موقع جامع شيخ الإسلام بن تيمية - شرح اعتقاد حرب الكرماني

  

الرد على بعض مقولات المرجئة

ومَن زعم أنَّ الإيمانَ قولٌ بلا عمل؛ فهو مرجئ.


انتبه الآن إلى العبارات التي سيقولها حرب رحمه الله تعالى، والأحسنُ أنْ ترقّمها في فقرات؛ فتقول ألف: مَن زعم أنَّ الإيمان قول بلا عمل تقول: ألف، أنّ الإيمان قول والأعمال شرائع: باء، لأنّ هذه مقولات المرجئة.


ومَن زعم أنَّ الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ، ومَن زعم أنَّ الإيمان هو القول؛ والأعمال شرائع فهو مرجئ، ومَن زعم أنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهو مرجئ، ومَن زعم أنَّ الإيمانَ يزيد ولا ينقص فقد قال بقول المرجئة، ومَن لم يَرَ الاستثناءَ في الإيمان فهو مرجئ، ومَن زعم أنَّ إيمانه كإيمان جبريل أو الملائكة فهو مرجئ وأخبثُ مِن المرجئ؛ فهو كاذب، ومَن زعم أنَّ الناس لا يتفاضلون في الإيمان فقد كذب، ومَن زعم أنَّ المعرفةَ تنفع في القلب وإنْ لم يَتكلم بها فهو جهميّ، ومَن زعم أنه مؤمنٌ عند الله مستكملُ الإيمان فهذا مِن أشنع قول المرجئة وأقبحه.


هذه مقولات المرجئة، سنذكر الكلام الآن عن المرجئة والتعريف بها إنْ شاء الله تعالى.

نحتاج لذكر الكلام عن المرجئة والتعريف بهم وهكذا الخوارج، سيأتي الكلام عليهم في آخر الرسالة إنْ شاء الله تعالى، سنذكر تعريفًا بالخوارج، لأنَّ الناسَ اليوم أيها الإخوة صاروا يتقاذفون بوصف مَن يخالفهم بأوصاف الفِرَق الضالة! فتسمع الآن بعض طلبة العلم يلقي على آخر أنه مِن المرجئة! وآخر يقول: هذا مِن الخوارج! والحقيقة أنَّ هذه مِن العظائم، الإرجاءُ بدعة شنيعة قبيحة، ومقولةُ الخوارج مِن مقولات الفِرَق الضالّة والبدع الشنيعة، فلا تكن هذه المسألة مِن المسائل اليسيرة في الألسن؛ بحيث مَن غضب على أحد قال: أنت مِن المرجئة! ثم يقابله فيقول: بل أنت مِن الخوارج! هذا خطر مِن جهتين:

الجهة الأولى: أنك قد تقذف رجلًا مِن أهل السُّنَّةِ بهذه البدعة العظيمة مِن بدعِ المرجئة أو مِن بدع الخوارج؛ فمعنى ذلك أنك تخرجه مِن السُّنَّة، هذا الخطر الأول.

الخطر الثاني أيها الإخوة: الناس إذا صاروا يتقاذفون بمثل هذه التهم؛ تصعب هذه التهم أو تسهل؟ تسهل في أذهان الناس، الخطيب الفلاني مرجئ! الخطيب الثاني خارجي! والداعية هذا مرجئ! وذاك خارجي! سهلتم المسألة! فإذا جاء المرجئ الحقيقي ضاع في وسط هذه التهم، وإذا جاء الخارجي الحقيقي ضاع في وسط هذه التهم، فيجب أنْ يُكفَّ عن إطلاق وصفِ الإرجاء إلّا على مَن هو بالفعل مِن المرجئة - كما سيأتي التوصيف الآن -، أما إذا أغضبك موقف مِن مواقفه فتقول: هذا مرجئ! أو إذا أغضبك موقف معاكس لموقف ذاك فتقول: هذا قول الخوارج! أتدري أنَّ هذا شرعًا مِن أشد ما يكون في الجناية؟ فلو رُفِعَ لقاضٍ أنك اتهمتَ أحدًا بأنه مِن الخوارج؛ لأدّبك القاضي على ما قلتَ إلّا أنْ تُثبتَ أنه مِن الخوارج، أتدري لماذا؟ لأنَّ الخارجي شرعًا ما حكمه؟ القتلُ بنص حديث النَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم: «اقتلوهم أينما لقيتموهم»(1)، وقال صلّى الله عليه وسلّم للخوارج: «لَئِنْ أدركتُهم لأقتلنهم قَتْلَ عاد»(2)، فإذا قلتَ لأحد أنه مِن الخوارج فأنت الآن أشرت بدمه، تشيط بدمه، معناه أنه يستحق القتل! وإذا قال لك: بل أنت المرجئ؛ فمعنى ذلك أنَّ هذه المقولة الخطيرة التي سيأتي الآن توصيفها – وهي على درجات أيضًا - معناها أنَّ رجلًا أُخرج مِن السُّنَّة إلى الإرجاء، فتضيع بمثل هذه التصرفات، والآن الحقيقة الإنسان يتعجب مِن هذه الإطلاقات! هذا يدل على أنَّ الناس لا يدرون بخطورة هذه الإطلاقات.

ومثلها أيها الإخوة إطلاقُ كلمة "علماني"، يأتي شخص مثلًا يطالب بقيادة المرأة للسيارة والاختلاط في التعليم هل هو علماني؟ لا يا أخي، لا تقل: علماني، العلمانية خطيرة جدًا، العلمانية في المعاجم الأجنبية تعني: اللاديني، لكنْ كونُه يدعو إلى قول باطل؛ نعم قوله باطل، قيادة المرأة لا تحل، الاختلاط باطل وخطير، لكنْ لا تطلق أنه علماني! لأنك إذا قلتَ: إنه علماني؛ تقول: إنه كافر، ثم إنَّ بعض مَن يقولون لهؤلاء: إنهم علمانيون؛ إذا قيل: هم كفار! قال: أنا لا أكفّرهم، سبحان الله، ماذا فعلتَ؟ أنت الآن كفرتَه! لأنَّ العلمانية تعني اللادينية، وليس معناها كما في معجم "أكسفورد" الدين والدنيا؛ بل معناها المضادة للدين، فالعلماني معناه اللاديني، فلا تستسهل إطلاق الكلمات هذه، واعرف قبل أنْ تطلق الكلمة اعرف معناها ومدلولها، قلْ: هذا قول باطل، هذا القول يؤدي للفتنة في المسلمين، هذه أقوال عفنة سيئة وخطرة وشرها على الأمة كبير، وعلماء الأمة الراسخون أفتوا ببطلان هذا والنصوص والأدلة واضحة في منع هذا، قل في هذا السبيل، وانقل كلام أهل العلم، لكنْ إطلاق هذه الكلمات على الناس بأنهم علمانيون مرجئة خوارج خطير جدًا! إلّا إذا وقعتَ موقعها، إذا وقعت موقعها فنعم، لأنَّ هذا مستحق لهذا الوصف، أما أنْ يتقاذف الناس فيما بينهم هذه العبارات ويتساهلوا فيها؛ فلا شك أنَّ هذا مِن الخلل الكبير، ومِن دلائل كون مَن يطلق هذه الألفاظ لا يدري بفداحة وخطورة أنْ يُخرج رجلًا مِن السُّنَّة إلى البدعة؛ وأنْ يخرج رجلًا حتى لو فسق، فرْقٌ بين الكافر والفاسق، حتى لو فسق وطالب بأمر سيء أو حتى ظن وتوهم - ليس مِن الضرورة أنْ يكون فاسقًا! -، يعني قد يظن أنَّ النصوصَ دالةٌ على جواز الاختلاط، لأنَّ ثمةَ نصوص تدل فعلًا على وجود اختلاط الصحابة والصحابيات، نعم قبل الحجاب، تأتي وتبيّن له، تقول: هذه النصوص قبل الحجاب، لمّا نزل الحجاب عام خمس انتهت مثل هذه الأمور، فهذه النصوص كانت في أول الإسلام، كما أنه في أول الإسلام كان الخمر مباحًا، وشربَ الخمر مِن خيار الصحابة منهم المهاجرون والأنصار شربوه، لأنَّ الله لم يحرمه، ولا يمكن أنْ يأتي أحد يدين الصحابة بأنهم شربوا الخمر قبل أنْ يحرم، لكن بعد أنْ حرّمه الله لا تأتي لتستدل بما كان قبل التحريم! يوضح، لأنَّ مِن الناس مَن يجهل، فأما المبادرة بإطلاق هذه الكلمة فإنها تدل في الحقيقة على أنَّ الإنسان عنده تهور في الإطلاق، وعنده تعجلٌ، وأنه لا يدري بخطورة الكلمة التي يقول، ومِن ذلك إطلاق كلمة الإرجاء.

انظر إلى التوصيف الذي ذكره رحمه الله تعالى عن المرجئة، أولًا قبل أنْ نذكر توصيفه للمرجئة، قد نطيل في الحقيقة بعض الشيء في موضوع الإيمان؛ لأنَّ موضوع الإيمان هو الذي بدأ به حربٌ في غاية الأهمية، مهم للغاية، تترتب عليه مسائل، وتترتب عليه أحكام، فلأجل ذلك سنطيل في موضوع الإيمان ونربط هذا بواقع الناس وببعض الملحوظات التي تكون في محيط المنسوبين للسُّنَّة.

أولًا: لابُدّ أنْ نضبط معنى المرجئة، ما معنى الإرجاء؟ الإرجاء معناه التأخير، كأنْ تقول: أرجئ الموعدَ مِن الأسبوع القادم إلى الذي يليه، يعني أَخِّرْ الموعد مِن الأسبوع القادم إلى الأسبوع الذي يليه.

المرجئة لم سُمّوا بالمرجئة؟ لأنهم أرجأوا العمل عن الإيمان، أرجأوا العمل يعني أخّروا العمل عن الإيمان، جميع فِرَقِ المرجئة تُخرج العملَ عن الإيمان، فلأجل ذلك سُموا بالمرجئة.

الإرجاء نوعان: هناك نوع مشهور - وهو الذي نتحدث عنه -، وهناك نوع قديم وهو إرجاء - قال به الحسن بن محمد بن الحنفية وندم عليه ندامة بالغة - بإرجاء أَمْرِ مَن وقع مِن الصحابة رضي الله عنهم وما وقع منهم؛ ما وقع في مسألة الفتنة، إرجاء أمرهم إلى الله، يعني تأخير أمرهم إلى الله تعالى، فقالوا: نتولى أبا بكر وعمر ونرجئ يعني نؤخر أَمْرَ مَن بعدهم إلى الله، وهذا مذهب باطل بلا شك، لأنه يجب أنْ يُتولى جميعُ الصحابة، وجميعُ الصحابة ممن وقع منهم ما وقع رضي الله عنهم وأرضاهم هم بين مجتهد أصاب وبين مجتهد أخطأ، وعلي وطلحة والزبير وعثمان كلهم مع أبي بكر وعمر في حديث واحد أنهم مِن أهل الجنة، كيف نرجئ أمرهم؟؟ بل نجزم أنهم مِن أهل الجنة، فهذا الإرجاء غير مشهور، ليس بمشهور هذا الإرجاء، لكنّ الإرجاء المشهور هو الذي ساد في الفِرَق وانتشر، وهو ارجاء العمل، يعني تأخير العمل عن أنْ يكون مِن ضمن حقيقة الإيمان، هذا هو الإرجاء المشهور.

الأمر الثاني: لماذا خرج الإرجاء؟ الإرجاء خرج ردة فعلٍ لقول الخوارج، لمّا وُجدتِ الخوارج - وعندهم هذا التشدد والزيادة والمبالغة - وصاروا على هذا الحدّ الشديد والطرف البالغ في الغلو؛ قابلتهم فرقةُ المرجئة، فلمّا شدَّدَ الخوارجُ في الذنوب سَهَّلت المرجئةُ في الذنوب، ولمّا شدّد الخوارج في الأعمال سهّلتِ المرجئةُ في الأعمال، وهذه عندنا في الفِرَق وُجِدَ عدد مِن الفِرَق ما هم إلّا ردة فعلٍ لفرقة أخرى، فلما خرجت الجهميةُ ونفتِ الصفات قابلتهم مَن؟ المشبهةُ، فشبهت صفاتِ الله تعالى بصفات الخلق، يعني بالغوا في الإثبات، لأنَّ الجهمية بالغوا في النفي، فمِن أسباب نشأة الفِرَق – لعله يأتي إنْ شاء الله لاحقًا - أنَّ بعض الفِرَق ما هي إلّا ردة فعل لقول فرقة أخرى، فالإرجاء كما روى عبد الله بن أحمد رحمه الله تعالى في السُّنَّة: "إنما خرج بعد فتنة ابن الأشعث"، عبد الرحمن بن الأشعث الكندي خرج على الحجاج وقاتله، فلما صار منه ما صار؛ خرجت المرجئة بعد ذلك، ظهر فكرُ الإرجاء بعد ذلك مِن باب ردة الفعل لِمَا حصل مِن ابن الأشعث ومَن معه، إذن فالمرجئة ما هي إلّا ردة فعل، وهكذا كثير مِن الفِرَق تجد أنَّ الفِرَقة تأخذ بقول ثم تقابلها فرقة أخرى وتأخذ بقول في طرف آخر، فهذا هو سبب أو بداية نشأة الإرجاء، قيل: إنَّ أول مَن قال بهذه المقولة ذَرُّ بن عمر الهمذاني، وقيل: غيره، ذَرّ هذا كان ممن خرج مع ابن الأشعث ثم صار مرجئًا، وهذا يحدث في الحقيقة لِمَن خرج عن السُّنَّة – وهذا تلاحظه مِن بعض الموجودين الآن - تجد أنَّ بعض الناس كان متشددًا متنطعًا كثير النقد لعلماء السُّنَّة كالشيخ ابن باز وغيره رحمه الله ثم تجده - نسأل الله العافية - ينتكس انتكاسًا شديدة جدًا حتى يأخذ بمقولات الفكر الغربي والليبرالي، وهذا حال كثير مِن هؤلاء، سبحانه الله لم يعرفوا الوسطية في حياتهم أبدًا! نشأوا نشأة غلو وزيادة وعجرفة ونقْدٍ لأهل العلم وذمّ لأهل العلم وسبّ لأهل العلم ووصف لأهل العلم بالمداهنين والخونة ونحو ذلك! ثم انتكس - نسأل الله العافية - وترك السُّنَّة بالكلية، وأخذ بالفكر الغربي، وصار يطالب بالمطالبات العفنة التي تراها مكتوبة الآن، وتراهم يطالبون بها، وكثير مِن هؤلاء ما كانوا إلّا مجموعة مِن المتهورين والغلاة الذين هم أقربُ إلى فكرِ الخوارج ثم انتكسوا - نسأل الله العافية -، هذا يقع في الحقيقة، يقع لكثير مِن هؤلاء أنْ يأخذ بطرف ثم يرجع إلى الطرف المقابل، نعوذ بالله مِن الحور بعد الكور، ونعوذ بالله مِن زيغ القلوب.

نأتي الآن إلى تفصيل مقولات المرجئة، هل هناك حاجة؟ نعم هناك حاجة، حتى تعرف إذا أطلقتَ كلمة الإرجاء على أحد مِن أهل السُّنَّة؛ أنْ تعرف مقالتك هذه ومدلولها، المرجئة اتفقوا جميعًا - كما قلنا - على إخراج العمل مِن الإيمان، فالإيمان عندهم لا يدخل فيه العمل، لهذا صاروا أربع طوائف.

الطائفة الأولى: الذين اقتصروا على أنَّ الإيمانَ أمرٌ قلبي فقط، وهم غلاة المرجئة، وعلى رأسهم الجهم بن صفوان زعيم الجهمية، فقال: إنَّ الإيمان هو المعرفة، مَن عرف أنَّ الله ربه؛ فهو مؤمن كامل الإيمان، ماذا يكون معنى الكفر عنده؟ قال: يكون الكفر عنده هو الجهل، فمَن عرف أنَّ الله هو الرب فهو مؤمن كامل الإيمان! قطعًا يحدث من جراء هذا التعريف شيء خطير جدًا وهو أنَّ كفار قريش بنص القرآن يعرفون أنَّ الله ربهم ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ(3)، وأهل الكتاب الذين كفروا بالنَّبيِّ صلّى الله عليه وسلّم كانوا يعرفونه بنص القرآن قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ(4) فحصلت المعرفة، بل إبليسُ يعرفُ أنَّ الله ربه ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي(5)، ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ(6)، قال أهل العلم لجهم بن صفوان: على تعريفك هذا يا شقي يدخل في الإيمان كل أحد حتى إبليس - نسأل الله العافية -، ولمّا كان مِن المرجئة مَن يقول: إنَّ الإيمان شيء واحد كامل مثل إيمان جبريل وميكائيل؛ ساوى - والعياذ بالله - بين إيمان إبليس - على مقولته - وبين إيمان جبريل وميكائيل، فهذا أفظع وأقبح مذاهب المرجئة، وهم غلاة المرجئة الذين يجعلون الإيمان أمرًا قلبيًا دون نطق لسان ودون عمل جوارح ودون عمل قلب حتى! مجرد أنْ يعرف أنَّ الله ربه فهو مؤمن.

تفرع مِن قول الجهم بن صفوان قولٌ حاول أصحابه أنْ يخففوا – يعني هذه مقولة خطرة جدًا - حاولوا أنْ يخففوا فقالوا: إنَّ الإيمان ليس هو مجرد المعرفة بل هو التصديق، أنْ يصدق القلب، فإذا صدق القلب؛ حصل في هذه الحالة الإيمان، وتحقق المطلوب، وصار المرء في إيمانه هذا مثل جبريل وميكائيل في إيمانهم - نسأل الله العافية -، قالوا: فالناس والملائكة جميعًا في إيمانهم شيء واحد، هذه المقولة مقولة مَن يجعل مدار الإيمان مرتبطًا بالقلب وحده، مقولة الجهم أنه هو المعرفة، وتفرع عنها مقولةُ مَن قال إنه التصديق - وهي مقولة تقترب مِن مقولة الجهم في المعرفة -، مَن يقول بهذا القول؟ يقول بهذا القول الآن الأشعرية والماتريدية، هم على هذا القول، وكلامهم هذا منتشر جدًا، وينصرونه، ويزعمون أنه هو الصواب، ويخرجون نطقَ اللسان وعملَ الجوارح، إذن هذا الاتجاه الأول ممن يقول بقول المرجئة، مَن يجعل الإيمان أمرًا قلبيًا فقط - سواء عبّر عنه أنه هو المعرفة أو أنه التصديق -.

القول الثاني: وهو قول مهجور، ولعله لا يوجد أحد يقول به، وهو قول الكرامية - محمد بن كرَّام - قال: إنَّ الإيمان هو نطق اللسان فقط دون عمل الجوارح ودون اعتقاد القلب! هذا قول مهجور وقول باطل، مجرد نطقه والتكلم يكفي لتصور فساده.

القول الثالث - وهو القديم -: وهو قول مَن يُسمّون بمرجئة الفقهاء، وهم يقولون: إنَّ الإيمان قول باللسان واعتقاد بالقلب! وبالتالي يترتب على هذه المقالة أنّ العمل خارج الإيمان، لكن قالوا: لا يكون مؤمنًا إلّا إذا نطق باللسان، ما الفرق بين هذا القول وقول مَن حصر الإيمان في القلب - سواء بالمعرفة أو التصديق -؟ أنَّ مرجئة الفقهاء وهم كانوا في العراق مِن أهل الكوفة بدءًا مِن حماد بن أبي سليمان - عفا الله عنه - ومَن قال بمقولته لأنه كان عندهم فقه فمرت هذه المقولة فيهم - وسيأتي الكلام إنْ شاء الله تعالى عليه مفصلًا في موضعه بإذن الله تعالى -، قالوا: إنه لو زعم إنه مؤمن وأبى أنْ ينطق؛ فإنه يكون كافرًا، لابُدّ أنْ ينطق بلسانه، والعمل؟ قالوا: العمل ليس داخلًا في حدّ الإيمان، لكنْ لابُدّ مِن العمل، وصاحبُ الكبيرة داخلٌ تحت الوعيد، ونفس مرجئة الفقهاء مِن أكثر الناس عملًا - يعني أهل عبادة وصلاح وتقوى - لكن مضت عليهم - والعياذ بالله - هذه الشُّبهة، فهذه أقوال المرجئة، منهم مَن يقول: إنَّ الإيمان محصور في القلب، تارة يقولون: إنه مجرد المعرفة؛ أنْ يعرف أنَّ الله ربه، وتارة يقولون - وهو القول الثاني - وإنْ شئت قلتَ: إنّ أمر القلب واحد مفرع إلى أمرين، مَن يقول: إنَّ الإيمان هو التصديق، هذه طريقة الأشعرية والماتريدية، وابن كرام الذي يقول: إنه مجرد النطق باللسان، والمرجئة - مرجئة الفقهاء - يقولون: هو نطق اللسان واعتقاد القلب، وبالتالي أجمعت المرجئة بطوائفها كلها على أنَّ العملَ خارجُ الإيمان، وهذا الذي نقل السلف الإجماع على خلاف قولهم؛ وأنَّ مَن قال بمثل هذه المقولة فإنه مِن المرجئة.

حَرْبٌ رحمه الله تعالى هنا يقول: "مَن زعم أنَّ الإيمان قول بلا عمل فهو مرجئ" هذا وصف مَن يزعمون أنَّ الإيمان مجرد أنْ تقول دون أنْ تعمل، يعني الذين أخرجوا العمل هؤلاء مِن المرجئة، ومَن زعم أنَّ الإيمان هو القول يعني حدّ الإيمان الذي يصح به هو أنْ يقول فقط! والأعمال؟ يقول: لا تدخل في حقيقة الإيمان لكنها شرائع، لا أُسهّلُ مِن أمْرِها لكنّ الإيمان لا علاقة بهذه الأعمال! وثمة خبر لطيف للغاية رواه أبو نعيم في الحلية بين الشافعي رحمه الله تعالى وبين المرجئة، جاء هذا المرجئ للشافعي رحمه الله وقال: أنا أقول: إنَّ الإيمان قول والأعمال شرائع، يعني أنَّ الإيمان يكمل بمجرد أنْ تنطق، قال: وما دليلك؟ قال: إنَّ الله تعالى قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا(7) فغاير بين العمل وبين الإيمان، الإيمان هو القول والأعمال شرائع، يعني ماذا يريد أنْ يقول المرجئ؟ يقول: إنَّ عَطْفَ العمل على الإيمان يدل على أنَّ العمل خارج حدّ الإيمان لأنَّ الله قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ انتهى، ثم ذَكَرَ شيئًا آخر هو العمل فقال: ﴿وَعَمِلُوا﴾، فقال الشافعي رحمه الله تعالى: فإذا كنتَ تعبد ربَّين؛ ربًّا بالمشرق وربًّا بالمغرب يعني أنَّ الله يقول: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(8)، فقال: سبحان الله! جعلتني وثنيًا؟ قال: أنت جعلتَ نفسك وثنيًا بقولك إنَّ الواو فصل! فالله تعالى ذَكَرَ ربوبيته للمشرقين وربوبيته للمغربين؛ فإذا قلتَ: إنَّ الواو ما قبلها مغايرٌ لِمَا بعدها على سبيل المباينة؛ وأنَّ ما قبل الواو مباين تمامًا لِمَا بعدها؛ فمعنى ذلك أنَّ للمشرقين ربًا للمغربين ربًا! فقال: سبحان الله! جعلتني وثنيًا؟ قال: أنت جعلتَ نفسك وثنيًا بقولك هذا في الواو، فاستغفر الرجل وقال: لا أقول بعدها إنَّ الأعمال شرائع؛ بل الإيمان قول وعمل، وهذه الشُّبهة التي أتت المرجئة في العطف هنا قالوا: إنَّ قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا(9) ذَكَرَ اللهُ إيمانًا وعَطَفَ عليه العمل قالوا: فالعمل خارج الإيمان، وهذا التوصيف بهذه الطريقة باطل بلا شك، لأنَّ العطف يفيد المغايرة، لكنّ المغايرة على أربع مراتب - كما ذكر شارح الطحاوية -، تارة تعني المباينة كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ(10) قطعًا هنا مباينة، التوراة غير الإنجيل، ﴿السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ(11) السماء غير الأرض، هنا العطف يفيد المغايرة التي تعني المباينة هذه الدرجة الأولى، الدرجة الثانية: عطفُ بعض الشيء عليه: مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى(12) الصلاة الوسطى هي العصر، هنا الصلاة الوسطى أليست مِن الصلوات؟ بلى، فعُطفت على بعض المذكور وهو الصلاة، فالصلاة الوسطى مِن ضمن الصلوات، وتارة يأتي العطفُ لعطف الشيء على نفسه لاختلاف الصفتين مثل المثال الذي ذكره الشافعي ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ(13) رب المشرقين هو رب المغربين سبحانه وتعالى، العطف هنا لماذا؟ لاختلاف الصفتين، فربوبيته للمغرب وهنا ربوبيه للمشرق، وهكذا قوله تبارك وتعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ(14) مَن هو غافر الذنب؟ الله رب العالمين، مَن هو قابل التوب؟ رب العالمين، هو الله، فلماذا عَطَفَ قولَه "قابل التوب" على "غافر الذنب"؟ لاختلاف الصفتين، صفة الغفران غير صفة قبول التوب، والله عزّ جلّ هو الذي يغفر الذنب وهو الذي يقبل التوب، فهنا ليس هذا مِن عطف الشيء على سبيل المغايرة؛ قبلها يغاير ما بعدها! وإنما عطفُ الشيء على نفسه لاختلاف الصفتين، ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ فغافر الذنب هو الله وقابل التوب هو الله عزّ وجلّ، هنا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا﴾ لا يعني أنَّ العملَ خارجُ الإيمان لأنَّ المغايرة على المراتب التي ذكرنا، فجاءت المرجئةَ الشُّبهةُ مِن هذا الباب، والنصوص جلية ودالة على أنَّ العمل مِن الإيمان، والأدلة على هذا كثيرة، أفردها البخاري رحمه الله تعالى في الصحيح وترجم عليها مثل قوله صلّى الله عليه وسلّم «مَن صام رمضان إيمانًا واحتسابًا»(15)، صيام رمضان عمل، وهكذا مَن قام ليلةَ القدر إيمانًا، القيام عمل، وهكذا الآية العظيمة في كتاب الله تعالى قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(16) ما المقصود بالإيمان هنا؟ الصلاة إلى بيت المقدس، لأنه بعد أنْ صُرفت القبلة مِن بيت المقدس إلى الكعبة تساءل الصحابة رضي الله عنهم عن صلاتهم قبل أنْ تُصرف القبلة ومات أناسٌ مِن الصحابة وهم يصلون إلى بيت المقدس؛ فقال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ(17) يعني صلاتكم إلى بيت المقدس، فسمى الله تعالى الصلاة - وهي عمل – سمّاها إيمانًا، فكيف يقال: إنَّ العملَ لا يكون مِن الإيمان؟؟

الحاصل أنَّ العملَ دلت النصوص الجلية في كتاب الله وسُنّةِ نبيّه صلّى الله عليه وسلّم على أنَّه مِن الإيمان، ورَدُّ الشافعي رحمه الله تعالى تجده في ترجمته رحمه الله تعالى في كتاب الحلية(18)، وهو ردٌّ نفيس دالٌّ على أنَّ هؤلاء لا يفقهون خطورة ما يترتب على القول بأنَّ العمل معطوف على الإيمان للمغايرة، لا يدرون بخطورته في مواضع أخرى مثل قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ(19) لو قلتَ: إنَّ ما قبلها مخالف تمامًا لِمَا بعدها؛ لكان معنى ذلك إنَّ هناك ربًا يغفر الذنب وهناك ربًا يقبل التوب! وهكذا ربوبية المشرقين والمغربين! إلى آخر هذه المسائل، المقصود أنَّ هذا مِن مقالات المرجئة.

"وإنْ زعم أنَّ الإيمان لا يزيد ولا ينقص فهو مرجئ" نفس الشيء، لأنَّ المرجئة كما شرحنا يقولون: إنه لا يزيد ولا ينقص.

"ومَن قال: إنَّ الإيمان يزيد ولا ينقص؛ فقد قال بقول المرجئة" هذه المسألة هل الإيمان يزيد وينقص؟ قلنا: هي قول أهل السُّنَّة، بعض أهل العلم قال: أقول: إنَّ الإيمان يزيد لورود النصوص الدالة على زيادة الإيمان ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا(20) ﴿زَادَهُمْ هُدًى(21) يقول: هناك أدلة نصت على الزيادة، قال: أما النقص فأنا لا أقول ينقص، وأقتصر على النقص، هؤلاء ليسوا مِن المرجئة قطعًا، لكنّ الواقع أنَّ النصوصَ أتتْ بذكر النقص، كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم للنساء كما تقدم «ما رأيت ناقصاتِ عقلٍ ودين»(22) ليس المقصود أنهنّ يكفرن! وإنما ينقص إيمانُهنّ، هذا المعنى، وهكذا كما ذكرنا في النصوص التي ورد فيها نقص الإيمان كما في قوله صلّى الله عليه وسلّم «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»(23)، «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه مِن نفسه»(24)، هذا الحديث صحيح، يقول: لابُدّ أنْ تحب رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أحبّ مِن نفسك، وهذا مقام كثير مِن الناس يقول: أنا أحبُّ رسولَ الله صلّى الله عليه وسلّم أعظم مِن نفسي، لكنّ تحقيقه وكونه واقعًا لا شك أنه في القلة، فماذا يكون معنى النفي هنا؟ يكون معناه نقص الإيمان، فالأدلة في النقص لا شك أنَّها كثيرة، ومنها الأدلة الكثيرة في إخراج مَن في قلبه مثقال ذرة مِن إيمان، مثقال شعيرة مِن إيمان ممن يدخلون النار «أخرجوا مِن النار مَن قال: "لا إله إلا الله" وكان في قلبه ما يزن مثقال ذرة، أخرجوا مِن النار مَن قال "لا إله إلا الله" وكان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة مِن إيمان»(25)، هذا كله يدل على النقص، أنَّ الإيمان ينقص حتى يكون أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة، شيء قليل جدًا، هل يقال: إنَّ هذا مثل إيمان الصحابة والتابعين فضلًا عن إيمان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم! لا شك أنَّ هذا لا يعقل، على كل حال مَن قال بهذا مِن أهل العلم لا شك أنه غير صحيح، لأنّ الإيمان يزيد وينقص، والنصوص دالة على الزيادة وعلى النقصان معًا، حمله على هذا أنه يقول: لم أقفْ على نص يدل على النقص! لكن يقال: وقف عليه غيرُك مِن أهل العلم.

قال: "ومن لم يَرَ الاستثناء في الإيمان" يعني مطلقًا، بأيّ اعتبار؟ على الاعتبار الذي ذكرنا "فهو مرجئ" لأنَّ المرجئ قلنا: إنه يقول: إنَّ الإيمان شيء واحد يرتفع كله أو يبقى كله.

"ومَن زعم أنّ إيمانَه كإيمان جبريل والملائكة فهو مرجئ وأخبث مِن المرجئة فهو كاذب" لأنّ الذي يزعم أنه قد بلغ حدًّا مِن الإيمان مثل إيمان الملائكة الذين قال الله عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ(26) قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(27) يزعم أنَّ الإيمان في قلبه كإيمان الملائكة لا شكّ أنّ هذا كاذب؛ وأنَّ هذه مقولات المرجئة.

"ومَن زعم أنَّ المعرفة تنفع في القلب وإنْ لم يتكلم بها" وهذه مقولة الجهم بن صفوان – كما قلنا – يقول: إنَّ المعرفة تنفع! وهكذا قال به أيضًا غيره مِن المتكلمين، ولاسيما مِن المتأخرين قالوا: إنَّ الإيمان المُعَوّل فيه على المعرفة وإنْ لم ينطق بلسانه! فهذا أيضًا مِن المرجئة.

"ومَن زعم أنه مؤمن عند الله مستكمل الإيمان" يعني أنه قد أتى بالإيمان على أكمل درجاته؛ مِن الإتيان بجميع ما أوجب الله عليه والكفّ عما حرّم الله؛ فهذا من أشنع قول المرجئة وأقبحه.


(1) صحيح البخاري (3611) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(2) صحيح البخاري (3344) من حديث عليّ رضي الله عنه مرفوعًا.
(3) الزخرف: 87.
(4) البقرة: 146.
(5) الحجر: 39.
(6) ص: 82.
(7) البقرة: 277.
(8) الرحمن: 17.
(9) البقرة: 277.
(10) آل عمران: 3.
(11) البقرة: 164.
(12) البقرة: 238.
(13) الرحمن: 17.
(14) غافر: 3.
(15) صحيح البخاري (38) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعًا.
(16) البقرة: 143.
(17) البقرة: 143.
(18) حلية الأولياء وطبقات الأصفياء (9/ 110).
(19) غافر: 3.
(20) المدثر: 31.
(21) محمد: 17.
(22) سبق تخريجه.
(23) سبق تخريجه.
(24) صحيح. مسند أحمد (18047) من حديث زهرة بن معبد عن جده مرفوعًا. وصححه الشيخ شعيب الأرناؤوط في تحقيق المسند.
(25) صحيح البخاري (22) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه مرفوعًا بنحوه.
(26) التحريم: 6.
(27) الأنبياء: 20.


 مواد ذات صلة: