موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

المكاسب والتجارات وطلب المال

ومَن حرَّمَ المكاسب والتجارات وطلبَ المال مِن وجوهها فقد جهل وأخطأ وخالف؛ بل المكاسب مِن وجوهها حلال فقد أحلها الله عزّ وجلّ ورسولُه صلّى الله عليه وسلّم والعلماء مِن الأمة، فالرجل ينبغي له أنْ يسعى على نفسه وعياله ويبتغي مِن فضل ربه؛ فان ترك ذلك على أنه لا يرى الكسب! فهو مخالف،

 وكل أحد أحق بماله الذي ورثه أو استفاده أو أصابه أو اكتسبه لا كما يقول المُتَّكِلُون المخالفون.


ذَكَرَ هنا رحمه الله قولًا قال به بعض جهلة الصوفية، يقولون: إنَّ المكاسب في الأرض محرمة! ما معنى ذلك؟ حرمة البيع وحرمة الشراء! ولك انْ تتصور لو حَرُمَ البيع والشراء ماذا يحدث؟ لا تستطيع أنْ تأكل ولا أنْ تشرب ولا أنْ تنفق على ذريتك! لكن هذه أقوال الجهلة، والجاهل يقول كلامًا؛ إذا حُرِّمت المكاسب ماذا يفعل؟ كثير مِن مقولات هؤلاء المتصوفة وأضرابهم ليست مِن العلم بسبيل، لأنّ مَن قال: "حَرَّم المكاسب" يعني فيه بإطلاق "والتجارات" بإطلاق مع صريح قول الله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ(1) فكيف يحرم ما أحلَّ الله؟؟ إنما يقال: كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا(2)، المكاسب أنواع منها ما يكون حلال ومنها ما هو حرام كالربا وأنواع البيوع التي نهى الشرع عنها، أمّا أنْ يحرم المكاسب على الإطلاق! ويحرم التجارات على الإطلاق! ويقول: إنَّ طلب المال من ِوجوهها – يعني الشرعية الصحيحة - هذا المراد مِن الوجوه التي أحلها الشرع، يقول: تارة يقولون: طلب المال هذا فيه نوع مِن عدم التوكل على الله؛ وأنَّ الإنسان إذا كان متوكلًا على الله لا يطلب المال! وهذا كما جاء عمر رضي الله عنه أنه دخل المسجد وإذا بأناس قد قَبَعُوا في المسجد وجلسوا فيه، قال ما أنتم؟ قالوا: نحن المتوكلون، فعلاهم بالدُّرَّة، وأخرجهم مِن المسجد، قال: أنتم المتأكّلون(3)، يعني تريدون أنْ تبقوا ومَن أتاكم قال: ما شاء الله؛ هؤلاء المتوكلون، أطعموا المتوكلين، اجمعوا الطعام للمتوكلين، كل ما أتى واحد، تريدون أنْ تقعدوا في المسجد حتى يأتيكم الناس بالطعام فتأكلون وأنتم تقولون: نحن المتوكلون! بل أنتم المتأكلين، وأخرجهم، يقبع الواحد منكم في المسجد ويعلم أنّ السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة!! اذهب واكتسب مِن الوجوه المباحة، والتوكل لا ينافي قطعًا فِعْلَ السبب، لهذا النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم بنفسه باع واشترى، فكيف يُحرم أمر فعله النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم وفعله الصحابة، وهكذا بعضهم يقول: التجارات ما نحرم أصل البيع؛ لكن نقول: الأمور الآن التبست واختلطت وصارت المكاسب فيها إشكالات وصار الربا شديد الفشو والانتشار والمعاملات المشبوهة كثيرة! نقول: لو كانت المعاملات المشبوهة بالملايين اتركها، وابحث عن معاملة واضحة جليّة بيّنة، لا تشتري إلّا حلالًا ولا تبع إلّا حلالًا، واترك عنك الحرام واترك عنك الربا والغرر وأنواع الغش والتدليس وأنواع البيوع التي لا تصلح، إذا باع كثير مِن الناس واشترى بالحرام؛ فبِعْ أنت واشتري بالحلال، أما أنْ تقول: المكاسب بأسرها حُرِّمَتْ! هذا بالحقيقة يتطرق إلى نوع مِن القدح بالله مِن حيث لا يشعر هؤلاء الجهلة، لأنَّ الله تعالى قد تكفّل برزق عباده، فإذا كان تكفل برزق عباده وجعل المكاسبَ كلها حرامًا؛ فماذا يفعل الناس برزقهم؟ فيترك الإنسان هذه المكاسب حتى يهلك ويموت؛ ويموت مَن تحت يده بدعوى أنَّها محرمة! إنْ كان كثير مِن المعاملات المحرمة؛ فهناك - ولله الحمد - كثير وكثير مِن المعاملات الجلية الواضحة المباحة التي فيها البركة وفيها الرزق الحلال، لكنّ الجاهل مِن المتصوفة والمخرفين وأمثالهم يقع عندهم مثل هذه الأمور، والعجيب أنَّ طائفةً مِن المتصوفة عندهم - حتى في كتبهم كما في اللمع وغيرها - عندهم تَرْكُ هذه المكاسب؛ ثم يتركون البيع الذي فيه عِزّة النفس، الآن إذا اشتريت مِن أحد بضاعة وأعطيته المال؛ هل تنكسر نفسك؟ لا تنكسر نفسك، هو أعطاني سلعة وأنا أعطيتُه مالًا، هم يقولون بمثل هذا الكلام ثم يعظمون مِن شأن ماذا؟ مِن شأنّ التسول، يعظمون مِن التسول، يقول: على الإنسان أنْ يتسول أفضل له! لأنَّ المتسول يكون تارةً يأتي مَن ينهره ويأتي مَن يدفعه؛ يقول: فيعظم قدْرُه، يا لله العجب! سبحان الله العظيم! ماذا يفعل الجهل بأهله، وذكروا طريقةً - هذا ذكره صاحب اللمع – لهم؛ أنَّ الواحد منهم يقبعون ويجلسون في بيت، ثم يأخذ سلةً ويمرُّ بأهل السوق ويعرفونه يقولون: هؤلاء المتصوفة وهؤلاء العبّاد هؤلاء الزهاد؛ فيأتي أهلُ السوق ويضعون في السلة، هذا يعطيه خبزًا وهذا يعطيه طعام، ثم يقول: يأتي برزقٍ حلالٍ لأصحابه في الدار! رزق تسول؟ يا سبحان الله العظيم! أنت الآن تحرم المكاسب؛ تقول: هؤلاء مكاسبُهم محرمة! هؤلاء الذين مكاسبهم محرمة هم الذين أعطوك بالتسول! ولهذا نسأل الله العافية بعضهم يُعَظِّم التسول، يقول: ينبغي أنْ يبقى حتى يُهان ويُدفع ويُطرد مِن طريق التسول، فنسأل الله العفو والعافية يا إخوة، نقول: السُّنَّة نعمة عظمى للعبد، لا نعمة أعظم مِن نعمة الدين على الإطلاق، حتى لو كان الإنسان مريضًا لا يتحرك منه ساكن، يبقى على ظهره خمسين سَنَة وهو على السُّنَّة فهو في خير، إذا نظرتَ هذه الأقوال المضلة أقوال الرافضة، أقوال الجهمية، أقوال المعتزلة، تخاريف الصوفية، أقوال الليبرالية، أقوال الشيوعيين، تحمد الله على هذه السُّنَّة التي أنت فيها وتسأل الله الثبات، لهذا لمّا ذَكَرَ ابن القيم رحمه الله تعالى جملةً مِن أقوال هؤلاء الضالين قال: "فاحمد إلهك أيّها السُّنِّيّ إذ عافاك مِن تحريف ذي بهتان"(4)، احمد الله على هذه السُّنَّة، أنت إذا نظرت في هذه الأقوال تتعجب منها، بعضها قد يضحك الإنسان منها، لكن هذا الذي تضحك منه دينٌ عند غيرك! يتدين لله تعالى به - نسأل الله العافية والسلامة -، فسلِ الله تعالى الثبات، واحرص على البعد عن أيّ أمرٍ يزلزلك عن هذه السُّنَّة مِن الشبهات وأضرابها، فإنَّ أُناسًا انفتحت عليهم هذه الشبهات وصار هذا الذي أنت بفطرتك وبسنتك التي نشأت عليها تتعجب منها وتستغرب منها؛ صاروا الآن واقعين فيها - نسأل الله العافية والسلامة -، فنعوذ بالله مِن زيغ القلوب، ونسأله الثبات على السُّنَّة والعفو والعافية، لهذا قال رحمه الله تعالى: "المكاسب مِن وجوهها حلال، فلقد أحلها الله عزّ وجلّ ورسوله صلّى الله عليه وسلّم والعلماء مِن الأمة، فالرجل ينبغي له" لاحظ بعبارة "ينبغي" بعض الناس يظنّ أنَّ عبارة "ينبغي" على سبيل الاستحباب وعند النهي على سبيل الكراهة اليسيرة! هذا غير صحيح، إذا قلتَ: ما ينبغي أنْ تفعل هذا معناه يحرم أنْ تفعل هذا، ألا تقرؤوا قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا(5) فهذا مِن أنواع النهي، ولمّا ذكره اللهُ تعالى في هذا المقام فهو مِن أنواع النفي العظيم، ولهذا قوله صلّى الله عليه وسلّم: «لا ينبغي أنْ تُعْمَلَ المُطِيُّ إلّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى»(6) يعني لا يجوز أنْ يُشد الرَّحْلُ إلّا إلى هذه المساجد، يعني بعضهم قال: إنَّ قول "لا ينبغي" يدل على التخيير، هذا غير صحيح، بل قوله "لا ينبغي" يدل على شدة المنع وعظم المنع والتحريم.

ثم قال: "ينبغي له أنْ يسعى على نفسه وعياله، ويبتغي مِن فضل ربه؛ فإنْ ترك ذلك على أنَّه لا يرى الكسب فهو مخالف" بهذا القيد، إنْ ترك البيع والشراء على أنَّه لا يرى ولا يستحل الكسب فهو مخالف، أما إنْ ترك ذلك لأنَّه مستغنٍ لأنَّ عنده مثلًا مزارع وعنده مال يكتسب منه ومستغني منه ما في إشكال، لا يقال: لابُدّ أنْ تبيع وتشتغل! لا يمكن أنْ يبيع كل الناس ويشتري كل الناس، لكنّ المقصود أنَّ الذي ليس عنده ما يقيت نفسه وعياله إذا ترك المكاسب؛ فإنَّه على خلاف الحق.

ثم قال: "وكل أحدٍ أحق بالمال الذي ورثه" المال الذي يأتيك أنت أحق به، إما أنْ ترثه إرثًا شرعيًا، أو أنْ تستفيده وتصيبه وتكسبه بالوجوه الشرعية "لا كما يقول المتكلمون المخالفون" هناك طائفة خبيثة تدعى اليوزبكية - أصحاب يوزبك - يرون أنَّ المال مشترك، فمَن قدر على المال فليأخذه بأي وجه! بل يرى المنوية - هم كلهم مِن المجوس الفرس - أنَّ المال والنساء أمرٌ مشترك! وهذا الذي عليه الشيوعيون، الشيوعية قائمة في نهاياتها على أنَّ المال يشيع - نسأل الله العافية - وتشيع النساء، فلا يبق أحد له زوجة ولا يبق أحد له مال! موضوع النساء موضوع بشع وشديد، يرون - نسأل الله العافية - شيوع النساء؛ وأنَّه ليس هناك شخص له زوجة! وإنما جميع النساء كلهن حلّ - نسأل الله العافية والسلامة - ثم يقولون: وهم التقدميون ويسمون غيرَهم الرجعيين! أخسُّ الناس عقلًا هذا الذي يفكر بهذه الطريقة؛ أنْ يجعل النساء - نسأل الله العافية - على هذا الحدّ ويوصل البشرية إلى هذا، ولله الفضل والمنّ ما مكثتِ الشيوعية إلّا سبعين سَنَة ثم هوت في زبالة التاريخ إلى غير رجعة بإذن الله، لكن أساس الفكرة عند اليوزبكية وعند المانوية مِن المجوس الفرس؛ أنَّ هذه الأمور مشاعة؛ وأنَّ مَن قدر عليها فهو أحق بها! فلا شكّ أنَّ هذه المقولة خبيثة وقبيحة، وهي مِن أهل الكفر قديمًا وحديثًا.


(1) البقرة: 275.
(2) البقرة: 275.
(3) شعب الإيمان (2/ 429) بنحوه.
(4) الكافية الشافية (ص: 25).
(5) مريم: 92.
(6) صحيح. النسائي (1430) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا. الإرواء (141/ 4)


 مواد ذات صلة: