موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح تفسير غريب القرآن في جزء عم

  

سورة النبأ

سورة النبأ

كلمة ﴿عَمَّ(1) "عمّ" المراد بها عن أيّ شيء، ويسمى بعضُهم هذا النحت، اختزال الجملة في كلمة، أنا أسألكم، إذا قيل الحوقلة، ما المراد بها؟ لا حول ولا قوة إلّا بالله، الحوقلة، والحيعلة؟ حي على الصلاة، طيب، الدمعزة؟ أدام الله عزّكم جميعًا، والطبطلة؟ أطاب الله بقائكم جميعًا على حسن عمل، والجيعلة؟ جُعِلْتُ فداك، حتى أنني سألت بعضهم عن كلمة سَمِّ إذا قالها الولد لوالده، يناديك حتى تقول له ماذا؟ سَمّ، فأُخبرتُ أنها اختزال لكلمة ماذا؟ سمعًا وطاعة، إذًا ﴿عَمَّ(2): عن أي شيء، ﴿النَّبَإِ الْعَظِيمِ(3) قال بعضهم: المراد به القرآن الكريم، وقال آخرون: البعث والسؤال والحساب، ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ(4) كلا: هذه الكلمة عند العرب مِن أساليب الردع والزجر، وأذكرُ لكم فيها فائدتين، الفائدة الأولى: كل سورة فيها كلمة "كلا" فهي سورة مكية، كل ما مَرَّ عليك كلمة "كلا" فأعلم أنّ السورةَ مكيةٌ، وثانيًا: لم تَرِدْ كلمة "كلا" في القرآن الكريم في النصف الأعلى، بل كل السور التي جاءت فيها هذه اللفظة في نصف القرآن الأخير، ولهذا يقول الناظم: "ولم تنزلن كلا بيثرب فأعلمن ... وليست مِن القرآن في نصفه الأعلى"(5) والعرب تورد كلمات فيها تهديد وترحم، كلا: ردع وزجر، ويل، ويح، ثكلتك أمك، عقرى حلقى، كلمات دارجة على ألسنة العرب، ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا(6) معروف ممهدة ومستوية كالفراش، ﴿أَوْتَادًا(7) جمع وتد، والوتد كما نعلم يوضع لتثبيت الخيمة، كذلك وضع اللهُ الجبالَ لتثبيت الأرض، وهو قادر على تثبيتها بدون شيء لكن مِن باب خَلْقِ الأسباب وترتيب المسبِّبَات عليها، ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا(8) السُّبَات: هو الراحة والسكون والانقطاع، حتى قال بعضهم: سُمّي السبت سبتًا لانقطاع الناس عن العمل، كذلك النوم سبات ينقطعون عن أعمالهم ويسكنون، ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا(9) ساترًا لكم كاللباس، كل ما في بياض النهار؛ فلما جاء الليل بسواده أصبح كاللباس، ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا(10) قوية شديدة البناء محكمة، ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا(11) أحقابًا: جمع حقب وهو الزمن الطويل، مَن يعلم مداه؟ الله تعالى، قبلها كلمتان، ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا(12) المعصرات: السحب، أشبه بالثوب إذا عُصِرَ، ينزل منه ماذا؟ الماء، وثجاجًا: الماء المنهمر، جاء في الحديث «أفضل الحج، ماذا؟ العجّ والثجّ»(13) العج بالتلبية، والثجّ دماء الهدي، طيب، ﴿إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا(14) الحميم الماء الحار أو الشراب الحار، وغساقًا: صديد أهل النار، قُبح المشروب، وقُبح الشاربين، وقُبح المكان المشروب فيه، نعوذ بالله مِن النار وما قَرَّبَ إليها مِن قول أو عمل، ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا(15) كواعب: جمع كاعب وهي الجارية الحسناء وقد تكعّب ثديها في قمة وعزّ شبابها، أترابًا: أعمارُهن متساوية، كما أنّ أهل الجنة يدخلون الجنة في عمر واحد؛ كذلك الجواري لهم، ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا(16) دهاقًا: يعني مليئة، ملآنة، وهذا مِن كمال النعيم، إذا رأيتَ الشراب الكأس وقد ذهب بعضُه أو بقي آخرُه، يُشرب يُلتذُّ به، لكنه إذا كان القدح مليئًا فهناك لذة النظر ولذة ماذا؟ الشرب، ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ(17) الرُّوح: هو جبريل عليه السلام، لماذا سُمّي جبريلُ بالرُّوح؟ قال بعضهم: الروح تحيا بها الجسد، وما يأتي به جبريل عليه السلام مِن الوحي إلى النَّبِيِّ عليه السلام فيه حياة القلب وحياة الأبدان، الملائكة: جمعُ مَلَك، مأخوذ مِن الألوكة وهي الرسالة، لأنهم رسلٌ بين الله تعالى وبين خلْقِه.


(1) النبأ: 1.
(2) النبأ: 1.
(3) النبأ: 2.
(4) النبأ: 4.
(5) الإتقان (1/ 70) للسيوطي - نقلًا عن الديريني -.
(6) النبأ: 6.
(7) النبأ: 7.
(8) النبأ: 9.
(9) النبأ: 10.
(10) النبأ: 12.
(11) النبأ: 23.
(12) النبأ: 14.
(13) صحيح. الترمذي (827) من حديث أبي بكر رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (1101).
(14) النبأ: 25.
(15) النبأ: 33.
(16) النبأ: 34.
(17) النبأ: 38.


 مواد ذات صلة: