موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - السياسة الشرعية

  

القسم الأول: الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين وتسمى حدود الله

القسم الأول

الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين وتسمى حدود الله

الحدود والحقوق التي ليست لقوم معينين، بل منفعتها لمطلق المسلمين، أو نوع منهم، وكلهم محتاج إليها، وتسمى حدود الله وحقوق الله، مثل: حدِّ قُطَّاع الطريق، والسُّرَّاق، والزُّناة ونحوهم، ومثل: الحكم في الأموال السلطانية، والوقوف والوصايا التي ليست لمعيَّن، فهذه من أهم أمور الولايات؛ ولهذا قال علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-: لا بدَّ للناس من إمارة برَّةً كانت أو فاجرة، فقيل: يا أمير المؤمنين، هذه البرَّة قد عرفناها فما بال الفاجرة؟ فقال: تُقام بها الحدود، وتأمن بها السُّبُل، ويُجاهَد بها العدو، ويُقْسَم بها الفيء.

وهذا القسم يجب على الولاة البحث عنه، وإقامته من غير دعوى أحدٍ به، وكذلك تُقام الشهادة فيه من غير دعوى أحدٍ به، وإن كان الفقهاء قد اختلفوا في قطع يد السارق: هل يفتقر إلى مطالبة المسروق بماله؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره، ولكنهم متفقون على أنه لا يفتقر إلى مطالبة المسروق بالحدِّ، بل اشترط بعضُهم المطالبة بالمال لئلا يكون للسارق فيه شبهة.

وهذا القسم يجب إقامته على الشريف والوضيع، والقوي والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة ولا بهدية ولا بغيرهما، ولا تحل الشفاعة فيه، ومن عطَّلَه لذلك -وهو قادر على إقامته- فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، وهو ممن اشترى بآيات الله ثمنًا قليلًا.

وروى أبو داود في سننه عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « من حالت شفاعتُه دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ اللهَ في أمره، ومن خاصم في باطلٍ وهو يعلم لم يزل في سخط الله حتى ينزع، ومن قال في مسلم ما ليس فيه حُبِسَ في ردغة الخَبال حتى يخرج مما قال. قيل يا رسول الله، وما ردغة الخبال؟ قال: عصارة أهل النار»(1).

فذكر النبي صلى الله عليه وسلم الحُكَّام، والشهداء، والخُصَماء، وهؤلاء أركان الحكم.

وفي الصحيحين عن عائشة -رضي الله عنها-: « أن قريشًا أهمَّهم شأن المخزومية التي سرقت، فقالوا: من يكلم فيها رسول الله؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة بن زيد، قال: يا أسامة، أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟ إنما هلك بنو إسرائيل أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمدٍ سرقت لقطعتُ يدَها» (2).

ففي هذه القصة عبرة، فإنَّ أشرف بيت كان في قريش بطنان: بنو مخزوم، وبنو عبد مناف، فلما وجب على هذه القطعُ بسرقتها، التي هي جحود العاريَّة على قول بعض العلماء، أو سرقة أخرى غير هذه على قول آخرين، وكانت من أكبر القبائل وأشرف البيوت، وشفَع فيها حِبُّ رسول الله صلى الله عليه وسلم أسامة = غضبَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنكر عليه دخوله فيما حرمه الله، وهو الشفاعة في الحدود، ثم ضرب المثل بسيدة نساء العالمين -وقد برَّأها الله من ذلك- فقال: «لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدَها»(3).

وقد رُوِي: « أن هذه المرأة التي قُطِعت يدها تابت، وكانت تدخل بعد ذلك على النبي صلى الله عليه وسلم فيقضي حاجَتَها»(4).

فقد رُوِي: « أن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار».

وروى مالك في الموطأ: أن جماعةً أمسكوا لصًا ليرفعوه إلى عثمان، فتلقاهم الزبير فكلَّمهم فيه، فقالوا: إذا رُفِع إلى عثمان فاشفع فيه عنده، فقال: «إذا بلغت الحدودُ السلطانَ فلعن الله الشافع والمُشفِّع»(5). يعني الذي يقبل الشفاعة.

 وكان صفوان بن أمية نائمًا على رداءٍ له في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فجاء لصٌّ فسرقه، فأخذه فأتى به النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فأمر بقطع يده، فقال: يا رسول الله، أعلى ردائي تقطع يده؟ أنا أَهَبُه له، فقال: «فهلَّا قبل أن تأتيني به» ثم قطعَ يدَه(6). رواه أهل السنن.

يعني صلى الله عليه وسلم: أنك لو عفوتَ عنه قبل أن تأتيني به لكان، فأما بعد أن رُفِع إليَّ فلا يجوز تعطيل الحدِّ لا بعفوٍ ولا بشفاعةٍ ولا بهبةٍ ولا غير ذلك.

ولهذا اتفق العلماء -فيما أعلم- على أن قاطعَ الطريق واللص ونحوهما إذا رُفِعوا إلى وليِّ الأمر ثم تابوا بعد ذلك لم يسقط الحد عنهم، بل تجب إقامته وإن تابوا. فإن كانوا صادقين في التوبة كان الحدُّ كفارةً لهم، وكان تمكينُهم من ذلك من تمام التوبة، بمنزلة رد الحقوق إلى أهلها، والتمكين من استيفاء القصاص في حقوق الآدميين.

وأصل هذا في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتاً(7). فإن الشفاعة هي: إعانة الطالب حتى يصير معه شفعًا بعد أن كان وترًا، فإنْ أعانتْه على برٍّ وتقوى كانت شفاعةً حسنة، وإنْ أعانَتْه على إثمٍ وعدوان كانت شفاعةً سيئة. والبرُّ: ما أُمرت به، والإِثمُ: ما نُهِيْتَ عنه، وإن كانوا كاذبين فإن الله لا يهدي كيد الخائنين.

 وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْا مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(33)إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(8) فاستثنى التائبين قبل القدرة عليهم فقط، فالتائب بعد القدرة عليه باقٍ فيمن وجب عليه الحد؛ للعموم والمفهوم والتعليل.

هذا إذا كان قد ثبت بالبينة، فأما إذا كان بإقرار، وجاء مقرًّا بالذنب تائبًا، فهذا فيه نزاع مذكور في غير هذا الموضع، وظاهر مذهب أحمد: أنه لا تجب إقامة الحد في مثل هذه الصورة، بل إن طَلَبَ إقامة الحد عليه أقيم، وإن ذهب لم يُقَم عليه حدٌّ، وعلى هذا حُمل حديث ماعز بن مالك لما قال: «فهلا تركتموه»(9)، وحديث الذي قال: «أصبت حدًا فأقمه عليَّ»(10)، مع آثار أخر.

وفي سنن أبي داود والنسائي عن عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: « تعافَوا الحدود فيما بينكم، فما بلغني من حدِّ فقد وجب»(11).

وفي سنن النسائي وابن ماجه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: « حدٌّ يُعْمَل به في الأرض خير لأهل الأرض من أن يُمْطَروا أربعين صباحًا»(12).

وهذا لأن المعاصي سبب لنقص الرزق والخوف من العدو، كما يدل عليه الكتاب والسنَّة، فإذا أقيمت الحدود، ظهرت طاعة الله ونقصت معصيته، فحصل الرزق والنصر.

ولا ينبغي أن يُؤخذَ من الزاني أو السارق أو قاطع الطريق ونحوهم مالٌ يُعَطَّل به الحدُّ، لا لبيت المال ولا لغيره. وهذا المال المأخوذ لتعطيل الحد سُحْتٌ خبيث، وإذا فعـل وليُّ الأمر ذلك فقد جمع فسادين عظيمين.

أحـدهما: تعطيل الحـد، والثاني: أكل السحت. فتَرَك الواجبَ وفَعَل المحرَّم، قـال الله تعالى: ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَن قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ(13) ، وقـال تعالى عـن اليهـود: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ(14) ؛ لأنهم كانوا يأكلون السحت من الرشوة التي تسمى: البِرْطِيل، وتسمَّى أحيانًا: الهدية وغيرها، ومتى أكل وليُّ الأمر السُّحْت احتاج أن يسمع الكذب من الشهادة الزور وغيرها، وقد « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الراشي والمرتشي والرائش»(15)، وهو الواسطة الذي يمشي بينهما. رواه أهل السنن.

وفي الصحيحين:  أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أحدهما: يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله، فقال صاحبه -وكان أفقه منه-: نعم يا رسول الله، اقض بيننا بكتاب الله واذَنْ لي، فقال: «قل»، فقال: إن ابني كان عسيفًا في أهل هذا -يعني أجيرًا- فزنى بامرأته، فافتديتُ منه بمائة شاة وخادم، وإني سألت رجالًا من أهل العلم فأخبروني أن على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأنَّ على امرأة هذا الرجم. فقال: «والذي نفسي بيده لأفضينَّ بينكما بكتاب الله: المائة والخادم ردٌّ عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام، واغْدُ يا أُنَيْس على امرأة هذا فاسألها فإن اعترفت فارجمها»، فسألها، فاعترفت، فرجمها(16).

ففي هذا الحديث أنه لما بذل عن المذنب هذا المال لدفع الحدِّ عنه، أمر النبي صلى الله عليه وسلم بدفع المال إلى صاحبه، وأمر بإقامة الحد، ولم يأخذ المال للمسلمين؛ من المجاهدين والفقراء وغيرهم.

وقد أجمع المسلمون على أن تعطيل الحد بمالٍ يُؤخذ أو غيره لا يجوز، وأجمعوا على أن المال المأخوذ من الزاني، والسارق، والشارب، والمحارب قاطع الطريق، ونحو ذلك، لتعطيل الحدِّ، مالُ سُحْتٍ خبيث.

وكثير مما يوجد من فساد أمور الناس، إنما هو لتعطيل الحد بمال أو جاه، وهذا من أكبر الأسباب في فساد أهل البوادي والقرى والأمصار، من الأعراب والتُّرْكُمان والأكراد والفلاحين، وأهل الأهواء، كقيس ويَمَن، وأهل الحاضرة؛ من رؤساء الناس وأغنيائهم وفقرائهم، وأمراء الناس ومُقَدَّميهم وجندهم. وهو سبب سقوط حُرمة المتولِّي، وسقوط قَدْره من القلوب، وانحلال أمره، فإذا ارتشى وتَبَرْطل على تعطيلِ حدٍّ ضَعُفَت نفسُه أن يقيم حدًّا آخر، وصار من جنس اليهود الملعونين.

وأصلُ البِرْطيل هو: الحَجر المستطيل، سُمِّيت به الرشوة لأنها تلقم المرتشي عن التكلُّم بالحق، كما يلقمه الحجر الطويل. كما قد جاء في الأثر: إذا دخلت الرشوة من الباب خرجت الأمانة من الكُوَّة. يعني: الطاقة.

وكذلك إذا أخذ مالاً للدولة على ذلك، مثل هذا السُّحْت الذي يسمى: التأديبات، ألا ترى أن الأعراب المفسدين إذا أخذوا مالاً لبعض الناس، ثم جاءوا إلى ولي الأمر، فقادوا إليه خيلًا يقدمونها له، أو غيرها = كيف يقوى طمعُهم في الفساد، وتنكسر حُرْمة الولاية والسلطنة، وتفسد الرعية!

وكذلك الفلاحون وغيرهم، وكذلك شارب الخمر إذا أُخِذ فدفعَ بعض ماله، كيف يطمع الخمَّارون فيرجون إذا أُمْسِكوا أن يفتدوا ببعض أموالهم، فيأخذها ذلك الوالي سحتًّا لا يُبارك فيها، والفساد قائم.

وكذلك ذوو الجاه إذا حموا أحدًا أن يُقام عليه الحد، مثل أن يرتكب بعض الفلاحين جريمة، ثم يأوي إلى قرية نائب السلطان، أو أمير فيحتمي على الله ورسوله، فيكون ذلك الذي حماه ممن لعنه الله ورسوله، فقد روى مسلـم في صحيحـه عن علي بن أبي طـالب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « لعن الله من أحدث حدثًا، أو آوى محدثًا»(17). فكل من آوى محدِثًا من هؤلاء المُحْدِثين فقد لعنه الله ورسوله.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم قد قال: « إن من حالت شفاعته دون حدٍّ من حدود الله فقد ضادَّ الله في أمره»(18). فكيف بمن منع الحدود بقدرته ويده، واعتاض من المجرمين بسُحْتٍ من المال يأخذه؟! لا سيما الحدود على سكان البر، فإن من أعظم فسادهم: حماية المعتدين منهم بجاه أو مال، سواء كان المال المأخوذ لبيت المال أو للوالي سرًّا أو علانية، فذلك جميعه محرم بإجماع المسلمين، وهو مثل تضمين الحانات والخمر، فإنَّ من مكَّنَ من ذلك أو أعان أحدًا عليه بمال يأخذه، فهو من جنسٍ واحد.

والمال المأخوذ على هذا شبيهٌ ما يُؤخذ من مهر البغيِّ، وحُلوان الكاهن، وثمن الكلب، وأجرة المتوسط في الحرام الذي يُسمَّى: القوَّاد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: « ثمن الكلب خبيث، ومهر البغيِّ خبيث، وحُلوان الكاهن خبيث»(19). رواه البخاري.

فمَهْر البغيِّ الذي يسمَّى: جُذور القِحاب، وفي معناه ما يُعطاه المخنَّثون الصبيان من المماليك أو الأحرار على الفجور بهم. وحُلوان الكاهن مثل حلاوة المنجم ونحوه، على ما يخبر به من الأخبار المبشرة بزعمه، ونحو ذلك.

وولي الأمر إذا ترك إنكار المنكرات وإقامة الحدود عليها بمالٍ يأخذه = كان بمنزلة مُقَدَّم الحراميَّة الذي يُقاسم المحاربين على الأخِيْذة، وبمنزلة القوَّاد الذي يأخذ ما يأخذه ليجمع بين اثنين على فاحشة. وكانت حاله شبيهًا بحال عجوز السوء امرأة لوط التي خانته، فكانت تدلُّ الفجارَ على ضيفه التي قال الله فيها: ﴿فَأَنجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلاَّ امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ(20). وقـال تبارك وتعـالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِّنَ اللَّيْلِ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلاَّ امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ(21). فعذَّب الله عجوزَ السوء القوَّادة بمثل ما عذَّبَ قوم السوء الذين كانوا يعملون الخبائث، وهذا لأنَّ هذا جميعَه أخذُ مالٍ للإعانة على الإثم والعدوان، وولي الأمر إنما نُصِبَ ليأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، وهذا هو مقصود الولاية، فإذا كان الوالي يُمَكِّن من المنكر بمال يأخذه = كان قد أتى بضد المقصود، مثل من نَصَبْتَه ليعينك على عدوِّك، فأعان عدوَّك عليك، وبمنزلة من أخذ مالًا ليجاهِدَ به في سبيل الله تعالى، فقاتلَ به المسلمين!!

يوضح ذلك: أن صلاح البلاد والعباد بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن صلاح المعاش والعباد في طاعة الله ورسوله، ولا يتم ذلك إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبه صارت هذه الأمة خير أُمَّة أُخْرِجت للناس، قال الله تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ(22) ، وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ(23). وقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ(24) ، وقال الله تعالى عن بني إسرائيل: ﴿كَانُوا لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ(25) ، وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ(26).

فأخبر الله تعالى أن العذابَ لما نزل نَجَّي الذين ينهون عن السيئات، وأَخَذَ الظالمين بالعذاب الشديد.

 وفي الحديث الثابت: أنَّ أبا بكر الصديق -رضي الله عنه-  خطبَ الناس على منـبر رسـول الله صلى الله عليه وسلم فقال: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها في غير موضعها: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ(27)  وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعُمَّهم الله بعقاب منه»(28).

وفي حديث آخر: « إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تُنْكَر ضرَّت العامة»(29).

وهذا القسم الذي ذكرناه من الحكم في حدود الله وحقوقه مقصوده الأكبر هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فالأمر بالمعروف مثل: الصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، والصدقة، والأمانة، وبر الوالدين، وصِلَة الأرحام، وحُسْن العشرة مع الأهل والجيران، ونحو ذلك.

فالواجب على ولي الأمر أن يأمر بالصلوات المكتوبات جميع من يقدر على أمره، ويعاقب التارك بإجماع المسلمين.

فإن كان التاركون طائفةً ممتنعة قُوتِلوا بتركها بإجماع المسلمين، وكذلك يُقاتلون على ترك الزكاة، والصيام، وغيرهما، وعلى استحلال ما كان من المحرمات الظاهرة المُجْمَع عليها؛ كنكاح ذوات المحارم، والفساد في الأرض، ونحو ذلك. فكلُّ طائفةٍ ممتنعة عن التزام شريعة من شرائع الإِسلام الظاهرة والمتواترة يجب جهادُها حتى يكون الدين كلُّه لله، باتفاق العلماء.

وإن كان التارك للصلاة واحدًا، فقد قيل: إنه يُعاقَب بالضرب والحبس حتى يصلي، وجمهور العلماء على أنه يجب قتلُه إذا امتنع من الصلاة بعد أن يُسْتتاب كما يُسْتتاب المرتد، فإن تاب وصلى وإلا قتل. وهل يقتل كافرًا، أو مسلمًا فاسقا؟ فيه قولان، وأكثر السلف على أنه يُقتل كافرًا، وهذا كله مع الإقرار بوجوبها. أما إذا جحدَ وجوبَها فهو كافر بإجماع المسلمين، وكذلك من جحدَ سائرَ الواجبات المذكورة والمحرمات التي يجب القتالُ عليها، فالعقوبةُ على ترك الواجبات، وفِعْل المحرَّمات هو مقصود الجهاد في سبيل الله، وهو واجبٌ على الأمة بالاتفاق، كما دلَّ عليه الكتاب والسنة، وهو من أفضل الأعمال.

 قال رجل: يا رسول الله، دلني على عمل يَعْدِل الجهاد في سبيل الله، قال: «لا تستطيعه -أو لا تطيقه-»، قال: أخبرني به، قال: «هل تستطيعُ إذا خرجَ المجاهدُ أن تصومَ لا تفطر وتقوم لا تفتر»؟ قال: ومن يستطيع ذلك؟ قال: «فذلك الذي يَعْدِلُ الجهادَ في سبيل الله»(30).

وقال: « إن في الجنة لمائة درجة، من الدرجة إلى الدرجة كما بين السماء والأرض أعدَّها اللهُ للمجاهدين في سبيله»(31). كلاهما في الصحيحين.

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: « رأس الأمر الإِسلام، وعموده الصلاة، وذروة سنامه الجهاد في سبيل الله»(32).

وقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(33). وقال سبحانه وتعالى: ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الحَاجِّ وَعِمَارَةَ المَسْجِدِ الحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لاَ يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لاَ يَهْدِي القَوْمَ الظَّالِمِينَ(19)الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِندَ اللَّهِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَائِزُونَ(20)يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُم بِرَحْمَةٍ مِّنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَّهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُّقِيمٌ(21)خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ(34).

* * *


(1) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/82)، وأبو داود في كتاب الأقضية- باب فيمن يعين على خصومة من غير أن يعلم أمرها (3597)، وصححه الألباني في «صحيح الجامع» (6196).
(2) أخرجه البخاري في كتاب الحدود- باب كراهية الشفاعة في الحد إذا رفع إلى السلطان (6788)، ومسلم في كتاب الحدود- باب قطع السارق الشريف وغيره (1688).
(3) سبق تخريجه.
(4) أخرجه البخاري، في كتاب الحدود، باب توبة السارق، (6800).
(5) أخرجه مالك في «الموطأ»، كتاب الحدود، باب ترك الشفاعة للسارق إذا بلغ السلطان، (29)، وهو موقوف على الزبير.
(6) أخرجه أبو داود، في كتاب الحدود، باب من سرق من حرز، (4394)، وابن ماجه، في كتاب الحدود، باب من سرق من الحرز، (2595)، والنسائي في «الكبرى»، كتاب قطع السارق، الرجل يتجاوز للسارق عن سرقته بعد أن يأتي به الإمام، (7324). وقال الألباني في «إرواء الغليل» (7/345): صحيح.
(7)  النساء: 85.
(8)  المائدة: 33، 34.
(9) أخرجه أبو داود، في كتاب الحدود، باب رجم ماعز بن مالك، (4420)، وابن ماجه، في كتاب الحدود، باب الرجم، (2554). وقال الألباني في «التعليقات الحسان» (6/432): حسن صحيح.
(10) أخرجه البخاري، في كتاب الحدود، باب إذا أقر بالحد ولم يبين هل للإمام أن يستر عليه، (6823)، ومسلم، في كتاب التوبة، باب قوله تعالى: {إن الحسنات يذهبن السيئات}  هود: 114، (2764)، من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(11) أخرجه أبو داود في كتاب الحدود - باب العفو عن الحدود ما لم تبلغ السلطان (4376)، والنسائي في كتاب قطع السارق - باب ما يكون حرزًا وما لا يكون (4885)، (4886).
(12) أخرجه النسائي في كتاب قطع السارق- باب الترغيب في إقامة الحد (4905)، وابن ماجه في كتاب الحدود- باب إقامة الحدود (2538)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وحسنه الألباني في «صحيح الجامع» (3130).
(13)  المائدة: 63.
(14)  المائدة: 42.
(15) أخرجه أحمد في «مسنده» (2/164)، وأبو داود في كتاب الأقضية- باب في كراهية الرشوة (3580)، والترمذي في كتاب الأحكام- باب ما جاء في الراشي والمرتشي (1337)، وابن ماجه في كتاب الأحكام- باب التغليظ في الحيف والرشوة (2313).
(16) أخرجه البخاري، في كتاب الحدود، باب الاعتراف بالزنا، (6827)، ومسلم، في كتاب الحدود، باب من اعترف على نفسه بالزنى، (1697)، من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهم.
(17) أخرجه البخاري في كتاب الحج- باب حرم المدينة (1870)، ومسلم في كتاب الحج- باب فضل المدينة ودعاء النبي ﷺ (1370).
(18) سبق تخريجه.
(19) لم أقف عليه في البخاري بهذا اللفظ، وأخرجه مسلم، في كتاب المساقاة، باب تحريم ثمن الكلب، وحلوان الكاهن، ومهر البغي، والنهي عن بيع السنور، (1568)، من حديث ربافع بن خديج رضي الله عنه، ولفظه: «ثمن الكلب خبيث، ومهر البغي خبيث، وكسب الحجام خبيث».
(20)  الأعـراف: 83.
(21)  هود: 18.
(22)  أل عمران: 110.
(23)  آل عمران: 104.
(24)  التوبة: 71.
(25)  المائدة: 79.
(26)  الأعراف: 165.
(27)  المائدة: 105.
(28) أخرجه أحمد في «مسنده» (1، 2، 5، 7)، وأبو داود في كتاب الملاحم- باب الأمر والنهي (4338)، والترمذي في كتاب الفتن- باب ما جاء في نزول العذاب إذا لم يغير المنكر (2168)، وابن ماجه في «سننه»: كتاب الفتن- باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (4005) ، وصححه الألباني في «صحيح ابن ماجه».
(29) أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان»، (7196)، وابن المبارك في «الزهد والراقائق»، (1350).
(30) أخرجه البخاري، في كتاب الجهاد والسير، باب فضل الجهاد والسير، (2785)، ومسلم، في كتاب الإمارة، باب فضل الشهادة في سبيل الله تعالى، (1878)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(31) أخرجه البخاري في كتاب الجهاد- باب درجات المجاهدين في سبيل الله (2790).
(32) أخرجه الترمذي في «جامعه»: كتاب الإيمان- باب ما جاء في حرمة الصلاة (2616)، وقال: «حديثٌ حسنٌ صحيحٌ»، والنسائي في «سننه الكبرى» (11394)، وابن ماجه في «سننه»: كتاب الفتن- باب كف اللسان في الفتنة (3973)، وأحمد في «مسنده» (5/231)، والطبراني في «المعجم الكبير» (20/55/96)، ومحمد بن نصر المروزي في «تعظيم قدر الصلاة» (197)، (198)، من حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه.
(33) الحجرات: 15.
(34) التوبة: 19-22.


 مواد ذات صلة: