موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

الرافضة والمنصورية والسبئية

والرافضة: وهم الذين يتبرؤون مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، ويسبونهم وينتقصونهم، ويكفرون الأئمة إلّا أربعة: عليًّا وعمارًا والمقداد وسلمان، وليست الرافضة مِن الإسلام فِي شيء.

والمنصورية: وهم رافضة أخبث الروافض(1)، وهم الذين يقولون: مَن قتل أربعين نفسًا ممن خالف هواهم دخل الجنة، وهم الذين يُخيفون الناس ويستحلون أموالهم، وهم الذين يقولون: أخطأ جبريل عليه السلام بالرسالة! وهذا هو الكفر الواضح الذي لا يشوبه إيمان؛ فنعوذ بالله منهم.

والسَّبئيّة: وهم رافضة كذابون، وهم قريب ممن ذكرتُ، مخالفون للأئمة كذابون، والرافضة أسوأ أثرًا في الإسلام مِن أهل الكفر مِن أهل الحرب.

وصنف منهم يقولون: عليّ فِي السحاب، وعليّ يُبعث قبل يوم القيامة، وهذا كله كذب وزور وبهتان.

والزيدية: وهم رافضة، وهم الذين يتبرؤون مِن عثمان وطلحة والزبير وعائشة، ويرون القتال مع كل مَن خرج مِن ولد عليّ برًّا كان أو فاجرًا حتى يغلب أو يغلب.

والخشبية: وهم يقولون بقول الزيدية.

والشيعة: وهم فيما يزعمون ينتحلون حبَّ آل محمد صلّى الله عليه وسلّم دون الناس، وكذبوا، بل هم المبغضون لآل محمد صلّى الله عليه وسلّم دون الناس، إنما الشيعة لآل محمد المتقون، أهل السُّنَّة والأثر مَن كانوا وحيث كانوا، الذين يحبون آل محمد صلّى الله عليه وسلّم وجميع أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، ولا يذكرون أحدًا منهم بسوء ولا عيب ولا منقصة، فمَن ذكر أحدًا مِن أصحاب محمد عليه الصلاة والسلام بسوء أو طعن عليهم أو تبرأ مِن أحد منهم، أو سَبّهم، أو عرض بعيبهم فهو رافضي خبيث مخبث.


ذَكَرَ رحمه الله تعالى ما يتعلّق بأصناف الرافضة، والشيعة وهم أصناف كثيرة وفِرَق كثيرة جدًا، سُمّوا بالرافضة، أصل التشيّع هو في أصله كان تشيّعًا لعليّ رضي الله تعالى عنه مع عدم التعرّض للصحابة، يعني أنّه ميل ومحبة لعليّ مع عدم التعرض بتاتًا للصحابة بالسوء، مع إقرارهم بأنّ أبا بكر وعمر أفضلُ مِن عليّ، لأنّ هذا كان مما يخطب به عليّ رضي الله عنه بالكوفة، وتواتر هذا عنه كما ذَكَرَ شيخ الإسلام، فما كان الشيعة الأوائل عندهم أيّ كلمة في الصحابة بتاتًا، إنّما كانوا يقولون: أفضل الأمة أبو بكر ثم عمر ثم عليّ ثم عثمان، فعثمان عندهم فاضل ما عندهم فيه أيّ إشكال، لكن يقولون: هو في المرتبة الرابعة، وقلنا: إنّ هذا القول باطل غير صحيح، بل الصواب ترتيبهم كترتيبهم في الخلافة، أفضلهم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليّ، فما كانت الشيعة تتعرض لأصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بالسوء، أما مِن حيث الأفضلية فكانوا يرون أبا بكر وعمر أفضل مِن عليّ رضي الله تعالى عنه لأنّ هذا الذي كان يخطب به ويؤكده على أصحابه، وفي البخاريّ "أنّ محمد ابنه قال: يا أبتِ مَن أفضل الناس بعد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: يا بنيّ أما تعلم؟ أفضل الأمة بعد نبيها أبو بكر، قال: ثم مَن؟ قال: عمر، قال: فخشيتُ أنْ يقول: ثم عثمان - ولد يحب أباه -، فقلت: ثم أنت، قال: يا بني إنّما أبوك مِن المسلمين أو نحوها"(2)، وفي بعض المقالات عن عليّ رضي الله عنه نفسه أنّه قال: ثم عثمان" فما كان هناك سَبّ للصحابة بتاتًا، لكنهم كانوا - مثلما قلنا - لمّا خرجت الخوارج وكفّروا عليًّا بدأ أناس منهم يقولون: بفضل علي، وهو كذلك لا شكّ في فضله ومقامه رضي الله عنه، لكن فضله المعروف الذي يكون به رابع الصحابة في الفضل رضي الله تعالى عنهم أجمعين، أما إذا قيل: رافضيّ فالرافضيّ بالغَ وزاد، وصار يتولى الصحابة بالسَّبّ، ولو لم يكفّرهم يسمى رافضيًا، هم ما كانوا يكفّرونهم، بداية الأمور أنْ سبّوا - والعياذ بالله - بعض الصحابة فصاروا يُسمون رافضة، أما التكفير فأمر كبير الخطورة مثلما ذكرنا في التفاصيل في الحكم فيهم.

فالرافضة يتبرؤون مِن الصحابة ويسبونهم وينتقصونهم ويكفرون أمة إلّا نفرًا يسيرًا، وهذا الآن كما ترى هو الذي استقر عليه مذهب الاثني عشرية، وهذا يدلك على أنّهم رافضة وليس مجرد شيعة يتشيّعون لعليّ - كما سيأتي بيانه إنْ شاء الله - ولهذا قال: "وليست الرافضة مِن الإسلام في شيء" لِمَا ذكرنا مِن تكفير الصحابة بالعموم ضرب مِن ضروب الردّة.

المنصورية أيضًا مِن الروافض، قائدهم أبو منصور العجلي وهو مِن الغلاة في الرفض، وعنده مبالغة في عليّ رضي الله عنه، فقتله الأمير الأموي يوسف بن عمر الثقفي وصَلبه، أصحابه يُسمون المنصورية، عنده غلو في عليّ رضي الله عنه كعادة فِرَقِ الروافض، لكن هؤلاء عندهم إجرام وإفساد في الأرض، عندهم أنّ مَن قتل أربعين مِن المخالفين يدخل الجنة! بمعنى أنّه إذا وجد منهم عشرة فإنّهم يسولون لهم إنْ أردتم الجنة فاقتلوا أربعمئة مِن المسلمين، وهؤلاء أيضًا مارسوا الإجرام؛ فكانوا يستحلّون أموال الناس ويُخيفون السُبُل ويخنقون الناس، وعندهم مقالة - نسأل الله العافية - خبيثة جدًا يقولون: أصل الرسالة لعليّ وليست للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولكن أخطأ جبريل! فذهب بها إلى محمد بدل أنْ يذهب بها إلى عليّ! يقول: هذا هو الكفر الواضح، معنى ذلك أنّ الرسالة لا يستحقها محمد صلّى الله عليه وسلّم إنما هي في أصلها لعليّ، ولهذا - قبّحهم الله - يقولون: خان جبريل، مع تسمية الله له بالأمين! فهذا لا شكّ في أنّ قائله كافرٌ كفرًا بواحًا؟ وهكذا طائفة الغرابية أيضًا مِن الرافضة يقولون بهذه المقولة.

السَّبَئية نسبة لعبد الله بن سبأ، والذي ذكرنا أنّه كان في زمن عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه يُظهر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان يتنقّل بين البلدان، وقلنا: إنّه يهوديّ مِن أهل اليمن ما دخل الإسلام لحظة، هذا الرجل كان يُظهر حبَّ عليّ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وكان يُنكر على ولاة عثمان وعلى عثمان وتَسَبَّبَ في جمع مجموعة مِن المفسدين في الأرض مِن البصرة والكوفة ومصر فدهموا المدينة وحاصروا عثمان وقُتل عثمان رضي الله تعالى عنه وأرضاه على إِثْرِ تلك الفعلة الشنعاء، والسَّبئيّة هؤلاء تطور حالهم حتى قالوا: إنّ عليًّا هو الله - نسأل الله العافية والسلامة - وصرّحوا بهذا في وجه عليّ نفسه رضي الله عنه، خرج ليصلي الظهر - عليه الرضوان - فقالوا: له أنت ربنا، فقال: ويحكم أنا رجل أمرض كما يمرض الناس؛ وأموت إذا أتاني أجلي؛ إنْ أطعتُ ربي رجوتُ أنْ يدخلني الجنة؛ وإنْ عصيتُه خفتُ أنْ يعذبني، فظّن أنّ وعظه وزجره لهم كفى، فلمّا جاء مِن الغد قالوا لعليّ رضي الله عنه إنّهم عند الباب، قال: ما يقولون؟ قالوا: يقولون: أنت ربنا! فخرج عليهم رضي الله عنه وقال: لئن لم ترجعوا عن مقالتكم هذه لأقتلنّكم قتلة ما قتلها أحد، فأمر بأنْ يشق في الأرض أخاديد وأضرم فيها النار قال: إمّا أنْ ترجعوا عن مقولتكم هذه أو ألقيتكم في النار! فقفزوا - نسأل الله العافية والسلامة - في النار هم! يعتقدون أنّ عليًا ربهم وقالوا: أمرنا أنْ ندخل النار ندخل النار! نسأل الله العافية والسلامة، وقال بيت الشعر المعروف: "لمّا رأيتُ الأمر أمرًا منكرًا ... أججتُ ناري وأمرتُ قَنبَراقَنبَرا هذا أحد غلمانه، في البخاري أنّ عليًا رضي الله عنه أُتي بقوم مِن الزنادقة فأحرقهم، فقال ابن عباس رضي الله عنهما: لو كنت أنا لَمَا أحرقتهم؛ لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم «نهى أنْ يُعذّب أحد بالنار» النار لا يُعذب بها إلّا الله عزّ وجلّ، «نهى أنْ يُعذّب أحد بالنار» ولقتلتُهم لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم قال: «مَن بدّل دينه فاقتلوه»(3)، هذا في البخاري، أظنّ في البيهقي بلغ ذلك عليًا رضي الله عنه فقال: "ويح ابن أمِّ الفضل؛ سقّاطٌ على الهَنَات"(4) يقول: أصاب يعني، قوله صحيح؛ أنّه ما كان يحلّ أن أحرقهم وإنما كان الواجب أنْ يقتلوا، وهذا الصحيح؛ أنّه لا يحل حرق أحد بالنار وإن كان زنديقًا، وثبت عن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنّه أرسل سرية وقال: «إن وجدتم فلانًا وفلانًا فأحرقوهما بالنار» ثم بعث إلى السرية وقال: «إن وجدتموها فاقتلوهما؛ فإنّه لا يُعذّب بالنار إلّا الله»(5)، هذا التعليل فيه بيان تعليل الحكم، لماذا؟ لا يحرق أحد بالنار؛ لأنّ التعذيب بالنار خاصّ بالله عزّ وجلّ؛ فلا يصح أنْ يعذب أحد به، هذا الصحيح في أمرِ التحريق بالنار، ولهذا عليّ رضي الله عنه نفسه كأنّه قال: إنَّ ابن عباس أصاب، لهذا قال: "سقّاط على الهَنَات" الهنات يعني: الأخطاء ونحوها، فقال: إنّ المفترض أنْ لا يُحرقوا؛ لكن عليًّا رضي الله عنه أخذه الغضب لله عزّ وجلّ مِن فظاعة أنْ يقال هذا الكلام، وأراد رضي الله عنه أنْ يكون هذا الفعل قاطعًا لهذه المقولة، أنت تقول: إنّي ربكم! أنا أقول: لست ربكم، وتقول: إنّ هذا هو الحق! أنا أقول: هذا هو الباطل وأقتلكم عليه، فرأى رضي الله عنه أنّ قتلهم بهذه الطريقة سيمحو هذه المقالة، لكن استمر الغلوّ في عليّ رضي الله تعالى عنه وأرضاه إلى يومك هذا مِن قبل الرافضة، ولهذا قال: "والرافضة أسوء أثرًا في الإسلام مِن أهل الكفر مِن أهل الحرب" لأنّ تدمير الرافضة للأمة مِن الداخل، وهو أشد فتكًا مِن العدو المحارب، العدو المحارب أنت تنظر حدودك وتتأهب، لكنّ الإشكال صار الإفساد مِن الداخل، مِن قِبَلِ أناس عندهم هذه العقيدة الفظيعة التي تعتقد أنّ عليًا هو الرب! وأفصحوا عن هذا في أكثر مِن موطن، وهذا كان يقوله علماء السُّنَّة يقول: هذا أصل اعتقادكم وهو في كتبكم؛ فكانوا ينفون ويكذبون إلى سنوات قريبة، الآن لهم مجموعة مِن المقاطع يُصرّحون بأنّ عليًا هو الرب - نسأل الله العافية والسلامة -، التشيع اليوم ليس التشيع الذي بالأمس، التشيع الآن تشيع غلاة، يعني ليس التشيع السابق، التشيع أخذ منحًا قلنا: إنّه في بداياته كان تفضيلًا لعليّ على عثمان فقط مع اعتقاد أنّ أبا بكر وعمر أفضل مِن عليّ، ثم صار رفضًا بسبّ الصحابة مع عدم تكفيرهم، ثم انضمّ إليه تكفيرُ الصحابة، ثم تكفير الصحابة - كما قلنا: هذا كفر بإجماع أهل العلم - تجاوز الأمر - نسأل الله العافية والسلامة - إلى أنْ طعنوا في القرآن، تجاوز الأمر إلى أنْ قالوا: إنّه عند هؤلاء الأئمة مِن علي وأبنائه مِن عظائم الأمور التي يقدرون عليها كعلم الغيب وإجابة الضرّ وسماع دعاء الداعي فصاروا يدعونهم مِن دون الله، ويسجدون لهم، ويذبحون لهم، ويعبدونهم عبادة صريحة، هذا ليس التشيع السابق الذي يقول: إنّ عليًا أفضلُ مِن عثمان! لأنّ الذين يقولون هذا الكلام مِن الموحّدين ما عندهم شرك ولا يرون إلّا أنّ عليًا بشر مِن البشر مثله مثل غيره لهذا قُتل رضي الله تعالى عنه وأرضاه ولم يدفع عن نفسه، وهكذا الحسين الآن، الحسين رضي الله تعالى عنه قُتِلَ ظلمًا وعدوانًا لا شكّ، والله تعالى محاسب قتَلَتَه، لكنّ العجيب مِن أمرهم أنّهم يصيحون وأنّ الأمة تركته وأنّه كذا وأنّه عطش وأنّه اجتمع عليه وقطّعه وضربه عدّة ضربات في النهاية يدعون الحسين نفسه! الحسين لم يدفع عن نفسه رضي الله عنه وقُتل ظلمًا وعدوانًا فكيف تدعو مَن لم يستطع أنْ يدفع عن نفسه! وهكذا عليًّا رضي الله عنه كَمَن له خارجيٌّ وقتله؛ وأنت تقول: إنّه يُدعا مِن دون الله وهو لم يدفع عن نفسه؟؟ فالحاصل أنّ هذه المقالات صارت مقالات الغلاة، وقد اعترف المامقاني - مِن الشيعة - بأنّ المذهب الشيعي هو مذهب الغلاة، وقال: إنّ كثيرًا مِن ضرورات المذهب - يعني المذهب الشيعي - كان عند المتقدمين - يعني مِن الشيعة - كان غلوًّا؛ وهو الآن مِن الضرورات، هكذا نَصَّ عليه المامقاني في كتابه في الرجال، يقول: مجموعة مِن الأشياء التي كان قدماء الشيعة يقولون: إنّ هذا غلوّ؛ يقول: هو الآن عندنا مِن الضرورات، الضرورات في المذهب عندهم، الضرورات التي لا يكون الرجل شيعيًا إلّا بها، يقول: قدماؤنا يقولون: إنّه غلوّ، نحن الآن نقول: مِن الضرورات، مما يدلك على الفَرْق الكبير بين متقدّمي الشيعة ومتأخريهم، فصارت المسألة يعني إلى جانب كبير وإلى حدّ كبير مسألة عبثية، وصار فيها شيء مِن التلاعب السياسي وجعل الناس مثل القطيع يؤمرون كأنّهم ليسوا مِن البشر وليسوا مِن ذوي العقول؛ فيأتمرون بما أُمروا به ويُعبث بهم مِن قِبل هؤلاء المُسَمّين بالمراجع والمعمَّمِين ونحوهم يعبثون عبثًا كما قال تعالى: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(6) فهم لا يأكلون حتى يصدّوا، فيصدّون ليأكلوا، فدفاعهم إنّما هو دفاع عن هذه الأخماس وهذه الألاعيب التي يتلاعبون بها، وقد نصّ شيخ الإسلام على أنّ كثيرًا مِن شيوخ الرافضة ليسوا رافضة، يقول: كثير منهم زنادقة، وإنّما يتّخذون المذهب الرافضي كأنّهم يعني يبكون عند ذِكْرِ الحسين وقَتْلِه، لكن واقع الأمر هؤلاء ليسوا رافضة أصلًا وإنّما يعبثون بهؤلاء البشر الذين يُوجّهون بسهولة، يَسْهُلُ أنْ يُوجهوا، هذه الأفواج تضرب نفسها ويُقطّعون أنفسهم ويدفعون أموالهم ويتلاعب بهذه المتعة على النحو المخزي المزري الحاصل الآن، فالأمر وما فيه صار أمر ألاعيب، والأمر كما قال شيخ الإسلام كثير مِن الطوائف الضالة رؤوسها تسخر في الحقيقة تسخر بهؤلاء وعليه زعيم الآغاخانية الذي لمّا قُوبل في المقابلة وإذا به رجل علماني دارسٌ في المدارس الأجنبية وفي الجامعات الأجنبية وعنده شهادات أجنبية وعند هؤلاء يُعظمونه لأنّه سليل مِن سلالة هذه الطائفة التي تُقَدَّس في الهند فيقول الذي يقابله: أنا أتعجب منك ومِن ثقافتك ومِن دراساتك وأنت رجل الآن عندك دراسات حديثة لست مِن أهل هذه الأمور المتعلقة بالتخريف؛ كيف ترضى لهؤلاء أنْ يعبدوك؟ يعني أنْ يعبدونك عبادة؟؟ يقول: فضحك وضحك حتى صارت الدموع تتهامر مِن عينيه مِن شدة الضحك، ثم قال: أليسوا يعبدون البقر في الهند؟ أنا أفضل مِن البقرة!! يعبدونني ولا يعبدون البقرة! بهذه البساطة! لكن لا يكترث بأنّ هؤلاء الأمم يُعبث بدينهم، وإذا مات الميت يدفع رسمًا حتى يُقبر في مقابرهم! إذا وُلِدَ له مولود يدفع رسمًا! يقول: أنا أفضل، يعطوني مثل هذه الأمور ويقدسونني، أما بالنسبة له فهو غير مقتنع بتاتًا، ويرى أنّ هذه الأمور سخيفة، لكن يقول: مادام الأمر عندهم يعبدون البقر فيعبدونني أنا أفضل مِن البقر، لكن ما عنده قناعة، وهكذا كثير مِن زعماء الفِرَق الضالة هذا وضعهم، غير مقتنعين أنّ هذه الضلالات صواب، لكن واقع الأمر أنّه لن يأكل حتى يصدَّ عن سبيل الله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ(7) فهو لو لم يصد وقال: ما يصلح هذا؛ ما تأتيه الأموال! لأنّ الأموال هذه ما أتته إلّا بالطريق الفاسد، أرأيت عالمًا سُنِّيًّا يقول: أعطوني مالًا، نعطيك المال على ماذا؟ على السُّنَّة؟؟ السُّنَّة تحفزك على أنْ تتورع عن أخذ المال أصلًا، السُّنَّة تحفزك على أنْ تدفع بدلًا مِن أنْ تأخذ، لأنك تقول: الأجر عند الله، فصاحب السُّنَّة لا يأخذ، صاحب السُّنَّة يعطي، وأصحاب البدع - وانظر المخرفين عند القبور والروافض - تجد أنّهم يستفيدون مِن هذه البدع، ولهذا يستميتون استماتة في الدفاع عن الباطل لعلمهم بأنّ هؤلاء إنْ أفاقوا وعرفوا الوضع الصحيح لن يدفعوا لهم هذه الأموال، ولهذا يقول ابن القيم رحمه الله عن زعماء هذه الطوائف الضالّة: "يبغون منهم دعوة" واحد منهم يرجو أنّ شيخ الطائفة الضالّة هذا يدعو له "يبغون منهم دعوة، ويقبلون أياديًا منهم رجا الغفران، ولو أنّهم عرفوا حقيقة قولهم رجموهم لا شكّ بالصوّان"(8) لو أفاقت العامّة لرموهم بالأحجار، لكن عُظّم هؤلاء وصاروا يسمون يقول: الشيخ دعا لي - شيخ الضلالة هذا -، يريد أنْ يقبّل يده ويعظمه "يبغون منهم دعوة ويقبلون أياديًا منهم رجا الغفران، ولو أنّهم علموا حقيقة قولهم رجموهم لا شكّ بالصوّان".

ثم قال: "وصنفٌ مِن الرافضة يقولون: عليّ في السحاب" يعني أنّه لم يمت لكنّه في السحاب، ولهذا إذا رأوا البرق وسمعوا الرعد أجابوه على أساس أنّه عليّ، هذا الذي في السحاب منه هذا الصوت صوت الرعد، صوت البرق صوته! نسأل الله العافية والسلامة، نسأل الله أنْ يثبتنا وإياكم على السُّنَّة وأنْ لا يزيغنا في الزائغين، هذه المواضع أيّها الإخوة - كما قلنا أكثر مِن مرة - تحفز المسلم السُّنِّيّ على سؤال الله تعالى الثبات على هذه السُّنَّة، السُّنَّة عِزّ لك في الدنيا والآخرة، السُّنَّة رأفة ورحمة بالخلق، فالإنسان الذي يرى الفَرْقَ الكبير بين عوام أهل السُّنَّة وعوام أهل البدع يجد الفَرْق الجليل الهائل الكبير في دين أولئك وفي دنياهم وفي عقولهم، ولهذا أيضًا يقولون: عليّ يُبعث قبل يوم القيامة، وهي المسماة عند الرافضة بالرجعة، ولايزالون يقولونه، يقولون: إنّه سيبعث قبل القيامة، لماذا؟ ليُعاقب خصومهم ويقتلهم ويفعل ويفعل! أتريدون حكمًا أعظم مِن حكم الآخرة؟ حكم الآخرة يحكم أحكم الحاكمين سبحانه وتعالى في هذه الخلائق، قالوا: لا، يحيي خصومه مِن قبورهم ويقتل هؤلاء الخصوم، ويصل به الحدّ إلى أنّ مَن سموه - الذي يزعمون أنه في سرداب سامراء الذي يسمونه المهدي وليس بمهدي وليس له حقيقة أصلًا – يقول: إنّه سيحيي مَن كانوا خصومًا لعليّ ويقتلهم ألف قتلة!  ثم يقتل ثم يحيا، ألاعيب أطفال! النار - نعوذ بالله مِن عذاب الله - أبلغ وأشد، يقتله ثم يحيا ثم يقتله حتى يبلغ ألف قتلة ثم يُذهب به إلى النار، ألف قتلة هذه بنظرك الآن كانت تظهر ما في قلبك مِن غِلّ، النار أشد وأنكى لو كنتم تفقهون، لكن هذه طريقتهم في العبث بهؤلاء الرعاع والقطيع مِن هؤلاء العوام والجهلة، ولهذا مِن أعظم ما يجب على أهل السُّنَّة أنْ يستنقذوا العوام مِن هؤلاء، ولهذا قلنا: إنّ دعوتهم لا تكون بالسخرية والاستهزاء بهم، وإنّما ينبغي أنْ يشعروا أنّ الذي يكلمّهم ناصح يريد أنْ يخرجهم مما هم فيه مِن ضلالة؛ وأنْ يَصْدُقَهم، وقد رجع - ولله الحمد - أعداء غفيرة جدًا منهم ومِن غيرهم أيضًا مِن الضالين، لكن لا بأسلوب السخرية والاستهزاء به! لأنّ السخرية والاستهزاء ليست الطريق التي يُدعى بها هؤلاء، وإنّما يُبيّن لهم الحق مِن كتاب الله وسُنَّةِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم؛ وأنّ ما أنتم عليه باطل؛ وأنّكم إنْ لقيتم الله تعالى على هذا الحال فهو حال الضلال والزيغ والهلاك؛ وأنّ المرء إنّما هو ناصح لكم، أمّا السخرية والعبث بهم والمقاطع التي تنتشر مِن الضحك بهم؛ هذه لا تزيدهم إلّا إصرارًا على باطلهم وليست بصواب وليست مِن منحى ومسلك أهل العلم.

ثم قال: "والزيدية" نسبة إلى زيد بن علي، وزيد بن علي كان يقاتل بني أمية؛ ففي أثناء قتاله لبني أمية قال له الرافضة: ما تقول في أبي بكر وعمر؟ في نفس الحرب(9) قال: أثنى عليهما جدي - يعني عليًّا رضي الله عنه -، قالوا: علامَ نقاتل معك؟ فتركوه وانصرفوا مِن الحرب فقتله الجيش، فلمّا خرجوا مِن عنده قال: رفضتموني رفضتموني فسموا بالرافضة، لكن أتباع زيد بن علي بالغوا؛ لأنّ زيدًا لمّا سألوه عن أبي بكر وعمر قال: أثنى عليهما جدي - يعني عليًّا بن أبي طالب - فأنا لا أقول فيهم إلّا بقول جدي، الزيدية صاروا أصلًا عدة طوائف، ومنهم الطائفة التي انشقّت لاحقًا وصارت تسمى بالحوثيين لأنّ أصولهم زيدية، والمذهب الزيدي لا شكّ أنّه أسهل بكثير مِن المذهب الاثني عشري، لكنّ الإشكال أنّ التيار واحد - تيار التشيع - فلهذا يسهل أنْ يؤثر الشيعي في الزيدي، وهذا الذي صار لمّا وجدت هذه الطائفة هذه الخبيثة طائفة الحوثيين - حوث بلد مِن البلدان - وهم مِن الزيود كانوا؛ فأثّرت الاثنا عشرية في هذا الحوثي ثم تبنى مقالات حتى انقلب الحوثيون الآن إلى رافضة اثني عشرية، ولهذا ردّ عليهم حتى الزيود، نفس الزيود في اليمن ردّوا على الحوثيين، لكنّ الإشكال أنّ الزيود عندهم بيئة يمكن أنْ يدخل منها التشيع مثل كونهم يتبرؤون مِن عثمان وطلحة والزبير وعائشة رضي الله عنهم، وهذا قول لبعض الزيود، وبعضٌ مِن الزيود لا يتحدث بتاتًا عن أبي بكر وعمر إلّا بخير؛ ويزعمون أنّ علياَ أفضلُ منهما لكن يقولون: تصح بيعتهما لأنّه تصح بيعة المفضول مع وجود الفاضل بزعمهم؛ مع أنّ هذا خلاف كما قلنا، لكن هذا أيسر مِن الذي يقول: إنّهم كفرة وإنّهم وإنّهم؛ لكن كونهم يسبّون عثمان وطلحة والزبير وعائشة لا شكّ أنّ هذا مِن الباطل، وهو مِن سبّ الصحابة الذي يدخل صاحبه في حكم مَن سب الصحابة، وهو الذي يهيئ البيئة لو كانوا يفقهون، هو الذي يهيئ البيئة ليتأثر الزيدي فيكون شيعيًا، ويرون القتال، عندهم اعتقاد أنّ مَن خرج مِن ولد عليّ فإنّه يُعاوَن ويُعَظّمون جدًا نسلَ علي رضي الله عنه قالوا: هذا لابدّ أنْ يُقاتل معه حتى لو كان فاجرًا، ونستمر نقاتل معه إلى أنْ يَغلب أو يُغلب، ولهذا هم عندهم استماتة في مَن يرون أنّه مِن نسل عليّ ويكون عندهم شيء مِن التعظيم والاستماتة في القتال، كل هذا مِن آثار الغلو الذي ما أنزل الله به مِن سلطان.

ثم قال رحمه الله: "والخشبية" الخشبية سُموا بالخشبية، هم رافضة لأنّهم قالوا: لا نقاتل بالسيف إلّا مع المعصوم فقاتلوا بالخشب فسُموا بالخشبية، وفيهم قول الشعبي رحمه الله: "ما رأيتُ أحمق مِن الخشبية، لو كانوا في الدّواب لكانوا حُمرًا، ولو كانوا في الطيور لكانوا رخمًا"(10) مِن أردئ الناس هؤلاء القوم ولذلك سُموا بالخشبية؛ وإن كان قد يُطلق أيضًا خشبية لأنّ بعضهم أيضًا أطلق الخشبية على طائفة مِن الزيدية، لمّا قُتل زيد بن علي صُلب فصار بعضهم يأتي ويصلي عند خشبته فسُموا بالخشبية، فقد تُطلق على أكثر مِن طائفة.

ثم قال: "والشيعة يزعمون أنّهم ينتحلون حبَّ آل محمد صلّى الله عليه وسلّم دون الناس وكذبوا، بل هم خاصة المبغضون لآل محمد صلّى الله عليه وسلّم دون الناس" وهذا كلام دقيق جدًا، البغضاء الحقيقية وقعت لآل محمد صلّى الله عليه وسلّم مِن قبل الشيعة كما فصّلنا مِن كونهم يتكلموا بالسوء في زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهنّ مِن آله؛ وكونهم يتكلمون بالسوء حتى في ابن عباس والعباس وغيرهم مِن آل بيت النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام، فلم يَسْلَم منهم حتى آل بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، الذين عرفوا قَدْرَ آل البيت هم أهل السُّنَّة الذين تولوا آل البيت وتولوا الصحابة جميعًا رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، ولهذا قال: "إنّما شيعة آل محمد المتقون أهل السُّنَّة والأثر ممن كانوا وحيث كانوا" ولا يعني هذا أنّ أهل السُّنَّة كما يقول بعض الناس يقول: نحن الشيعة! لا، هذه إطلاقات يا أخي، لكن كوننا نتولى آل البيت والصحابة هذا لا إشكال فيه، لكن أنْ يُغير اسم أهل السُّنَّة إلى اسم آخر هذا غير صحيح، لأنّ اسم التشيع على اسم طائفة ضالة، وأهل الحق يُسمون أهل السُّنَّة فلا حاجة، لكن مِن حيث أنّ أهل السُّنَّة هم الذين يوالون آل البيت والصحابة لكن أنْ يغير الاسم هذا غير صواب وغير صحيح، ثم بعد ذلك أكّد على أنّ مَن ذَكَرَ أصحابَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بسوء فإنّه يكون رافضيًّا وكرَّر الكلام الذي سبق الكلام عليه.


(1) هنا يقول الشيخ حفظه الله للقارئ: عندك: "رافضة مِن الروافض"؟ النسخة الثانية "رافضة أخبثُ الروافض" لأنّ عبارة "رافضة مِن الروافض" فيها نوع مِن الزيادة التي ما لها معنى! لكن "رافضة أخبث الروافض" نعم. نشير إلى النسخة.
(2) صحيح البخاري (3671).
(3) صحيح البخاري (3017).
(4) السنن الكبرى للبيهقي (8/ 351) ولفظه: "ويح ابن أم الفضل؛ إنه لغَوّاص على الهَنَات".
(5) صحيح البخاري (2954) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(6) التوبة: 34.
(7) التوبة: 34.
(8) الكافية الشافية (ص: 54).
(9) كلمة غير واضحة.
(10) السُّنَّة لعبد الله بن أحمد (2/ 549).


 مواد ذات صلة: