موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح لمعة الاعتقاد

  

عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب

عدم تكفير أحد من أهل القبلة بذنب

ولا نجزم لأحد من أهل القبلة بجنة ولا نار إلا من جزم له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لكنا نرجو للمحسن ونخاف على المسيء , ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه عن الإسلام بعمل .


هذا من جملة العقيدة , يدخلون هذا في أسماء الإيمان والدين , وقد تقدم الكلام على الإيمان , وأن الإيمان قول وعمل واعتقاد: قول القلب واللسان , وعمل القلب والجوارح , وأن المؤمنين الذين يدينون بهذا الإيمان نشهد لهم بالإيمان ولا نعاملهم بما عملوا من المعاصي , فتلك المعاصي لا تخرجهم من الإيمان , ولكن لا نشهد لهم بالجنة , لا نشهد لأحد معين بالجنة إلا من شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ثبت ذلك منه.

و قد تقدم ذكر بعض الذين شهد لهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وهم كثير , ذكر الشيخ ابن سلمان في شرح الواسطية " الكواشف الجلية " اكثر من خمسين ممن ورد فيهم أحاديث - وإن كان بعضها فيه ضعف - فنحن لا نشهد لأحد بالجنة إلا من شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - ولكن نرجو للمحسنين؛ فإذا رأينا أهل الإحسان وأهل الإيمان والتقي وأهل الخير والصلاح وأهل الاستقامة وأهل العقيدة السلفية السليمة وأهل الأعمال الصالحة نرجو أن هؤلاء من أهل الجنة , نرجو أن الله لا يشقيهم ولا يحرمهم أجر ثوابهم.

الله تعالى قد وعد وهو لا يخلف الميعاد , وعد بأنه يدخل الجنةَ أهلَ الأعمال الصالحة في عدة آيات كما في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(1) وفي قوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ(2) وفي قوله تعالى: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ(3) إذا رأينا من تنطبق عليهم هذه الصفات نرجو لهم ونقول: يُرْجَى أن يكون هؤلاء من الذين وعدهم الله بالسعادة وعدهم بالخير وعدهم بالجنة وعدهم بالفوز في الآخرة , ولكن لا ندري ما هي الخواتيم فالأعمال بالخواتيم , لا ندري بماذا يختم لهم: هل يختم لهم بخاتمة حسنة أو ضدها ؟.

و قد مر بنا بعض من ذلك , ومن الأدلة عليه حديث ابن مسعود المشهور , وفيه قوله - صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفسي بيده إن الرجل أو إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها»(4) وذكر مثل ذلك في عمل أهل النار: «وأنه يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها»(5) فالأعمال بالخواتيم.

وهذا هو الذي يحملنا على أننا لا نجزم لمعين , ولكن من عرفنا أنه مات على الفطرة ومات على الإسلام وأنه ممن ختم الله له خاتمة حسنة فإننا نرجو له , وكذلك أيضًا الصحابة الذين مدحهم الله - تعالى - نثني عليهم ونمدحهم بما مدحهم الله , فالله - تعالى - يقول: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ(6) فهذا فيه أنه رضي عنهم وهو سبحانه لا يرضى عن القوم الفاسقين؛ لا بد أنه رضي أقوالهم , وأنهم قد فازوا بهذه الميزة.

كذلك أيضًا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم»(7) فهذه أيضًا شهادة لأهل بدر وكانوا ثلاثمائة وبضعة عشر، وأهل بيعة الرضوان ألفاً وأربعمائة وزيادة , كل هؤلاء زكاهم الله - تعالى - , وزكاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -.

كذلك أيضًا التزكية العامة في قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(8) فإن هذه الآية دخل فيها ثلاثة أقسام من الصحابة: المهاجرون والأنصار والذين جاءوا من بعدهم واتبعوهم بإحسان دخلوا في هذا الوعد , والله -تعالى - لا يخلف وعده.

على كل حال هذا فيما يتعلق بالشهادة بالجنة لمن شهد له الله , أو شهد له النبي - صلى الله عليه وسلم - أما الشهادة بالنار لمعين فلا تجوز إلا لمن ورد فيه النص , ورد النص مثلاً في " أبي لهب " سيصلى نارًا ذات لهب , وكذلك في " أبي جهل " لما قُتل أخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - يوبخه هو ومن معه ويقول: «هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟! فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا»(9) والحاصل أن من ورد النص بأنه من أهل النار يُشْهَد له , وكذلك قوله في أبي طالب: «إنه في ضحضاح من نار»(10) .

أما الذين معهم معاصي وذنوب ولكن تلك الذنوب لا تصل إلى حد الكفر؛ فإننا لا نكفرهم بهذه الذنوب كما تقدم , ولا نخرجهم من الإسلام بذنوبهم , بل نخاف على المذنب نقول: "هؤلاء يُخَاف عليهم من الذنوب ولو كانت من الصغائر , فنرجو للمحسنين ولو كان معهم سيئات , ونخاف على المذنبين ولو كان لهم حسنات , وخوفنا ورجاؤنا لا نحققه , لا نقول: نجزم بأن هذا من أهل النار لأنه عمل هذه السيئات , ولا نقول: نجزم بأن هذا من أهل الجنة لأن عمل هذه الصالحات؛ بل الحسنات والسيئات من الأسباب , هذه من أسباب الجنة , وهذه من أسباب النار.


(1) سورة البقرة: 82
(2) سورة الحديد: 21
(3) سورة آل عمران: 133 - 134
(4) البخاري : القدر (6594) , ومسلم : القدر (2643) , والترمذي : القدر (2137) , وأبو داود : السنة (4708) , وابن ماجه : المقدمة (76) , وأحمد (1/382).
(5) البخاري : القدر (6594) , ومسلم : القدر (2643) , والترمذي : القدر (2137) , وأبو داود : السنة (4708) , وابن ماجه : المقدمة (76) , وأحمد (1/382).
(6) سورة الفتح: 18
(7) البخاري : الجهاد والسير (3007) , ومسلم : فضائل الصحابة (2494) , والترمذي : تفسير القرآن (3305) , وأبو داود : الجهاد (2650) , وأحمد (1/105).
(8) سورة التوبة: 100
(9) مسلم : الجنة وصفة نعيمها وأهلها (2875) , والنسائي : الجنائز (2074) , وأحمد (3/219).
(10) البخاري : المناقب (3883) , ومسلم : الإيمان (209) , وأحمد (1/210).


 مواد ذات صلة: