موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح تفسير غريب القرآن في جزء عم

  

سورة المسد إلى سورة الناس

سورة المَسَد

﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ(1) تَبَّتْ يعني هلكتْ، يقال امرأة شابة يعني صغيرة، وامرأة تابّة يعني كبيرة، هالكة في العمر، تقدم بها العمر، ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ(2)، فائدة: لماذا قال: "يدا" فقط! خَصَّ اليدين بالذكر! قيل: لأنّ العربَ تطلق الجزءَ على الكل مِن باب أهمية ذلك الجزء، «الحجّ عرفة»(3) الحجّ فيه عرفة ومزدلفة؛ لكن تنبيه لشأن عرفة، «الدين النصيحة»(4) الدين فيه نصيحة وفيه صلاة؛ ولكن تعظيمًا لشأن النصيحة، وقيل: خَصَّ اليدين لأنّ اليدين أكثرُ الجوارح ممارسة للأعمال، إذاً تَبَّتْ هلكتْ، الآية الأخيرة ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(5) الجيد: العنق، ﴿حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ(6) الحبل معروف، ﴿مِنْ مَسَدٍ(7) الصوف أو الليف، بعضهم قال: صوف ليف شديد إذا قُيِّد به الأنسان، شديد على جلده، الألم، ومحكم الوثاق إذا أُوثق به الشيء الرجل.

سورة الإخلاص

﴿اللَّهُ الصَّمَدُ(8) إذا جاء الأغنياء إلى البلد قال فقراؤها: جاء الأغنياء فهيا بنا نصمد إليهم؛ يعني نسألهم حاجاتنا، الصمد مَن تسأله الخلائقُ حاجاتِها، تصمد له تقف له، وقيل: الصمد السيد الكامل السؤدد، الناس لهم سيد لكنّ السيدَ مِن البشر يعتري سيادتَه الظلمُ أحيانًا، قد يظلم، قد يكذب، يمرض، يموت، فهي سيادة - وإنْ كانت محمودة أو متميزة - لكنْ يعتريها ما يعتريها مِن عوارض، أمّا السيادة في حق الله فهي بالغة في الكمال أعلاه وفي الحسن منتهاه، وفي الحديث «السيدُ اللهُ»(9) يعني الكامل السؤدد والسيادة، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ(10) كفوًا شبيهًا أو مماثلاً أو نظيرًا، يقرأها بعضهم "كفْوًا" - بسكون الفاء -، وهي بضم الفاء قراءة حفص عن عاصم، وسمعتُ بعضَ القراء يقول: جاءت بالسكون، لكنْ رواية حفص عن عاصم "كُفُوًا" بضم الكاف والفاء.

سورة الفلق

﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ(11) قال بعضهم لأنّ الفلق بئرٌ في جهنم، وهذا حديث أو أثر، قال بعضهم: لا يصح(12)، والصواب أنّ الفلقَ كل شيء مفلوق، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى(13) ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ(14)، ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(15) هنا فائدة: الشَّرُّ شَرّان، والخيرُ خيران، الشَّرُّ شَرّان، شَرٌّ موجود فيك تتمنى زواله، وشَرٌّ مفقود تتمنى عدمَ حصوله لك، والخيرُ خيران، خيرٌ موجودٌ فيك تتمنى بقاءه، وخيرٌ مفقودٌ تتمنى حصولَه، الشَّرٌّ الموجودُ: المعاصي التي أنت مقيمٌ عليها، تتمنى زوالها، والشَّرُّ المفقود: المعاصي المستقبلية، تتمنى ألّا تقع في معصية وتحذر سوءَ الخاتمة، الشَّرّ، ومِن عذاب القبر، الخير الموجود: الدوام على الطاعات، والخير المفقود: الطاعات المستقبلية تتمنى حصولها وحسن الخاتمة والجنة، اجتمع ذِكْرُ الشَّرَّين والخيرين في خاتمة سورة آل عمران ﴿رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(16) طَلَبُ زوال الشَّرِّ الموجود، غفران الذنوب، تكفير السيئات، ﴿وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ(17) خير مفقود يحتاجونه، ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ(18) خير مفقود يريدونه، ﴿وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ(19) شَرّ يتمنوا عدم حصوله، ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ(20)، ﴿وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(21) الغاسق: القمر إذا غاب، وقيل: الليل إذا اشتد ظلامه، الغاسق الليل، وقيل: القمر، "وقب" أظلم الليل أو غاب القمر، قد ورد في حديث الترمذي عن عائشة أنّ النَّبِيَّ صلّى الله عليه وسلّم، قال: «أترين هذا القمر؟ قالت: نعم، قال: هذا الغاسق إذا وقب» والحديث فيه ضعف(22)، وعلى تقدير ثبوته فالمعنيان متفقان - الليل والقمر، هنا فائدة، لماذا خَصَّ الليل بالاستعاذة؟ قالوا: لأنّ سلطانَ الشيطانِ في الليل أقوى مِن سلطانه في النهار، وقد ورد الحديث «إذا اشتد فحمة العشاء؛ فكفوا صبيانكم؛ فإنها ساعةٌ تنتشر فيها الشياطين»(23) فخَصَّه بالاستعاذة، فكما قال بعض أهل العلم: لأنّ سلطانَ الشيطان في الليل أقوى مِن سلطانه في النهار، ففي هذا فائدة: أنّ الأزمنةَ تتفاوت في تلبيس الشيطان، كالأمكنة، هناك أماكن فاضلة تُضاعف فيها الخير كالحرمين والصلاة فيها، ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ(24) النفاثات ما قال: "النَّفّاثين" يقول بعض أهل العلم: لأنّ السحر أنواع، وسحر النَّفث عند الساحرات أكثر - هكذا قال بعض أهل العلم -، وقال غيره: المراد بالنفاثات مَن ينفث في العقد، النفاثات في العقد، عقد السحر، يعقدون حبالًا وينفثون فيها مِن باب تلبيس الشيطان واستخدام الشياطين وحصول السحر ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(25) والعُقَد ما يُعْقَدُ في حبل وحِرَزِ السحر، والنفث ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ(26) النفث نفخ خفيف مع ريق قليل، النفث بين النفخ والتفل – أَجَلَّكُم الله -.

سورة الناس

﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ(27) الوسوسة: الصوت الخفي، والخناس: الاختفاء، تقدم في سورة التكوير ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ(28) إذا اختفت الظباء أو النجوم في أمكنتها، وهنا ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(29) وصفان للشيطان، قال بعضهم: إذا غفل العبد عن ذِكْرِ اللهِ وسوسَ له الشيطانُ، فإذا تَفَطَّنَ وذَكَرَ اللهَ خَنَسَ عنه الشيطانُ، وسواس للغافل، خَنَّاس عن الذاكر، هذا بعضُ ما تيسر مِن الكلام على تفسير الغريب في الجزء الثلاثين مِن سورة النبأ إلى سورة الناس.

وقبل الختام أوصي نفسي وإخواني جميعًا - مِن الحاضرين والمشاهدين ومَن بلغ - بالعناية بعلم غريب القرآن الكريم، فهو يُعين - كما تقدم - على فهم الغامض، ويعين أيضًا على التدبر إذا سمعت الآية أو قَرَأْتَها، ومما يُؤخذ على بعض حُفّاظ القرآن أنه يُحسن التلاوةَ وحريصٌ على الإجازات والقراءات وتحصيل القراءات؛ ولكن يهمل هذا الأمر! فيقرأ وبتجويد وترتيل وروايات وإملاءات ووقوفات؛ ولكن يجهل ما يقرأه!!

اللهَ أسألُ أنْ يرزقنا وإياكم الصدقَ والإخلاصَ في السِّرِّ والعلن، وفي القول والعمل، وأنْ يُعَلِّمَنا ما ينفعنا؛ وأنْ ينفعنا بما علمنا؛ وأنْ يجعل علمنا حجة لنا وأنْ يرزقنا العملَ به ودعوةَ الناس له والصبرَ على بذله، كما أسألُ اللهَ جلّ وعلا أنْ يرزقَ طلابَ العلم التوفيقَ والسدادَ، وأنْ يجعلنا وإياكم قدوةً بأخلاقنا وأفعالنا وفي جميع شؤوننا؛ وأنْ يجعلنا مباركين أينما كنا، كما أسأل الله تعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أنْ يجمع شمل المسلمين على كلمة التوحيد - اعتقادًا وتعبدًا وسلوكًا -؛ وأنْ يُصلحَ ذاتَ بينهم؛ وأنْ يُؤلفَ بين قلوبهم، كما أسأله عزّ وجلّ أنْ يحفظَ بلادَ المسلمين مِن شَرِّ الأشرار ومِن كيدِ الفجار؛ ومِن دعاة الشبهات والشهوات، كما نسألُ اللهَ جميعًا أنْ يرحمَ ضعفاءَ المسلمين؛ وأنْ يُبدلهم مِن بعد خوفهم أَمْنًا ومِن بعد ذلهم عِزًّا؛ ومِن بعد مهانتهم كرامةً.

مرة أخرى شَكَرَ اللهُ لكم حسنَ استماعكم وإنصاتكم ووقاركم وأدبكم، وشكرًا أيضًا للقائمين على هذا المنشط العلمي في هذه الجامعة في هذا الجامع - جامع شيخ الإسلام ابن تيمية -، وشكرٌ خاصٌّ للشيخ فهد غراب والأخوة الشيخ خليل والعاملين معهم في جميع ما يتعلق بهذه الدورة وما قبلها وما يلحقها إنْ شاء الله تعالى.

وختامًا: الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والسلام عليكم ورحمه الله وبركاته.


(1) المسد: 1.
(2) المسد: 1.
(3) صحيح. أحمد (18774) عن عبد الرحمن بن يعمر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (3172).
(4) صحيح مسلم (55) من حديث تميم الداريّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(5) المسد: 5.
(6) المسد: 5.
(7) المسد: 5.
(8) الإخلاص: 2.
(9) صحيح. أبو داود (4806) من حديث عبد الله بن الشخّير رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (3700).
(10) الإخلاص: 4.
(11) الفلق: 1.
(12) منكر. تفسير الطبري (284/24) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الضعيفة (4029).
(13) الأنعام: 95.
(14) الأنعام: 96.
(15) الفلق: 2.
(16) آل عمران: 193.
(17) آل عمران: 193.
(18) آل عمران: 194.
(19) آل عمران: 194.
(20) آل عمران: 194.
(21) الفلق: 3.
(22) صحيح. الترمذي (3366) من حديث عائشة رضي الله عنها مرفوعًا. صحيح الجامع (7916).
(23) صحيح البخاري (3280) من حديث جابر رضي الله عنه مرفوعًا.
(24) الفلق: 4.
(25) الأنعام: 137.
(26) الفلق: 4.
(27) الناس: 4.
(28) التكوير: 15.
(29) الناس: 4.


 مواد ذات صلة: