موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - عمدة الفقه _ كتاب الصداق

  

كتاب الطلاق

كتاب الطلاق

ولا يصح الطلاق إلا من زوج مكلف مختار، ولا يصح طلاق المكره، ولا زائل العقل إلا السكران.

ويملك الحر ثلاث تطليقات والعبد اثنتين سواء كان تحته حرة أو أمة، فمتى استوفى عدد طلاقه لم تحل له حتى تنكح زوجًا غيره نكاحًا صحيحًا ويطأها، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لامرأة رفاعة: «لعلك تريدين أن ترجعي إلى رفاعة؟ لا حتى تذوقي عسليته ويذوق عسيلتك».

ولا يحل جمع الثلاث ولا طلاق المدخول بها في حيضها أو في طهر أصابها فيه لما روى ابن عمر أنه طلق امرأة له وهي حائض، فذكر ذلك عمر لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «مره فليراجعها ثم يمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر، فإن بدا له أن يطلقها فليقطلقها قبل أن يمسها».

والسنة في الطلاق أن يطلقها في طهر لم يصبها فيه واحدة ثم يدعها حتى تنقضي عدتها، فمتى قال لها أنت طالق للسنة وهي في طهر لم يصبها فيه طلقت، وإن كانت في طهر أصابها فيه أو حيض لم تطلق حتى تطهر من حيضتها.

وإن قال لها أنت طالق للبدعة وهي حائض أو في طهر أصابها فيه طلقت، وإن لم تكن كذلك لم تطلق حتى يصيبها أو تحيض.

فأما غير المدخول بها والحامل التي تبين حملها والآيسة والتي لم تحض فلا سنة لطلاقها ولا بدعة، فمتى قال لها أنت طالق للسنة أو للبدعة طلقت في الحال.

 

باب صريح الطلاق وكنايته

صريحه لفظ ((الطلاق)) وما تصرف منه كقوله أنت طالق أو مطلقة وطلقتك فمتى أتى به بصريح الطلاق طلقت وإن لم ينوه، وما عداه مما يحتمل الطلاق فكناية لا يقع به الطلاق إلا أن ينويه، فلو قيل له ألك امرأة؟ قال ((لا)) ينوي الكذب لم تطلق، فإن قال طلقتها طلقت وإن نوى الكذب، وإن قال لامرأته أنت خلية أو بريَّة أو بائن أو بتة أو بتلة ينوي بها طلاقها طلقت ثلاثًا.

إلا أن ينوي دونها، وما عدا هذا يقع به واحدة إلا أن ينوي ثلاثًا، وأن خير امرأته فاختارت نفسها طلقت واحدة وإن لم تختر أو اختارت زوجها لم يقع شيء قالت عائشة «قد خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أفكان طلاقًا؟».

 وليس لها أن تختار إلا في المجلس إلا أن يجعله لها فيما بعده، وإن قال أمرك بيدك أو طلقي نفسك فهو في يدها ما لم يفسخ أو يطأ.

 

باب تعليق الطلاق بالشروط

يصح تعليق الطلاق والعتاقة بشرط بعد النكاح والملك، ولا يصح قبله، فلو قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق، أو ملكتها فهي حرة، فتزوجها أو ملكها لم تطلق ولم تعتق.

وأدوات الشروط ست: إن وإذا وأي ومتى ومن وكلما.

وليس فيها ما يقتضي التكرار إلا كلما.

وكلها إذا كانت مثبتة ثبت حكمها عند وجود شرطها، فإذا قال إن قمت فأنت طالق فقامت طلقت وانحل شرطه، وإن قال كلما قمت فأنت طالق طلقت كلما قامت.

 وإن كانت نافية كقوله إن لم أطلقك فأنت طالق كانت على التراخي، إذا لم ينو وقتًا بعينه فلا يقع الطلاق إلا في آخر أوقات الإمكان.

وسائر الأدوات على الفور، فإذا قال متى لم أطلقك فأنت طالق ولم يطلقها طلقت في الحال، وإن قال كلما لم أطلقك فأنت طالق فمضى زمن يمكن طلاقها فيه ثلاثًا ولم يطلقها طلقت ثلاثًا إن كانت مدخولًا بها وإن قال كلما ولدت ولدًا فأنت طالق فولدت توأمين طلقت بالأول وبانت بالثاني لانقضاء عدتها به ولم تطلق به، وإن قال: إن حضت فأنت طالق طلقت بأول الحيض، فإن تبين أنه ليس بحيض لم تطلق، فإن قالت قد حضت فكذبها طلقت، وإن قال قد حضت وكذبته طلقت بإقراره، فإن قال إن حضت فأنت وضرتك طالقتان، فإن قالت قد حضت فكذبها طلقت دون ضرتها.

 

باب ما يختلف به عدد الطلاق وغيره

المرأة إذا لم يدخل بها تبينها الطلقة وتحرمها الثلاث من الحر والاثنتان من العبد إذا وقعت مجموعة، كقوله أنت طالق ثلاثًا أو أنت طالق وطالق وطالق وإن أوقعه مرتبًا كقوله أنت طالق فطالق أو ثم طالق، أو طالق بل طالق، أو أنت طالق أنت طالق، وإن طلقتك فأنت طالق ثم طلقها، أو كلما طلقتك فأنت طالق ثم طلقها، أو كلما لم أطلقك فأنت طالق، وأشباه هذا لم يقع بها إلا واحدة.

وإن كانت مدخولًا بها وقع بها جميع ما أوقعه.

ومن شك في الطلاق أو عدده أو الرضاع أو عدده بني على اليقين.

وإن قال لنسائه إحداكن طالق ولم ينو واحد بعينها خرجت بالقرعة.

 وإن طلق جزءًا من امرأته مشاعًا أو معينًا كأصبعها أو يدها طلقت كلها إلا الظفر والسن والشعر والريق والدمع ونحوه لا تطلق به.

وإن قال أنت طالق نصف تطليقة أو أقل من هذا طلقت واحدة.

 

باب الرجعة

إذا طلق امرأته بعد الدخول بغير عوض أقل من ثلاث أو العبد أقل من اثنتين فله رجعتها ما دامت في العدة لقول الله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً(1).

والرجعة أن يقول لرجلين من المسلمين اشهدا أنني قد راجعت زوجتي أو رددتها أو أمسكتها، من غير ولي ولا صداق يزيده ولا رضائها، وإن وطئها كان رجعة.

 والرجعية زوجة يلحقها الطلاق والظهار، ولها التزين لزوجها والتشرف له، وله وطؤها والخلوة والسفر بها.

وإذا ارتجعها عادت على ما بقي من طلاقها، ولو تركها حتى بانت ثم نكحت زوجًا غيره ثم بانت منه وتزوجها الأول رجعت إليه على ما بقي من طلاقها.

وإذا اختلفا في انقضاء عدتها فالقول قولها مع يمينها إذا ادعت من ذلك ممكنا وإن ادعى الزوج بعد انقضاء عدتها أنه قد راجعها في عدتها فأنكرته فالقول قولها، وإن كانت له بينة حكم له بها، فإن كانت قد تزوجت ردت إليه سواء كان دخل بها الثاني أو لم يدخل بها.

 

باب العدة

ولا عدة على من فارقها زوجها في الحياة قبل المسيس والخلوة، لقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ المُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِن عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا(2).

والمعتدات ينقسمن أربعة أقسام:

(إحداهن) أولات الأحمال، فعدتهن أن يضعن حملهن، ولو كانت حاملا بتوأمين لم تنقض عدتها حتى تضع الثاني منهما، والحمل الذي تنقضي به العدة وتصير به الأمة أم ولد يتبين فيه خلق الإنسان.

(الثاني) اللآتي توفي أزواجهن، يتربصن أربعة أشهر وعشرا، والإماء على النصف من ذلك، وما قبل المسيس وما بعده سواء.

(الثالث) المطلقات من ذوات القروء يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، وقرء الأمة حيضتان.

 (الرابع) اللائي يئسن من المحيض فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن، والأمة شهران.

ويشرع التربص مع العدة في ثلاثة مواضع:

إحداها: إذا ارتفع حيض المرأة لا تدري ما رفعه فإنها تتربص تسعة أشهر ثم تعتد عدة الآيسات وإن عرفت ما رفع الحيض لم تزل في عدة حتى يعود الحيض فتعتد به.

الثاني: امرأة المفقود الذي فقد في مهلكة أو من بين أهله فلم يعلم خبره، وتتربص أربع سنين ثم تعتد للوفاة، وإن فقد في غير هذا كالمسافر للتجارة ونحوها لم تنكح حتى تتيقن موته.

الثالث: إذا ارتابت المرأة بعد انقضاء عدتها لظهور أمارات الحمل لم تنكح حتى تزول الريبة، فإن نكحت لم يصح النكاح، وإن ارتابت بعد نكاحها لم يبطل نكاحها إلا إذا علمت أنها نكحت وهي حامل، ومتى نكحت المعتدة فنكاحها باطل ويفرق بينهما، وإن فرق بينهما قبل الدخول أتمت عدة الأول، وإن كان بعد الدخول بنت على عدة الأول من حين دخل بها الثاني واستأنفت العدة للثاني وله نكاحها بعد انقضاء العدتين، وإن أتت بولد من أحدهما انقضت به عدته واعتدت للآخر، وإن أمكن أن يكون منهما أرى القافة وألحق بمن ألحقوه منهما وانقضت به عدتها منه واعتدت للآخر.

 

باب الإحداد

وهو واجب على من توفي عنها زوجها وهو اجتناب الزينة، والطيب والكحل بالأثمد، ولبس الثياب المصبوغة للتحسين، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على الزوج أربعة أشهر وعشرا» ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عصب، ولا تكتحل وتمس طيبًا إلا إذا اغتسلت نبذة من قسط، أو أظفار، وعليها المبيت في منزلها الذي وجبت عليها العدة وهي ساكنة فيه إذا أمكنها ذلك، فإن خرجت لسفر أو حج فتوفي زوجها وهي قريبة رجعت لتعتد في بيتها، وإن تباعدت مضت في سفرها، والمطلقة ثلاثًا مثلها إلا في الاعتداد في بيتها.

 

باب نفقة المعتدات

وهي ثلاثة أقسام:

أحدها: الرجعية ومن يمكن زوجها إمساكها فلها النفقة والسكنى، ولو أسلم زوج الكافرة أو ارتدت امرأة المسلم فلا نفقة لهما، وإن أسلمت امرأة الكافر أو ارتد زوج المسلمة بعد الدخول فلهما نفقة العدة.

الثاني: البائن في الحياة بطلاق أو فسخ فلا سكنى لها بحال، ولها النفقة إن كانت حاملا وإلا فلا.

الثالث: التي توفي عنها زوجها فلا نفقة لها ولا سكنى.

 

باب استبراء الإماء

وهو واجب في ثلاثة مواضع:

أحدها: من ملك أمة لم يصبها حتى يستبرئها.

الثاني: أم الولد والأمة التي يطؤها سيدها لا يجوز له تزويجها حتى يستبرئها.

 الثالث: إذا أعتقهما سيدهما أو عتقًا بموته لم ينكحا حتى يستبرئا أنفسهما.

والاستبراء في جميع ذلك بوضع الحمل إن كانت حاملًا، أو حيضة إن كانت تحيض، أو شهر إن كانت آيسة من اللائي لم يحضن، أو عشرة أشهر إن ارتفع حيضها لا تدري ما رفعه.


(1) البقرة: 228.
(2) الأحزاب: 49.


 مواد ذات صلة: