موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

الجنة والنار

بسم الله الرحمِن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين؛ نبيّنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

اللهم اغفر لنا ولشيخنا وللحاضرين والسامعين ولجميع المسلمين.

قال المؤلف رحمه الله تعالى:

وقد خُلقتِ الجنة وما فيها، وخُلقتِ النار وما فيها، خلقهما الله عزّ وجلّ ثم خلقَ الخلْق لهما، لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدًا، فإنِ احتج مبتدع أو زنديق بقول الله عز وجل: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(1) وبنحو هذا مِن متشابه القرآن! فقل له: كل شيء مما كَتَبَ الله عليه الفناء والهلاك هالك، والجنة والنار خلقهما الله للبقاء لا للفناء ولا للهلاك، وهما من الآخرة لا مِن الدنيا!

والحور العين لا يَمُتْن عند قيام الساعة ولا عند النفخة ولا أبدًا، لأنّ الله عزّ وجلّ خلقهنّ للبقاء لا للفناء، ولم يكتب عليهن الموت، فمَن قال خلاف هذا فهو مبتدع مخالف وقد ضلّ عن سواء السبيل.


الحمد لله، وصلّى الله وسلّم على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين وبعد.

ذَكَرَ ما يتعلق بالجنة والنار والخلاف في هذه المسألة مع المعتزلة، فإنَّ أهل السُّنَّة استدلوا بالنصوص الجلية الظاهرة الدالة على أنَّ الجنة والنار قد خُلِقَتَا؛ وأنَّهما موجودتان الآن، هذه هي المسألة الأولى.

المسألة الثانية في ما يتعلق بالجنة والنار: أنَّ الله تبارك وتعالى قد جعل الجنة والنار باقيتين أبد الآباد لا تنقضيان ولا تفنيان أبدًا.

أما المسألة الأولى: وهي أنَّ الجنة والنار مخلوقتان وأُعِدَّتَا؛ فالأدلة على هذا كثيرة في كتاب الله عزّ وجلّ؛ فإنَّ الله تعالى لمّا ذَكَرَ الجنة قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(2) ولمّا ذَكَرَ النار قال: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(3)، وإعدادُهما دالّ على أنَّهما موجودتان مهيأتان، وتقدم أنَّ مِن أدلة عذاب القبر قولُ الله تعالى عن آل فرعون: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(4)، فدلَّ على أنَّ آل فرعون يُعرَضون - والعياذ بالله - بالغدو والعشي على النار، وهذا يقتضي أنَّ النار موجودة، ولهذا قال بعدها: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(5) وهكذا النصوص التي مَرّت معنا في أَمْرِ القبر؛ وأنَّ العبدَ يُفتحُ له موضع إلى ما أعدَّ الله له - سواء مِن مقعده في الجنة أو مقعده في النار - فيأتيه مِن ريح الجنة وطيبها - إنْ كان مِن أهل الجنة -، ويأتيه مِن عذاب النار وسمومها - إنْ كان مِن أهل النار -، إضافةً إلى ما تكاثرت به الأحاديث مِن أحاديث النَّبيِّ عليه الصّلاة والسّلام عن أحوال أهل الجنة وأهل النار مِن أمثال قوله عليه الصّلاة والسّلام في المرأة التي حبستْ هرةً لها - لا هي أطعمتها ولا هي تركتها تأكل مِن خشاش الأرض - ورآها صلّى الله عليه وسلّم في النار(6)، ورأى صلّى الله عليه وسلّم عمرو بن لحيّ سيد خزاعة يجرُّ قصبه – أي: أمعائه - في النار (7)، إلى غير ذلك مِن الأحاديث الكثيرة التي أخبر بها عليه الصّلاة والسّلام مما يدلُّ على أنَّ الجنة والنار موجودتان بلا شكّ، وقد ثبت عنه عليه الصّلاة والسّلام في غيرما حديث أنَّه رأى الجنة بعينه صلّى الله عليه وسلّم ورأى النار بعينه كما في خبر صلاة الكسوف؛ فإنَّه عليه الصّلاة والسّلام عُرِضَتْ عليه الجنة والنار، رأى عليه الصّلاة والسّلام قِطْفًا من عنبٍ فتقدم صلّى الله عليه وسلّم، وعُرِضت هذه النار فتراجع عليه الصّلاة والسّلام، وأخبرهم عن سبب تقدمه وسبب تراجعه بعد ذلك(8)، إلى أحاديث كثيرة دالة على أنَّ الجنة والنار موجودتان بلا شك.

المعتزلة - قاتلهم الله - نفوا الأمرين، نفوا ما يتعلق بنعيم القبر وعذابه، وبالتالي نفوا أنْ يكون المرء في قبره يُفتحُ له ما يرى به مقعدَه مِن الجنة أو مقعدَه مِن النار، والمعتزلة طائفة مِن أضلّ عباد الله وأفجرهم وأجرئهم على النصوص، المتأملُ لمَا ردّوا مِن النصوص يتعجب مِن هؤلاء القوم مما فيهم مِن الجرأة على كتاب الله وسُنَّةِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم، وجرأتهم ليست فقط على نصوص السُّنَّة! بل حتى على نصوص القرآن، تجدُ عندهم مِن الأقوال الضالة والزائغة ما هو مخالفٌ لصريح كتاب الله عزّ وجلّ في أبواب عديدة جدًا في التوحيد وفي اليوم الآخر وفيما يتعلق بالغيبيات، كثيرًا ما يجترئون عليها ويدخلون في عقولهم فيها، مع شيء مِن قلة الأدب حتى في التعامل مع النص، وقلنا: إنَ أهل العلمانية والليبرالية يُعجَبون بالمعتزلة لجرأتهم هذه، والحق أنْ الجرأة على النصوص مِن كتاب الله وسُنَّة نبيّه صلّى الله عليه وسلّم داءٌ كبير الخطورة، ودالٌ على قلة تعظيم الله عزّ وجلّ في قلب الإنسان، ولهذا ابتُلي المعتزلة - كما في تراجم بعضهم - ابتلوا بالجرأة على الكبائر - نسأل الله العافية والسلامة -، لأنَّ مَن لم يُعَظِّمِ اللهَ عزّ وجلّ ولم يعظم كلامَه وكلامَ رسوله صلّى الله عليه وسلّم يُبتلى بالكبائر، لذا تجد في تراجم بعضهم عجائب - مع أنَّه رؤوس المعتزلة -! تجد منهم مَن يشرب الخمر، وتجد مَن عنده مجون، وقلة حياء وصفاقة، وهذا كالعقوبة المعجلة، لأنَّ هذه الجرأة على النصوص وعدم التأدب مع كلام الله عزّ وجلّ وكلام رسوله صلّى الله عليه وسلّم يُصابُ معه المرء بداءٍ عضال عظيم جدًا في قلبه، فإنَّ المؤمنين كما قال الله عزّ وجلّ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا(9)، هذا هو حال المؤمنين، وبيّنَ عزَّ اسمُه أنَّ الإيمان لا يتحقق للمرء إلّا إذا كان على هذا الوصف مِن قوله عزّ وجلّ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا(10)، فإذا كان الإنسان كلما لم يَرُقْ له شيء مِن هذه النصوص تجرأ عليها وجادل فيها! هذا ليس مِن فعلِ أهل الإيمان والتقوى، إنما يفعل هذا عادةً أهلُ الكفر، قال الله عزّ وجلّ في شأنّ الكفار: ﴿يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ(11) هذه هي طريقة أهل الكفر، أما أنْ يأتي مسلم يجادل هكذا قوله عزّ وجلّ: ﴿وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ(12) الأصل أنَّ هذا لا يكون مِن مسلم! إنما يكون مِن كافر، لكنّ الذي ابتُلوا مِن المنتسبين للإسلام بهذا الداء وُجِدَ فيهم هذا الشَّرُّ ووجدت فيهم هذه الجرأة، ولهذا تتعجب، هذه المخالفة ليست فقط في أبواب الجنة والنار! أو في أبواب اليوم الآخر! بل في أبواب عدة كثيرة جدًا، فيما يتعلق بالتوحيد، فيما يتعلق بالنبوة، فيما يتعلق حتى بالصحابة رضي الله عنهم، عندهم وعند غيرهم مِن المتكلمين جرأة على هذه النصوص، فلأجل ذلك يأتون بعجائب مِن الأقوال وفظائع، بعضها شديد شنيع جدًا، حتى قال ابن المبارك: "إنَّا لنجرأ أنْ نحكيَ قول اليهود والنصارى؛ ولا نجرأ أنْ نحكي قول الجهمية"(13) فإنَّ فيه شيئًا مِن الصفاقة والجرأة وقلة الأدب مع رب العالمين ومع نبيّه عليه الصّلاة والسّلام، فالجنة والنار لا شكّ أنَّهما موجودتان؛ وأنَّهما مُعَدَّتَان كما أخبر تعالى.

المسألة الثانية المتعلقة بدوام الجنة والنار وعدم فنائهما: دلَّت على ذلك نصوص كثيرة في كتاب الله عزّ وجلّ ذَكَرَ تعالى فيها الخلود الأبدي للفريقين ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا(14) قالها تعالى في أهل الجنة وقالها تعالى في أهل النار، ومعنى الخلود طول المكث، فخلودهم فيها أبديّ، قال عزّ وجلّ في أهل النار: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ(15) ممن هم أهل الكفر، وإذا قلنا: إنَّ مَن كانوا مِن المسلمين العصاة مِن الموحدين ممن وقعوا في الكبائر؛ فإنَّهم يخرجون مِن النار، فهؤلاء ذَكَرَ الله في شأنهم الخلود الأبديّ المستديم؛ وذلك أنَّ الله تعالى جعل الجنة والنار - كما ذَكَرَ المصنف رحمه الله تعالى - جعلهما للبقاء لا للفناء، أما الدنيا وما فيها - سواءٌ مِن المُتَع أو مِن الشدائد - فإنَّها تنقضي وتفنى، لأنَّ الدنيا بأسرها تفنى، أما اليوم الآخر فليس فيه فناء نهائيًا، فمَن دخل الجنة فإنَّ يبقى فيها لا يخرج منها، ينعم فيها ولا يبأس، ويفرح فيها فلا يحزن، ومَن دخل النار؛ فإنْ كان مِن عصاة الموحدين فإنَّه يمكث فيها ما شاء الله تعالى أنْ يمكث - كما شرحنا عند الكلام على الشفاعة - ثم يخرج بإذن الله ورحمته وفضله بعد أنْ يأذن تعالى بالشفاعة ويخرج سبحانه وتعالى مَن شاء أنْ يخرج مِن النار بعد ذلك، ولا يبقى في النار إلّا مَن قال النَّبيُّ صلّى الله عليه وسلّم: «إلّا مَن حبسه القرآن»(16) وهم الكفار الذين خلودهم أبديّ لا يخرجون منها أبد الآباد، هذا الصحيح الذي لا إشكال فيه، وهو الأمر الذي يجب أنْ يُعتقد وأنْ يُدان الله تعالى به، فأهل الجنة وأهل النار باقون فيها بعد أنْ يستقر مَن يُخرج مِن النار مِن الموحدين ويستقروا في الجنة؛ فإنّ المكث يكون فيها أبديًا، والمكث الأبديّ ليس متصورًا معه انقضاء أصلًا! لأنه لو عُمِّرَ إنسان عمرًا طويلًا كأنْ يعمر ألف سَنَة كما عُمِّر نوح وكما عمر آدم عليه السلام؛ فإنّ هذه الألف تنقضي، لو عُمِّرَ ما عُمِّرَ فإنها تنقضي لأنها مربوطة في الدنيا، أما الآخرة فليس لأهلها زوال ونهاية، هم مستمرون في هاتين الدارين - فريق في الجنة وفريق في السعير - أبد الآباد بلا انقضاء نهائيًا، ولهذا قال تعالى في أهل النار: ﴿لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى(17)، يعني لا يصيبه الموت كما كان في الدنيا، وحياته أشرُّ الحياة في النار - نسأل الله العافية - مِن هذا العذاب المستديم، وهكذا أهل الجنة قد أَمِنوا كما تقدم في الحديث أنه يذبح الموت بين الجنة والنار، وبالمناسبة الذبح يكون للموت لا لمَلَك الموت! في الفقرة السابقة الذبح ليس لنفس مَلَكِ الموت وهو الذي يقبض الأرواح! وإنما للموت نفسه، يؤتى بالموت في صورة كبش أملح ويُجعل بين الجنة والنار ويقال: «يا أهل الجنة فيشرئبّون، ويقال: يا أهل النار، فإذا نظر الجميع، قيل: هل تعرفون هذا؟ قال صلّى الله عليه وسلّم: فيقولون: نعم - وكلهم قد رأوه - فيُذبح الموت»(18) نفس الموت، الموت حقيقة وجودية بإذن الله عزّ وجلّ، خلقه الله كما قال الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ(19)، فالموت هذ ذبح، فإذا ذبح فمعنى ذلك أنه ليس هناك مجال لأنْ يسلم أهل النار مِن النار بالهلاك، لأنّ الإنسان في الدنيا قد يواجه شقاء وعناء وصعوبات فيأتيه الموت فينقضي وينتهي ما كان يعانيه مِن هذا الشقاء، أما أهل النار؛ فإنَّه إذا ذُبِحَ الموت تقطعت آمالهم لأنهم غاية ما يأملون أنْ يموتوا: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ(20)، هذا المراد بهاتين المسألتين وهو أنّ الجنة والنار خلقتا وليستا - كما تقول المعتزلة - لم تخلقا بعد! بل خلقتا وأُعِدَّتَا، وهما موجودتان، وأهل القبور تُفتحُ لهم إلى الجنة مِن النعم، يُفتح لهم إلى مقعده في الجنة، وإذا كان ممن يعذب فإنه يفتح له إلى مقعده مِن النار، ويأتيه - كما قلنا - الأول مِن طيب الجنة وريحها ويأتي الثاني مِن عذاب النار وسمومها، لهذا قال رحمه الله: "وقد خُلقتِ الجنةُ وما فيها" يعني مِن النعيم كله لا ينقضي ولا يفنى، "وخُلقتِ النارُ وما فيها، خلقهما الله ثم خلق الخلق لهما" يعني أنّ الخلق كما قال تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ(21).

ثم قال: "لا يفنيان" هذه المسألة الثانية، المسألة الأولى في قوله "وقد خُلقتِ الجنةُ وما فيها" ردًا على المعتزلة في قولهم إنَّها لم تخلق.

المسألة الثانية أنهما لا تفنيان، الجنة والنار لا تفنيان، "لا يفنيان ولا يفنى ما فيهما أبدًا".

ثم قال: "فإنْ احتج مبتدع أو زنديق بقول الله تبارك وتعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(22)" المبتدع يعني عنده بدعة -كما سبق في شرح البدعة ومعناها-، الزندقة حركة وجدت في زمن بني أمية - بعض الزنادقة - ثم تعاظمت واشتدت في زمن بني العباس، والزنديق مقتضى المراد بكلمة الزنديق أنه المنافق الذي يظهر الإسلام ويبطن الكفر، والكلمة فيما يظهر فارسية في أصلها لكثرة في مَن أظهروا الإسلام ممن كانوا في البلاد المفتوحة وصاروا يكيدون لأهل الإسلام في الداخل، واشتد خطرهم وعَظُمَ باطلهم؛ فتتبعهم - كما قلنا - بنو أمية، قتلوا منهم عددًا غير قليل مِن الزنادقة، ثم تكاثروا جدًا في زمن دولة بني العباس، حتى إنَّ الخليفة المهدي رحمه الله - وهو مِن خيار بني العباس - الخليفة المهدي والخليفة الرشيد رحمهما الله مِن أحسن خلفاء بني العباس، وضع المهدي رحمه الله تعالى ديوانًا خاصًا بالزنادقة، سماه ديوان الزندقة، قَتَلَ فيه أكثر من أربعة آلاف زنديق، مما يدل على كثرة الزنادقة، لأنّ الموتورين والمقهورين مِن الذين كانوا مِن أهل الديانات الباطلة مِن فرس أو روم أو غيرهم دخلوا في الإسلام في الظاهر وصاروا يكيدون لأهله ويُظهِرون ما يظهرون مِن كونهم حريصين على الإسلام وذوي مبدأ صادق في الاعتصام بالإسلام ثم يبثون شيئًا مِن الزندقة، وتتبعهم -كما قلنا- الخليفة المهدي، وكان مِن عجيب ما وقع أنّ أحد الشعراء اتهم بالزندقة ثم أُتيَ به إلى الخليفة المهدي رحمه الله؛ فاعتذر ببيت شعر عفا عنه به ثم لمّا تأمل بيتَ الشعر الثاني قتلَه به، بيت الشعر الأول الذي قاله قال: "ما يبلغ الأعداءُ مِن جاهل؛ ما يبلغ الجاهلُ مِن نفسه" يقصد نفسه أنه كان جاهل حين حصل منه ما حصل ثم قال: "والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يوارى في رمثه"(23) في البيت الأول لمّا قال: ما يبلغ الأعداءُ مِن جاهل؛ ما يبلغ الجاهلُ مِن نفسه؛ يعني يُخَطِّأُ نفسَه فعفا عنه، لمّا وَلّى قال: ألستَ تقول: والشيخ لا يترك أخلاقه حتى يُوارى في رمثه - يعني في قبره - إذن أنت لن تترك أخلاقك! ما دمتَ الآن اعترفتَ - وهو رجل كبير - نسأل الله حسن الخاتمة؛ ما دمت الآن تقول في شعرك الذي تعتذر به: أنّ الشيخ - يعني الشيخ الكبير المقصود به - لا يترك أخلاقه يعني لا يترك طبائعه حتى يوارى في رمثه أي في قبره فأمر به فقُتِلَ إلى غير ذلك مِن أمثال عبد الكريم بن أبي العوجاء ومحمد بن سعيد المصلوب مِن الزنادقة وأضرابهم كُثُر.

فيقول: "إنْ احتج مبتدع أو زنديق بقول الله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(24) وبنحو هذا مِن متشابه القرآن" فالقرآن نوعان – الآيات فيه - كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ(25) الآيات المحكمات هي الآيات البيّنة الواضحة المعنى، والآيات المتشابهات هي الآيات التي لا يتضح معناها إلّا إذا رُدَّت إلى المحكم مِن القرآن، فإذا رُدّت الآيات المتشابهة في معناها إلى الآيات المحكمة تبيّنت، ماذا يفعل أهل الزيغ؟ كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ(26) يبحثون عن المتشابه الذي يُحققون مِن خلال ألفاظه مقولاتِهم الباطلة ويتركون المحكم البيّن الجليّ، فلا يَرُدّون المتشابه إلى المحكم، ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ماذا يفعل الراسخون؟ قال تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ(27) ثم استأنف وقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا(28) المحكم والمتشابه، فيؤمنون بالمحكم وبالمتشابه جميعًا، ويعملون بالمحكم ويَرُدّون المتشابه إلى المحكم، إذا رُدَّ المتشابهُ إلى المحكم تبيّن المتشابه واتضح معناه، أما إذا رُكِّزَ على المتشابه وحده فإنّ ذلك يُوجد الفتنة ويُوجد التشويشَ عند الناس، فمِن علامات أهل الزيغ البيّنة – وهذه مِن الفتن العظيمة في وجود المتشابه القرآن - أنّ صاحب الزيغ تجده دائمًا يبحث عن المتشابه، والمحكَم البيّن يبعد عنه! لأنّ المحكم البيّن لا يحقق به بدعته لأنه ضده، أما المتشابه فإنه لا يرضى بأنْ يُرَدّ إلى المحكم حتى يتضح ويُفسَّر بتفاسير الصحابة والتابعين وقبل ذلك بتفسير النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم، لأنّ النَّبيَّ صلّى الله عليه وسلّم بيّن عددًا مِن آيات القرآن، إنما يتبع المتشابه، لأجل ذلك قال: "وبنحو هذا مِن متشابه القرآن"، إذا احتج - يعني أحد مِن هؤلاء - بهذه الآيات وهي قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(29) لإرادة الاستدلال بها على أنّ الجنة والنار تفنيان؛ فقل له: "كل شيء مما كَتَبَ الله عليه الفناء والهلاك هالكٌ" هذا المعنى، يقول: هذه الآية المراد بها ليس المعنى أنّ الله يهلك كل شيء! إنما المراد إهلاك كل شيء مما كُتِبَ عليه الفناء، أما الجنة والنار فهل كُتِبَ عليهما الفناء أو البقاء؟ كُتِبَ لهما البقاء، فبناء عليه قال: "والجنة والنار خُلِقَتَا للبقاء لا للفناء ولا للهلاك"، "وهما مِن الآخرة لا مِن الدنيا" هذا أمرٌ آخر، يؤكد ويعزز به ما قال، قال: الجنة والنار إنما خلقت لتبقى وتستديم، ثم إنها مِن الآخرة؛ والآخرة معلوم أنها مستديمة، فالذي يفنى الله تعالى جعل الفناء للدنيا وأهلها، فلأجل ذلك قال: إنَّ احتجاجهم بـ: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(30) الاستدلال بالإطلاق العام هذا وعدم إدخال الأفراد الداخلة فيه؛ بل إدخال الأفراد الداخلة فيه وإدخال ما لا يدخل فيه، نعطيك مثالًا على هذا: يقول أهل العلم رحمهم الله: إطلاق كل شيء يكون بحسبه، فمثلًا قول الله تعالى عن ملكة سبأ: ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ(31) ما المراد بقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ﴾؟ نفس قوله هنا ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ(32) نفس العبارة "كل شيء" موجودة هنا فيما ذَكَرَ الله تعالى عن ملكة سبأ ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ما المقصود؟ هل المقصود أنها أوتيت أمور الدنيا والآخرة؟ "كل شيء" أو المقصود أوتيت مِن كل شيء مما يُؤتاه أهل الملك، هذا المعنى، والدليل على هذا أنها لم تؤتَ ما أوتي سليمان نفسه عليه الصّلاة والسّلام، وإنما المقصود أنه كان عندها مِن أبهة الملك ومما فيها مِن مثلما ذَكَرَ الله عزّ وجلّ مِن العرش العظيم الذي لها ونحو ذلك، أوتيت مما يؤتاه أهل الملك، هذا المعنى، ولذا إطلاق كل شيء هنا هو بحسبه، وليس المراد أنها أوتيت مِن كل شيء مطلقًا، خالف كذلك هنا قوله تعالى ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي مما كَتَبَ الله عليه الفناء، والجنة والنار إنما خُلِقَتَا للبقاء لا للفناء.

ثم قال رحمه الله تعالى: "والحور العين لا يَمُتْنَ" الحور العين مِن معين الجنة، ولمّا كانت الجنة لا تفنى؛ فكذلك الحور العين ليست مما يفنى، لأنها مِن الجنة؛ وخلقت أيضًا للبقاء كما تقدم، فاستدل بنفس الدليل، ولهذا قال: "والحور العين لا يَمُتْنَ عند قيام الساعة ولا عند النفخة، لأنّ اللهَ تبارك وتعالى خَلَقَهُنّ للبقاء لا للفناء، ولم يكتب عليهنّ الموت" إذن المعنى في قوله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ كل شيء هالك مما كتب الله تعالى عليه الهلاك.

ثم قال: "فمن قال بخلاف ذلك فهو مبتدع مخالف قد ضلّ عن سواء السبيل" مِن أهل العلم الحقيقة مَن اختار أنّ النارَ وحدها دون الجنة تفنى، واستدلوا بأدلة منها: أنّ الله تبارك وتعالى لمّا ذَكَرَ خلودَ أهل الجنة قال: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ(33) أي غير مقطوع؛ ولمّا ذَكَرَ خلود أهل النار قالوا: إنَّ قوله تعالى ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ(34) بعد أنْ ذَكَرَ ما يتعلق بخلود أهل النار قال: إنه نوع استثناء، يعني أنَّ الأمر فيهم مَرَدُّه إلى الله، واستدلوا أيضًا بآثار وردت عن بعض السلف رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم مقتضاها أنّ النار تفنى ولا تستمر ولا تبقى كبقاء الجنة، أما بقاء الجنة فهذا بدون أدنى تردد عند الجميع أنّ الجنة لا تفنى نهائيًا وأنّ أهلها خالدون فيها خلودًا لا انقضاء معه، يمكثون بها أبد الآباد، أما النار فقالوا: إنَّ عذاب أهلها يبقى مُدَدًا هائلة متطاولة بدلالة قوله تبارك وتعالى لمّا ذَكَرَ عذابهم: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا(35)، فهي آلاف السنين التي لا يحصيها إلّا الله، قالوا: لكنها تنقضي، ولأجل ذلك فما كل مَن قال بفناء النار نقول: إنه زنديق مبتدع! لأنّ مِن أهل السُّنَّة مَن قال بهذا القول، لكن ما مقدار هذا القول؟ الحق أنّ هذا القول ضعيفٌ وأنه ليس بصواب، هذا الذي لا شكّ فيه، لأنّ ظاهرَ النصوص دالّة على أنّ الحالة في الجنة والنار واحد مِن جهة الخلود، والآيات الدالة على خلود أهل الجنة ذُكِرَ فيها الخلود الأبدي كما ذُكِرَ في أهل النار الخلود الأبديّ، والاستثناء الوارد في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ(36) هذا ذُكِرَ حتى في أهل الجنة؛ فما المراد بالاستثناء؟ قالوا: إنَّ المقصود أنَّ الله خلق أهل الجنة للجنة وخلق أهل النار للنار؛ فهم ماكثون فيها أبدًا إلّا ما شاء الله في المدة التي تسبق الجنة والنار وهي الدنيا، لأنّ أهل الجنة خلقوا للجنة وأهل النار خلقوا للنار فهم باقون فيها، فالاستثناء قالوا: ليس المقصود بالاستثناء إلّا المدة التي قبل دخولهم الجنة ودخولهم النار، فإذا دخلوها فإنهم باقون فيها أبد الآباد، فالاستثناء عائد على الدار الدنيا التي لا يدخلون الجنة حتى تنقضي الدنيا وتأتي الآخرة.

الحاصل أنّ الذي لا إشكال فيه - وهو الذي عليه جماهير أهل السُّنَّة - أنّ الجنة والنار لا تفنيان أبد الآباد؛ وأنه لا انقضاء بتاتًا لنعيم أهل الجنة ولا انقضاء لعذاب أهل النار، وقلنا: إنَّ المقصودَ غيرُ عصاة الموحدين، لأنّ عصاةَ الموحدين ينقضي عذابُهم بإذن الله عزّ وجلّ ثم يكونون مِن أهل الجنة، أما الذين حبسهم القرآن - كما قال عليه الصّلاة والسّلام - وهم أهل الكفر الذين يموتون على الكفر والشرك فهؤلاء لا شكّ أنهم باقون في النار أبد الآباد التي لا تنقضي ولا تنقطع نهائيًا - نسأل الله العفو والعافية.


(1) القصص: 88.
(2) آل عمران: 133.
(3) البقرة: 24.
(4) غافر: 46.
(5) غافر: 46.
(6) صحيح البخاري (3318) من حديث ابن عمر رضي الله عنه مرفوعًا.
(7) صحيح البخاري (4623) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(8) صحيح البخاري (745) من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما مرفوعًا.
(9) النور: 51.
(10) النساء: 65.
(11) غافر: 35.
(12) غافر: 5.
(13) السُّنَّة لعبد الله بن أحمد (1/ 174).
(14) النساء: 57.
(15) البقرة: 167.
(16) صحي البخاري (4476) من حديث أنس رضي الله عنه مرفوعًا.
(17) طه: 74.
(18) صحيح البخاري (4730) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا.
(19) الملك: 2.
(20) الزخرف: 77.
(21) الشورى: 7.
(22) القصص: 88.
(23) تاريخ الخلفاء للسيوطي (ص: 204).
(24) القصص: 88.
(25) آل عمران: 7.
(26) آل عمران: 7.
(27) آل عمران: 7.
(28) آل عمران: 7.
(29) القصص: 88.
(30) القصص: 88.
(31) النمل: 23.
(32) القصص: 88.
(33) هود: 108.
(34) هود: 107.
(35) النبأ: 23.
(36) هود: 107.


 مواد ذات صلة: