موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - السياسة الشرعية

  

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

المقدمة

وما توفيقي إلا بالله

الحمد لله الذي أوضح لنا معالم الدين، ومنَّ علينا بالكتاب المبين. رع لنا من الأحكام، وفصَّل بين الحلال والحرام، فتقَدَّرت به مصالح الخلق، وثبتت به قواعد الحق، ووكل إلى ولاة الأمور ما أحسن فيه التقدير وأحكم به التدبير، فله الحمد على ما قدَّر وبَّر.

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، أرسل رسله بالبينات وأنزل معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، ﴿وَأَنزَلْنَا الحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ(1).

وختمهم بمحمد نبينا صلى الله عليه وسلم الذي أرسله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله وأيَّده بالسلطان النصير، الجامع معنى العلم والقلم للهداية والحجة ومعنى القدرة والسيف للنصرة والتعزيز.

وبعد؛ فهذه رسالة تتضمن جوامع من السياسة الإلهية والآيات النبوية، لا يستغني عنها الراعي والرعية، اقتضاها من أوجب الله نصحه من ولاة الأمور، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت عنه من غير وجه: «إن الله يرضى لكم ثلاثًا: أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأن تعتصموا بحبل الله جميعًا ولا تفرقوا، وأن تُناصحوا من ولَّاه الله أمركم»(2).

وهذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً(58) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً(3).

قال العلماء: نزلت الآية الأولى في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرهم، عليهم طاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قَسْمهم وحُكْمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله عز وجل. فإذا أمروا بمعصية الله عز وجل فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، فإن تنازعوا في شيء ردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

وإن لم تفعل ولاةُ الأمر ذلك أُطيعوا فيما يأمرون به من طاعة الله؛ لأن ذلك من طاعة الله ورسوله، وأُدِّيَت حقوقُهم إليهم كما أمر الله ورسوله، وأُعيِنوا على البر والتقوى، ولا يُعَانون على الإثم والعدوان.

وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جمِاع السياسة العادلة، والولاية الصالحة.

* * *


(1) الحديد: 25.
(2) أخرجه مسلم في كتاب الأقضية- باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة (1715)، وأحمد (2/367)، ومالك في كتاب الجامع- باب ما جاء في إضاعة المال (1863)، من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
(3) النساء: 58، 59.


 مواد ذات صلة: