موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح تفسير غريب القرآن في جزء عم

  

سورة الشرح إلى سورة الزلزلة

سور ة الشَّرْح

﴿وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ(1) الوزر: الحمل الثقيل، ﴿يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ(2) لثقلها، وقيل: سُمي الوزير بالوزير لأنه يتحمل أمورًا ثقيلة، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(3) يقول لي أحد المشايخ أنّ امرأةً اشتكت على زوجها أنه كثير الكذب! كثير الكذب عليها! فتضايقت منه ونهته، وكان هذا الشيخ إمّا جارٌ لهم أو قاضٍ – أو أتوه في المحكمة -، فذكرتِ المرأةُ عيبَ زوجها، فذَكَّرَه الشيخُ فقال: ما تتقي الله! قال: يا شيخ أنت أعلم مني! كيف يخفى عليك قولُ الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(4) ؟؟ الله الذي أمرنا ننصب عليهم! قال الشيخ: هداك الله، النصب هنا ليس المراد به الكذب! النصب التعب، ناصبة تاعبة، وهذا مِن سوء الفهم، يقولون أنّ السلف يُمَلِّحُون الدروس ببعض النوادر، يقولون: أنّ أحدهم أراد أنْ يُظهر أنه فاهمٌ؛ قال – يسأل -؛ قال: يا شيخ هنا إشكال في سورة لقمان، كيف يتكلم وهو يعضُّه؟؟ ما يجتمع يا شيخ! ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ(5) كيف يتكلم ويعضُّ؟؟ ما يجتمع يا شيخ! فهل الكلام قبل العضّ أم بعد العضّ؟ فانظر إلى الفهم والجهالة، ذكرتُه مِن باب التمليح، كان عمر بن الخطاب - كما ذكر السمعاني رضى الله عنه وأرضاه؛ الفاروق، ورحم الله السمعاني - يقول: "كان الفاروق إذا حَدّث أصحابَه ثم رأى أنهم مَلّوا وكذا؛ أخذ في أخبار الزرع والنخل حتى ينشطوا"، وأنتم لستم أهل زرع ولا نخل؛ فأنتم - ما شاء الله - تنشطون المتكلم، ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ(6) أي: التعب، النصب التعب، إذا أَدّيت ما أمرك اللهُ به فتكثر مِن طاعة الله في المستحبات، كثرة الدعاء.

سورة التين

﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ(7) الطور: قالوا: الجبل الذي فيه شجر، كل جبل فيه شجر يسمى "طور"، "سينين": لغة مِن سَيناء، وهي صحراء بين مصر وفلسطين، يُقْسِم الله تعالى بما يشاء: بالزمان، بالمكان، أمّا المخلوق فلا يُقْسِم إلّا بخالقه، بعضهم يقول في هذه السورة فائدة - يعني محتملة -، قال: أقسم الله بأماكن الرسائل الثلاث الكبرى، التين والزيتون في الشام مكان رسالة عيسى، وطور سينين في مصر مكان رسالة موسى، وهذا البلد الأمين مكة مكان رسالة محمد عليه الصلاة والسلام، هكذا قال بعضهم أيضًا، أيضًا ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ(8) غير مقطوع، المَنُّ: القطع، يقال مننتُ إذا قطعت.

سورة العلق

﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ(9) العلق: القطعة الجامدة مِن الدم، ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ قطعة تسمى الآن علقة، هناك ما يكون في الماء مِن علق نظرًا لصغرها تشبيهًا بعلقة الدم، ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى(10) الطغيان تجاوز الحَدّ، ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ(11) تجاوز ﴿حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ(12)، ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(13) تجاوز حَدَّه، طاغوت، تجاوز حده، عُبد مِن دون الله، في آخر السورة ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ(14) السَّفْعُ: هو القبض على الشيء وأَخْذُه بشدة، والناصية: الشعر المقدم في أعلى الرأس، ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ(15) رؤوسهم وأرجلهم، كناية عن شدة تحقيرهم وشدة نكالهم، ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ(16) أستميحكم عذرًا في ذِكْرِ فائدة، إذا حَلَقَ الإنسان رأسه عند صاحب الحلاقة – الصالون - إذا فرغ ماذا يقول بعضهم؟ نعيمًا، سألني أحدُ الفضلاء عن أصل هذه الكلمة، فبحثتُ - وأظن أني قرأت فيما أذكر في كتاب الأمثال اليمانية للأكوع وفي كتاب آخر - قال بعضهم: نعيمًا يعني كأنك تتنعم في حياة بعد هذه الحلاقة وترتاح وتشعر براحة، وبعضهم يقول: لا، هي أُخذت مِن هذه الآية، يقول: ﴿لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ(17) أنهم يُجَرّون إلى نار جهنم بشدة بنواصيهم - شعر مقدَّم الرأس -، فهذا مِن باب التفاؤل إذا حلق الشعر أو كذا قال: نعيمًا أي إلى الجنة، واضح الكلام؟ ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ(18) النادي: المجلس الذي يجتمع فيه أصحابه، ولعله منه قولهم: منتدى، والمراد: فليدع عشيرته وقرابته؛ ويدعو أصحابه، ﴿سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ(19) الزبانية: اسم لثلة مِن الملائكة، أخذًا مِن الزَّبْن: الدفع، يدفعونهم، إذا كان سيدع أصحابه وعشيرته؛ سندع الزبانية، لا مساواة! ولا مقارنة! ولا مفارقة! لكن بيان لعظيم كُفْرِ أولئك وعنادهم؛ وما أعدّ الله لهم مِن العذاب.

سورة القدر

﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ(20) القَدْرُ: سُميت بهذا الاسم - مِن باب الفائدة – قيل: لعظيم قَدْرِها وشأنها، وقيل: لأنّ الله أنزل فيها كتابًا ذا قَدْرٍ عظيم، وقيل: لأنّ الله تعالى يُقَدِّرُ فيها أقدارًا، إذاً لعظيم قَدْرِها وشأنها، ولأنّ اللهَ أنزل فيها كتابًا ذا قَدْرٍ، ولأنّ اللهَ تعالى يُقَدِّرُ فيها أقدارًا، ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا(21) تقدم الكلام، الملائكة جمع مَلَك، مأخوذ مِن الألوكة وهي الرسالة، لأنهم رسل بين الله تعالى وبين خَلْقِه، والروحُ هنا جبريل ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ(22) قيل: سُمّي جبريل بالرُّوح - كما تقدم - لأنّ الرُّوحَ سببُ حياة الأجسام، وما يأتي به جبريل عليه السلام مِن الله فيه حياة القلوب والأبدان.

سورة البيّنة

الآية الأولى ذَكَرَ بعض أئمة التفسير - الواحدي أو الخازن - أنّ هذه الآية أصعب ما في القرآن نظمًا ومعنىً، ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ(23) منفكين: تاركين مفارقين، مِن الفكاك، أنهم مجتمعون على أمرٍ؛ ولن ينفكوا عن هذا الأمر حتى تأتيهم البيّنة - الرسول عليه الصلاة والسلام -، فلما أتاهم هذا الأمر منهم مَن زاد عنادًا فترك ما كان عليه! ومنهم مَن آمن وترك ما كان عليه، هذه فائدة عارضة، في الآية السادسة آخرها، ﴿أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ(24) البَرِيّة: هم الناس، سُموا بهذا الاسم لأنّ الله تعالى برأهم أي أوجدهم بعد عدم.

سورة الزلزلة

﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(25) الزلزلة هي الحركة العنيفة، كما في الآية الأخرى ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا(26)، وهنا فائدة في هذه الآية الأولى : ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا(27) ما قال: "زلزال!" إنما قال: "زلزالها"، وفَرْقٌ بين "زلزالها" وبين "زلزال"، إذا جاءت الآية "زلزالها" لشملت أيّ زلزال - ولوكان رجة بسيطة -، أما "زلزالها" فيه التفخيم؛ أنها على قَدْرِ عِظَمِ الأرض أضاف الزلزال لها، كما لو قلتَ: أكرمتُ زيدًا كرامةً، أو أكرمتُ زيدًا كرامتَه، ما الأفخم بين الجملتين؟ أكرمتُ زيدًا كرامة تشمل كسرة خبز وقدح ماء، أما أكرمتُ زيدًا كرامتَه أي التي تكون على مقامه وقَدْرِه، كذلك هنا "زلزالها" على قَدْرِ عِظَمِ الأرض، ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا(28) جمع ثقل وهو الحمل الثقيل، قد جاء في الحديث «أنّ الأرض تُخرج أفلاذ أكبادها - كالأسطوان مِن الذهب والفضة - وما في بطنها؛ فيجيء المقتول فيقول: بهذا قُتلتُ! - بفتنة هذا المال -، ويجيء السارق؛ فيقول: بهذا قُطِعْتُ!»(29) "أخرجتْ أثقالَها" أي: ما في بطونها، وقيل: تخرج ما في قبورها مِن الأجساد للبعث والجزاء.


(1) الشرح: 2.
(2) الأنعام: 31.
(3) الشرح: 7.
(4) الشرح: 7.
(5) لقمان: 13.
(6) الشرح: 7.
(7) التين: 1، 2.
(8) التين: 6.
(9) العلق: 2.
(10) العلق: 6.
(11) الحاقة: 11.
(12) الحاقة: 11.
(13) النازعات: 17.
(14) العلق: 15.
(15) الرحمن: 41.
(16) العلق: 15.
(17) العلق: 15.
(18) العلق: 17.
(19) العلق: 18.
(20) القدر: 1.
(21) القدر: 4.
(22) الشعراء: 193.
(23) البينة: 1.
(24) البينة: 6.
(25) الزلزلة: 1.
(26) الواقعة: 4.
(27) الزلزلة: 1.
(28) الزلزلة: 2.
(29) صحيح مسلم (1013) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.


 مواد ذات صلة: