موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

الصحابة رضي الله عنهم

ومِن السُّنَّة الواضحة البيّنة الثابتة المعروفة؛ ذِكْرُ محاسن أصحاب رسول الله كلهم أجمعين، والكفّ عن ذكر مساوئهم التي شجرت بينهم، فمَن سَبّ أصحابَ رسول الله، أو أحدًا منهم، أو تنقّصه، أو طعن عليهم، أو عرَّض بعيبهم، أو عاب أحدًا منهم بقليل أو كثير أو دِقّ أو جِلّ مما يتطرق به إلى الوقيعة في أحد منهم؛ فهو مبتدعٌ رافضيٌّ خبيثٌ مخالفٌ لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا، بل حُبُّهم سُنَّة، والدعاء لهم قُربة، والاقتداء بهم وسيلة، والأخذ بآثارهم فضيلة.

وخيرُ الأمة بعد النَّبيِّ أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، وقال قوم مِن أهل العلم وأهل السُّنَّة: وخيرهم بعد عثمان علي، ووقف قوم على عثمان، وهم خلفاء راشدون مهديّون، ثم أصحاب رسول الله بعد هؤلاء الأربعة خيرُ الناس، لا يجوز لأحد أنْ يذكرَ شيئًا مِن مساوئهم، ولا أنْ يطعن في واحد منهم بعيب ولا نقص ولا وقيعة؛ فمَن فَعَلَ ذلك فالواجب على السلطان تأديبُه وعقوبتُه، ليس له أنْ يعفوَ عنه، بل يعاقبه ثم يستتيبه؛ فإن تاب قُبِلَ منه، وإنْ لم يتب أعاد عليه العقوبة، ثم خَلَّدَه الحبسَ حتى يتوب ويراجع، فهذا السُّنَّة في أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم.


ذكر هذا الأمر العظيم المتعلق بالصحابة رضي الله عنهم والاعتقاد فيهم، ولاحظْ أنه قال: "ومِن السُّنَّة" ينبغي أنْ يُعرَفَ أنّ كلمة السُّنَّة إذا أطلقها علماء العقيدة؛ فإنهم لا يعنون بالسُّنَّة المعنى الشائع عند علماء أصول الفقه، لأنّ السُّنَّةَ عند علماء أصول الفقه هي ما يُثاب فاعله ولا يُعاقب تاركه، أما إذا قلنا في العقيدة: السُّنَّة كذا؛ فمعناه الاعتقاد الحق الذي مَن خالفه فهو مبتدع، ولهذا الإمام أحمد وغيره كانوا يقولون: السُّنَّة عندنا ثم يبدؤون في ذكرِ أمورِ الاعتقاد مِن القَدَر والصفات ونحوها، فقوله "مِن السُّنَّة" أي العقيدة التي إذا خالف فيها المرء فإنه يكون مبتدعًا، وهي عقيدة واضحة بيّنة ثابتة معروفة، هكذا وصفها، يعني أنها على هذا النحو مِن الجلاء والوضوح.

"ذكرُ محاسن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلهم أجمعين، والكفّ عن ذكرِ مساوئهم والذي شجر بينهم" هذا الموضع يحتاج إلى شيء مِن الإطالة والتبيين وبسط الأمر، لأنّ ثمة خطرًا كبيرًا يتطرق إلى الاعتقاد تَشُنُّهُ الرافضة ويَشُنُّهُ مجموعة ينبغي أنْ نعلم أنهم مِن المرتزقة، واعلم أنّ الرافضة منذ أَمَدٍ بعيد يشترون ذممَ أناس ينتسبون للسُّنَّة فيكونون في وسط السُّنَّة كأنهم مِن أهل السُّنَّة وهم قد اشتُريت ذممُهم وصاروا يتحدثون بالشُّبَه عن الصحابة رضي الله عنهم؛ ولا يظهر منهم أنهم رافضة في الظاهر عند العامة! ولكن سيأتينا إنْ شاء الله تعالى أنْ مَن سلك هذا المسلك فإنه يُعَد رافضيًا - في التعريف الشرعي -، وقد ذكر شيخ الإسلام أنّ سِبْطَ ابن الجوزي - ليس الحافظ نفسه ابن الجوزي المعروف - ولكن ذكر أنّ سِبْطَه كان يُصانع الفِرَق، يعني كان يكتب كتابات للفرق وكان يصانع الرافضة، المصانعة تدل على نوع مِن المداهنة، والمداهن يريد شيئًا، ولهذا ذَكَرَ الشعبيُّ رحمه الله قال: لو أرادتُ أنْ يملأ الخشبية - يعني الرافضة - بيتي ذهبًا وفضة لفعلوا؛ على أنْ أكذب على عليّ(1)، لأنهم يريدون أحدًا أنْ يكذب على عليّ ويقول: قال عليّ رضي الله عنه كذا! ويؤسس لكلامهم الباطل، يقول: يملؤون بيتي ذهبًا وفضة، ولا يزال إلى الآن عملاء الروافض إلى يومك هذا يُظهرون أنهم مِن أهل السُّنَّة ويقولون بنفس قول الرافضة؛ فيجري خطرُهم على عوام المسلمين أكثر مِن خطر الرافضة، وتتطرق الشُّبَهُ إلى عامة أهل السُّنَّة أكثر مِن تطرقها إلى الرافضة، ولهذا تجد أنّ الرافضة يُثنون على أشخاص معينين ويمدحونهم، بل يقولون: إنَّ هؤلاء كأنهم شيعة، وصَدَقوا، أما في هذا فصدقوا، لأنهم يُرَدِّدُون الشبه التي تريد الشيعة أنْ تردد في أوساك أهل السُّنَّة لكن يكونون كأنهم مِنّا؛ وكأنهم يتحدثون حديث طالب العلم الذي ربما يُظهر أنه منصف؛ وأنه إنما يريد الحق؛ وإنما حرصُه ودأبه على السُّنَّة؛ وربما نقض الرافضة مِن باب المصانعة واللعب وذرِّ الرماد في العيون وكأنه ليس برافضي، لهذا لابُدّ مِن البحث في الحقيقة لهذا الموضوع الخطير جدًا، والتبيين له بجملة مِن المسائل التي تُبين وتوضَّح، حتى نصل في نهاية المطاف إلى الحكم فيمن تَعَرَّضَ للصحابة رضي الله تعالى عنهم بالتفصيل.

أول فقرة ينبغي أنْ تُذكر هي تعريف الصحابي، الصحابي تعريفُه - الذي عليه جماهير أهل العلم مِن أهل الفقه والأصول والاعتقاد -: أنّ الصحابيَّ هو مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مؤمنًا به ومات على ذلك، مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مؤمنًا به ومات على ذلك، قولنا: مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم يُخْرِجُ مَن لم يلقَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم ولم يَشْرُفْ بالمجيء إليه صلوات الله وسلامه عليه ولقياه - وإنْ كان معاصرًا للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم -، يعني قد يُسْلِم الواحد في البادية ولا يَقْدُمُ على النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام فلا تثبت له الصحبة في مثل هذه الحال لأنه لم يلق النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، ولقياه للنَّبيِّ سواء أكانت برؤية بأنْ يراه ولو بأدنى وقت أو إذا كان أعمى بأنْ يكون حاضرًا - كما كان مَن كان مكفوفًا مِن الصحابة رضي الله عنهم فلم يَرَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بعينه -، المهم أنْ يكون لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، مؤمنًا به: هذا القيد الثاني، لأنه قد يلقى النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أناس ليسوا بمؤمنين كاليهود أو كفار العرب مِن كفار قريش وغيرها فهؤلاء لا يسمون صحابة، ليسوا مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وأيضًا يخرج بهذا القيد يخرج المنافقين، المنافق في الواقع ليس مِن الصحابة حتى لو قيل: إنه مسلم في الظاهر؛ وأطلق عليه اسم صحبة في الظاهر! فإنه لمّا اطلق عليه اسم الإسلام؛ والصحابي هو مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم رُتِّبَ على هذا بحسب الظاهر أنه مِن أصحاب النَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لكن في الواقع ليس مِن الصحابة لأنه كافر، المنافق النفاق الأكبر هو عند الله كافر لأنّ الله مطّلع على قلبه، لكن في الدنيا يُعامل بأحكام المسلمين، يتزوج المسلمة، ويرث أخاه المسلم، يرث المسلم - وإنْ لم يكن على دينه بحسب الظاهر -، يدفن مع المسلمين، يُصلى عليه، يغسل، لأنه مسلم في الظاهر، أما عند الله عزّ وجلّ فإنه كافر، المنافق حقيقته كُفْرٌ، لكن رب العالمين أمرنا أنْ نتعامل بحسب الظاهر، بل عاملهم النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم بنفسه بحسب الظاهر، فإذا وجدتَ في الحديث أنّ أناسًا مِن أصحاب رسول الله كان فيهم نفاق فالمقصود أنه لمّا حُكِمَ لهم بالإسلام حُكِمَ لهم بالصحبة تبعًا لذلك، لكنْ في الظاهر، ومِن أهم الأدلة في الحقيقة التي تدلك على أنَّ المنافقين ليسوا مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ تستحضر هاتين الآيتين، يقول عزّ وجلّ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(2) فحَكَمَ اللهُ أنّ المؤمنين حقًا هم المهاجرون والأنصار، المنافق إذا تاب يقول عزّ وجلّ: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (145) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ(3) إذا تاب المنافق زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن نفاقه فإنه يكون مع المؤمنين، مَن هم المؤمنون؟ المؤمنون بيَّنهم اللهُ عزّ وجلّ بقوله في المهاجرين والأنصار: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(4)، فالمهاجرون والأنصار - بنص القرآن - هم المؤمنون حقًا، والمنافق إذا تاب يكون مع المؤمنين حقًا، فدلَّ على أنه قَبْلَ أنْ يتوب كان ليس مع المؤمنين، وبالتالي ليس معدودًا في الصحابة، فإذا جمعت الآيتين هاتين عرفتَ أنّ المنافق لا يستحق أنْ يُوصف بالصحبة إلّا في الظاهر، كما أنه يُوصف بالإسلام في الظاهر، أما حقيقة الصحبة فهي مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مؤمنًا به، ومات على ذلك بأنْ يثبت، أما لو ارتد كما حصل للمرتدين فإنهم لا يُعَدّون مِن الصحابة، لابُدّ أنْ يموت على الإسلام وأنْ لا يرتد، فهؤلاء كما نصَّ أهلُ العلم الذين شَرُفُوا برؤية النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ولو أدنى وقت ولو ساعة أو أقل مِن الساعة، هؤلاء أفضل الأمة على الإطلاق، حتى قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: "إنَّ مَن رأى النَّبيَّ أدنى رؤية أفضل مِن الجيل الذي يأتي بعده مِن التابعين؛ ولو لقوا اللهَ عزّ وجلّ بكل الأعمال الصالحة"، لأنّ مَن شَرَّفَه اللهُ تعالى بصحبة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم فقد شَرَّفَه بأمر عظيم، والصحابة - كما قال ابن مسعود رضي الله عنه -: "قومٌ اختارهم الله لصحبة نبيّه"(5) صلّى الله عليه وسلّم، يعني كون أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والمهاجرين والأنصار كانوا ذاك الوقت الذي كان زمن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم معاذ الله أنْ يكون ذلك اعتباطًا! هؤلاء اختيروا اختيارًا مِن رب العالمين سبحانه وتعالى، اختارهم الله ليَشْرُفوا بصحبة نبيهم صلّى الله عليه وسلّم، كما قال ابن مسعود: "إنَّ الله نظر في قلوب العباد فرأى قلبَ محمد صلّى الله عليه وسلّم أفضلَ القلوب، ونظر فرأى افضل القلوب قلوب أصحابه؛ فأولئك قوم اختارهم الله لصحبة نبيّه"(6) صلّى الله عليه وسلّم، هذا معنى الصحبة، إذا عرفتَ معنى الصحبة تبيّن لك بقية الكلام الآتي إنْ شاء الله تعالى، فالصحابي هو مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مؤمنًا به ومات على ذلك.

الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم الآيات الواردة عنهم في القرآن كثيرة جدًا جدًا، وسنذكر جملة - إنْ شاء الله تعالى - مما يُفيد طالبَ العلم عن موضوع الصحبة في القرآن، موضوع الصحبة في القرآن موضوع بالغ الأهمية، وهو المرتكز الأكبر للرد على الرافضة وعلى كل مَن يقدح في الصحابة رضي الله عنهم، فنقول: مِن أسماء الصحابة التي سمّاهم بها الله تعالى بها الدالة على صدقهم رضي الله عنهم وعلى إيمانهم قول الله تعالى عن المهاجرين والأنصار: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(7) فشهد لهم بالإيمان وأنه إيمان حق، لذلك تسمية الله تعالى مَن انتقل مِن مكة إلى المدينة مع النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم تسميتهم بالمهاجرين وقَرَنَ الهجرة بالفقر في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ(8) هل الفقر مَدْحٌ؟ الفقرُ هذا أتاهم بسبب أنهم تركوا دنياهم لأجل دينهم فصار مدحًا فقال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ(9) إذا أُخْرِجَ الإنسانُ مِن دياره ومِن ماله ماذا يكون؟ يكون فقيرًا، هذا الفقر أتاه لأنه آثر دينَه على دنياه، فلهذا قَرَنَ اللهُ تعالى بين الفقر هنا والهجرة لأنّ الفقرَ هنا نشأ عن احتسابهم وتقديمهم دينَهم على دنياهم: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ(10).

رب العالمين يعلم غيب القلوب، هذا الذي خرج مِن داره وماله ما مقصده؟ ما هدفه؟ أمرٌ قلبي، لا يُعلم ماذا يريد، قال تعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا(11) فحَكَمَ اللهُ على قلوبهم بأنّ مقصدَهم ابتغاء رضوان الله تعالى وفضلِه، ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ(12) يعني أنهم قد أكرمهم الله بصلاح القلوب وإخلاصها، ثم إنهم نصروا دين الله عزّ وجلّ ولم يقتصروا على الإخلاص وحده، بل جاءوا للنصرة لدين الله عزّ وجلّ، فلما كانوا بالمقام الأعلى قال: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(13)، فسمى المهاجرين بالصادقين، وهذا الاسم الثالث، والصادقون مَن هم؟ قال الله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(14) فحَكَمَ اللهُ بأنّ الصادقين هم الذين ينجون في الأخرة، وحكم الله للمهاجرين بأنهم الصادقون وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ(15) والصادقون بنص القرآن هم المهاجرون، يعني المهاجرون مِن الصادقين، ولمّا قالت الأعراب: آمَنّا قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (14) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ(16)، اجمع الآيات هذه تعرف أنّ المهاجرين مَن آمن بالله ورسوله ولم يَرْتَبْ وجاهدوا في سبيله وأنهم ينجون بنص القرآن في الآخرة ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ(17) لأنّ الله تعالى سمى المهاجرين بالصادقين، مِن الأسماء التي سمى الله تعالى بها الصحابة الأنصار، الأنصار أُطْلِقَ عليهم هذا الاسم لأنهم نصروا النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم وآووه وآووا المؤمنين، ورمتهم العرب عن قوس واحدة، ولهذا في معركة الأحزاب داهمت العربُ المدينةَ، والأنصارُ قوم ليس بينهم وبين النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قرابةُ نَسَبٍ لأنّ الأنصار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم ليسوا مِن قريش، لكنّ الله مَنَّ عليهم وأكرمهم باتّباع هذا النَّبيِّ الكريم فسمّاهم الله تعالى بالأنصار، لهذا في البخاري أنّ أنسًا رضي الله عنه قيل له: أرأيت هذا الاسم "الأنصار" اسم سُمّيتم به أم سماكم الله؟ قال: "بل سمّانا الله"(18)، هذا الاسم سمّى اللهُ تعالى به أهل المدينة الذين آووا النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم، قال تعالى في شأن هؤلاء الأنصار: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ(19) يعني مِن قَبْلِ المهاجرين: ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(20) وهذا الاسم الخامس، بيَّن تعالى أنّ الأنصار مفلحون؛ وأنّ المهاجرين صادقون، والمفلحون بنص القرآن هم حزب الله ﴿أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(21)، إلى غير ذلك مِن الأسماء العظيمة التي سمى اللهُ تعالى بها هؤلاء الأخيار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، قلوبهم زكّاها الله كما قلنا في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا(22) ذكرها تعالى في المهاجرين وذكرها في أهل الحديبية وأهل الحديبية، وأهل الحديبية كانوا بايعوا عام الحديبية وهم أكثر مِن ألف وأربعمئة مِن المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم وأرضاهم، وقال عزّ وجلّ في أهل الحديبية أيضًا: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا(23) فعَلِمَ الله ما في قلوبهم مِن الصدق والإخلاص فأكرمهم وكافأهم بإنزال السكينة عليهم وأثابهم الفتح القريب، ولمّا كانت بعض المواقع عسرة وصعبة قال تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا(24) قالوا: هي خيبر؛ مَكَّنَهم الله تعالى بها مع صعوبتها، أحاط الله بها وأعانهم عليها -عزّ اسمُه.

ولمّا كان هؤلاء الأخيار رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم أعظم مَن حقق التوحيد بعد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قال عزّ وجلّ فيهم: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا(25) كلمة التقوى هي "لا إله إلّا الله" فكانوا أحق بـ "لا إله إلّا الله"، وهم أهل "لا إله إلّا الله" ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا(26)، ما الذي وعد الله هؤلاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم؟ قسم الله عزّ وجلّ الصحابة إلى قسمين اثنين:

القسم الأول: مَن آمن قَبْلَ الحديبية، القسم الثاني مَن آمن بعد الحديبية، فقال عزّ وجلّ: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا(27) ثم قال - ويا لعظم هذه الآية وما أشدها على الرافضة وعلى عملائهم – ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(28)، الحسنى هي الجنة، ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ(29) أهل الفتح المقصود بالفتح الحديبية ﴿مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا(30) فأثبت الله لمَن آمن قبل الفتح ولمَن آمن بعد الفتح أثبت لهم الدرجة العالية التي تكون للمؤمنين، لكنّ مَن آمن قبل الفتح أعظم بدرجته، أما الدرجة فللجميع، درجة علية عند الله عزّ وجلّ ثم قال: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(31) فهم موعودون جميعًا بالجنة، وقال عزّ وجلّ في أكثر مِن موضع عن الصحابة رضي الله عنهم: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(32) فأخبر برضاه تعالى عنهم وبرضاهم عنه رضي الله تعالى عن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أجمعين.

لأجل ذلك كانت الآيات الواردة في أصحاب النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام كثيرةً جدًا، ومِن ذلك تسميةُ زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بأمهات المؤمنين: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(33) ما الذي يجعل عائشة وحفصة وخديجة وصفية لا نقول: قريبة! نقول: أُمًّا لك أيّها المؤمن إلى قيام الساعة، الذي يجعلها أُمًّا رابطة أعظم مِن رابطة الأمومة المعروفة، الأمومة إما أنْ تكون مِن جهة النسب أو مِن جهة الرضاعة، إنها جهة الإيمان، فجعل الله تعالى أمومة زوجاتِ محمد صلّى الله عليه وسلّم آتية مِن جهة الإيمان، وهي أشرف – جهة الإيمان - مِن النسب ومِن الرضاعة، وربط الرب عزَّ اسمُه أمومتهن برسول الله فقال: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ ثم قال: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾، فكما أنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أولى بالمؤمنين فزوجاتُه صلّى الله عليه وسلّم أمهاتُ للمؤمنين، النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم ليس أولى بالكافرين! وزوجاتُه ليست أمهات للكافرين! ولهذا قال تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ لا بالكافرين، ﴿أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(34) أي أمهات للمؤمنين، ولهذا لَمّا قيل لعائشة رضي الله عنها: إنَّ رجلًا يقول: إنَّ عائشة ليست أمي! قالت: "صدق، أنا أم للمؤمنين ولست أُمًّا للمنافقين"(35)، الذي يقول: عائشة ليست أمي! نقول" أنت صادق، أنت أعرف بنفسك، لكن أبشر أنك لست مِن أهل الإيمان، لأنك لو كنت مِن أهل الإيمان لقلتَ: أمي، الرابطة التي جعلت زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أمهات هي رابطة الإيمان بنص القرآن، ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ(36) فالذي يقول: أنا لا أرى فلانة منهن أُمًّا لي! نقول: أنت أعلم بنفسك، لكنك الآن أفصحت أنك لست مِن المؤمنين، لأنّ زوجات محمد أمهات للمؤمنين بنص القرآن، فمن قال: إنهن لَسْنَ أمهات لي! نقول: أنت أدرى بنفسك، ولكن قد أفصحت أنك لست مِن المؤمنين، وإلّا لو كنتَ مِن المؤمنين لَكُنّ أمهاتٍ لك.

عند ذلك نعرف حكمَ سَبِّ الصحابة رضي الله عنهم، سَبُّ الصحابة على درجات خمس، ذكرها شيخ الإسلام:

الدرجة - التي هي محل إجماع عند أهل اعلم رحمهم الله تعالى -: أنّ تفسيق الصحابة أو الطعن فيهم جميعًا أو الطعن في أكثرهم إلّا خمسة يعددها الرافضة يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: إنَّ مَن فَسَّقَ جميع الصحابة أو كَفَّرَهم جميعًا إلّا نفرًا قليلًا كافرٌ كفرًا أجمع عليه المسلمون، ما السبب؟ هل مَن كفَّرَ أحدًا كفر؟ السبب في هذا أنَّ تكفيرَ الصحابة أو تفسيقَهم تكذيبٌ صريحٌ للنصوص التي سمعتَ ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(37) الصادقون، المفلحون، المهاجرون، الأنصار، رضي الله عنهم ورضوا عنه، فعَلِمَ ما في قلوبهم، وكانوا أحقَّ بها - يعني بـ "لا إله إلّا الله" وكانوا أحق بها وأهلها، الذي يكون أحق بـ "لا إله إلّا الله" وأهل "لا إله إلّا الله" يكون كافرًا؟ الذين قال الله فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(38) يأتي إنسان يقول: هم الكافرون حقًا!! هذا القائل يكون مسلمًا؟ لا يكون مسلمًا، قال شيخ الإسلام بإجماع أهل الإسلام وبإجماع علماء أمة محمد صلّى الله عليه وسلّم، لأنَّ المسألة ليست تكفيرًا لشخص أو تكفيرًا لدولة أو تكفيرًا حتى لملايين الناس فقط! إنَّما المسألة في المقام الأول تكذيبٌ للقرآن الذي ذَكَرَ هذه الأسماء العظيمة للصحابة رضي الله عنهم وفيها البرهان الجليّ على إيمانهم وصِدْقِهم عليهم رضوان الله؛ ثم يأتي ليقول: إنَّهم كافرون حقًا! والله يقول: ﴿هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا(39)، يقول: إنَّهم ليسوا مِن أهل "لا إله الله"!! والله تعالى يقول: ﴿وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا(40)، يقول: إنَّهم في النار!! والله تعالى يقول: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى(41) وهي الجنة، يقول: قد سخط الله عليهم وغضب!! والله يقول: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ(42) فمَن قال هذا فإنَّه يكفر، يقول شيخ الإسلام كفرًا معلومًا أجمع عليه علماء المسلمين، بل قال رحمه الله: مَن لم يُكفّر هذا الصنف فإنه يكون كافرًا، لأنَّ هذا مكذبٌ للقرآن، يعني أرأيتَ لو أنَّ إنسانًا قال: الصلاة ليست واجبة والخمر مباح! لا شكّ أنَّ هذه المقولة كفرية، لأنَّ الخمر محرمٌ بنص القرآن، والصلاة واجبة بنص القرآن، فهذا يكفر، إنْ كان جاهلًا لا يَعِي ولا يدري كحديث عهد عُلّمَ؛ أما أنْ يكون هذا مِن مسلم! فيستحيل أنْ يكون مسلمًا، فإذا قال أحد: أنا أقول: إنَّ الصلاة واجبة لكن هذا الذي قال: إنَّ الصلاة ليست بواجبة؛ أنا لا أُكفره، هذا أمرٌ معلوم مِن الدين بالضرورة، أنت لا تكفره لجهله أو لكونه يحتاج أنْ يُعلّم هذا أمرٌ؛ ولكن أنْ تقولَ: إنَّ مثل هذا لا يُكفَّر! هذا كفره صريح، ومِن ذلك ما قال الله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ(43) النصارى مُكفَّرون بنص القرآن، فمن قال: إنَّهم مؤمنون! فقد حَكَمَ لكفارٍ كَفَّرَهم اللهُ بالإيمان! الحاصل أنَّ هذه الصورة كفر بالإجماع.

الصورة الثانية: مَن أبغض الصحابة غيظًا - اغتاظ منهم – فقد نصَّ الله تعالى أنَّها لا تكون إلّا مِن الكافرين، لمّا قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا(44) إلى أنْ قال الله سبحانه: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ(45) ثم قال: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ(46)، قال الإمام مالك رحمه الله وتلقى هذا منه - كما قال ابن كثير - أهلُ العلم وقاله غير مالك وأيدوه قال: مَن أبغض أصحابَ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وأغاظوه فليس له نصيبٌ في الفيء(47)، لأنَّ الفيءَ قال تعالى - لمّا ذكر الفيء: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ(48) الآية ثم قال: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ(49) هذا الصنف الأول الذي يُعطى مِن الفيء ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ(50) هذا الصنف الثاني وهم الأنصار، ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ(51) بعد المهاجرين والأنصار: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(52) الآية، هؤلاء أصحاب الفيء، ثلاثة أصناف، المهاجرون والأنصار والآتون بعد المهاجرين والأنصار على هذا السَّمْت وعلى هذا الهدي يقولون: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(53) أما الذين يغتاظون منهم؛ فهم بنص القرآن هم الكفار، وما الذي يجعل المرء يغتاظ مِن أناس تركوا ديارَهم وأموالَهم وقاتلوا دون النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم حتى قُتلَ منهم عددٌ دون النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وفتحوا مكة مع رسول الله صلّى الله عليه وسلّم؛ ثم لمّا ارتدّ مَن ارتد مِن أجلاف العرب قاتلوهم حتى أعادوا الجزيرةَ العربيةَ إلى الإسلام، ثم انطلقوا في الأمصار وأسقطوا دولة الرُّوم وفتحوها ودخلها الإسلامُ، وأسقطوا دولة الفرس ودخلها الإسلامُ، مَن يغتاظ مِن هؤلاء؟ ما يغتاظ إلّا كافر، ولهذا قال صلّى الله عليه وسلّم: «الأنصار لا يحبهم إلّا مؤمن، ولا يبغضهم إلّا منافق»(54).

حاصل الأمر أنَّ هاتين الصورتين كفرٌ بدلالة النصوص القرآنية العظيمة على كفرِ صاحبهم، ثم ذكر شيخ الإسلام ثلاثة أحوال، منها ما لا يبلغ إلى حدّ الكفر كأنْ يتعرض لأحدهم بأنْ يقول: إنَّه كان يحب الدنيا أو كان بخيلًا أو نحو ذلك، قال شيخ الإسلام: مثل هذا يؤدب أدبًا بالغًا ولا يُكفَّر، لأنَّه لم يتعرض للصحابة رضي الله عنهم مِن حيث هم، ولكن تعرض لبعضهم يقول: هذا كان بخيلًا؛ هذا كان كذا، وعَدَّدَ مساوئهم، فعند ذلك لابُدّ مِن تأديبه، يقول رحمه الله تعالى: به نعلم أمرًا مهمًا جدًا؛ أنّ الرافضة مِن أبعد الناس عن الدليل العلمي، ما السبب؟ لو قيل للرافضة: أعطونا الآيات مِن كتاب الله عزّ وجلّ الدالة على مكانة آل بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، يقولون لك: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى(55)، ما المراد بالقربى؟ قربى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم في قريش كلها - كما فسرها ابن عباس رضي الله عنه -(56)، آية أخرى - وهي سورة يرددونها دائمًا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(57) نقول: مَن أهل البيت؟ ما المقصود بأهل البيت؟ يقول: آل بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، نقول ما الدليل؟ اللهُ ما قال أهل بيت محمد صلّى الله عليه وسلّم! ما الدليل؟ عند ذلك يتوقف الرافضي ولا يستطيع الجواب، لماذا؟ لأنّ هذه الآية جاءت في سياق زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ(58) هذه أول الآية ﴿إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا(59) ثم قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ(60) ثم قال: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ(61) إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(62) ثم قال: ﴿وَاذْكُرْنَ﴾ بنون النسوة ﴿مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ(63) فمَن أهلُ البيت؟ أهلُ بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم قطعًا، أفيهم زوجاته؟ يقولون: لا! سبحان مِن أعمى قلوبكم، الآيات مِن أولها إلى آخرها في زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وقوله تبارك وتعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ مسبوقٌ بذكر زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ومتبوعٌ بذكرهم، ثم تقولون: آل بيتِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ليس منهنَّ زوجاته! الله يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ مَن أهل البيت؟ أهل بيت محمد صلّى الله عليه وسلّم، نعم صحيح، يدخل زوجاته؟ يقولون: لا! السياق ذُكِرَ أصلًا في زوجات رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فكيف لا يدخلن فيه! ولهذا قال قتادة- يقول في السوق -: إنَّ زوجات النَّبيّ - يعني يجهر بهذا - في قوله عزّ وجلّ: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ(64) يقول: قوله تعالى ﴿وَالطَّيِّبُونَ لِلطَّيِّبَاتِ﴾ نزلت في عائشة حتى يُعلِمَ الناس أنّ هذا خبر أريد به في الأساس عائشة رضي الله عنها أنها طيبة لأنّ زوجها طيب صلّى الله عليه وسلّم، وهكذا أمهات المؤمنين، فكيف تكون هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(65) كيف يُخرَجُ منها زوجاتُ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم والسياق فيهنَّ!! ثم نقول للرافضة: أنتم ما عقيدتكم في القَدَر؟ أليست عقيدة المعتزلة؛ وأنتم تقولون: إنَّ إرادة الله لا تتعلق أصلًا بفعل العبد - كما تقدم شرحه -! والله يقول: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ وأنتم قَدَرِيّة كالمعتزلة فلا تَسْلَم لكم الآية! لأنكم تقولون: إنَّ إرادة الله قد لا تقع، قد لا تتحقق، فما استفدتم منها، ما استفدتم مِن هذا؟ الآيات الواردة في الصحابة فيها الجزم بأنهم في الجنة، وفيها الوصف لهم بالصدق والإيمان حقًا وأنهم المفلحون إلى غير ذلك، وفيها الوعد بأنّ الله تعالى رضي عنهم ورضوا عنه، فتتركون جميع هذه الآيات الصريحة وتأتون لآية نزلت في زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم فتُخْرِجُون زوجاتِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها وتريدون الاستدلال! ولذا يقول شيخ الإسلام - وهذه قاعدة في حجج الرافضة – يقول: الرافضة سَدّوا على أنفسهم طرقَ الاستدلال، حتى إنَّ الرافضي مع الخارجي يعجزُ عن أنْ يُجيبَ عن الشُّبَه التي يقولها الخارجي في عليّ رضي الله عنه، لماذا؟ لأنّ الرافضي يطعن في أبي بكر وفي عمر وفي عثمان - رضي الله عنهم - ثم يريد الاستدلال على فضائل عليّ، الفضائل الواردة لأبي بكر وعمر وعثمان تدل على أنهم أفضلُ مِن علي، فإذا رُدَّت النصوص الواردة في أبي بكر وعمر وعثمان لم يستطع الرافضي أنْ يستدل بالنصوص الواردة في علي، لأنّ النصوص الواردة في أبي بكر وعمر وعثمان أكثر وأصرح وأقوى مِن النصوص الواردة في علي رضي الله عنهم أجمعين، فإذا أبى انصياعًا للنصوص الواردة في أبي بكر وعمر وعثمان لم يستطع مع الخارجي أنْ يجيب على شبهه في عليّ، قال شيخ الإسلام: وإنما يَرُدُّ على الرافضي وعلى الخوارج أهل السُّنَّة الذين يثبتون للأربعة ولعموم الصحابة رضي الله عنهم وآل البيت فضائلهم، أما أنْ يأتي رافضي ليردّ على خارجي يعجز، لأنه يترك الآيات الصريحة، وهكذا هنا، الآن الرافضي يريد أنْ يستدل بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(66) نقول: أنت لا تستطيع أنْ تستدل، يستدل بها السُّنِّيُّ الذي يتولى الصحابة والقرابة معًا، أما أنت فالآية أصلًا في زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وذُكِرَ آلُ البيت لأنّ زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن آل البيت عليه الصّلاة والسّلام، فأنت تريد أنْ تستدل بهذه الآية: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ(67) وأنْ تبترها مِن سياقها كله وتخرج زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، فأنت لا تستطيع أنْ تستدل، قال شيخ الإسلام مثل الرافضة في استدلالهم على فضائل علي وقدحهم في فضائل بقية الصحابة مثل النصارى في إرادتهم إثبات نبوة عيسى ورفضهم نبوة محمد صلّى الله عليهما وسلّم، يقول شيخ الإسلام: الأدلة الدالة على نبوة محمد صلّى الله عليه وسلّم أعظمُ وأصرحُ مِن الأدلة الدالة على نبوة عيسى، فلمّا رَدَّ النصارى نبوةَ محمد صلّى الله عليه وسلّم لم يتمكنوا مِن الاستدلال على نبوة عيسى، مَن يستدل على نبوة عيسى؟ المسلمون الذين يُثبتون نبوة محمد ونبوة عيسى عليهما الصلاة والسلام، أما أنْ يأتي أحد ليرُدَّ الأدلة الأعظم والأقوى ويأتي ليستدل بالأدلة التي هي دون هذه الأدلة؛ لا يستطيع ولا يتمكن لأنه يكون متناقضًا، يقال: قد رَددتَ مِن الأدلة ما هو أصرح وتريد أنْ تستدل بالأدلة التي هي دونها في الصراحة، وإنما يستدل على الحق أهل الحق، لأنهم يجمعون جميع النصوص، فيستدل المسلم ويَرُدّ على اليهود قدحَهم في عيسى، ويستدل السُّنِّيُّ ويرد على الخوارج قدحَهم في علي، لأنّ طريقتهم في التعامل مع الأدلة طريقة علمية ليست طريقة انتقائية! أما هؤلاء القوم فلا يحسنون طرقَ التعامل مع الأدلة، ويكون الواحد يريد أنْ يستدل بالدليل الأقل صراحة نقول: الأدلة في الصحابة رضي الله عنهم يدخل قطعًا فيها الصحابة مِن آل البيت كعلي والحسن والحسين والعباس وابن عباس رضي الله عنهم لأنهم شرفوا بالصحبة، فدخلوا في عموم الآيات والنصوص التي فيها فضائل الصحابة، وزادوا مزية القرابة، ولو لم يكونوا مؤمنين لَمَا كانوا صحابة، وكانوا أقارب بدون صحبة، قريبُ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم في زمنه ممن لم يؤمن به لا يسمى صحابيًا! كأبي طالب، استفاد مِن القرابة؟ لم يستفد، فلا يستفيدون مِن القرابة إلّا بإيمانهم بمحمد صلّى الله عليه وسلّم فيكون صحابيًا قريبًا، فيكون له فضلُ الصحبة وفضلُ القرابة، ولو كانت القرابة مجردةً مِن الصحبة يعني في زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم معناه أنه ليس بمؤمن وكان قريبًا للنَّبيّ صلّى الله عليه وسلّم لَمَا انتفع بالقرابة، ومِن هنا فإنّ الرافضة لا تُحسن الاستدلال ولا تستطيع أنْ تستدل بهذه النصوص، ويرددون هذه الآية: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا(68) وهي مما ورد في زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مما قبلها وبعدها، ويريدون أنْ يخرجوا زوجاتِ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم منها، حتى قال بعضهم جهلتهم: إنَّ زوجاتِ النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم ما يصح أنْ يدخلن في آله! فقيل لهم: لمّا جاءت الملائكة تُبشر إبراهيم عليه الصّلاة والسّلام بإسحاق؛ مَن كان في البيت؟ إبراهيم وسارة، فقط، لم يأتهم ذرية، يعني لم يأت ابراهيمَ ذريةٌ مِن سارة وإنْ كان أتاه مِن هاجر اسماعيل، يقول تعالى - لمّا ذكر تبشير الملائكة لإبراهيم وزوجه -: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72) قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ(69) مَن في البيت؟ إبراهيم وسارة، كيف يقال: ليست مِن أهل البيت؟ زوجتك!، وهل زوجتك ليست مِن أهل بيتك! كيف تكون زوجتك ليست مِن أهل بيتك! أنت الآن تقول: أنا سأذهب إلى أهلي، تزوجت الآن ما أتاك ذرية ذهبت إلى أهلي، ذهبت مع أهلي، سافرت مع أهلي، مَن هم أهلك؟ زوجتك، ثم إذا رُزقت ذريةً فإنهم أهل لك، وهكذا، ولهذا في الحديث: «اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم»(70) وفي اللفظ الاخر: «اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته»(71) لأنهم أهل بيته، كيف لا تكون زوجتك مِن أهل بيتك؟ كيف لا يكون زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم مِن أهل بيته؛ والآيات فيهنَّ؟ لكنّ الرافضة أناس لا يحسنون التعامل مع النصوص، ولا يعرفون طرق الاستدلال العلمي الصحيح، ويبقون حائرين، يعني يأتي الخارجي - مع خبث مقولته وخسة قوله ووقاحتها - فيُحيّر الرافضي، يأتي الأمر ردّ، لأنًّه إذا أراد أنْ يستدل بدليل على فضيلة عليّ قال: أنت الآنْ رددتَ الفضائل الدالة على فضيلة أبي بكر وعمر وهي أجلى وأصرح مِن الفضائل الدالة على فضيلة عليّ، خذ هذه الآية، قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ(72) الصاحب عند أهل السُّنَّة وعند الشيعة في هذه الآية بالإجماع هو أبو بكر، فكيف يقول: إنَّ أبا بكر ليس مِن الصحابة؟؟ قال أهل العلم: مَن قال: إنَّ أبا بكر ليس مِن الصحابة يكفر، لأنّ الله نَصَّ على أنّ أبا بكر هو صاحبه في الغار، كيف لا يكون أبو بكر مِن الصحابة - والصحابي هو مَن لقيَ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم مؤمنًا - كيف لا يكون مؤمنًا؟ والله أنزل عليه السكينة كيف لا يكون مؤمنًا: ﴿إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا(73) والذي يكون الله معه ومع رسوله؛ كيف لا يكون مؤمنًا؟؟

الحاصل أنّ الأدلة كثيرة جدًا الدالة على فضائل الصحابة، الضرب لمقام الصحابة رضي الله عنهم لا شكّ أنه يؤدي إلى فَصْلِ الأمة عن سلفها، فإذا طُعِنَ في الصحابة سيُطعن في التابعين تلقائيًا فتبقى الأمة بلا سلف، وبالتالي إذا نُشر مثل هذا في الأمة فهذا في الحقيقة إنه نوع مِن الإفساد في الأرض أخبث مِن قطع الطريق، لأنه يؤدي إلى قطع آخر الأمة عن أولها؛ فتبقى الأمة كأنها لا سلف صالح لها! ولم يكن لها خيرية في السابقين لهم! ولهذا قال الشَّعْبِيُّ رحمه الله: قيل لليهود مَن أفضلُ أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب موسى، وقيل للنصارى: مَن أفضل أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب عيسى، وقيل للرافضة: مِن أَشَرُّ أصحاب أهل ملتكم؟ قالوا: أصحاب محمد!!(74) فعكسوا جميعَ أمورِ الاستدلال، وخالفوا النصوص الصريحة الجلية في القرآن ومنها قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ(75)، هذه الآية لمّا نزلت مَن كان على ظهر الأرض مِن المؤمنين؟ الصحابة، فهم المخاطبون بها قطعًا، جعلهم الله خيرَ أمة على الإطلاق، قال بعض المفسرين: الآية خاصة بالصحابة، ولا يدخل فيها بقية الأمة، لأنّ المخاطبَ بها أصحابُ محمد صلّى الله عليه وسلّم، وقال آخرون مِن المفسرين: الآية قطعًا في الصحابة؛ لكنّ الأمة تدخل تبعًا، فأنْ تجعل أمة محمدًا صلّى الله عليه وسلّم خيرَ أمة وتقول: لكن أَشَرّ الأمة مَن نزلت عليهم الآية!! هذا فِعْلُ مَن لا يفقه ولا يعي ولا يعرف الاستدلال! كيف تكون الآية؟ تجعل هذه الأمة خير أمة والمخاطبون فيها شَرّ الأمة!! مع أننا قلنا: إنَّ بعض المفسرين قالوا: الآية أصلًا فيها في الصحابة تحديدًا ولا يدخل فيها غيرهم، لأنهم الذين خوطبوا بالآية وقت الوحي، يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ﴾ يعني يا أصحاب محمد ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ فالآيات فيهم لا تتجاوزهم، وقال آخرون: معنى الآية فيهم قطعًا، وهم سادة الأمة وأفضلها وهم خيرها لكن تدخل الأمة تبعًا، فالخيرية لابُدّ أنْ تثبت للصحابة أولًا، والخيرية تكون للأمة تبعًا، تكون لبقية الأمة تبعًا للصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

فالأمر عظيم في أمر الصحابة، وفيه تعلم أنّ المسألة بين أهل السُّنَّة والرافضة مسألة كبيرة جدًا ومُدويّة، وليست المسألة يسيرة وسهلة كما يريد أنْ يُسهلها أهل التميع - ما يسمون بأهل التقريب -، لا يمكن أنْ يكون فيها تقريب بين أهل السُّنَّة والشيعة! إلّا إذا اتقى الشيعة ربهم وتركوا باطلهم وعادوا إلى الحق، أما أنْ يقول الرافضي: إنكم ناصبة! ما معنى الناصبة؟ تناصبون آل بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم العداءَ، نقول: خسئتَ وكذبتَ، لا والله ما في أهل السُّنَّة مَن يناصب! وليس مِن أهل السُّنَّة مناصبة العداء لآل بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، بل آل بيت النَّبيِّ نذكرهم بالصلاة عليهم في كل صلاة "اللهم صلّ على محمد وعلى آل محمد" كيف يكون أهل السُّنَّة معادون لآل بيت النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وهم الذين يذكرون فضائلَهم ويُعددون مناقبهم ويجعلونهم كغيرهم مِن الصحابة رضي الله عنهم؛ وإنما المسألة مسألة مفاضلة بما فضل الله، قال: لا ينفعك هذا حتى تعادي الصحابة! فلن توالي القرابة حتى تشتم الصحابة وتُكَفّرهم! فأما إذا أثنيتَ على الصحابة وعلى القرابة فأنت عدو لآل البيت! نقول: هذه خزعبلاتكم وفهومكم العوجاء كما كان جهلتكم السابقون؛ فهذا فهمكم الأعوج أنتم، فأما الذي دلت عليه النصوص فهو موالاة القرابة والصحابة جميعًا، فقولكم: لا إلّا بالبراء! يعني أنكم تريدون أنْ تترك الأمة أكثر أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم، بل الأقاربُ للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم – مِن آل بيته - محدودون كما تعلم، أما القرابة القرشية فهم كُثُر، لكن إنْ أردتَ أنْ تحصر الأمرَ على مَن يدخلون في مَن تحرم عليهم الصدقة آل علي وآل عباس وآل عقيل وآل جعفر هؤلاء محدودون قطعًا، ثم هل سَلِمَ منكم أنتم أهل البيت؟ ألستم تشتمون العباسَ وابنَ عباس رضي الله عنهما؟ وإنْ أظهروا أنهم لا يشتمونهم، لكن في نصوص كتبهم شَتْمُ ابن عباس والقول السيء فيه! والقول السيء في العباس! أليست زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم بنص القرآن مِن آل البيت بنص القرآن وأنتم تشتمون زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم؟؟ فأنتم أعداء أهل البيت، وأنتم الشاتمون لآل البيت، كما أنَّكم تشتمون الصحابة فإنَّكم تشتمون آل البيت، مَن قال: إنَّ آل البيت سلموا منكم أصلًا؟ لم يسلم منكم حتى آل البيت، فالعباس وذريته مِن آل البيت، ذرية علي رضي الله تعالى عنه مِن آل البيت، وهكذا مَن حَرُمَتْ عليهم الصدقة كآل جعفر وغيرهم، فأنتم الآن ما سَلِمَ منكم لا الصحابة ولا آل البيت حتى، حتى زعموا - أخزاهم الله - أنَّ بعض أبناء عليًا قال - وحاشاه أنْ يقول -: إنَّ عمى ابن عباس عقوبة له لمخالفته لعليّ!! رضي الله عن الصحابة وآل البيت أجمعين، أنتم مَن تشتمون العباس، وأنتم مَن تشتمون ابنَ عباس، وأنتم تشتمون زوجات النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، وجميعهم مِن آل البيت، فلا سَلِمَ منكم الصحابةُ ولا سَلِمَ منكم آلُ البيت، فالواجب أنْ نتولى الجميع مِن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وآل بيته وأنْ لا يُفَرَّقَ بينهم، ولهذا أهل السُّنَّة يُعادون الناصبة ويخالفون طريقتهم، وهم الذين ناصبوا آلَ البيت العداء كالخوارج الذين كفَّروا عليًا وقاتلوه، ثم كَمَنُوا له فقتلوه، ويجهرون إلى الآن كإباضية عُمان وأضرابهم إلى الآن هم يُجهرون بعداء عليّ رضي الله تعالى عنه وعداء أيضًا عثمان، فهؤلاء هم النواصب حقًا الذين كانوا يتولون آل البيت وقد تصدروا لسَبّ آل البيت وسَبّ علي رضي الله عنه، أما مَن يترضى على عليّ ويذكر محاسنَه ويذكر فضائله، فكيف يكون سَابًّا له؟ يقول: لا تكون مواليًا له حتى تشتم مَن قَبْلَه مِن الصحابة! هذه فهومكم العوجاء التي لا تعي ولا تفهم، لهذا قال رحمه الله: "ذِكْرُ محاسنِ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم كلهم أجمعين" يعني مثل هذه الفضائل التي ذكرنا، كم عدد الذين أسلموا على يد الصحابة؟ أتظنهم ألوفًا؟ لا، ملايين، ليسوا ألوفًا يا أخي، لأنّم حين فتحوا بلدًا مِن البلدان الذي كان وثنيًا وصار عدد كبير مِن أهل البلد مسلمين، ثم ذريتُهم أسلموا تبعًا آبائهم، ثم ذراريهم إلى يومك هذا، ما الذي أدخل عليهم الإسلام؟ الصحابة، والعجيب الغريب أنّ الذي فتح إيران هو عمرُ رضي الله عنه، فله عليهم فضلٌ بإدخال الإسلام وإخراجهم مِن المجوسية، وإخراجهم مِن قذارة قبيحة كان يقع فيها المجوس، حتى كَتَبَ رضي الله عنه بمنع هذا في المجوس - وإنْ كان لهم عهد – وأنهم كانوا - قبّحهم الله - يتزوج الواحد منهم محارمه، يتزوج الواحد منهم أمه وبنته وأخته - هذا في المجوس - فكتب - كما في البخاري – "أنْ فَرِّقوا بن كل ذي رحم مِن المجوس"(76) لا تتركوهم ولا تمكنوهم، حتى لو قال: هذا ديني وأنا معاهد وأعطي الجزية! قال: لا يمكن أنْ تُمَكّن مِن أنْ تنكح - يا خبيث - أنْ تنكح أمك، تقول: هذه أمي وزوجتي، هذه ابنتي وزوجتي، هذا مستحيل حتى لو كنت تزعم أنه مِن دينك فانتهى نكاح المحارم مِن أهل المشرق - سواء مَن كان منهم أسلم وترك هذا الباطل؛ أو مَن بقي على مجوسيته - فمنعهم المسلمون مِن هذه القذارة، ولم يدخل الإسلامَ عليهم إلّا عمر رضي الله عنه، وهو الذي هُدَّ في وقته الجزءُ الأكبر في الإمارة الفارسية، ثم أُجهز عليها في بقية خلافة عثمان رضي الله تعالى عن أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أجمعين.

الحاصل أنّ سَبّ الصحابة لا يمكن مِن مؤمِن، الواجب ذِكْرُ محاسنهم كما ذكرنا هنا، والكف عن مساويهم، هل للصحابة مساوئ؟ سبحان الله، هل هناك بشر يَسْلَمُ مِن الخطأ ويَسْلَمُ مِن الذنوب؟ ما أحد يسلم مِن الذنوب، الله تعالى جعل العصمة للرسل عليهم الصلاة والسلام، أما مَن سواهم فيصيبون ويخطئون، الواجب أنْ يُكفّ عن التنقيب والبحث في مساوئ الصحابة، فلان فعل كذا، وفلان فعل كذا، هؤلاء يبحثون في ما وقع مِن علي رضي الله عنه، ويريدون أنْ يجعلوا الأمة تبغض عليًا، وهؤلاء يبحثون في ما وقع مِن معاوية رضي الله عنه، ويريدون الأمة أنْ تبغض معاوية، يقول أهل السُّنَّة قاعدة: كل تحديد على الصحابة فإنَّ صاحبه يكون به مبتدعًا، يعني إذا أراد أنْ يبغض الناسُ معاويةَ أو عمرو بن العاص هذا ابتداعٌ، عكسه مَن أراد أنْ يمدح معاوية وعمرًو على حساب علي، فهذا ابتداع، لا يحل أنْ تتتبع مساوئ الصحابة وما وقع منهم رضي الله عنهم فإنهم غير معصومين، ولكن ما وقع منهم رضي الله عنهم مغمورٌ في بحرِ حسناتهم، آمنوا مع النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام وجاهدوا معه وذادوا دونه - رضي الله عنهم وأرضاهم -، وحملوا الإسلام مِن بعده، وأسلم على أيديهم الأعداد الجمة الغفيرة التي لا يحصيها إلّا الله، نشروا العلم والأحكام، عَلّموا الناسَ كتابَ الله والقرآن والسُّنَن، فهذه محاسن عظام، حتى إنَّ أجرَ الصحابة يجري إلى اليوم، لأنهم عَلّموا القرآن التابعين والتابعون عَلّموه مَن بعدهم ومَن بعدهم علّموا التابعين السُّنَن والأحكام، والتابعون علموها مَن بعدهم حتى وصلتَ إليك، فأنت الآن حين تقرأ القرآنَ مَن علمك؟ شيخك، مَن عَلَّمَ شيخَك؟ شيخُه، سلسل المسألة حتى تصل للصحابة رضي الله عنهم، ولهذا قال أهل العلم: إنَّ أعمال الأمة بأسرها للنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم لأنه هو الذي دلَّ على هذا الهدى، الصحابة أخذوه مِن رسول الله وعَلَّموه مَن بعدهم، وهكذا رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فالواجب أنْ يُكفّ عن مساوئهم وأنْ تُنشرَ في الأمة محاسنُهم، لهذا قال - ودقق فيما قال: "ومَن سَبّ" هذا النوع الأول "سب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم" يعني عمومًا "أو أحدًا منهم" لا تقل: مَن سَبَّ معاوية أمرُه سهل، أو سَبَّ عليًا وحده أمرٌ سهل! "سَبَّهم جميعًا أو سَبَّ واحدًا منهم أو تنقصه" بأنْ يقول: إنَّ في دينه شيء مِن الخلل أو في خُلُقِه أو في كذا ليُنقص مِن قَدْرِه "أو طعن عليهم" والطعن عليهم تارة - والعياذ بالله - في دينهم أو في أماناتهم أو عَرَّضَ بعيبهم، التعريض هو التلميح، يُلمِّحُ تلميحًا، لأنَّه تارةً يَسُبُّ صريحًا وتارةً لا يجرؤ على السَّبِّ الصريح لكنه يُعَرِّضُ تعريضًا، يقول: لو عرَّض - مجرد تعريض - بعيبهم أو عاب أحدًا منهم بقليل أو كثير أو دِقٍّ أو جِلٍّ، الدقيق هو اليسير جدًا والجليل هو الكبير، وهو قريب مما قبله، قليل أو كثير أو دَقّ أو جَلّ مما يُتطرق به إلى الوقيعة في أحدٍ منهم فهو مبتدعٌ رافضيٌّ خبيثٌ، وهذا الذي عليه أهل السُّنَّة؛ أنّ مَن تَعَرَّضَ لأيّ مِن الصحابة فهو رافضيّ، سبحان الله، كيف تقول: إني رافضي؟ أنا سُنِّيٌّ، أنا لا أتعرض إلّا لمعاوية، أما أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والمهاجرين والأنصار أنا لا أتعرّض لهم! نقول: قَرَّرَ أهلُ السُّنَّة - كما ترى - أنَّ التعرض لهم جميعًا أو التعرض لواحدٍ منهم يُحيل المتعرض إلى البدعة ويجعله في الرافضة، ونقول: اهنأ بالرفض، الرفض درجات، الرافضة درجات، الاثنا عشرية رافضة، والباطنية رافضة، والزيدية الذين يَسُبُّون معاوية يُعدّون رافضة، فأنت وإنْ بالغت كما بالغ الباطنية أو بالغت الاثنا عشرية أو كنتَ دون ذلك فصِرْتَ على طريقة الزيدية الذين يقدحون في بعضهم كعثمان ومعاوية هذا لونٌ واحد اسمه الرفض، تارةً يزيد ويقتحم فيه الإنسان هذه البلايا وتارةً يكون دون ذلك، فاسم الرفض يشمل الجميع، نعم هم درجات وليسوا على حدٍّ واحد، لكنّ التعرض لأيّ صحابي مهما كان هذا الصحابي ومهما بَدَرَ منه ومهما وقع منه التعرضُ له يجعل فيك شعبةً مِن الرفض، ولهذا لمّا قيل لأحمد رحمه الله: الرجل يَذُمُّ معاوية أو يشتم معاوية؛ أيصلى خلفه؟ قال: لا، ولا كرامة، لا يُصلى خلفه(77)، ما يَشتمُ إلّا معاوية فقط! وهل شتم معاوية يسير؟؟ شتم معاوية سهل؟ معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه يدخل في عموم قوله عليه الصّلاة والسّلام: «لا تسبّوا أصحابي، فلو أنَّ أحدَكم أنفق مثل أحدٍ ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نصيفه»(78) يدخل فيه لأنَّه مِن أصحاب محمدٍ صلّى الله عليه وسلّم، فالحاصل أنَّ المقام مقام كبير وليس مقام مجاملة ولا مداهنة، وجعل الله عزّ وجلّ بعض مسائل الاعتقاد أيّها الإخوة تصفح عن منهج المتحدث فيها، فإذا رأيتَ الإنسان يداهن في أمرِ الرافضة فاعلم أنَّه ذو منهج فاسد، حتى لو كان في بقية مسائل الاعتقاد على أحسن ما يكون في الاعتقاد، لأنَّ موضوع الصحابة موضوع كبير كما شرحنا بالأمس، موضوع خطير، إذا تُطرق إلى القدح بالصحابة يُتطرق إلى القدح في الإسلام بأسره، لأنَّ الإسلام ما حمله للأمة إلّا الصحابة، أنت الآن أترى القرآن مكتوبًا في السماء والأحاديث النبوية تقرأها؛ أم وصلتك؟ مَن أوصلها؟ إنَّما أوصلها وبدأ نقلها في الأمة الصحابةُ رضي الله عنهم، فإذا قُدِحَ في المنبع في المصبّ الأول سقط كلُّ ما نُقل إلى الأمة، لهذا المقصود بَتْرُ الأمة عن كتاب الله وسُنَّةِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، كما قال أبو زرعة: "إذا رأيت الرجلَ يقدح في أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم فاعلم أنَّه زنديق، إنَّما أراد القدحَ في شهودنا"(79) إذا قُدِحَ في الشهود قُدِحَ في المشهود به، يقول: "فهو مبتدعٌ رافضيّ خبيث" ولهذا قال الإمام أحمد رضي الله عنه لمّا قيل له: إنَّ رجلًا يشتم عثمان؟ قال: ما أُراه على الإسلام(80)، يعني ظاهره الإسلام لكن نخشى أنْ يكون هذا الرجل ليس بمسلم، لأنَّه حين يقدح في صحابي جليل - وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكرٍ وعمر - إذن مَن بعدهم ماذا سيكون حالهم؟ هؤلاء القوم يكونون كما قال الإمام أحمد رحمه الله لمّا سُئل عن مَن يشتم الصحابة قال: عنده خبيئة سوء(81)، هناك أمور مخبأة في هذه النفوس تظهر على الألسن وعلى ما يكتب الكاتب تدل عل خُبث الطوية فيمن يتحدث في هذا؛ كأنْ يُعَرِّضَ لسَبِّ رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أو القدح في سُنَّتِه، تعريض وتلميح ولم يصرح، وهذا مِن خبث الطوية عند هذا الرجل، وإلّا لو كان يُوَقِّرُ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم ويعي ويعلم قَدْرَه ما تَطرق إلى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بشيء مِن مثل هذه الأساليب، وهكذا الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

"لا قَبِلَ الله صرفَه ولا عدله" قيل: إنَّ المراد بالصرف الفريضة والعدل النافلة، وهو الذي يقول صاحب تحفة الأحوذي: هو قول الجمهور، ويقول الأصمعي رحمه الله: الصرف: التوبة، والعدل: الفدية، وقيل غير ذلك، يعني: لا قَبِلَ اللهُ تعالى منه أيَّ أمرٍ يقدمه في مثل هذا، بل حبُّهم سُنَّةٌ، لأنَّ النصوصَ دلت على هذا.

"والدعاء لهم قربة" لأنَّ الله أمر مَن يأتي بعدهم بالدعاء لهم: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ(82) بعد أنْ ذكر المهاجرين والأنصار: ﴿وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا(83) فالغل الذي يوجد على الصحابة هو الذي قال الله تعالى: ﴿لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ(84) فلا يكون مِن مؤمن.

"والاقتداء بهم وسيلة" يعني وسيلة تُقربك إلى الله، أنْ تقتدي بهؤلاء الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم والأخذ بآثارهم فضيلة.

بعد أنْ قَرَّرَ ذلك في الصحابة بدأ بذكر الخيرية، هل الصحابة على درجة واحدة في الفضيلة أم متفاوتون؟ فقال: "وخير الأمة بعد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر، وخيرهم بعد أبي بكر عمر، وخيرهم بعد عمر عثمان، رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم" هذا الأمر بالجزم بأنْ هؤلاء الثلاثة هم أفضل أصحاب النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم هذا أمرٌ كان زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم شائعًا، قال ابن عمر رضي الله عنهما: "كنا نقول زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: أفضلُ أصحاب رسول الله أبي بكر ثم عمر ثم عثمان؛ فيبلغُ ذلك رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم فلا يُنكره"(85) ولو كان أمرًا باطلًا للزم النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم أنْ ينكره، فالمعروف منذ زمِن الصحابة زمِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أنَّ أفضلَ هذه الأمة هؤلاء الثلاثة رضي الله تعالى عنهم.

يقول: "وقال قومٌ مِن أهل العلم ومِن أهل السُّنَّة: وخيرهم بعد عثمان عليٌّ" وهذا الذي استقرَّ عليه قولُ أهل السُّنَّة؛ أنَّ أفضلَ الأمة بعد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، قالوا: ترتيبهم بالفضل حسب ترتيبهم في الخلافة، لأنَّه لمّا كان أفضلُهم أبا بكر جُعل هو الخليفة الأول، فلمّا كان عمر هو الثاني أوصى أبو بكر لعمر، فلمّا كان عثمان هو الثالث جعل عمرُ الأمرَ في أهل الشورى الستة فاختير عثمان رضي الله تعالى مِن بينهم، اختاره المهاجرون والأنصار وأمراءُ الأجناد، ثم لمّا قُتل عثمان رضي الله عنه بايعوا عليًا رضي الله عنه وأرضاه، فهؤلاء أفضلُ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم.

يقول: "ووقف قومٌ على عثمان" اعرف المراد بقوله "ووقف قومٌ على عثمان" وقف قومٌ على عثمان مِن جهة الأفضلية، يعني يقولون: أفضل الأمة أبي بكر - بعد النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان، قالوا: بعد ذلك لا نفاضل بين الصحابة، نقول: كل الصحابة أفاضل، هذا المعنى، وليس المعنى أنَّه يقف على عثمان وينال مِن علي! ليس هذا المقصود قطعًا؛ لأنه يكون ناصبيًّا، وإنما المقصود أنَّ بعض أهل العلم يقول: إنَّ أفضل الصحابة رضي الله عنهم هؤلاء الثلاثة وبقية الصحابة الزبير وطلحة وأبو عبيدة وعلي؛ يقول: كلهم أفاضل فلا ندخل في التفضيل بينهم، لكنّ الصحيح أنَّ أفضل الصحابة - وهو الذي استقر عليه قول أهل السُّنَّة، وهو المعروف عنهم وعن جماهيرهم - أنَّ أفضل الصحابة أبو بكرٍ ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهكذا يأتي بعدهم بقية العشرة المبشرين بالجنة، وأهل بدرٍ أفضلُ مِن غيرهم، المهاجرون أفضل مِن الأنصار، الذين بايعوا قبل الفتح أفضل مِن الذين بايعوا بعد الفتح وهكذا.

قال: "لا يجوز لأحدٍ أنْ يذكر شيئًا مِن مساوئهم" لأنَّهم بشر يخطئون، فالذي لا يركز إلّا على مساوئهم لا شكّ في خبثه وفساد اعتقاده، "ولا يطعن على أحدٍ منهم بعيبٍ ولا بنقصٍ ولا وقيعة"، قال قبل ذلك في الأربعة رضي الله عنهم: "وهم خلفاء راشدون مهديون" هذه التسمية جاءت مِن النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم «عليكم بسنتي وسُنَّةِ الخلفاء الراشدين المهديين»(86) الذي سمّاهم بالراشدين هو رسولُ الله صلّى الله عليه وسلّم، فهم خلفاء الأمة الراشدون، وهم أفضل الخلفاء، لا يكون بعدهم خلفاء أفضل منهم بتاتًا مهما بلغوا في العدل وغيره، لا يمكن أنْ يكون أحدٌ أفضلُ مِن هؤلاء الأربعة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

قال: "ثم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بعد هؤلاء الأربعة خير الناس" بدلالة الآية التي قلنا: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ(87) وهكذا النصوص الكثيرة الدالة على أنَّ الصحابةَ أفضلُ الأمة كقوله عليه الصّلاة والسّلام: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم»(88)، وقوله: «أصحابي أَمَنَةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون»(89) إلى غير ذلك مِن النصوص الدالة على أنَّ أفضل الأمة هم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

يقول في مَن ذكر مساوئ الصحابة وطعن على أحدٍ منهم: "فمن فعل ذلك" يعني خالف النصوص وطعن في أحدٍ مِن الصحابة "فالواجب على السلطان يعني على ولي الأمر تأديبُه، إذا رُفِعَ الأمرُ إلى ولي الأمر مِن ملك أو أمير أو قاضٍ؛ فإنه يلزمه شرعًا أنْ يُؤدّبه وأنْ يعاقبه "ليس له أنْ يعفو عنه"، معلوم أنّ الوالي والقاضي قد يعفو بعض الأحيان عن بعض أهل الجنايات، إما لكون هذه الجناية وقعت منه أول مرة، أو لوجود شبهة أو حاجة أَدَّتْ إلى أنْ يُعفى عنه - مما قطعًا ليس فيه حَدّ – لكن يقول: هذا خطأ - الذي وقع منه - ولم تكن له سابقة سوء، وربما كان عنده شيء مِن الجهل، أو ربما كان في خُلُقِه شيء مِن التعكر والمزاج السيء وسوء التعامل؛ فنحن الآن قد أخذنا عليه التعهدَ بأنّه لا يعود إلى مثلها، وإنْ عاد جعلناه نكالًا وأدبناه أدبًا بليغًا، نعف عنه هذه المرة لكونه أول مرة وقعت منه، ولم يَبْدُ منه في سنين طويلة مثل هذا، هذا قطعًا مما ليس فيه حدود أو تَعَدٍّ على الناس أو نحوه، يقول: أما موضوع الصحابة فلا يحلّ للحاكم ولا للقاضي أنْ يعفوَ فيه بتاتًا، يعني لابُدّ مِن الردع ولابُدّ مِن العقوبة، إذا قال: تُبْتُ؛ نقول: تاب الله عليك، وهذا إنْ شاء الله مِن دلائل الخير إنْ صدقتَ، ولكم والله لتنالنَّ العقوبةَ حتى تكون نكالًا وحتى يكون أصحابُ محمد صلّى الله عليه وسلّم في مقام لا يجرؤ عليه أحد بعد اليوم، لابُدّ أنْ تُؤدّب وأنْ يُفشى أدبك، وأنْ تُعظم عقوبتك حتى يكون أمثالك ممن يَهُمّون ويتربصون ليظهروا مكنون خبيث قلوبهم أنْ يحسبوا ألف حساب للوقوع في صحابة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فإنّ أعظم مَن يمكن أنْ يُنال بالسَّبِّ مِن البشر الأنبياءُ ثم الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، لهذا يقول: "ليس له أنْ يعفوَ عنه" هذا أمر لا يستوجب العفو، بل لابُدّ فيه مِن العقوبة والنكال، بل يعاقبه ثم يستتيبه، لأنّ كثيرًا منهم إذا أُتي به يقول: أتوب وأنا مخطئ، نقول: هذا لاحقًا، لكنّ العقوبة لابُدّ أنْ تنالها لعِظَمِ وفداحة جُرْمِك؛ ولننكل بغيرك أنْ يفعل فعلك بعد ذلك نستتيبك، أما أنْ تكون شاتمًا للصحابة ثم إذا قُبِضَ عليك تقول: أتوب! كما ورد عن الإمام أحمد رحمه الله أنّ رجلًا استفتاه بفتوى وكَتَبَ كتابةً "إنْ كان هذا خطأ؛ فإني أتوب منه!" قال: انظروا إلى هذا الخبيث! الآن يريد أنْ يقول الكلمة وأنْ تفشو في الأمة ثم يقول: إنْ كانت خطأ فسأتوب! إنْ كان صادقًا يأتي يستفتي فيما بينه وبين العالم هل هذا خطأ أو صواب؟ أما أنْ يقول القول ويكتب ورقة يقول: إني تائب! كل أحد يرى العقوبة يقول: سأتوب! ففي مثل الأحوال المتعلقة برب العالمين وبالنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم وبالصحابة رضي الله عنهم العقوبةُ لابُدّ منها، يقول: "ثم يستتيبه لاحقًا، فإنْ تاب وليس لنا في توبته إلّا الظاهر، إذا أظهر التوبة قُبِلَ منه، وإنْ لم يَتُبْ أعاد عليه العقوبة، يعني عاقبه ثم عاقبه مرة أخرى ثم خَلَّدَه الحبسَ حتى يتوب ويراجع" يعني يبقيه في الحبس، يقول: السجن سيكون موضعك؛ وإنْ عِشْتَ فيه ما عِشْتَ، تُخَلَّدُ فيه، يعني تبقى فيه دائمًا إلى أنْ تتوب وترجع عما أنت فيه، هذا قطعًا فيما يتعلق بالسَّبِّ الذي فيه العقوبة المعتادة، أما السَّبُّ الذي هو كفرٌ في الصورتين اللتين ذكرنا؛ فإنّ الاستتابة منه تكون استتابة المرتد؛ إنْ تاب وإلّا قُتِلَ، هذا المعنى، هذا الكلام ينصرف في الصور الثلاثة الأخرى، أما الصورة الأولى والصورة الثانية التي ذكرنا مِن سَبِّ الصحابة فهذه يُستتاب منها نعم؛ فإنْ تاب وإلّا قتل لأنها ارتداد، أما هذا الذي يُستتاب فإنْ تاب وإلّا خُلِّدَ في الحبس هذا فيما لم يبلغ فيه التكفير العام للصحابة رضي الله عنهم فإنّ هذا قلنا إنه كفر أو كان سَبُّه على سبيل الغيظ.

يقول: "فهذه السُّنَّة" يعني هذه العقيدة التي خلافها بدعة في أصحاب محمد صلّى الله عليه وسلّم.


(1) السُّنَّة لعبد الله بن أحمد (2/ 550).
(2) الأنفال: 74.
(3) النساء: 145، 146.
(4) الأنفال: 74.
(5) سيأتي تخريجه.
(6) جامع بيان العلم وفضله (1118).
(7) الأنفال: 74.
(8) الحشر: 8.
(9) الحشر: 8.
(10) الحشر: 8.
(11) الحشر: 8.
(12) الحشر: 8.
(13) الحشر: 8.
(14) المائدة: 119.
(15) التوبة: 119.
(16) الحجرات: 14، 15.
(17) المائدة: 119.
(18) صحيح البخاري (5/ 30).
(19) الحشر: 9.
(20) الحشر: 9.
(21) المجادلة: 22.
(22) الحشر: 8.
(23) الفتح: 18.
(24) الفتح: 21.
(25) الفتح: 26.
(26) الفتح: 26.
(27) الحديد: 10.
(28) الحديد: 10.
(29) الحديد: 10.
(30) الحديد: 10.
(31) الحديد: 10.
(32) التوبة: 100.
(33) الأحزاب: 6.
(34) الأحزاب: 6.
(35) الشريعة للآجري (5/ 2394).
(36) الأحزاب: 6.
(37) الأنفال: 74.
(38) الأنفال: 74.
(39) الأنفال: 74.
(40) الفتح: 26.
(41) الحديد: 10.
(42) التوبة: 100.
(43) المائدة: 17.
(44) الفتح: 29.
(45) الفتح: 29.
(46) الفتح: 29.
(47) تفسير ابن كثير (8/ 73).
(48) الحشر: 7.
(49) الحشر: 8.
(50) الحشر: 9.
(51) الحشر: 10.
(52) الحشر: 10.
(53) الحشر: 10.
(54) صحيح البخاري (3783) من حديث البراء بن عازب رضي الله عنه مرفوعًا.
(55) الشورى: 23.
(56) تفسير الطبري (21/ 525).
(57) الأحزاب: 33.
(58) الأحزاب: 28.
(59) الأحزاب: 28.
(60) الأحزاب: 30.
(61) الأحزاب: 32.
(62) الأحزاب: 33.
(63) الأحزاب: 34.
(64) النور: 26.
(65) الأحزاب: 33.
(66) الأحزاب: 33.
(67) الأحزاب: 33.
(68) الأحزاب: 33.
(69) هود: 72، 73.
(70) صحيح البخاري (1434) من حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(71) صحيح البخاري (3369) من حديث أبي حميد رضي الله عنه مرفوعًا.
(72) التوبة: 40.
(73) التوبة: 40.
(74) يُنظر: شرح الطحاوية لابن أبي العزّ (ص: 479).
(75) آل عمران: 110.
(76) صحيح البخاري (3156).
(77) مسائل ابن هانئ (60/ 1).
(78) البخاري (3673)، ومسلم (2540) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(79) الكفاية في علم الرواية للخطيب البغدادي (ص: 49).
(80) لم أعثر عليه، ولكن في كتاب "السُّنَّة" للخلال (3/ 493) قال رحمه الله: "أخبرنا أبو بكر المروزي، قال: سألت أبا عبد الله عن من يشتم أبا بكر وعمر وعائشة؟ قال: ما أرآه على الإسلام".
(81) السُّنَّة لأبي بكر بن الخلال (2/ 447).
(82) الحشر: 10.
(83) الحشر: 10.
(84) الفتح: 29.
(85) صحيح. أبو يعلى (5604) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا. ظلال الجنة (1193).
(86) صحيح. الترمذي (2676) من حديث العرباض رضي الله عنه مرفوعًا. صحيح الجامع (2549).
(87) آل عمران: 110.
(88) صحيح البخاري (2651) من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه مرفوعًا.
(89) صحيح مسلم (2531) من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه مرفوعًا.


 مواد ذات صلة: