موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - عمدة الفقه _ كتاب الصداق

  

كتاب الأيمان

كتاب الأيمان

ومن حلف أن لا يفعل شيئًا ففعله أو ليفعلنه في وقت فلم يفعله فيه فعليه كفارة يمين، إلا أن يقول إن شاء الله متصلًا بيمينه أو يفعله مكرهًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه، ولا كفارة في الحلف على ماض سواء تعمد الكذب أو ظنه كما حلف فلم يكن ولا في اليمين الجارية على لسانه من غير قصد إليها كقوله في عرض حديثه لا والله، وبلى والله لقول الله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ(1) ولا تجب الكفارة إلا في اليمين بالله تعالى أو اسم من أسمائه أو صفة من صفات ذاته –كعلمه وكلامه وعزته وقدرته وعظمته وعهده وميثاقه وأمانته- إلا في النذر الذي يقصد به اليمين فإن كفارته كفارة يمين، ولو حلف بهذا كله والقرآن جميعه فحنث أو كرر اليمين على شيء واحد قبل التكفير أو حلف على أشياء بيمين واحدة لم يلزمه أكثر من كفارة، وإن حلف أيمانًا على شيء فعليه لكل يمين كفارتها، ومن تأول في يمينه فله تأويله، إلا أن يكون ظالمًا فلا ينفعه تأويله لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يمينك على ما يصدقك به صاحبك».

 

باب جامع الأيمان

ويرجع فيها إلى النية فيما يحتمله اللفظـ، فغذا حلف لا يكلم رجلًا يريد واحدًا بعينه أو لا يتغدى يريد غداء بعينه اختصت يمينه به، وإن حلف لا يشرب له الماء من العطش يريد قطع منته حنث بكل ما فيه منه، وإن حلف لا يلبس ثوبًا من غزلها يريد قطع منتها فباعه وانتفع بثمنه حنث وإن حلف ليقضينه حقه غدًا يريد أن لا يتجاوزه فقضاه اليوم لم يحنث، وإن حلف لا يبيع ثوبه إلا بمائة فباعه بأكثر منها لم يحنث إذا أراد أن لا ينقضه عن مائة، وإن حلف ليتزوجن على امرأته يريد غيظها لم يبر إلا بتزوج يغيظها به، وإن حلف ليضربنها يريد تأليمها لم يبر إلا بضرب يؤلمها، وإن حلف ليضربنها عشرة أسواط فجمعها فضربها ضربة واحدة لم يبر، فإن عدمت النية رجع إلى سبب اليمين وما هيجها فيقوم مقام نيته لدلالته عليها، فإن عدم ذلك حملت يمينه على ظاهر لفظه، فإن كان له عرف شرعيٍ كالصلاة والزكاة حملت يمينه عليه وتناولت صحيحه، ولو حلف لا يبيع فباع بيعًا فاسدًا لم يحنث إلا أن يضيفه إلى ما لا يصح بيعه كالحر والخمر فتناول يمينه صورة البيع، وإن لم يكن له عرف شرعي وكان له عرف في العادة كالرواية والظعينة حملت يمينه عليه، فلو حلف لا يركب دابة فيمينه على الخيل والبغال والحمير، وإن حلف لا يشم الريحان فيمينه على الفارسي، وإن حلف لا يأكل على شواءً حنث بأكل اللحم دون غيره والشواء هو اللحم المشوي، وإن حلف لا يطأ امرأته حنث بجماعها وإن حلف لا يطأ دارًا حنث بدخولها كيفما كان، وإن حلف لا يأكل لحمًا ولا رأسًا ولا بيضًا فيمينه على كل لحم ورأس كل حيوان وبيضه، والأدم كل ما جرت العادة بأكل الخبز به من مائع وجامد كاللحم والبيض والملح والجبن والزيتون، وإن حلف لا يسكن دارًا تناول ما يسمى سكنى، فإن كان ساكنًا بها فأقام حتى يصبح أو خاف على نفسه فأقام حتى أمن لم يحنث.

 

باب كفارة اليمين

وكفارتها ﴿إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ(2) وهو مخير بين تقديم الكفارة على الحنث أو تأخيرها عنه، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرًا منها فليكفر عن يمينه وليأت الذي هو خير» وروى «فليأت الذي هو خير وليكفر عن يمينه» ويجزئه في الكسوة ما تجوز الصلاة فيه للرجل ثوب وللمرأة درع وخمار ويجزئه أن يطعم خمسة مساكين ويكسو خمسة ولو أعتق نصف رقبة أو أطعم خمسة أو كساهم، أو أعتق نصف عبدين لم يجزه ولا يكفّر العبد إلا بالصيام، ويكفّر بالصوم من لم يجد ما يكفّر به فاضلًا عن مؤنته ومؤنة عياله وقضاء دينه، ولا يلزمه أن يبيع في ذلك شيئًا يحتاج إليه من مسكن وخادم وأثاث وكتب وآنية وبضاعة يختل ربحها المحتاج إليه ومن أيسر بعد شروعه في الصوم لم يلزمه الانتقال عنه وإن لم يجد إلا مسكينًا واحدًا ردد عليه عشرة أيام.


(1) البقرة: 225.
(2) المائدة: 89.


 مواد ذات صلة: