛ لأنهم يحتجون به ويقتدون به.

(وَرُوِيَ عَنْ عَلَيٍّ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- أَنَّهُ قَالَ: يُوشِكُ أَلاَّ يَبْقَى مِنَ الإِسْلاَمِ إِلاَّ اسْمُهُ، وَمِنَ الْقُرْآنِ إِلاَّ رَسْمُهُ، مَسَاجِدُهُمْ يَوْمَئِذٍ عَامِرَةٌ وَهِيَ خَرِبَةٌ مِنَ الْهُدَى، عُلَمَاؤُهُمْ شَرُّ مَنْ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ، مِنْ عِنْدِهِمْ تَخْرُجُ الْفِتْنَةُ، وَفِيهِمْ تَعُودُ)(4).


فخطورة العالم الفاجر الذي يدل الناس على الحيل، ويرخص لهم في معاصي الله أنه يكون شر من تحت أديم السماء، مِن عنده تخرج الفتنة وإليه تعود، وهذا كما كان علماء بني إسرائيل، فهم شر من أديم السماء، وعلماء النصارى وأحبارهم ورهبانهم شر من تحت أديم السماء كذلك.

قال الله -عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ(5) وقال تعالى: ﴿ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ(6)؛ ولذلك هذه الأمة ستركب سننهم، وسيكون فيها مَن هو شر من تحت أديم السماء، وسيكون فيهم طائفة منصورة يقولون الحق، ولا يضرهم مَن خالفهم ولا مَن خذلهم، وهذا هو الفرق، ولكن الشاهد هنا قوله: (من عندِهم تخرجُ الفتنةُ وفيهِمْ تعودُ)؛ لأنهم إذا فسدوا فالناس تبع لهم، وهذا فتنة؛ ولذلك الشيطان يلقن العامة الحجج، وإذا أخبرته بالحق قال: الشيخ الفلاني أفتى بكذا، والشيخ الفلاني أفتى بكذا، وسمعت في القناة كذا، وسمعت في الإذاعة كذا، فأنت لا تجادل قول هذا، بل علمه الحق والذي عليه العلماء الراسخون الذين هم أرسخ وأتقى من الذي قال بالحيل.

(وَقَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ -عَلَيْهِ السَّلاَمُ: يَا مَعْشَرَ الْحَوَارِيِّينَ، الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ، إِنَّ الدُّنْيَا لاَ تَصْلُحُ إِلاَّ بِالْمِلْحِ، وَالطَّعَامُ لاَ يَطِيبُ إِلاَّ بِهِ، فَإِذَا فَسَدَ الْمِلْحُ فَسَدَ الطَّعَامُ، وَذَهَبَتْ الْمَنْفَعَةُ بِهِ، وَكَذَلِكَ الْعُلَمَاءُ مِلْحُ الأَرْضِ، لاَ تَسْتَقِيمُ الأَرْضُ إِلاَّ بِهِمْ، وَإِذَا فَسَدَ الْعُلَمَاءُ فَسَدَتِ الأَرْضُ).


لا شك أنه إذا فسد أهل الدين وأهل الخير فسدت الأرض، فالعلماء ملح الأرض، فإذا فسد الملح، فكيف يصلح الطعام؟! فأمة الإسلام من أول الدهر تتأثر بأهل الدين، ولا تتأثر بالملوك ولا بالمغنيين والممثلين، فالرافضة الباطنية حكموا مصر ثلاثمئة أو أربعمئة سنة، ومع ذلك مصر ليس فيها الآن شيعي واحد، والمأمون حكمهم وأخذهم بالقوة على الاعتزال، ومع ذلك لما ذهب ذهبت كل بدعته، ورجعوا في عهد المتوكل للسنة.

أما مقتل المسلمين فيأتي من قبل أهل الخير وأهل الدين؛ ولذلك العلمانيين حاولوا إخراج المرأة منذ ثمانين سنة وعجزوا، ولكن يأتي عالم واحد ويقول: الاختلاط ليس فيه شيء، وقيادة السيارة ليس فيها شيء، وحجاب الوجه مختلف فيه، فإنه يفعل في سنة ما لم يفعله العلمانيون في ألف سنة؛ لأن الناس يغترون بأهل الدين أكثر، وإذا رأوا صاحب الدين كأنهم تخدروا.

والعلمانيون حاولوا العمل بالربا منذ ثمانين سنة، لكن الناس يبغضونهم ويكرهونهم، ولما دخل المنتسبون للدين في البنوك، وقالوا: إنها إسلامية، انتقلت في خلال سنوات كل البنوك الربوية وصارت بهذا المثابة، فدائمًا المقتل على أمة محمد يأتي من أهل الدين وأهل الخير إذا فسدوا.

لذلك قال ابن مسعود: "إن فتنة بني إسرائيل كانت على أيدي قرائهم وفقهائهم، وإن فتنة هذه الأمة ستكون على أيدي قرائها وفقهائها"، فالملوك لن يستطيعوا أن يزحزحوا الأمة، ربما تكون جولة بسيطة ولكن تنتهي، كذلك الممثلون والمنافقون لا يستطيعون، فالناس ينفرون منهم، لكن أهل الدين إذا فسدوا فسد الناس بفسادهم.

(وَقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ(7) : قَدِمَ عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ(8) الْكُوفَةَ، فَلَّمَا رَأَى اجْتِمَاعَهُمْ عَلَيْهِ، قَالَ: أَشَنْتُمُ الْعِلْمَ وَأَذْهَبْتُمْ نُورَهُ! لَوْ أَدْركَنِي وَإِيَّاكُمْ عُمَرُ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- لأَوْجَعَنَا ضَرْبًا)(9).


كان طلب الحديث في ذلك الزمان فتنة، حتى الآن طلب الإسناد العالي وطلب الأسانيد موجود، وكان الشباب في فترة نهضة الحديث في ذلك القرن والذي بعده يذهبون من أجل إسناد العالي، وإذا جاءهم رجل عنده أسانيد عالية اجتمعوا عليه وتكاثروا، حتى قال بعضهم: نخشى من هذا الحديث! أصبح بعضه يصد عن ذكر الله وعن الصلاة؛ لأنه يصبح حظ الناس، بأن يكون عنده أسانيد عالية وإجازات.

فعبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب من علماء المدينة، وهو ثقة، ومن رجال الصحيحين، والمكبر عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم(10) ضعيف، فعبيد الله بن عمر جاء من المدينة إلى الكوفة، فاجتمع عليه أهل الحديث، وخرجوا عن سمت أهل العلم تكاثروا عليه، وجاءوا يريدون السند العالي، ويريدون أحاديث عن نافع(11) عنابن عمر، فلما رآهم قال: (أشنتُمُ العلم)، فهذا شين للعلم وذهاب لنوره، فأين السمت؟ أين الوقار؟ أين الخلق؟ كأنكم تبحثون عن بضاعة لا تبحثون عن الدين! (لو أدركَنِي وإياكُم عمرُ لأوجعَنا ضربًا)؛ لأن عمر يكره أي شيء فيه تبديل للدين.

ولما رأى عمر أناسًا قد طأطأوا رقابهم، وتضاعفوا في أصواتهم وأضعفوا مشيتهم، قال: "ما بال هؤلاء"، وضربهم بالدرة، قال: "أمتم الدين أماتكم الله"، فالدين ليس بضعف الصوت المتكلف وضعف المشية، بل الدين في القلب، حتى قالوا: إن عمر وابنهعبد الله لا يعرف منهما البر حتى يعملا به، فلا يظهر ذلك في وجوههم وتصنعهم، حاشاهم ذلك، ثم جاء بعدهم نساك من العراق يظهرون العبادة في مشيتهم وفي صوتهم وفي كلامهم، فضربهم عمر؛ لأنه كان يخشى من تبديل الدين.

(هَذَا -رَحِمَكُمُ اللهُ- قَوْلُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ -رَحِمَهُ اللهُ- لِمَنِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ مِنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ وَهُمْ: سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ(12) وَابْنُ عُيَيْنَةَ(13) وَأَبُو عَبْدِ اللهِ الْخَوْلاَنِيُّ(14) وَحَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ(15) وَنُظَرَاؤُهُمْ، فَمَا ظَنُّكَ بِقَوْلِهِ لَوْ رَأَى أَهْلَ عَصْرِنَا؟! فَنَسْأَلُ اللهَ صَفْحًا جَمِيلاً وَعَفْوُا كَبِيرًا.

فَيَا طُوبَى لَنَا إِنْ كَانَتْ مُوجِبَاتُ أَفْعَالِنَا أَنْ نُوجَعَ ضَرْبًا، فَإِنِّي أَحْسَبُ كَثِيرًا مِمَّا يَتَصَّدَرُ لِهَذَا الشَّأْنِ يَرَى نَفْسَهُ فَوْقَ الَّذِينَ قَدْ مَضَى وَصْفُهُمْ، وَيَرَى أَنَّهُمْ لَوْ أَدْرَكُوهُ لاحْتَاجُوا إِلَيْهِ وَأَمَّمُوهُ، وَيَرَى أَنَّ هَذِهِ الأَفْعَالَ مِنْهُمْ وَالأَقْوَالَ الْمَأْثُورَةَ عَنْهُمْ كَانَتْ مِنْ عَجْزِهِمْ وَقِلَّةِ عِلْمِهِمْ وَضَعْفِ نَحَائِزِهِمْ، اللهُ الْمُسْتَعَانُ، فَلَقَدْ عِشْنَا لِشَرِّ زَمَانٍ).


ضعف نحائزهم، أي، طبائعهم، فالنحيزة الطبيعة، يقول: يمكن هؤلاء الذين فتنوا بالرأي وكثرة الكلام، ويرون أنهم أعلم من أولئك، ويرون أنما نقل عنهم من الخوف والورع إنما هو من عجزهم وقلة علمهم وضعفهم، وأنهم لو أدركوه لجعلوه إمامًا، وهذا صحيح، وموجود في الكتب مَن تكلم عن الصحابة! وقال: إن الصحابة لم يحرروا المسائل ولم يحققوها، ونحن الذين حررنا مسائل الاعتقاد ومسائل الفروع، وبعضهم يحاول التأدب، فيقول: الصحابة أشغلتهم المغازي عن العلم، ونحن تفرغنا وأتينا بما لم يأتوا به، وهذا هو الجهل المركب.

فالصحابة -رضي الله عنهم- هم أعمق الناس علمًا، وأصحهم قياسًا، وأدقهم فهمًا، ولكنهم ليس عندهم تكلف؛ لذلك فابن تيمية(16) -رحمه الله- كان من فضله على أهل الإسلام أنه رأى أن الرؤوس الكبار الذين تعاظموا عند الناس رأى أن بضاعتهم الرأي والاعتقادات الفاسدة، ولكن الناس قد أوصلوهم مراتب عالية، فجاء ابن تيمية وتكلم عليهم حتى أرجعهم إلى قدرهم الحقيقي، وأخبر بأنهم لا علم لهم ولا حديث ولا آثر ولا حتى عقول صحيحة!

وكتاباتهم تدل على أنهم يرون أنفسهم فوق الصحابة، وإنهم هم الذين أتوا بالمعقولات والمنقولات وحققوا الأمور، نسأل الله العافية والسلامة، فإن الجهل المركب هو ألا يدري، ولا يدري أنه لا يدري.

(فَقَدْ حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ السُّكَّرِيُّ(17) قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو يَعْلَى السَّاجِيُّ(18) قَالَ: حَدَّثَنَا الأَصْمَعِيُّ (19) قَالَ: سَمِعْتُ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ: إِذَا كُنْتَ فِي زَمَانٍ يُرْضَى فِيهِ بِالْقُوْلِ دُونَ الْفِعْلِ، وَالْعِلْمِ دُونَ الْعَمَلِ، فَاعْلَمْ بِأَنَّكَ فِي شَرِّ زَمَانٍ، بَيْنَ شَرِّ النَّاسِ(20)، وَلَقَد رُوِيَ عَنْ حَبْرٍ مِنْ أَحْبَارِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَسَيِّدٍ مِنَ سَادَاتِ عُلَمَائِهَا أَنَّهُ قَالَ: مَا أَرَى أَنْ يُعَذِّبَ اللهُ هَذَا الْخَلْقَ إِلاَّ بِذُنُوبِ الْعُلَمَاءِ)(21).

قال أبو عبد الله عبيد الله بن محمد: (وَمَعْنَى ذَلِكَ -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ الْعَالِمَ إِذَا زَلَّ عَنِ الْمَحَجَّةِ، وَعَدَلَ عَنِ الْوَاضِحَةِ، وَآثَرَ مَا يَهْوَاهُ عَلَى مَا يَعْلَمُهُ، وَسَامَحَ نَفْسَهُ فِيمَا تَدْعُوهُ إِلَيْهِ، زَلَّ النَّاسُ بِزَلَـلِهِ، وَانْهَمَكُوا مُسْرِعِينَ فِي أَثَرِهِ، يَقْفُونَ مَسْلَكَهُ، وَيَسْلُكُونَ مَحَجَّتَهُ، وَكَانَ مَا يَأْتُونَهُ وَيَرْتَكِبُونَهُ مِنَ الذُّنُوبِ وَحَوْبَاتِ الْمَآثِمِ بِحُجَّةٍ وَعَلَى اتِّبَاعِ قُدْوَةٍ، فَلاَ تَجْرِي مَجْرَى الذُّنُوبِ الَّتِي تُمْحَى بِالاسْتِغْفَارِ، وَمُرْتَكِبُوهَا بَيْنَ الْوَجَلِ وَالانْكِسَارِ، فَالْمُقْتَدُونَ بِهِ فِيهَا كَالسَّفِينَةِ إِذَا غَرِقَتْ غَرِقَ بِغَرَقِهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ وَجَوْهَرٌ خَطِيرٌ أَضْعَافَ ثَمَنِهَا وَقِيمَتِهَا بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ، وَاللهُ أَعْلَمُ).


هذا الكلام الصحيح، فقديمًا إذا سمع واحد الغناء قالوا: استغفر الله وأتوب إليه، فهذه معصية وعسى الله أن يتوب عليَّ، ولكن إذا سمع الغناء الذي حُلِّل وأصبح إسلاميًّا فلا يستغفر، وهو على حجة وقدوة، فيقول: الشيخ الفلاني يسمعها، فلا تجري مجرى الذنوب التي يستغفر منها، وإنما تكون دين يدينون الله به.

لذلك قال بعض من سبق: إن العلماء إذا فسدوا فلا أرى أن الله يعذب هذا الخلق إلا بذنوب هؤلاء الذين فتحوا لهم أبواب الشر، وأما الصادقون فإنهم ورثة الأنبياء، فلا يفضلهم أحد إلا أنبياء الله -عز وجل، فهم خيرة خلقه وصفوة العباد.


(1)فضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي،أبو علي الزاهد، أحد صلحاء الدنيا وعبادها. ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد، وكتب الحديثبالكوفة، وتحول إلى مكة، فسكنها ومات بها في أول سنة سبع وثمانين ومئة في خلافة هارون. قالابن حجر في التقريب: ثقة. انظر: تهذيب الكمال (23/281 ترجمة 4763)، وسير أعلام النبلاء (8/421 ترجمة 114).

(2) متفق عليه: أخرجه البخاري: كتاب الرقائق، باب حفظ اللسان وقول النبي -صلى الله عليه وسلم- (6478)، مسلم: كتاب الزهد والرقائق، باب التكلم بالكلمة يهوي بها في النار (2988) من حديثأبي هريرة.

(3) ذكرهابن عبد البر في جامع بيان العلم وفضله (1/348)معلقا بلفظ روي، قالابن عبد البر: وهذه الأحاديث -وإن لم يكن لها أسانيد قوية- فإنها قد جاءت كما ترى والقول عندي فيها كما قالابن عمر في نحو هذا: عش ولا تغتر.

(4) ضعيف جدا: أخرجه البيهقي في شعب الإيمان (1908)، قال البيهقي: هذا موقوف و إسناده إلى شريك مجهول. انظر السلسلة الضعيفة (1936).

(5) التوبة: 34.

(6) المائدة: 42.

(7) سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون،أبو محمد الهلالي، الكوفي، ثم المكي، الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام. مولده بالكوفة، في سنة سبع ومئة. طلب الحديث وهو حدث، بل غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علما جما، وأتقن، وجود، وجمع، وصنف، وعمر دهرا، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد، ورحل إليه من البلاد، وألحق الأحفاد بالأجداد. قالابن حجر في التقريب: ثقة حافظ، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس، لكن عن الثقات. وتوفي سنة ثمان وتسعين ومئة بالْحَجُونِ -جبل بأعلى مكة-. انظر: تهذيب الكمال (11/ 177 ترجمة 2413)، وسير أعلام النبلاء (8/ 454 ترجمة 120).

(8) عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، القرشي العدوي العمري، أبو عثمان المدني، أخو عبد الله وأبي بكر وعاصم. لحقأم خالد بنت خالد الصحابية، وسمع مها، فهو من صغار التابعين. قالابن حجر في التقريب: ثقة ثبت. ولد بعد السبعين أو نحوها، وتوفي سنة سبع وأربعين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (19/ 124 ترجمة 3668)، وسير أعلام النبلاء (6/ 304 ترجمة 129).

(9) أخرجه الدارمي: كتاب المقدمة، باب صيانة العلم (581)، المعرفة والتاريخ للفسوي (1/392) من طريق سفيان به.

(10) عبد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي أبو عبد الرحمن العمري المدني. قال النسائي: ضعيف الحديث. قال ابن حجر في التقريب: ضعيف عابد. توفي سنة إحدى أو اثنتين وسبعين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (15/ 327 ترجمة 3440)، وسير أعلام النبلاء (7/ 339 ترجمة 123).

(11) الإمام المفتي الثبت، عالم المدينة، أبو عبد الله نافع القرشي، ثم العدوي العمري، مولىابن عمر وراويته. روى عن ابن عمر، وعائشة، وأبي هريرة، ورافع بن خديج، وأبي سعيد الخدري، وأم سلمة، وأبي لبابة بن عبد المنذر، وصفية بنت أبي عبيد زوجة مولاه، وسالم وعبد الله وعبيد الله وزيد أولاد مولاه، وطائفة. وعنه الزهري، وأيوب السختياني، وعبيد الله بن عمر، وأخوه عبد الله وزيدبن واقد، وحميد الطويل، وأسامة بن زيد، وغيرهم. قال مالك: إذا قال نافع شيئا؛ فاختم عليه. قال ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت فقيه مشهور. توفي سنة سبع عشرة ومئة. انظر: تهذيب الكمال (29/ 298 ترجمة 6373)، وسير أعلام النبلاء (5/ 95 ترجمة 34).

(12) سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي. من ثور. إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه. ولد سنة سبع وتسعين. قالابن حجر في التقريب: ثقة حافظ فقيه عابد إمام حجة، وكان ربما دلس. مات بالبصرة سنة إحدى وستين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (11/ 154 ترجمة 2407)، وسير أعلام النبلاء (7/ 229 ترجمة 82).

(13)سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون، أبو محمد الهلالي، الكوفي، ثم المكي، الإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام. مولده بالكوفة، في سنة سبع ومئة. طلب الحديث وهو حدث، بل غلام، ولقي الكبار، وحمل عنهم علما جما، وأتقن، وجود، وجمع، وصنف، وعمر دهرا، وازدحم الخلق عليه، وانتهى إليه علو الإسناد، ورحل إليه من البلاد، وألحق الأحفاد بالأجداد. قالابن حجر في التقريب: ثقة حافظ، إلا أنه تغير حفظه بأخرة، وكان ربما دلس، لكن عن الثقات. وتوفي سنة ثمان وتسعين ومئة بالْحَجُونِ -جبل بأعلى مكة-. انظر: تهذيب الكمال (11/ 177 ترجمة 2413)، وسير أعلام النبلاء (8/ 454 ترجمة 120).

(14) الإمام الحافظ الفقيهمحمد بن حرب أبو عبد الله الخولاني الحمصي. المعروف بالأبرش. كاتب الزبيدي. من صغار أتباع التابعين. روى له الجماعة. توفي سنة أربع -وقيل: اثنتين- وتسعين ومئتين. قالابن حجر في التقريب: ثقة. انظر: تهذيب الكمال (25/ 44 ترجمة 5138)، وسير أعلام النبلاء (9/ 57 ترجمة 17).

(15) الإمام القاضي حفص بن غياث بن طلق بن معاوية بن مالك بن الحارث، بن ثعلبة، بن عامر بن ربيعة، بن عامر، بن جشم، بن وهبيل، بن سعد، بن مالك بن النخع، أبو عمر النخعي الكوفي، ولد سنة عشرة ومئة. كان آخر القضاة بالكوفة. قالابن حجر في التقريب: ثقة فقيه تغير حفظه. ومات سنة خمس وتسعين وقيل ست وتسعين ومئة. انظر: تهذيب الكمال (7/ 56 ترجمة 1415)، وسير أعلام النبلاء (9/22 ترجمة 6).

(16) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم بن الخضر بن محمد بن تيميّة الحرّاني، ثم الدمشقي، الحنبلي، الإمام الفقيه، المجتهد المحدث، الحافظ المفسر، الأصولي الزاهد. برع في العلوم الإسلامية والآلية، وقمع الله به أهل الضلال، ونصر به أهل السنة. ولد سنة إحدى وستين وست مئة، وتوفي سنة ثمان وعشرين وسبع مئة. وله من المؤلفات: الواسطية، ومنهاج السنة. انظر الذيل على طبقات الحنابلة (4/ 491 ترجمة 531)، والوافي بالوفيات (7/ 10 ترجمة 619).

(17) عبيد الله بن عبد الرحمن بن محمد بن عيسى، أبو محمد السكري. قال الخطيب: كان ثقة. توفي سنة ثلاث وعشرين وثلاث مئة. انظر: تاريخ بغداد (12/ 70 ترجمة 5452)، وتاريخ الإسلام (7/ 478 ترجمة 134).

(18) الإمام الثبت الحافظ، محدث البصرة وشيخها ومفتيها،زكريا بن يحيى بن خلاد المنقري البصري، أبو يعلى الساجي. قال الخطيب البغدادي: نزل بغداد، وحدث بها عن عبد الله بن داود الخريبي، وزياد بن سهل الحارثي، وعبد الملك بن قريب الأصمعي، والحكم بن مروان الضرير. قالابن حجر في التقريب: ثقة فقيه. مات بالبصرة سنة سبع وثلاث مئة وهو في عشر التسعين. انظر: الجرح والتعديل (3 / 601)، وسير أعلام النبلاء (14/ 197 ترجمة 113).

(19) الإمام العلامة الحافظ، حجة الأدب، لسان العرب، أبو سعيد عبد الملك بن قريب بن عبد الملك بن علي بن أصمع بن مظهر بن عبد شمس بن أعيا، بن سعد بن عبد بن غنم بن قتيبة بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان من مضر بن نزار بن معد بن عدنان، الأصمعي البصري، اللغوي الأخباري، أحد الأعلام. يقال: اسم أبيه عاصم، ولقبه قريب. قال ابن حجر في التقريب: صدوق سني. توفي سنة ست عشرة ومئتين. انظر: تهذيب الكمال (18/ 382 ترجمة 3551)، وسير أعلام النبلاء (10/ 175 ترجمة 32).

(20) أخرجه أحمد بن مروان الدينوري في المجالسة (1508)، ابن عساكر في تاريخ دمشق (22/54، 55) من طريق سفيان عن أبي حازم به.

(21) أخرجه أحمد بن مروان الدينوري في المجالسة (91) عن يوسف بن أسباط به.